النص المفهرس

صفحات 481-500

٤٨١
سورة الحج : الآية ١٥
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حكّام، عن عَنْتَسَةَ، عن أبى إسحاقَ الهَمْدانِيِّ،
عن التميمي، قال: سأَلْتُ ابنَ عباسٍ عن قوله: ﴿مَن كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَّنْ يَنْصُرَةُ
اَللَّهُ﴾(١) . قال: أن لن يَرْزُقَّه اللَّهُ، ﴿فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ فَلْيَمْذُدْ بِسَبَبٍ إِلَ
السَّمَاءِ﴾. والسببُ الحَبْلُ، والسماءُ سقفُ البيتِ، فَلْيُعَلِّقْ حبلاً فى سماءٍ
البيتِ، ثم لْيَخْتَيِقْ، ﴿ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ﴾ هذا الذى صنَع ما يَجِدُ مِن
(٢)
الغيظِ(٢) .
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن عمرٍو، عن(٢) مُطَرّفٍ، عن أبى
إسحاقَ ، عن رجلٍ مِن بني تميمٍ ، عن ابنِ عباسٍ مثلَه .
حدَّثْنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال : ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبى
إسحاقَ، عن التميمىّ، عن ابنِ عباس: ﴿مَن كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَّنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا
وَاُلْآَخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ نِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾. قال: سماءِ البيتِ".
حدّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا شعبةُ ، عن أبى إسحاقَ ،
قال : سمِعْتُ التميمىَّ يقولُ: سأَلْتُ ابنَ عباسٍ. فذكّر مثلَه.
حذَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى ، قال: ثنى عمى، قال : ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَن لَّنْ يَنَصُرَهُ اللَّهُ فِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ﴾ .
إلى قوله: ﴿مَا يَغِيظُ﴾. قال: السماءُ التى أمَرِ اللَّهُ أَن يَمُدَّ إليها بسببٍ، سقفُ
(١) بعده فى ت ٢: (( فى الدنيا والآخرة)).
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٤٧/٤ إلى عبد بن حميد وابن أبى حاتم .
(٣) فى م: ((بن)). وينظر تهذيب الكمال ٦٢/٢٨.
(٤) تفسير سفيان ص ٢٠٨ مطولا بنحو أثر إسرائيل عن أبى إسحاق. ومن طريقه ابن أبى حاتم - كما فى
تغليق التعليق ٢٦٠/٤.
( تفسير الطبري ٣١/١٦ )

٤٨٢
سورة الحج : الآية ١٥
البيتِ ، أَمَرِ أن يَمُدَّ إليه بحبلٍ فِيَخْتَنِقَ به . قال: فلْيَنْظُرْ هل يُذْهِبَنَّ كيدُه ما يَغِيظُ إِذا
اخْتَنَق إن خشِى أَلا يَنْصُرَه اللَّهُ !
وقال آخرون: الهاءُ فى ﴿يَنْصُرَهُ﴾ مِن ذكرِ ﴿مَن﴾. وقالوا: معنى الكلامِ:
مَن كان يَظُنُّ أن لن يَرْزُقَه اللَّهُ فى الدنيا والآخرةِ ، فلْيَمْدُدْ بسببٍ إلى سماءِ البيتِ ، ثم
لْيَخْتَنِقْ ، فَلْيَنْظُرْ هل يُذْهِبَنَّ فعلُه ذلك ما يَغِيظُ ، أنه لا يُؤْزَقُ !
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُّ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدّثنى
الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبى نجيحٍ، عن
مجاهدٍ فى قولِ اللّهِ: [٢/ ٤٠٨ظ] ﴿أَنْ لَّنْ يَنَصُرَهُ اللَّهُ﴾. قال: يَرْزُقَه اللَّهُ،
﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ﴾. قال: بحبلٍ، ﴿إِلَى السَّمَآءِ﴾: سماءِ ما فوقَك، ﴿ثُمَّ
لَيَقْطَعْ﴾: لِيَخْتَيِقْ، هل يُذْهِبَ كيدَه " ذلك خنقُه٢) ألا يُؤْزَقَ(٣).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريج، عن
مجاهدٍ فى قولِه: ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَّنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ﴾. يَرْزُقَه اللَّهُ، ﴿فَلْيَمْدُدْ
بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾. قال: بحبلٍ إلى السماءِ.
قال ابنُ جريج، عن عطاءٍ الْخُراسانىٌّ، عن ابنِ عباسٍ، قال: ﴿إِلَى
السَّمَآءِ﴾: إلى سماءِ البيتِ.
قال ابنُ جريج: وقال مجاهدٌ: ﴿ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾. قال: لِيَخْتَيِقْ، وذلك
(١ - ١) سقط من: ص، م، ت٢، ف .
(٢ - ٢) فى ت١: (( ما يغيظ خيفة)).
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٤٧/٤ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.

٤٨٣
سورة الحج : الآية ١٥
كيدُه، ﴿ مَا يَغِيظُ﴾. قال: ذلك خنقُه ألا يَوْزُقَه اللَّهُ.
/حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، ١٢٨/١٧
قال : سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ فى قوله: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ﴾. يعنى: بحبلٍ، ﴿إِلَى
السَّمَاءِ﴾. يعنى: سماءِ البيتِ (١) .
حدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، قال: أخبرنا أبو رَجاءٍ ، قال: سُئِل عكرمةُ
عن قولِهِ: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾. قال: سماءِ البيتِ، ﴿ثُمَّ لَيَفْطَعْ
،(٢)
قال : لِيَخْتَيِقُ(٢).
وأولى ذلك بالصوابٍ عندى فى تأويل ذلك قولُ مَن قال: الهاءُ مِن ذكرٍ
نبيِّ اللَّهِ عِلَّهِ ودينِه. وذلك أن اللَّه تعالى ذكرُه ذكَر قومًا يَعْبُدونه على حرفٍ ، وأنهم
يَطْمَئِنُون بالدينِ إن أصابوا خيرًا فى عبادتِهم إياه، وأنهم يَرْتَدُّون عن دينهم لشدةٍ
تُصِيبُهم فيها ، ثم أتْبَع ذلك هذه الآيةَ، فمعلومٌ أنه إنما أَنْبَعه إياها توبيخًا لهم على
ارتدادِهم عن الدينِ، أو على شكُهم فيه و(٣) نفاقِهم؛ استبطاءً منهم الشَّعةً(٤) فى
العيشِ، أو الشُبوعَ فى الرزقِ .
وإذ كان الواجبُ أن يكونَ ذلك عَقِيبَ الخبرِ عن نفاقِهم، فمعنى الكلامِ إذن ،
إذا كان ذلك كذلك: مَن كان يَحْسَبُ أن لن يَرْزُقَ اللَّهُ محمدًا عَّهِ فى الدنيا
وأُمتَه ، فيُوَسِّعَ عليهم مِن فضلِه فيها ، ويَرْزُقَهم فى الآخرةِ مِن سَنىِّ عطاياه و كرامته ؛
اسْتبطاءٍ منه فعلَ اللَّهِ ذلك به وبهم ، فلْيَعْدُدْ بحبلٍ إلى سماءٍ فوقَه - إما سقفٍ بيتٍ ،
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٤٧/٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر .
(٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٣٩٧/٥ .
(٣) سقط من : م .
(٤) فى ت١: (( السفه)).

