النص المفهرس

صفحات 381-400

٣٨١
سورة الأنبياء : الآية ٨٧
للشيطانٍ(١).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ
الحارثِ، عن إياسٍ بنِ مُعاويةَ المَدَنىِ، أنه كان إذا ذُكِر عندَه يونُسُ وقولُه: ﴿فَظَنَّ
أَنْ لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ . يقولُ إِياسٌ : فلِمَ فرَّ؟
وقال آخرون: بل ذلك بمعنى الاستفهام ، وإنما تأويلُه: أَفظَنَّ أن لن نَقْدِرَ عليه؟
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى يونُسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ فَظَنَّ أَنْ
لَّنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾. قال: هذا استفهامٌ. وفى قوله: ﴿فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾. قال:
استفهام أيضًا (٣) .
قال أبو جعفرٍ : وأولى هذه الأقوالِ فى تأويلِ ذلك عندى بالصوابِ قولُ مَن
قال : عُنِى به : فظنَّ يونُسُ أن لن نَخْبِسَه ونُضَيِّقَ عليه ، عقوبةً له على مُغاضبتِه ربّه .
وإنما قلنا : ذلك أولى بتأويل الكلمةِ ؛ لأنه لا يَجوزُ أن يُنْسَبَ إلى الكفرِ وقد
اختارَه لنبوتِه ، ووصفُه بأن ظنَّ أن ربَّه يَعْجِزُ عما أراد به ، ولا تَقْدِرُ عليه، وصفٌ له
بأنه جهل قدرةَ اللَّهِ، وذلك وصفٌ له بالكفرِ، وغيرُ جائزٍ لأحدٍ وصفُه بذلك.
وأما ما قاله ابنُ زيدٍ ، فإنه قولٌ ، لو كان فى الكلام دليلٌ على أنه استفهام -
حسنٌّ، ولكنه لا دلالةَ فيه على أن ذلك كذلك، والعربُ لا تَحْذِفُ مِن الكلامِ
شيئًا(٢) إلیه حاجةٌ إلا وقد أبقت دليلاً على أنه مرادٌ فى الكلام ، فإذ لم یکنْ فى قوله :
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٣٣/٤ إلى أحمد فى الزهد وابن المنذر وعبد بن حميد.
(٢) ذكره البغوى فى تفسيره ٥/ ٣٥١.
(٣) بعده فى ص، ت ١، ف: (( له))، وبعده فى م: (( لهم)).

٣٨٢
سورة الأنبياء : الآية ٨٧
فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ﴾. دلالةٌ على / أن المرادَ به الاستفهامُ - كما قال ابنُ
زيدٍ - كان معلومًا أنه ليس به ، وإذ فسَد هذان الوجهان ، صحَّ الثالثُ وهو ما قلنا .
٨٠/١٧
وقولُه: ﴿فَتَادَى فِىِ الْقُلُلُمَتِ ﴾ . اخْتَلَفَ أهلُ التأويلِ فى المعنىِّ بهذه
الظلماتِ ؛ فقال بعضُهم: عُنِى بها ظلمةُ الليلِ، وظلمةُ البحرِ، وظلمةُ بطنٍ
الحوتِ .
ذکر مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاج(١، عن إسرائيلَ، (٢عن
أبى إسحاقَ)، عن عمرو بن ميمونٍ: ﴿فَنَادَى فِ اُلُّلُمَتِ ﴾. قال : ظلمةٍ بطنٍ
الحوتِ، وظلمةِ البحرِ، وظلمةِ الليلِ(٣) . وكذلك قال أيضًا ابنُ مجريجٍ.
حدّثنا ابنُ حمیدٍ ، قال: ثنا سلمةُ ، عن ابنِ إسحاق ، عن يزيد بنِ زيادٍ ، عن
عبدِ اللهِ بنِ أبى سلمةً، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: نادَى فى
الظلماتِ؛ ظلمةِ الليلِ، وظلمةِ البحرِ، وظلمةٍ بطنِ الحوتِ: ﴿لَّ إِلَهَ إِلَّ أَنْتَ
سُبْحَنَكَ إِنّ كُنتُ مِنَ الَِّمِينَ﴾(٤).
حدَّثنى محمدُ بنُ إبراهيمَ السُّلَمىُّ ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : أخبرنا محمدُ بنُ
رِفاعةً، قال: سمِعْتُ محمدَ بنَ كعبٍ يقولُ فى هذه الآيةِ: ﴿فَنَادَى فِ
(١) بعده فى ت ١، ت ٢: ((عن ابن جريج)).
(٢ - ٢) سقط من: ت ٢.
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٣٣/٤ إلى المصنف، وأخرجه ابن أبى شيبة فى مصنفه ١١/ ٥٤١، وابن
أبى الدنيا فى العقوبات (١٧١)، والمصنف فى تاريخه ١٥/٢ من طريق إسرائيل، عن أبى إسحاق، عن عمرو
ابن ميمون ، عن ابن مسعود ، مطولا .
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٣٣/٤ إلى المصنف.

٣٨٣
سورة الأنبياء : الآية ٨٧
الظُّلُمَتِ﴾. قال: ظلمةِ الليلِ، وظلمةِ البحرِ، وظلمةٍ بطنِ الحوتِ(١).
حدَّثنا بشرٌّ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَنَادَى فِ
اُلْتُلُمَتِ﴾. قال: ظلمةِ الليلِ، وظلمةِ البحرِ، وظلمةٍ بطنِ الحوتِ.
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال: ثنا محمدُ بنُّ ثورٍ ، عن معمرٍ، عن قتادةً :
﴿فَنَادَى فِ الظُّلُمَتِ﴾ . قال: ظلمةٍ بطنِ الحوتِ، وظلمةِ البحرِ، وظلمةٍ
(٢)
الليل(٢).
وقال [٣٩٥/٢] آخرون : إنما ◌ُنِى بذلك أنه نادى فى ظلمةٍ جوفٍ حوتٍ فی
جوفٍ حوتٍ آخرَ فى البحرِ . قالوا : فذلك هو الظلماتُ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال : ثنا عبدُ الرحمنِ ، قال : ثنا سفيانُ ، عن منصورٍ، عن
سالمِ بنِ أبى الجَعْدِ: ﴿فَنَادَى فِ الظُّلُمَتِ﴾. قال: أوْحَى اللَّهُ إلى الحوتِ ألا
تَضُرَّ له لحمًا ولا عظمًا. ثم ابْتَلَع الحوتَ حوثٌ آخرُ، قال: ﴿فَنَادَى فِىِ
اُلْقُّلُمَتِ ﴾. قال: ظلمةِ الحوتِ(٢)، ثم حوتٍ، ثم ظلمةِ البحرِ().
قال أبو جعفرٍ: والصوابُ مِن القولِ فى ذلك أن يقال: إن اللَّهَ أَخْبَر عن يونُسَ أنه
ناداه فى الظلُماتِ: ﴿أَنْ لَّ إِلَهَ إِلَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِّ كُنتُ مِنَ الظَِّمِينَ﴾.
ولا شكَّ أنه قد عنَى بإحدى الظلماتِ بطنَ الحوتِ، وبالأُخرى ظلمةً البحرِ ، وفى
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٣٣/٤ إلى المصنف.
(٢) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٧/٢ عن معمر به .
(٣) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: (( حوت)).
(٤) أخرجه أحمد فى الزهد ص ٣٤ من طريق عبد الرحمن به، وأخرجه ابن أبى شيبة فى مصنفه ٥٤٣/١١،
٥٤٤ عن سفيان به .

٣٨٤
سورة الأنبياء : الآية ٨٧
الثالثةِ اختلافٌ، وجائزٌ أن تكونَ تلك الثالثةُ ظلمةَ الليل، وجائزٌ أن تكونَ كونَ
الحوتِ فى جوفٍ حوتٍ آخرَ، ولا دليلَ يَدُلَّ على أىِّ ذلك مِن أىّ (١) ، فلا قولَ فى
ذلك أولى بالحقِّ مِن التسليمِ لظاهرٍ التنزيلٍ.
/ وقولُه: ﴿لََّ إِلَهَ إِلَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ﴾. يقولُ: نادَى يونُسُ بهذا القول
معترفًا بذنبِه، تائبًا مِن خطيئتِهِ: ﴿إِنِّ كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ فى معصيتى إياك.
٨١/١٧
کما حدّثنا ابنُ حمیدٍ ، قال : ثنا سلمةُ ، عن ابن إسحاق ، عن یزید بنِ زیادٍ ،
عن عبدِ اللهِ بنِ أبى سلمةً ، عن سعيد بن جبيرٍ ، عن ابنِ عباسٍ قال: ﴿ فَنَادَى فِی
القُلُمَتِ أَنْ لَّ إِلَّهَ إِلَّ أَنْتَ سُبْحَنَكَ إِنِى كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، معترفًا
بذنبه ، تائبًا مِن خطيئته .
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ ، قال: ثنى حجاج، قال: قال أبو مَعْشَرٍ: قال
محمدُ بنُ قيسٍ قولَه: ﴿لََّ إِلَهَ إِلَّ أَنْتَ سُبْحَنَكَ﴾ : ما صنَعْتُ مِن شيءٍ فلم
أَعْبُدْ غيرَك، ﴿إِنِّ كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ حينَ عصَيْتُك.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا جعفرُ بنُ سليمانَ، عن عوف
الأعرابيّ، قال : لما صاريونُسُ فى بطنِ الحوتِ ظنَّ أنه قدمات ، ثم حرّكْ رِجليه(٢)،
فلما تحرّكَتَ سجَد مكانَه، ثم نادَى: ياربِّ اتَّخَذْتُ لك مسجدًا فى موضع ما اتَّخَذه
أحدٌّ(٢) .
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ ، قال: ثنى ابنُ إسحاقَ ، عمَّن حدَّثه، عن
(١) بعده فى ت ٢: ((قول)).
(٢) فى م: (( رجله)).
(٣) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٣٦١/٥ عن عوف، وأخرجه ابن أبى الدنيا فى الفرج بعد الشدة ص١٣، وفى
العقوبات (١٧٨) من طريق جعفر بن سليمان ، عن عوف، عن سعيد بن أبى الحسن بمعناه .