٤٨٤
سورة الحج : الآيتان ١٥، ١٦
أو غيرِه مما يُعَلَّقُ به السببُ مِن فوقِه - ثم لِيَخْتَنِقْ إذا اغتاظ مِن بعض ما قضَى اللَّهُ،
فاسْتَعْجَل انكشافَ ذلك عنه، فلْيَنْظُرْ هل يُذْهِبَنَّ كيدُه اختناقَه، كذلك ما يَغِيظُ ،
فإن لم يُذْهِبْ ذلك غيظَه، حتى يَأْتِىَ اللَّهُ بالفرج مِن عندِهِ فَيُذْهِبَّه، فذلك(١)
استعجالُه نصرَ اللَّهِ محمدًا ودينَه، لن يُؤَخِّرَ ما قضَى اللَّهُ له مِن ذلك عن ميقاتِه ، ولا
يُعَكِّلَهِ(٢) قبلَ حينِه .
وقد ذُكِر أن هذه الآيةَ نزَلَت فى أسدٍ وغَطَفانَ ، تَباطَئوا عن الإسلامِ ، وقالوا :
نَخافُ ألا يُنْضرَ محمدٌ للّ فینْقَطِعَ الذی بيننا وبينَ حُلفائِنا مِن اليهودِ ، فلا ◌ُمِيروننا
ولا يَوْؤُوننا (١) . فقال اللَّهُ تبارك وتعالى لهم: مَن اسْتَعْجَل مِن اللَّهِ نصرَ محمدٍ ،
فلْيَمْدُدْ بسببٍ إلى السماءِ فَلْيَخْتَيِقْ فَلْيَنْظُرِ استعجالَه بذلك فى نفسِه، هل هو مُذْهِبٌ
غيظَه؟ فكذلك استعجالُه مِن اللَّهِ نصرَ محمدٍ غيرُ مُقَدِّمِ نصرَه قبلَ حینِه .
واختَلَف أهلُ العربيةِ فى ﴿مَا﴾ التى فى قوله: ﴿ مَا يَغِيظُ﴾؛ فقال بعضُ
نحوبى البصرة: هى بمعنى ((الذى)). وقال: معنى الكلام: هل يُذْهِبَنَّ كيذُه الذى
يَغِيظُه. قال: وحُذِفَت الهاءُ لأنها (٤) صلةُ ((الذى))، لأنه إذا صاراً) جميعًا اسمًا
واحدًا كان الحذفُ أخفَّ .
وقال غيره: بل هو مصدرٌ لا حاجةً به إلى الهاءِ هل يُذْهِبَنَّ كيدُه غيظَه .
وقولُه: ﴿ وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَهُ ءَايَتِ بَيْنَتٍ ﴾. يقولُ تعالى ذكره: وكما ييَنْتُ
(١) فى م: (( فكذلك ».
(٢) فى م: (( يعجل)) .
(٣) فى ص، ت١، ف: ((يروننا))، وفى ت٢: ((يروينا)). والقصة فى البحر المحيط ٣٥٥/٦. وفيه:
(أسلم)) بدلًا من (( أسد)).
(٤) فى ص، ت٢: ((لأنه)).
(٥) فى ت ٢، ف: (( صار» .

٤٨٥
سورة الحج : الآيتان ١٧،١٦
لكم حُجَجى على مَن جحَد قدرتى على إحياءٍ مَن مات مِن الخلقِ بعدَ فَنَائِه،
فَأَوْضَحْتُها أيُّها الناسُ - كذلك أَنْزَلْنا إلى نبيِّنا محمدٍ عَلِ هذا القرآنَ ﴿ءَايَتٍ
بَيْنَتٍ﴾. يعنى: دلالاتٍ واضحاتٍ، يَهْدِين مَن أراد اللَّهُ هدايته إلى الحقِّ، ﴿ وَأَنَّ
اللَّهَ يَدِى مَن يُرِيدُ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: ولأن اللَّهَ يُوَفِّقُ للصوابِ ولسبيلِ الحقِّ مَن
أراد، أنْزَل هذا القرآنَ آياتٍ بيناتٍ. فـ ((أنَّ)) فى موضعٍ نصبٍ .
/ القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَّدِئِينَ ٢٩/١٧!
وَأَنْتَصَرَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوْ إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ اُلْقِيَئِمَةِ إِنَّ اللَّهَ
١٧
عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ
*
يقولُ تعالى ذكرُه : إن الفصلَ بينَ هؤلاء المنافقين الذين يَعْبُدون اللَّهَ على
حرفي ، والذين أَشْرَكوا بِاللَّهِ فعبّدوا الأوثانَ والأصنامَ ، والذين هادوا، وهم اليهودُ،
والصابئين والنصارى، والمجوسِ الذين عظّموا النيرانَ وخدَموها، وبينَ الذين(١) آمَنوا باللّهِ
ورسلِه - [١٤٠٩/٢] إلى اللَّهِ، وسيَفْصِلُ بينَهم يومَ القيامةِ بعدلٍ مِن القضاءِ.
وفصلُه بينَهم إدخالُه النارَ الأحزابَ كلَّهم، والجنةَ المؤمنين به وبرسله ، فذلك هو
الفصلُ مِن اللَّهِ بينَهم .
وكان قتادةُ يقولُ فى ذلك ما حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا
عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةً فى قولِهِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ
هَادُواْ وَالصَِّينَ وَالنَّصَدَرَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ﴾. قال: الصابئون قومٌ
يَعْبُدون الملائكةَ، ويُصَلُّون الغِبْلَةَ، ويَقْرَءون الزَّبُورَ، والمجوسُ يَعْبُدون الشمسَ
والقمرَ والنيرانَ ، والذين أُشرَ كوا يَعْبُدون الأوثانَ ، والأديانُ ستةٌ ؛ خمسةٌ للشيطانِ ،
(١) فى ص: ((الله)»، وفى ف: ((الله الذين)).

٤٨٦
سورة الحج : الآيتان ١٧، ١٨
وواحدٌ للرحمنِ(١).
وأُدْخِلَت ﴿إِنَّ﴾ فى خبرِ ﴿إِنَّ﴾ الأولى لما ذكَرْتُ مِن المعنى، وأن الكلامَ
بمعنى الجزاءِ. كأنه قيل: مَن كان على دينٍ مِن هذه الأديانِ ، فَفَضْلُ ما بينَه وبينَ مَن
خالَفه على اللَّهِ . والعربُ تُدْخِلُ أحيانًا فى خبرِ ((إِنَّ)) ((إنَّ)) إذا كان خبرُ الاسم
الأولِ فى اسم مضافٍ إلى ذكرِه، فتقولُ: إن عبدَ اللَّهِ إِن الخيرَ عندَه لكثيرٌ. كما قال
(٢)
الشاعر(٢):
إنَّ الخليفةَ إِنَّ اللَّهَ سَرْبَلَه".
سِربالَ مُلْكِ به تُرجَى الخواتِيمُ
وكان الفرّاءُ يقولُ(٢): مَن قال هذا لم يَقُلْ: إنك إنك قائمٌ. ولا: إن أباك(٤) إنه
قائم . لأن الاسمين قد اخْتَلَفا ، فحسن رفضُ الأولِ وجعلُ الثانى كأنه هو المبتدأَ ،
فحسُن للاختلافِ، وقبح للاتفاقِ) .
وقولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ﴾. يقولُ: إن اللَّهَ على كلِّ شىءٍ مِن
أعمالِ هؤلاء الأصنافِ الذين ذكرهم اللَّهُ جلَّ ثناؤُه، وغيرِ ذلك مِن الأشياءِ كلِّها -
شهيدٌ لا يَخْفَى(٩) عنه (٧) شىءٌ مِن ذلك.
١٢٠/١٧
/ القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَرْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِ السَّمَوَتِ وَمَنْ
فِى الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَاَلْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالذَّوَآتُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ
(١) تفسير عبد الرزاق ٣٩/٢. وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٧٦/٤ (٦٦٢٨) عن الحسن بن يحيى به
مقتصرا على أوله، وأخرجه عبد الرزاق فى مصنفه (١٠٢٠٦) عن معمر به مقتصرا على أوله أيضا ، وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ٣٤٧/٤ إلى عبد بن حميد .
(٢) تقدم تخريجه فى ٢٥٤/١٥ .
(٣) معانى القرآن ٢١٨/٢.
(٤) فى م: (( إياك)).
(٥ - ٥) فى ص، ت٢، ف: ((وفتح بالاتفاق))، وفى ت١: ((وقبح باتفاق)).
(٦) فى ت١: ( يغيب)).
(٧) فى ت٢: ((عليه)).

٤٨٧
سورة الحج : الآية ١٨
وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ .
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيّه محمدٍ عَلَّهِ: ألم تَرَ يا محمدُ" بقلبِك، فتَعْلَمَ أن اللَّهَ
يَسْجُدُ له ﴿ مَنْ فِ السَّمَوَتِ﴾ مِن الملائكةِ، ﴿ وَمَنْ فِىِ الْأَرْضِ﴾ مِن الخلقِ ؛ مِن
الجنّ(٢) وغيرِهم، ﴿ وَالشَمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ﴾ فى السماءِ، ﴿ وَاَلِبَالُ وَالشَّجَرُ
وَالدَّوَآتُ﴾ فى الأرضِ، وسجودُ ذلك ظِلالُه حينَ تَطْلُغُ عليه الشمسُ، وحينَ
تَزُولُ ، إذا تحوَّل ظلُّ كلٌّ شىءٍ فهو سجودُه(٣) .
كما حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريج، عن
مجاهدٍ قوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِ السَّمَوَتِ وَمَن فِ الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ
وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجُرُ وَالدَّوَآتُ﴾. قال: ظِلالُ هذا كلِّه (٤).
وأما سجودُ الشمسِ والقمرِ والنجومِ، فإنه كما حدَّثنا به ابنُ بشارٍ ، قال : ثنا
ابنُّ أبى عدىٍّ ومحمدُ بنُ جعفرٍ ، قالا: ثنا عوفٌ ، قال: سمِعتُ أبا العاليةِ الرّياحىّ
يقولُ : ما فى السماءِ نجمٌ ولا شمسٌ ولا قمرٌ، إلا يَقَعُ للَّهِ ساجدًا حينَ يَغِيبُ ، ثم لا
يَنْصَرِفُ حتى يُؤْذَنَ له، فيَأْخُذُ ذاتَ اليمينِ. وزاد محمدٌ: حتى يَرْجِعَ إلى
٠٥ (٤)
مَطْلَعِهِ(٤) .
وقولُه: ﴿وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ﴾. يقولُ: وَيَسْجُدُ كثيرٌ مِنْ°) بنى آدمَ،
وهم المؤمنون باللّهِ .
كما حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال: ثنى حجاجٌ ، عن ابنٍ جريج ، عن
(١ - ١) سقط من: ت١، ف .
(٢) بعده فى ت١: ((والإنس)).
(٣) فى ت١، ف: ((سجود)).
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٤٨/٤ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.
(٥) بعده فى ت٢: ((الناس من)).

٤٨٨
سورة الحج : الآية ١٨
مجاهدٍ: ﴿ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِِ﴾. قال: المؤمنون(١).
وقولُه: ﴿وَكَثِيرُ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُّ﴾. يقولُ تعالى ذكره: وكثيرٌ مِن
بنى آدمَ حقَّ عليه(٢) عذابُ اللَّهِ، فوجَب عليه بكفرِه به، وهو مع ذلك يَسْجُدُ
للَّهِ ظلُّه.
كما حذَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ ، عن
مجاهدٍ: ﴿وَكَثِيرُ حَقَّ عَيْهِ الْعَذَابُ﴾: وهو يَسْجُدُ مع ظلّه(١).
فعلى هذا التأويلِ الذى ذكرناه عن مجاهدٍ وقَع قولُه : ﴿ وَكَثٌِّ حَقَّ عَلَيْهِ
اَلْعَذَابُّ﴾ . بالعطفِ على قوله: ﴿ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ﴾. ويكونُ داخلًا فى
عِدادٍ مَن وصَفَه اللَّهُ بالسجودِ له، ويكونُ قولُه: ﴿حَقَ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ . مِن
صلةٍ: ﴿كَثِيرٌ﴾. ولو كان ((الكثيرُ)) الثانى ممن لم يَدْخُلْ فى عِدَادٍ مَن وُصِف
بالسجودِ، كان مرفوعًا بالعائدِ مِن ذكره فى قولِه: ﴿حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾. وكان
معنى الكلام حينئذٍ: وكثيرٌ أَتَى السجودَ؛ لأن قوله: ﴿حَقَ عَلَيْهِ الْعَذَابُ ﴾ يَدُلُّ
على معصيةِ اللَّهِ وإبائِهِ السجودَ، فاسْتَحَقَّ بذلك العذابَ .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن تُكْرِمَّ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا
يَشَآءُ
يقول تعالى ذكره: ومَن يُهِنْه اللَّهُ مِن خلقِه فيُشْقِه ﴿فَمَا لَهُ مِن ◌ُكْرِمٍ﴾.
١٣١/١٧ بالسعادةِ يُشْعِدُه بها؛ لأن / الأمورَ كلَّها بيدِ اللَّهِ، يُوَفِّقُ مَن يَشاءُ لطاعتِهِ، وَيَخْذُلُ
مَن يَشاءُ، ويُثْقِى مَن أراد، ويُشْعِدُ مَن أَحَبَّ.
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٤٨/٤ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.
(٢) بعده فى ت١: ((العذاب أى))، وبعده فى ت٢: ((العذاب)).