٣٨٥
سورة الأنبياء : الآيتان ٨٨،٨٧
عبدِ اللهِ بنِ رافع مولى أمِّ سلمةَ زوجِ النبيِّ عَِّ، قال: سمِعْتُ أبا هريرةَ يقولُ: قال
رسولُ اللَّهِ عَ لِ: (( لما أراد اللَّهُ حبْسَ يونُسَ فى بطنِ الحوتِ أَوْحَى اللَّهُ إِلى الحوتِ أن
خُذْه، ولا تَخْدِشْ له لحمًا، ولا تَكْسِرْ عظمًا. فأخَذَه، ثم هوَى به إلى مسكنِهِ مِن
البحر ، فلمَّا انتهى به إلى أسفلِ البحرِ، سمِع يونُسُ حِسًا ، فقال فى نفسِه: ما هذا؟
قال : فأوْحَى اللَّهُ إليه وهو فى بطنِ الحوتِ: إن هذا تسبيحُ دوابِ البحرِ، قال: فسبّح
وهو فى بطنِ الحوتِ، فسمِعَت الملائكةُ تسبيحَه، فقالوا : يا ربَّنا، إنا نَسْمَعُ صوتًا
ضعيفًا بأرضٍ غريبةٍ . قال : ذاك عبدى يونُسُ ، عصانى فحبَسْتُه فى بطنِ الحوتِ فِى
البحرِ. قالوا: العبدُ الصالحُ الذى كان يَصْعَدُ إليك منه فى كلّ يومٍ وليلةٍ عملٌ
صالح؟ قال : نعم. قال: فشفَعوا له عندَ ذلك، فأمَر الحوتَ فقذَفه فى الساحلِ،
كما قال اللَّهُ تبارك وتعالى: ﴿وَهُوَ سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ١٤٥])).
(١)
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَيْنَهُ مِنَ الْغَدِّ وَكَذَلِكَ
(٨٨
نُشْجِى الْمُؤْمِنِينَ
يقولُ تعالى ذكره: فاسْتَجِبْنا ليونُسَ دعاءَه إيانا، إذ دَعانا فى بطنِ الحوتِ ،
ونجيناه مِن الغمِّ الذى كان فيه بحَبْسِناه فى بطنِ الحوتِ، وغمِّه بخطيئته وذنبِهِ ،
﴿ وَكَذَلِكَ نُشَجِى الْمُؤْمِنِينَ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤه: وكما أنْجَيْنا يونُسَ مِن کربٍ
الحبسِ فى بطنِ الحوتِ فى البحرِ إذ دعانا، كذلك نُنْجِى المؤمنين مِن كربهم إذا
اسْتَغاثوا بنا ودَعْونا .
/وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك جاء الأثر.
٨٢/١٧
(١) أخرجه المصنف فى تاريخه ١٦/٢، وأخرجه البزار فى مسنده - كشف (٢٢٥٤) - من طريق محمد بن
إسحاق به .
( تفسير الطبري ٢٥/١٦ )

٣٨٦
سورة الأنبياء : الآية ٨٨
ذكرُ مَن قال ذلك
حدِّثنا عمرانُ بنُ بِكَّارِ الكَلَاعِىُّ، قال : ثنا يحيى بنُ صالحٍ، قال : ثنا أبو يحيى
ابنُ عبدِ الرحمنِ، قال: ثنى بشرُ بنُ منصورٍ، عن علىٍّ بنِ زيدٍ ، عن سعيدِ بنِ
المسيَّبِ، قال: سمِعْتُ سعدَ بنَ مالكٍ يقولُ: سمِعتُ رسولَ اللَّهِعَلَّمِ يقولُ:
((اسمُ اللَّهِ الذى إذا دُعِى به أجاب، وإذا سُئِل به أعْطَى، دعوةُ يونُسَ بنٍ مَتَّى)).
قال : فقلتُ : يا رسولَ اللَّهِ، هى ليونُسَ بنِ مَتّى خاصةً ، أم لجماعةِ المسلمين؟ قال:
((هى ليونُسَ بنِ مَتَّى خاصةً، وللمؤمنين عامةً إذا دَعَوْا بها ، ألم تَسْمَعْ قولَ اللَّهِ تبارَك
وتعالى: ﴿فَنَادَى فِ اُلُلُمَتِ أَنْ لَّ إِلَهَ إِلَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِ كُنتُ مِنَ
الظَّالِمِينَ ﴿٨َ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَيْنَهُ مِنَ الْغَدِّ وَكَذَلِكَ نُجِى الْمُؤْمِنِينَ﴾ فهو
شرطُ اللَّهِ لمن دعاه بها)) (١).
واخْتَلَفت القرأةُ فى قراءةٍ قولِهِ: ﴿نُنجِى الْمُؤْمِنِينَ﴾. فقرَأَت ذلك قرأةٌ
الأمصارِ، سوى عاصم، بنونين ، الثانيةُ منهما ساكنةٌ مِن: أُنْجيناه، فنحن نُنْجِيه .
وإنما قرءوا ذلك كذلك، وكتابتُه فى المصاحفِ بنونٍ واحدةٍ ؛ لأنه لو قُرِئَ بنونٍ
واحدةٍ وتشديد الجيم، بمعنى ما لم يُسَمَّ فاعلُه، كان ((المؤمنون)) رفعًا، وهم فى
المصاحفِ منصوبون ، ولو قُرِئَ بنونٍ واحدةٍ وتخفيفِ الجيم ، كان الفعلُ للمؤمنين،
و کانوا رفعًا ، ووجب مع ذلك أن یکون قوله: (( جی )) . مكتوبًا بالألفِ ؛ لأنه مِن
ذواتِ الواوٍ، وهو فى المصاحفِ بالياءِ.
فإن قال قائلٌ: فكيف كُتِب ذلك بنونٍ واحدةٍ ، وقد علِمْتَ أن حكم ذلك إذا
قُرِئَ: ﴿ نُشْجِى﴾. أن يُكْتَبَ بنونين؟ قيل: لأن النونَ الثانيةَ لما سُكُنَت ، وكان
(١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٣٦٣/٥ عن المصنف.