٤٨٩
سورة الحج : الآيات ١٨ - ٢٢
وقوله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ ﴾. يقولُ تعالى ذكره: إن اللَّهَ يَفْعَلُ فى خلقِه
ما يَشاءُ مِن إهانةِ مَن أراد إهانته، وإكرامٍ مَن أراد كرامته؛ لأن الخلقَ خلقُه، والأمرَ
أمرُه، ﴿لَا يُنْثَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْتَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣].
وقد ذُكِر عن بعضِهم أنه قرَأْه: (فَمَا لَهُ مِن مُكْرَمِ) بمعنى: فما له مِن إكرامٍ .
وذلك قراءةٌ لا أَسْتَجِيزُ القراءةَ بها؛ لإجماع الحجةٍ مِن القرأةِ على خلافِه .
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿هَذَانٍ خَصْمَانِ أَخْتَصَمُواْ فِىِ رَبِهِمٌّ فَالَّذِينَ
يُصْهَرُ
١٩
كَفَرُواْ قُطِعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ
أ ◌َوَلَمُ مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ
بِهِ، مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْحُلُودُ
كُلَّمَا أَرَادُواْ أَنْ يَخْرُجُواْ
٢٢
مِنْهَا مِنْ غَمٍ أُعِيدُواْ فِيَهَا وَذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ
اختَلَف أهلُ التأويل فى المعنىِّ بهذين الخصمين اللذين ذكَرَهما اللَّهُ؛ فقال
بعضُهم : أحدُ الفريقين أهلُ الإِيمانِ ، والفريقُ الآخرُ عبدةُ الأوثانِ مِن مُشْرکی قریشٍ
الذين تَبارَزوا يومَ بدرٍ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخبرنا أبو هاشم، عن أبى
مِجْلَزٍ، عن قيسٍ بنِ عُبادٍ(٢)، قال: سمِعْتُ أبا ذرٍّ يُقْسِمُ قَسَمًا أن هذه
الآيَةَ: ﴿ هَذَانِ خَصْمَانِ أَخْتَصَمُواْ فِ رَبِهِمْ﴾ . نزَلَت فى الذين بارَزوا يومَ بدرٍ ؛
حمزةً وعلىٍّ وعُبَيدةَ بنِ الحارثِ، وعتبةً وشيبةً ابنى ربيعةً والوليدِ بنِ عتبةً (١).
(١) وهى قراءة ابن أبى عبلة. البحر المحيط ٣٥٩/٦.
(٢) فى م: ((عبادة)). وينظر تهذيب الكمال ٦٤/٢٤.
(٣) أخرجه البخارى (٣٧٤٣،٢٩٦٩)، ومسلم (٣٤/٣٠٣٣)، والنسائى (٨٦٤٩) من طريق هشيم به . وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ٣٤٨/٤ إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم وابن مردويه .

٤٩٠
سورة الحج : الآية ١٩
قال(١) : وقال علىّ: إنى لَأوَّلُ - أو مِن أولٍ - مَن يَجْثو للخصومةِ يومَ القيامةِ بین یدِی
اللَّهِ تبارك وتعالى(٢).
حدَّثنا علىُ بنُ سهلِ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ ، قال : ثنا سفيانُ ، عن أبى هاشمٍ ، عن
أبى مجلزٍ، عن قيسٍ بنِ عُبَادٍ ، قال: سمِعْتُ أبا ذرٍّ يُقْسِمُ باللَّهِ قسمًا: لَتَزَلَت هذه
الآيةُ فى ستةٍ مِن قريشٍ؛ حمزةَ بنِ عبدِ المطلبِ ، وعلىٍّ بن أبى طالبٍ ، وعُبَيدةً بنِ
الحارثِ، رضِى اللهُ عنهم ، وعتبةً بنٍ ربيعةً، وشيبةَ بنِ ربيعةً، والوليدِ بنِ عتبةً،
﴿ هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُواْ فِ رَبِهِمْ﴾. إلى آخرِ الآيةِ، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ
ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾. إلى آخرِ الآيةِ(٢) .
حدَّثنا ابنُ بشارٍ ، قال : ثنا عبدُ الرحمنِ، قال : ثنا سفيان ، عن أبى هاشم ، عن
أبى مجلٍ، عن قيسٍ بنِ عُبادٍ ، قال: سمِعْتُ أبا ذرِّ يُقْسِمُ. ثم ذكَر نحوَهُ(٤).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ مُحَتَّبٍ (٢) ، قال : ثنا سفيانُ ، عن منصور
ابنِ المعتمرِ ، عن هلالٍ بنٍ يِسافٍ، قال: نزَلَت هذه الآيةُ فى الذين تَبَارَزوا يومَ بدٍ
هَذَانِ خَصْمَانِ آَخْتَصَمُواْ فِ رَبِمَّ ﴾ (١).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال : ثنا سلمةُ بنُ الفضلِ، قال: ثنى محمدُ بنُ إسحاقَ ،
عن بعضٍ أصحابِهِ ، عن عطاءِ بنِ يَسارٍ، قال: نزَلَت هؤلاء الآياتُ ﴿هَذَانٍ خَصْمَانٍ
(١) القائل قيس بن عباد .
(٢) أخرجه ابن أبى شيبة ٤٢٧/٩، والبخارى (٣٩٦٥، ٤٧٤٤)، والنسائى (٨٦٥٠)، والبيهقى فى
الدلائل ٧٣/٣ من طريق أبى مجلز به .
(٣) تفسير سفيان ص ٢٠٩ . ومن طريقه ابن أبى شيبة ٣٦٥/١٤، والبخارى (٣٩٦٦، ٣٩٦٨)، والبيهقى
فى دلائل النبوة ٧٣/٣.
(٤) أخرجه مسلم (٣٠٣٣)، وابن ماجه (٢٨٣٥) من طريق عبد الرحمن به .
(٥) فى ف: ((مجيب)). وينظر تهذيب الكمال ٣٦٥/٢٦ .
(٦) ينظر فتح البارى ٤٤٤/٨ .