٣٨٧
سورة الأنبياء : الآيات ٨٨ - ٩٠
الساكنُ غيرَ ظاهرٍ على اللسانِ ، حُذِفَت كما فعلوا ذلك بـ ((إلا))، فحذَفوا النونَ مِن
((إِنْ)) لخفائِها، إذ كانت مندغمةً فى اللامِ مِن ((لا)). وقرَأْ ذلك عاصمٌ: (نُجِى
المؤمنين). بنونٍ واحدةٍ ، وتثقيلِ الجيم، وتسكينِ الياءِ ) . فإن يكنُ عاصمٌ وجَّه
قراءتَه ذلك إلى قولِ العربِ: ضُرِب الضربُ زيدًا. فكنَى عن المصدرِ الذى هو
النَّجاءُ، وجعَل الخبرَ - أَعْنِى خبرَ ما لم يُسَمَّ فاعلُه - المؤمنين، كأنه أراد: وكذلك
نجّى النَّجاءُ(٢) المؤمنين. فكنَى عن النَّجاءِ - فهو وجةٌ، وإن كان غيرُه أصوبَ ، وإلا
فإن الذى قرَأْ مِن ذلك على ما قرَأَه، لحنّ؛ لأن ((المؤمنين)) اسم على القراءة التى قرأها
ما لم يُسَمَّ فاعلُه، والعربُ تَرْفَعُ ما كان مِن الأسماءِ كذلك، وإنما حمَل عاصمًا على
هذه القراءةِ أنه وجَد المصاحفَ بنونٍ واحدةٍ ، وكان فى قراءته إياه على ما عليه قراءةُ
القرأةِ إلحاقُ نونٍ أُخرى ليست فى المصحفِ، فظنَّ أن ذلك زيادةُ ما ليس فى
المصحفِ، ولم يَعْرِفْ لحذفِها وجهًا يَصْرِفُه إليه .
قال أبو جعفرٍ : والصوابُ مِن القراءةِ التى لا أَسْتَجِيزُ غيرَها فى ذلك عندَنا ما
عليه قرأةُ الأمصارِ ، مِن قراءتِه بنونين، وتخفيفِ الجيم ؛ لإجماع الحبَّةِ مِن القرأةِ
عليها، وتخطئتِها خلافَهُ(٢) .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَزَكَرِيَّآ إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِ فَرْدًا
فَأَسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ ٨٣/١٧
٨٩
وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَرِئِينَ
زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوْ يُسَرِعُونَ فِىِ الْخَيْرَتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبَّ
وَكَانُوْ لَنَا خَشِعِينَ
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ عَلَّه: واذكُرْ يا محمدُ زكريا حينَ نادَى ربّه:
(١) هى قراءة ابن عامر وأبى بكر عن عاصم. النشر ٢٤٣/٢.
(٢) سقط من: م.
(٣) القراءتان متواترتان .

٣٨٨
سورة الأنبياء : الآيتان ٨٩، ٩٠
ربِّ لا تَذَرْنى وحيدًا فَرْدًا لا ولدَ لى ولا عَقِبَ، ﴿ وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَرِئِينَ﴾. يقولُ:
فارزُقْنى وارِئًا مِن آلٍ يعقوبَ يَرِثُنى. ثم رَدَّ الأمرَ إلى اللَّهِ فقال: ﴿ وَأَنْتَ خَيْرُ
الْوَرِئِينَ﴾. يقولُ اللَّهُ جلَّ ثناؤه: ﴿فَأَسْتَجَبْنَا﴾ لزكريا دُعاءَه، ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ
يَحْيَى﴾. ولدًا ووارِثًا يَرِثُه، ﴿وَأَسْلَحْنَا لَهُ زَوْجُهُ}
واخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى معنى (( الصَّلاحِ)) الذى عَناه اللَّه جلَّ ثناؤه بقولِه:
وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾﴾؛ فقال بعضُهم: كانت عَقيمًا فَأَصْلَحَها بأن جَعَلَها
وَلُودًا .
ذكرُ مَن قال ذلك
حذَّثنا محمدُ بنُ عُبيدٍ المحاربيُّ، قال : ثنا حاتمُ بنُ إسماعيلَ، عن محمیدِ بنِ
صَخْرٍ، عن عمارٍ، عن سعيدٍ فى قوله: ﴿وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾. قال: كانت
(١)
لا تَلدُ
.
حدَّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاج، عن ابنٍ لجريج، قال : قال
ابنُ عباسٍ فى قوله: ﴿ وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهٌُ﴾. قال: وَهَبْنا له ولدَها (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ وَأَصْلَحْنَا لَهُ
زَوْجَهُ﴾: كانت عاقرًا، فجَعَلَها اللَّهُ وَلُودًا، ووَهَب له منها يحيى(١).
وقال آخرون: كانت سيئةَ الخُلقِ، فأصْلَحَها اللَّهُ له، بأن رزَقَها حُسنَ الخلقِ .
(١) أخرجه ابن عساكر فى تاريخ دمشق ٥٣/١٩ من طريق حاتم بن إسماعيل به، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٣٣٥/٤ إلى ابن أبى شيبة وابن المنذر.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٣٥/٤ إلى المصنف.
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٣٥/٤ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبى حاتم .