٤٩١
سورة الحج : الآية ١٩
اخْتَصَمُواْ فِ رَبِّهِمْ﴾. فى الذين تَبَارَزوا يومَ / بدرٍ؛ حمزةَ، وعلىٍّ، وعُبيدةَ بنِ ١٣٢/١٧
الحارثِ، وعتبةَ بنِ ربيعةً، وشيبةَ بنِ ربيعةَ، والوليدِ بنِ عتبةً. إلى قوله: ﴿ وَهُدُوَأ
إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾ .
قال : ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن أبى هاشم، عن أبى مجلزٍ، عن قيسٍ بنٍ
◌ُبادٍ(١)، قال: واللَّهِ لأُنْزِلَت هذه الآيةُ: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ آَخْتَصَمُواْ فِ رَبِهِمْ﴾ . فى
الذين خرَج بعضُهم إلى بعضٍ يومَ بدرٍ ؛ حمزةَ ، وعلىٍّ، وعُبيدةَ ، رحمةُ اللَّهِ عليهم ،
وشيبةً، وعتبةَ ، والوليدِ بنِ عتبةً(٢) .
وقال آخرون ممن قال: أحدُ الفريقين فريقُ الإِيمانِ: بل (٢) الفريقُ الآخرُ أهلُ
الکتاب .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی ابی ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُواْ فِ رَبِهِمْ﴾. قال: هم أهلُ
الكتابِ قالوا للمؤمنين : نحن أولى باللّهِ وأقدمُ منكم كتابًا، ونبينا قبلَ نبيّكم(4). قال
المؤمنون: نحن أحقُّ باللَّهِ، آمَنَّا بمحمدٍ عَه، وَآمَنَّا بنبيّكم، وبما أَنْزَل اللَّهُ مِن كتابٍ،
فأنتم تَعْرِفون كتابَنا ونبيَّنا، ثم ترَكْتُموه وكفَرْتُم به حسدًا . وكان ذلك خصومتَهم
فی ربّهم(٢) .
(١) فى م: ((عبادة)).
(٢) أخرجه ابن أبى شيبة ٣٧٩/١٤، والبيهقى فى دلائل النبوة ٧٣/٣ من طريق أبى مجلز به.
(٣) فى ت١، ف: ((قل)). وفى ت٢: (( و).
(٤) بعده فى م: (( و)).
(٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٤٩/٤ إلى المصنف وابن مردويه .

٤٩٢
سورة الحج : الآية ١٩
وقال آخرون منهم : بل الفريقُ الآخرُ الكفارُ كلَّهم، مِن أَىِّ ملةٍ كانوا .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاج، قال: ثنا أبو تُمَيْلَةَ، عن أبى
حمزةً، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ وعطاءِ بنِ أَبِى رَباحٍ، وَأَبِى قَرَعَةً، عن الحسنِ ()،
.*
قال: هم الكافرون والمؤمنون، اخْتَصَموا فى ربِّهم".
قال : ثنا الحسينُ ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ نجريجٍ، عن مجاهدٍ: مثلُ الكافرِ
والمؤمنِ . قال ابنُّ جريج : خصومتُهم التى اخْتَصَموا فى ربِّهم ، خصومتُهم فى الدنيا
مِن أهلِ كلِّ دِينٍ يَرَوْن أَنهم أولى باللّهِ مِن غيرِهم .
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا أبو بكرِ بنُ عياشٍ(١)، قال: كان عاصم والكلبىُّ
يقولان جميعًا فى: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ أُخْتَصَمُواْ فِ رَبِهِمُّ ﴾. قال: أهلُ الشركِ
والإسلامِ حينَ اخْتَصَموا أيُّهم أفضلُ؟ قال: جعَل الشركَ ملةً(٤).
حدَّثنى محمدُ بنُّ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال : ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقَاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى [٤١٠/٢ و] نجيحٍ،
عن مجاهدٍ فى قولِه: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ أُخْتَصَمُواْ فِى رَبِهِمْ﴾. قال: مَثَلُ المؤمنِ
والكافرٍ، اختصامُهما فى البعث(٥) ..
وقال آخرون : الخصمان اللذان ذكَّرَهما اللَّهُ فى هذه الآيةِ الجنةُ والنارُ.
(١) فى ص، م: ((الحسين)).
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٤٩/٤ إلى المصنف.
(٣) فى ت٢، ف: ((عباس)). وينظر تهذيب الكمال ٢٤٥/٢٦.
(٤) ينظر تفسير القرطبى ٢٦/١٢ .
(٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٤٩/٤ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم .

٤٩٣
سورة الحج : الآية ١٩
ذكر من قال ذلك
حدَّثْنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو تُميّةَ، عن أبى حمزةَ، عن جابرٍ ،
عن عكرمةَ فى: / ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ أَخْتَصَمُواْ فِ رَبِهِمٌ﴾. قال: هما الجنةُ والنارُ ١٣٣/١٧
اخْتَصَمَتا ، فقالت النار: خلَقَنى اللَّهُ لعقوبتِه. وقالت الجنةُ: خلَقَنى اللَّهُ لرحمتِه .
فقد قصَّ اللَّهُ عليك مِن خبرِهما ما تَسْمَغُ().
وأولى هذه الأقوالِ عندى بالصواب وأُشبهُها بتأويلِ الآيةِ قولُ مَن قال: عُنِى
بالخصمين جميعُ الكفارِ مِن أَىِّ (٢) أصنافِ الكفرِ كانوا، وجميعُ المؤمنين. وإنما
قلتُ : ذلك أولى بالصوابٍ ؛ لأنه تعالى ذكرُه ذكَّر قبلَ ذلك صِنْفين مِن خلقِه ؛
أحدُهما: أهلُ طاعةٍ له بالسجودِ له، والآخرُ: أهلُ معصيةٍ له، قد حقَّ عليه
العذابُ، فقال: ﴿ أَمَّ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَتِ وَمَنْ فِى الْأَرْضِ
وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ ﴾. ثم قال: ﴿وَكَكَثِرٌ مِّنَ النَّاسِ وَكَثِيرُ حَقَ عَلَيْهِ
اُلْعَذَابُ﴾. ثم أتْبَع ذلك صفةَ الصِّنْفين كليهما وما هو فاعلٌ بهما، فقال:
﴿ فَلَّذِينَ كَفَرُواْ قُطِعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ﴾. وقال اللّهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ
الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَِّلِحَتِ جَتَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا اَلْأَنْهَدُرُ﴾ [الحج: ٢٣].
فكان بيِّنًا بذلك أن ما بينَ ذلك خبرٌ عنهما .
فإن قال قائلٌ : فما أنت قائلٌ فيما رُوِى عن أبى ذرٍّ فى قوله: إن ذلك نزَل فى
الذين بارَزوا يومَ بدرٍ؟ قيل: ذلك إن شاء اللَّهُ كما رُوِى عنه، ولكنَّ الآيةَ قد تَنْزِلُ
بسببٍ مِن الأسبابِ ثم تكونُ عامَّةً فى كلِّ ما كان نظيرَ ذلك السببِ ، وهذه من
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٤٩/٤ إلى المصنف إلى قوله: خلقنى الله لرحمته.
(٢) فى م: ((أن)).

٤٩٤
سورة الحج : الآية ١٩
تلك، وذلك أن الذين تَبَارَزوا إنما كان أحدُ الفريقين أهلَ شركٍ وكفرِ باللَّهِ ، والآخر
أهلَ إيمانٍ باللَّهِ وطاعةٍ له ، فكلُّ كافرٍ فى حكم فريقِ الشركِ منهما فى أنه لأهلِ الإيمانِ
خَصْمٌ، وكذلك كلَّ مؤمنٍ فى حكم فريقِ الإيمانِ منهما فى أنه لأهلِ الشركِ
خصمٌ .
فتأويلُ الكلام : هذان خصمان اختَصَموا فى دينِ ربِّهم، واخْتِصامُهم فى
ذلك مُعاداةُ كلِّ فريقٍ منهما الفريقَ الآخرَ، ومحاربته إياه على دينه ..
وقولُه: ﴿ فَالَّذِينَ كَفَرُواْ قُطِعَتْ لَهُمْ نِيَابٌ مِّنِ نَّارٍ﴾ . يقولُ تعالى ذكرُه:
فأما الكافر باللَّهِ منهما فإنه يُقَطَّعُ له قميصٌ مِن نُحاسٍ مِن نارٍ .
كما حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال: ثنى حجاج، عن ابنِ تُرَيجٍ، عن
مجاهدٍ : ﴿ فَلَّذِينَ كَفَرُواْ قُطِعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارِ﴾. قال: الكافرُ قُطُّعَت له
ثيابٌ مِن نارٍ ، والمؤمنُ يُدْخِلُه اللَّهُ جناتٍ تَجْرِى مِن تحتِها الأنهارُ(١).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا يعقوبُ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ فى قولِه: ﴿فَلَّذِينَ
كَفَرُوْ قُطِعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ﴾. قال: ثيابٌ مِن نُحاسٍ، وليس شىءٌ مِن
الآنيةِ أحْمَى وأشدَّ حرًّا منه(١).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدّثنى
الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح ، عن مجاهدٍ ،
قال : الكفارُ قُطِّعَت لهم ثيابٌ مِن نارٍ، والمؤمنُ يُدْخَلُ جناتٍ تَجْرِى مِن تحتِها
(١)
الأنهارُ(١).
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٤٩/٤ إلى المصنف.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٤٩/٤ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن أبى حاتم .

٤٩٥
سورة الحج : الآية ١٩
وقولُه: ﴿ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ﴾. يقولُ: يُصَبُّ على رءوسِهم
ماءٌ مُغْلَّى .
كما حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ إسحاقَ الطَّالْقانیُ، قال: ثنا
ابنُ المباركِ، عن سعيدِ بنِ / يزيدَ (١) ، عن أبى السَّمْح، عن ابنٍ جُحَيرةً، عن أبى ١٣٤/١٧
هريرةَ، عن النبيِّ ◌َّهِ، قال: ((إن الحَمِيمَ لَيُصَبُّ على رُءُوسِهم، فيَنْفُذُ الْجُمْجُمَةَ
حتى يَخْلُصَ إِلى جَوْفِهِ ، فِيَسْلُثُ ما فِى جَوْفِه حتى يَبْلُغُ قَدَمَيهِ ، وهى الصَّهْرُ، ثم يعادُ
کما کان)»(٢).
حدَّثنى محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا يَعْمَرُ بنُ بشرٍ، قال: ثنا ابنُ المباركِ ، قال:
أخبرنا سعيدُ بنُ يزيدَ (١)، عن أبى السَّمْحِ، عن ابنِ لُجُخَيرةَ، عن أبى هريرةَ، عن
النبىِّ مَلِ بمثلِه، إلا أنه قال: ((فيَنْفُذُ الجمجمةَ حتى يَخْلُصَ إلى جَوْفِه ، فيَسْلُثُ ما
فی جَوْفِه)» .
وكان بعضُهم يزعُمُ أن قولَه: ﴿وَلَُمُ تَّقَمِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾. مِن المُؤَخَّرِ الذى
معناه التقديمُ ، ويقولُ: وَجْهُ الكلام: فالذين كَفَروا قُطُّعَت لهم ثیابٌ مِن نارٍ ، ولهم
مَقامِعُ مِن حديدٍ ، يُصَبُّ مِن فوقٍ رءوسِهم الحميمُ . ويقولُ: إنما وَجَب أن يكونَ
ذلك كذلك؛ لأن المَلَكَ يَضرِبُّه بالمِقْمَعِ مِن الحديدِ حتى يَثْقُبَ رأْسَه ، ثم يَصُبُّ فيه
الحميمَ [٤١٠/٢ظ] الذى انْتَهَى حَرُّه، فيقطَعُ بطنَه .
والخبرُ عن رسولِ اللَّهِ حِ لّهِ الذى ذكرنا، يدُلُّ على خلافٍ ما قال هذا القائلُ،
(١) فى النسخ: ((زيد)). والمثبت من مصادر التخريج. وينظر تهذيب الكمال ١١٨/١١.
(٢) أخرجه أحمد ٤٥٢/١٤ (٨٨٦٤) عن إبراهيم به، وأخرجه ابن المبارك فى الزهد (٣١٣ - زوائد نعيم)،
ومن طريقه الترمذى (٢٥٨٢)، وعبد الله فى زوائد الزهد ص ٢٠، والحاكم ٣٨٧/٢، وأبو نعيم فى الحلية
١٨٢/٨، والبغوى فى تفسيره ٣٧٤/٥، وفى شرح السنة (٤٤٠٦) ، وابن أبى حاتم - كما فى تفسير ابن
كثير ٤٠٢/٥ .