٣٨٩
سورة الأنبياء : الآية ٩٠
قال أبو جعفرٍ: والصوابُ مِن القولِ فى ذلك أن يُقالَ: إن اللَّهَ أَصْلَح لزكريا
زوجَه، كما أُخْبَر تعالى ذكرُه بأَنْ جعَلِها وَلودًا حسنةً الخُلُقِ؛ لأن كلَّ ذلك مِن
معانى إصلاحِه إياها ، ولم يَخْصُصِ اللَّهُ جلَّ ثناؤه بذلك بعضًا دونَ بعضٍ فى كتابِهِ،
ولا على لسانِ رسولِه، ولا وضَع على خُصوصٍ ذلك دلالةً ، فهو على العُمومِ ، ما لم
يأتِ ما يَجِبُ التسلیمُ له بأن ذلك مرادٌ به بعضُ دونَ بعضٍ .
وقولُهُ: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَرِعُونَ فِ الْخَبْرَتِ﴾. يقولُ: إن الذين
سَمَّيْناهم - يَعْنى زكريا وزوجَه ويحيى - كانوا يُسارعونُ فى طاعتِنا، والعملِ بما
◌ُقَرِّبُهم إلينا .
وقولُه: ﴿ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبَّاً﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وكانوا يَعْبُدوننا
رَغَبًا وَرَهَبًا. وعَنَى بالدعاءِ [٣٩٦/٢و] فى هذا الموضع العبادةَ، كما قال:
﴿ وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُواْ رَبِى عَسَىّ أَلَّ أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِى
شَقِيًّا﴾ [مريم: ٤٨]. ويَعْنى بقوله: ﴿رَغَبًا﴾. أنهم كانوا يَعْبُدونه رغبةً منهم فيما
يَرْجون منه مِن رحمتِه وفضلِه، ﴿ وَرَهَبَّاً﴾ . يَعْنى رهبةً منهم مِن عذابِه وعقابه ،
بتزکھم عبادته ، ورُ کوپھم معصيته .
وبنحوِ الذى قُلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
/ذكرُ مَن قال ذلك
٨٤/١٧
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال : ثنى حجاجٌ، عن ابنِ نجريج: ﴿إِنَّهُمْ
كَانُواْ يُسَرِعُونَ فِ الْخَيْرَتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾. قال: رغبًا فى
(١) بعده فى م، ت ١، ف: ((فى الخيرات)).

٣٩٠
سورة الأنبياء : الآيتان ٩٠، ٩١
رحمةِ اللَّهِ، ورهبًا مِن عذابِ اللَّهِ() .
حدَّثنى يونسُ، قال: أُخْبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله :
وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾. قال: خوفًا وطمعًا. قال: وليس ينبغي لأحدهما
أن يُفارِقَ الآخرَ(١).
واخْتَلَفت القَرَأَةُ فى قراءةِ ذلك؛ فقرأتْه عامَّةُ قرأةِ الأمصارِ: ﴿رَغَبًا
وَرَهَبَّاً﴾. بفتح الغينِ والهاءِ، مِن الرَّغْبِ والرّهْبِ. واخْتُلِف عن الأعمشِ فى
ذلك، فُرُوِيَت عنه الموافَقَةُ فى ذلك للقرأةِ، ورُوِى عنه أنه قرأها: (رُغْبًا ورُهْبًا).
بضمِّ الراءِ فى الحرفين، وتسكينِ الغينِ والهاءِ(١).
والصوابُ مِن القراءةِ فى ذلك ما عليه قرأةُ الأمصارِ؛ وذلك الفتحُ فى الحرفَيْن
كليهما .
وقولُه: ﴿وَكَانُواْ لَنَا خَشِعِينَ﴾. يقولُ: وكانوا لنا مُتَوَاضِعِين مُتَذَلِِّين،
لا يَسْتَكْبِرون عن عبادتِنا ودعائِنا .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَأَلَّتِىّ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن
(٩١
زُوجِنَا وَجَعَلْنَهَا وَأَبْنَهَآ ءَايَةٌ لِلْعَلَمِينَ
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيّه محمدٍ عَّ اله: واذكُرِ التى أَحْصَنَت فرجَها . يَعْنى مريمَ
بنتَ عِمْرانَ. ويَعْنى بقولِه: ﴿أَحْصَنَتْ﴾: حَفِظَتْ ومَنَعَتْ فرجَها مِمَا حَرَّمِ اللَّهُ
عليها إباحتَه فيه .
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٣٥/٤ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبى حاتم ، وسقط من مطبوعة الدر
لفظ ها الأثر، فانتقل إلى لفظ الأثر التالى.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ص ٢٩٦ (المخطوطة المحمودية) إلى المصنف وابن أبى حاتم .
(٣) ذكرها القرطبى فى تفسيره ٣٣٧/١١، وقرأ ابن وثاب والأعمش ورواية عن أبى عمرو بفتح الراء وتسكين
الغين والهاء. البحر المحيط ٣٣٦/٦.

٣٩١
سورة الأنبياء : الآية ٩١
واخْتُلِف فى ((الفَرْج)) الذى عَنَى اللَّهُ جلَّ ثناؤه أنها أحْصَنَتْه؛ فقال بعضُهم:
عنَى بذلك فرجَ نَفْسِها؛ أنها حَفِظَتْه مِن الفاحشةِ .
وقال آخرون : عنَى بذلك جَيْبَ دِرْعِها؛ أنها مَنَعَتْ جبريلَ منه قبلَ أن
تَعْلَمَ أنه رسولُ ربِّها، وقبلَ أن تُثْبِتَه مَغْرِفَةٌ. قالوا: والذى يدُلَّ على ذلك
قولُه: ﴿فَنَفَخْنَا فِيهَا﴾. ويَعْقُبُ(١) ذلك قولَه: ﴿وَلَِّّ أَحْصَنَتْ
فَجَهَا﴾. قالوا: وكان معلومًا بذلك أن معنى الكلام: والتى أحصَنَتْ
جَيْبَها فتَفَخْنا فيها من رُوحِنا .
قال أبو جعفرٍ: والذى هو أُوْلَى القولَيْنْ عندَنا بتأويلِ ذلك قولُ مَن قال :
أحصنتْ فرجَها مِن الفاحشةِ . لأن ذلك هو الأغْلَبُ مِن مَعْنَيْه عليه، والأُظْهَرُ فى
ظاهرِ الكلامِ .
﴿فَنَفَحْنَا فِيهَا مِن زُوحِنَا﴾. يقولُ: فنفخْنا فى جيبٍ درعِها مِن
رُوحِنا. وقد ذكرنا اختلافَ المُخُتَلِفِين (٣ فى معنى قوله: ﴿فَنَفَخْنَا فِيهَا﴾.
فى غيرِ هذا الموضع، والأوْلَى بالصوابِ مِن القولِ فى ذلك فيما مضى، بما أُغْنَى عن
إعادته فى هذا الموضعِ(٤) .
وقولُه: ﴿ وَجَعَلْنَهَا وَأَبْنَهَآ ءَايَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾. يقولُ: وجَعَلْنَا مريمَ وابتَها
عِبْرَةً لِعلَى زمانِهما؛ يَعْتَبِرون بهما ، ويَتَفَكّرون فى أمرِهما ، فيَعْلَمون عظيمَ سُلْطانِتا
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((يعقبه).
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((فرجها)).
(٣ - ٣) سقط من: ت ٢.
(٤) ينظر ما تقدم فى ٤٩٠/١٥، ٤٩١، ولم ينصّ المصنف هناك على اختلاف المختلفين، ولا ذَكَر الأولَى
بالصواب ، فلعلَّ ذلك كان مما فشّره المصنف ثم اختصره .

٣٩٢
سورة الأنبياء : الآيتان ٩٢،٩١
وقُدْرتِنا على ما نشاءُ. وقِيلَ: ﴿ِءَايَةٌ﴾. ولم يَقُلْ: ((آيتين)). وقد ذكر آيتين؛ لأن
معنى الكلام: جعلْناهما عَلَمًا لنا وحُجَّةٌ . فكلُّ واحدةٍ منهما فى معنى الدَّلالةِ على
اللَّهِ، وعلى عظيم قُدْرِه، يقومُ مَقامَ الآخَرِ؛ إذ(١) كان أمرُهما فى الدَّلالةِ على اللَّهِ
واحدًا .
/القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ: أُمَّتُكُمْ أُمَّةُ وَحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ
٩٢
٨٥/١٧
فَاعْبُدُونِ
يقولُ تعالى ذكرُه : إن هذه مِلَّتُكُم مِلَّةً واحدةً ، وأنا ربُّكم أيها الناسُ فاعْبُدونِ
دون الآلهة والأوثانٍ وسائرٍ ما تَعْبُدونَ مِن دونی .
وبنحوِ الذى قُلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثَى علىّ ، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنى معاويةُ ، عن علىّ ، عن ابنِ عباسٍ
قوله: ﴿أُتَّتُكُمْ أُمَّةً وَحِدَةٌ ﴾ . يقولُ: دِينُكم دينٌ واحدٌ (٢).
حدَّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ ، قال: ثنى حجاج، عن ابن جريج ، قال : قال
مجاهدٌ فى قولِه: ﴿إِنَّ هَذِهِ، أُمَّتُكُمْ أُمَّةُ وَحِدَةٌ﴾. قال: دينُكُم دينٌ
.. (٢)
واحد.
ونُصِبَتٍ ﴿أُمَّةٌ﴾ الثانيةُ على القَطْعِ. وبالنصبِ قرأه جماعةُ قرأةٍ الأمصارِ ،
وهو الصوابُ عندَنا؛ لأن ﴿أُمَّةٌ﴾ الثانيةَ نكرةٌ ، والأُولَى مَعْرِفةٌ. وإذ كان ذلك
(١) فى م، ف: ((إذا)).
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٣٥/٤ إلى المصنف.

٣٩٣
سورة الأنبياء : الآيتان ٩٢، ٩٣
كذلك، وكان الخبرُ قبلَ مجىءٍ النكرةِ مُسْتَغْنِيًا عنها، كان وجهُ الكلام النصبَ ،
هذا مع إجماع الحُجّةِ مِن القرأةِ عليه. وقد ذُكِر عن عبدِ اللهِ بنِ أبى إسحاقَ رَفْعُ ذلك
أنه قرأَه: (أمَّةٌ واحدةٌ) (١) بنِيَّةِ تكريرِ الكلام، كأنه أراد: إنَّ هذه أمَّتُكم هذه(٢) أمةٌ
واحدةٌ .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَقَطَّعُواْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلُّ إِلَيْنَا
٩٣
رَجِعُونَ
يقولُ تعالى ذكرُه : وتَفَرَّق الناسُ فى دينهم الذى أمرَهم اللَّهُ به ودعاهم إليه ،
فصاروا فيه أحزابًا ، فَتَهَوَّدَتِ (٢) اليهودُ، وتَنَصَّرتِ النصارى، وعُبِدتِ الأوثانُ . ثم
أُخْبَر جلَّ ثناؤه عمَّا هم إليه صائرون، وأن مرجعَ جميع أهلِ الأُديانِ إليه، مُتَوَعِّدًا
بذلك أهلَ الزَّيْغ منهم والضلالِ، ومُعْلِمَهم أنه لهم [٢/ ٣٩٦ظ] بالمرصادِ ، وأنه مُجازٍ
جميعَهم جَزاءَه(٤) ؛ المحُسنَ بإحسانِه، والمُسىءَ بإساءَتِه .
وبنحوِ الذى قُلْنا فى تأويل قوله: ﴿ وَقَطَّمُوْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمّ﴾ . قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى يونسُ، قال: أُخْبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله :
وَتَقَطَّعُواْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾. قال: تقطّعوا؛ اختلفوا فى الدينِ ".
(١) وهى قراءة الحسن والأشهب العقيلى وأبى حيوة وابن أبى عبلة والجعفى وهارون عن أبى عمرو
والزعفرانى . البحر المحيط ٣٣٧/٦.
(٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف .
(٣) فى ص، ت ١، ف: ((فهودت)).
(٤) فى م: ((جزاء)).
(٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٣٥/٤ إلى المصنف.