٤٩٦
سورة الحج : الآيتان ٢٠،١٩
وذلك أنه ◌ٍَِّّ أُخبرَ أن الحميمَ إذا صُبّ على رُءُوسِهم نَفَذَ الجمجمةَ حتى يخلُصَ إلى
أجْوافِهم ، وبذلك جاء تأويلُ أهلِ التأويل، ولو كانت المقَامِعُ قد ثقَبت (١) رءوسَهم
قبلَ صَبِّ الحميم عليها، لم يَكُنْ لقولِه ◌ِهِ: ((إِنَّ الحميمَ يَنْفُذُ الجُمْجُمَةَ)) . معنًى،
ولكنَّ الأَمرَ فى ذلك بخلافٍ ما قال هذا القائلُ .
وقولُه: ﴿يُصْهَرُ بِهِ، مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْخُلُودُ﴾. يقولُ: يُذَابُ بالحميم الذى
يُصَبُّ مِن فوقٍ رُءُوسِهم ما فى بطونِهِم مِن الشُُّومِ، وَتُشْوَى جلودُهم منه
فَتَساقَطُ. والصَّهْرُ هو الإِذابةُ، يقالُ منه: صَهَرْتُ الأَلْيَةَ بالنارِ، إِذا أَذَبْتَها ، أَصْهَرُها
صَهْرًا، ومنه قولُ الشاعرِ(٢):
تَصْهَرُهِ الشَّمْسُ ولا يَنْصَهِرْ
تَرْوِى لَقَّى أُقِىَ فى صَفْصَفٍ
ومنه قولُ الراجزٍ() :
شَكّ السَّفَافِيدِ الشِّوَاءَ الْمُصْطَهَرْ »
وبنحوِ الذى قُلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهدٍ
فى قوله: ﴿يُصْهَرُ بِهِ،﴾. قال: يُذَابُ إذابةً(٤).
(١) فى م: ((تثقب)). وفى ت١: ((نقبت))، وفى ت٢: ((بعثت )، وفى ف: ((بقيت)).
(٢) البيت فى مجاز القرآن ٤٨/٢، واللسان والتاج (ص هـ ر) منسوبا لابن أحمر.
(٣) هو العجاج، والرجز فى ديوانه ص ٥٥ .
(٤) تفسير مجاهد ص ٤٧٨، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٥٠/٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم.

٤٩٧
سورة الحج : الآيتان ١٩، ٢٠
/ حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاج، عن ابنٍ جريج، عن ١٣٥/١٧
مجاهدٍ مثله .
قال ابنُ جريج: ﴿يُصْهَرُ بِهِ﴾. قال: ما قُطُع لهم مِن العذابِ.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةً: ﴿يُصْهَرُ بِهِ،
مَا فِ بُطُونِهِمْ﴾. قال: يُذَابُ به ما فى بطونهم .
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ
. (١)
مثلَه(١).
حدّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی أبى ، قال: ثنى عمى ، قال : ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَلَِّينَ كَفَرُواْ قُطِعَتْ لَهُمْ ثِبَابُ مِّنِ ثَّارٍ﴾. إلى
قوله: ﴿يُصْهَرُ بِهِ، مَا فِىِ بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ﴾. يقولُ: يُشْقَون ماءً إذا دَخَلِ بُطُونَهم
أذابَها، والجلودَ مع البطونِ(٢) .
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا يعقوبُ، عن جعفرٍ وهارونَ بنِ عنترةَ، عن سعيدِ
أبنِ جبيرٍ - قال هارونُ: إذا عامَ أهلُ النارِ. وقال جعفرٌ: إذا جاعَ أهلُ النارِ -
اسْتَغاثوا بشجرةِ الزقوم ، فيأكُلون منها، فاخْتَلَسَت جلودَ وُجُوهِهم، فلو أن مارًّا مَرَّ
بهم يَعْرِفُهم ، يعرِفُ جلودَ وُجُوهِهم فيها ، ثم يُصَبُّ عليهم العَطَشُ، فَيَسْتَغِيثون ،
فيُغاثون بماءٍ كالمُهْلِ، وهو الذى قد انتَهى حَرُّه، فإذا أُدْنَوهِ مِن أقْواهِهم انْشَوَى مِن
حَرِّه لحومُ وُمُجُوهِهم التى قد سَقَطَت عنها الجلودُ، و﴿يُصْهَرُ بِهِ، مَا فِ
(١) تفسير عبد الرزاق ٣٤/٢ .
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٥٠/٤ إلى المصنف .
(تفسير الطبري ٣٢/١٦ )

٤٩٨
سورة الحج : الآيات ٢٠ - ٢٢
بُطُونِمْ﴾. (١ يمشون و(٢) أمعاؤهم١) تساقَطُ و(٢) جلودُهم، ثم يُضْرَبون بمَقَامِعَ مِن
حديدٍ، فَيَشْقُطُ كلُّ عُضْرٍ على حيالِهِ(٣)، يَدْعُون بالوَثْلِ والثُّورِ(٤) .
وقولُه: ﴿ وَلَهُمُ تَّقَمِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾. تَضْرِبُ رُءُوسَهم بها الخَّنَةُ إذا أرادوا
الخروجَ مِن النارِ حتى تَرْجِعَهم إليها .
وقولُه: ﴿كُلَّمَا أَرَادُواْ أَنْ يَخْرُوْ مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُواْ فِهَا﴾. يقولُ:
كُلَّما أراد هؤلاء الكفارُ الذين وَصَف اللَّهُ صفتَهم، الخروجَ من النارِ، مما نالَهم مِن
الغَمِّ والكَوْبِ ، رُدُّوا إليها .
كما حدَّثنا مجاهدُ بنُّ موسى، قال: ثنا جعفرُ بنُ عونٍ، قال: أخبرنا
الأغمشُ، عن أبى ظَبْيانَ، قال: النارُ سوداءُ مُظْلِمةٌ ، لا يُضِىءُ لَهَبُها ولا جَمْرُها .
ثم قَرأ: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوْ أَنْ يَخْرُجُواْ مِنْهَا مِنْ غَدٍ أُعِيدُواْ فِهَا﴾(٥).،
وقد ذُكِر أنهم يُحاوِلون الخروجَ مِن النارِ حينَ تَجِيشُ جهنمُ فتُلْقِى مَن فيها إلى
أعلى أبوابها، فيُريدون الخروجَ، فتُعِيدُهم الخُزَّانُ فيها بالمَقَامِعِ، ويقولون لهم إذا
ضَرَبوهم بالمقَامعِ: ﴿ وَذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ .
وعَنَى بقولِه: ﴿ وَذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾: ويقالُ لهم: ذُوقوا عذابَ النارِ.
وقيل: ﴿عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾. والمعنى: المَحْرِقُ. كما قيل: العذابُ الأليمُ.
بمعنى : المُؤْلِمُ .
(١ - ١) فى م: ((يعنى أمعاءهم))، وفى ت١: ((يمشون بامعائهم))، وبعده فى النسخ: ((و)).
(٢) سقط من : النسخ . والمثبت من الحلية والدر المنثور .
(٣) فى م، ت٢: ((حاله)).
(٤) تقدم تخريجه فى ٢٥٢/١٥ .
(٥) أخرجه ابن المبارك فى الزهد (٣١٠)، وابن أبى شيبة ١٥٢/١٣، وهناد فى الزهد ١٧٣/١، وابن أبى
الدنيا فى صفة النار (١٩)، والحاكم ٣٨٧/٢ من طريق الأعمش عن أبى ظبيان عن سلمان. وذكره السيوطى
فى الدر المنثور ٣٥٠/٤ عن سلمان ، وعزاه إلى عبد بن حميد وابن المنذر وسعيد بن منصور.