٣٩٤
سورة الأنبياء : الآيتان ٩٤، ٩٥
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّلِحَتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا
٩٤
كُفْرَانَ لِسَعْبِهِ، وَإِنَّا لَهُ كَثِبُونَ
يقولُ تعالى ذكرُه: فمن عمِل مِن هؤلاءِ الذين تفرَّقوا فى دينهم بما أمرَه اللَّهُ به
٨٦/١٧ مِن العملِ الصالح، وأطاعَه / فى أمرِه ونهِهِ، وهو مُقِرٌّ بوحدانيَّةِ اللَّهِ ، مُصدِّقٌ بوعدِه
ووعيدِه، مُتَبرِّىٌّ مِن الأندادِ والآلهةِ، ﴿فَلَ كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ﴾. يقولُ: فإن اللَّهَ
يَشكُرُ عملَه الذى عمِل له مُطيعًا له ، وهو به مؤمنٌ، فيثِيئُه فى الآخرةِ ثوابَه الذى وعَد
أهلَ طاعتِه أن يُتِبَهُموه، ولا يَكْفُرُ ذلك له فيَجْحَدَه ويَحْرِمَه ثوابَه على عملِه
الصالح، ﴿ وَإِنَّا لَهُ كَئِبُونَ﴾. يقولُ: ونحن نَكتُبُ أعماله الصالحةَ كلَّها ، فلا
نَتُكُ منها شيئًا؛ لنَجْزِيَه على صغيرِ ذلك وكبيرِه، وقليله وكثيرِه .
قال أبو جعفرٍ: والكُفْرانُ مَصْدرٌ مِن قولِ القائل: كَفَرَتُ فُلانًا نِعْمتَه، فأنا
أَكْفُرُه كُفْرًا وكُفْرانًا. ومنه قولُ الشاعرِ(١) :
وخَدِّى ولا كُفْرانَ للَّهِ نائِمُ
مِن الناسِ ناسٌ(٢) ما تَنامُ خُدودُهمْ
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَحَرَمُ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْتَهَا أَنَّهُمْ لَا
يَّجِعُونَ
(٩٥
اخْتَلَفت القرأَةُ فى قراءةٍ قوله: ﴿وَحَرَامٌ﴾؛ فقرأتْه عامَّةُ قرأةِ أهلِ الكوفةِ :
(وحزمٌ). بكسر الحاءٍ().
وقرَأَ ذلك عامَّةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ والبَصْرةِ: ﴿وَحَرٌَ﴾. بفتحِ الحاءِ والألفِ (٤).
والصوابُ مِن القولِ فى ذلك أنهما قِراءَتانِ مَشْهورتانٍ مُتَّفِقَتا المَغْنَى، غيرُ
(١) مجاز القرآن لأبى عبيدة ٤٢/٢، وجمهرة اللغة ٤١٥/٣ غير منسوب .
(٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.
(٣) وهى قراءة حمزة والكسائى وأبى بكر عن عاصم. السبعة لابن مجاهد ص ٤٣١.
(٤) وهى قراءة ابن كثير ونافع وأبى عمرو وابن عامر وحفص عن عاصم . المصدر السابق .

٣٩٥
سورة الأنبياء : الآية ٩٥
مُخْتَلِفَتَيْه؛ وذلك أن الحِرْمَ هو الحَرَامُ ، والحَرَامَ هو الحِرْمُ، كما الحِلُّ هو الحَلالُ،
والحَلَالُ هو الحِلُّ، فبأَّتِهما قرأ القارئُ فمصيبٌ .
وكان ابنُ عباسٍ يَقْرَؤُه : (وحِْمٌ)(١) . بتأويلٍ: وعَزْمٌ .
حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن أبى المُعَلَّى ، عن سعيدِ بنِ
تجبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، كان يَقْرَؤُها: (وحِزْمٌ على قريةٍ). قال : فقلتُ لسعيدٍ : أَىُّ
شىءٍ ((حِرْمٌ))؟ قال: عَزْمٌ(٢).
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال : ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شُعْبَةُ ، عن أبى
المُعلِّى ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، كان يَقرَؤُها : ( وحِرْمٌ على قريةٍ) .
قلتُ لأَبِى الْمُعَلَّى: ما الحِرْمُ؟ قال: عَزْمٌ عليها .
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ ، عن عِگرِمةً ، عن ابنِ
عباسٍ أنه كان يَقْرَأَ هذه الآيةَ : ( وحِزْمٌ على قريةٍ أَهْلَكْناها أنَّهم لا يَرْجِعُون) : فلا
یرجئُ منھم راجعٌ، ولا یَتوبُ منهم تائبٌ (*) .
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الوَهَّابِ ، قال: ثنا داودُ، عن عكرمةً، قال :
﴿ وَحَرَامُ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَهَا أَنَّهُمْ لَا يَزَّجِعُونَ﴾. قال: لم يَكَنْ لِيَرْجِعَ منهم
(١) ذكرهذه القراءة عن ابن عباس الفراء فى معانى القرآن ٢/ ٢١١، وعن ابن عباس أيضًا (خَزم)،
(حُرُم )، ( حَرَم)، (حَرِم). ينظر مختصر الشواذ لابن خالويه ص ٩٥، والمحتسب ٢/ ٦٥، والبحر المحيط
٠٣٢٨/٦
(٢) فى ت ١: ((يحرم))، وفى ت ٢: (( حرم)).
والأثر عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٣٥/٤ إلى المصنف.
(٣) فى ت١: ((يحرم))، وفى ت ٢: ((محرم)).
(٤) تفسير سفيان ص ٢٠٥، وأخرجه البيهقى فى شعب الإيمان (٧٢٣٣) من طريق داود به مختصرا بلفظ :
لا یتوبون .