٤٩٩
سورة الحج : الآيتان ٢٣، ٢٤
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ
الصَّلِحَتِ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن
(َثَ وَهُدُوَأْ إِلَى الطَّيِّبٍ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوَأْ
ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤَّا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيْرٌ
٢٤
إِلَى صِرَطِ الْحَمِيدِ
/ يقولُ تعالى ذكرُه: وأمَّا الذين آمنوا باللّهِ ورسوله فأطاعُوهما بما أمَرهم اللَّهُ به ١٣٦/١٧
مِن صالح الأعمالِ ، فإن اللَّهَ يُدْخِلُهم جناتٍ عدنٍ تَجْرِى مِن تحتها الأنهارُ، فيُحَلِّهم
فيها مِن أُساورَ مِن ذهبٍ ولؤلؤًا (١).
واختلفت القرأةُ فى قراءةٍ قولِه: ﴿وَلُؤْلُؤَّا ﴾؛ فَقَرَأَتَه عامةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ ،
وبعضُ أهلِ الكوفةِ نَصْبًا مع التى فى ((الملائكةِ))(١)، بمعنى: يُحَلَّون فيها أساورَ مِن
ذهبٍ ولؤلؤًا، عطفًا باللؤلؤَّ على موضع الأساورِ؛ لأن الأساورَ، وإن كانت
مخفوضةً مِن أجلِ دخولِ ﴿مِنَ﴾ فيها، فإنها بمعنى النصبِ، قالوا: وهى تُعَدُّ
فى خَطِّ المصحفِ بالألفِ . فذلك دليلٌ على صحةِ القراءةِ بالنصبِ فيه .
وقرَأَت ذلك عامةُ قرأةِ العراقِ والمِصْرَين: (وَلُؤْلُؤُ) خفضًا، عطفًا على إعرابٍ
الأساورِ الظاهِرِ(٣) .
واختلف الذين قَرءوا ذلك كذلك فى وَجْهِ إِثْباتِ الألفِ فيه ؛ فكان أبو عمرو
ابنِ العلاءِ، فيما ذُكِر لى عنه، يقولُ: أُتْبَت فيه كما أُثْبِتَت فى: قالوا، وكالوا .
وكان الكسائىُّ يقولُ: أَثْبَتوها فيه(٤) للهمزة ؛ لأن الهمزةَ حرفٌ مِن الحروفِ.
(١) فى ص، ت١، ت٢، ف: ((لؤلؤٌ)).
(٢) سورة الملائكة هى سورة فاطر، وهذه قراءة نافع وأبى جعفر وعاصم. فى الموضعين، ووافقهم يعقوب
هنا . النشر ٢٤٤/٢ .
(٣) وهى قراءة أبن كثير وأبى عمرو وابن عامر وحمزة والكسائى وخلف - المصدر السابق .
(٤) فى صٍ، ت١، ت٢، ف: ((منه)).

٥٠٠٠
سورة الحج : الآيات ٢٣ - ٢٥
والقولُ فى ذلك عندى أنهما قراءتان مشهورتان ، قد قَرأْ بكلٌ واحدةٍ منهما علماءُ
مِن القرأةِ، مُتَّفِقَتا المعنى، صَحيحتا المخرج فى العربيةِ ، فبأيّتِهما قَرأ القارئُ فمصيبٌ .
وقولُه: ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾. يقولُ: ولُبُوسُهم التى تَلِى أبشارَهم
فيها ثيابٌ حريرٌ.
وقولُه: ﴿وَهُذُوَأَ إِلَى الطَّيْبِ مِنَ الْقَوَّلِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وهَداهم
ربّهم فى الدنيا إلى شهادة أن لا إلهَ إلا اللَّهُ.
كما حدَّثنی يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال : قال ابنُ زيدٍ فى قولِه :
﴿ وَهُذُوَأْ إِلَى الَّيْبٍ مِنَ الْقَوْلِ﴾. قال: هُدُوا إلى الكلام الطيبِ؛ لا إلهَ إلا اللَّهُ،
واللَّهُ أكبر، والحمدُ للَّهِ، قال اللَّهُ: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الَّيْبُ وَالْعَمَلُ الصَّلِّحُ
١٠٠٠٪
يَرْفَعُفَّ﴾(١) [فاطر: ١٠]
حدَّثنا علىّ ، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ ، قال: ثنى معاويةُ ، عن علىٍّ ، عن ابنِ عباسٍ :
﴿ وَهُذُوَأْ إِلَى الَِّبِ مِنَ الْقَوْلِ﴾. قال: أُنْهِموا(٢) .
وقولُه: ﴿وَهُدُوَأْ إِلَى صِرَطِ الْحَمِيدِ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: وهَداهم ربُّهم فى
الدنيا إلى طريقٍ الربِّ الحميدِ. وطريقُه دينُه دينُ الإسلامِ الذى شَرَعه لخلقِه، وأمرهم
أن يَسْلُكوه .
((والحمیدُ )) فَعِیلٌ ، صُرِف مِن مفعول إليه، ومعناه : أنه محمودٌ عند أولیائِهمِن
خلقه ، ثم صُرِفَ مِن محمودٍ إلی حميد .
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٥٠/٤ إلى ابن أبى حاتم .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم - كما فى الإتقان ٣٠/٢ - من طريق عبد الله به ، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٣٥٠/٤ إلى ابن المنذر .