٣٩٦
سورة الأنبياء : الآية ٩٥
راجعٌ ؛ خَرامٌ عليهم ذاك(١) .
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا عيسى بنُ فَرْقَدٍ ، قال: ثنا جابرٌ الْجُعُفى، قال :
سألتُ أبا جعفرٍ عن الرَّجْعَةِ، فقرأ هذه الآيةَ: ﴿وَحَرَامُ(١) عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْتَهَا
أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾().
فكأن أبا جعفرٍ وجَّه تأويلَ ذلك إلى أنه : وحَرامٌ على أهلِ قريةٍ أَمَتْناهم أن
یرجعوا إلی الدنیا .
٨٧/١٧
والقولُ الذى قاله عكرمةُ فى ذلك أَوْلَى عندى بالصوابِ؛ وذلك أن اللَّه تعالى
ذكرُهُ أُخْبَر عن تفريقِ الناسِ دينَهم الذى بَعَثَ به إليهم الرُّسُلَ، / ثم أخْبَر عن صَنِيعِه
بَمَن عمِل بما دَعَتْه إليه رسلُه مِن الإيمانِ به والعملِ بطاعتِه، ثم أتْبَعَ ذلك قولَه :
﴿ وَحَرَامُ(٤) عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْتَهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾. فلأن يكونَ ذلك خبرًا
عن صنیعِه بمن أتَى إجابةَ رسله وعمِل بمعصيته و كفَر به ، أُخْرَى لِتَكونَ بیانًا عن حالٍ
الفِرْقَةِ(٥) الأُخْرَى التى لم تَعْمَلِ الصالحاتِ وكَفَرَتْ به.
فإِذ(٩) كان ذلك كذلك، فتأويلُ الكلامِ: حرامٌ على أهلِ قريةِ أهْلَكْناهم(٧)
بطَبْعِنا على قُلوبِهم، وخَتْمِنا على أسماعِهم وأبصارِهم - إذ صَدُّوا عن سبيلِنا ،
(١) فى م: ((ذلك)). والأثر عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٣٥/٤ إلى عبد بن حميد.
(٢) فی ت ١، ت ٢: (( حرم)).
(٣) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٣٦٦/٥.
(٤) فى ص: (( حرم)).
(٥) فى م: ((القرية)).
(٦) فى م، ف: ((فإذا)).
(٧) فى ت ١، ت ٢، ف: (( أهلكناها )).

٣٩٧
سورة الأنبياء : الآيتان ٩٦،٩٥
وكفَروا بآياتِنا - أن يتوبوا، ويُراجِعوا الإيمانَ بنا، واتِّبَاعَ أَمْرِنا والعملَ بطاعتِنا . وإذ
کان ذلك تأويل قول الله: (وحِزْمٌ): وعَزمٌ. على ما قال سعيدٌ ، لم تَگنْ((لا)) فی
قوله: ﴿أَنَّهُمْ لَا يَزْجِعُونَ﴾ صِلَةٌ(١) ، بل تكونُ بمعنى النَّفْىِ، ويكونُ معنى
الكلام : وعزمٌ منا على قريةٍ أَهْلَكْناها ألا يَوجِعوا عن كفرهم. وكذلك إذا كان معنى
قولِه: (وحِْمٌ): " ووَجْبَةٌ(٢).
وقد زعم بعضُهم أنها فى هذا الموضع صلةٌ ، فإن معنى الكلامِ: وحرامٌ على
قريةٍ أهْلَكْناها أن يَرجعوا (٢) . وأهلُ التأويلِ الذين ذَكَرْناهم كانوا أعْلَمَ بمعنى ذلك
منه .
القولُ فى تأويل قوله تعالى: ﴿ حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوِجُ وَهُم ◌ِّن
(٩٦
كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ
يقولُ تعالى ذكره : حتى إذا فُتح عن يأجوج ومأجوجَ - وهما أَمَّتان مِن الأَم .
رَڈمُهما .
كما حدَّثنى عصامُ بنُ رَوَّادِ(٤) بنِ الجَاحِ، قال: ثنى أبى، قال : ثنا سفيانُ بنُ
سعيدِ الثَّوْرِىُّ، قال: ثنا منصورُ بنُّ المُغْتَمِرِ، عن رِبْعِىٌّ بنِ حِراشِ، قال: سَمِعتُ
حُذيفةَ بنَ اليَمَانِ [٣٩٧/٢ و]، يقولُ: قال رسولُ اللَّهِ عَهِ: (( أوَّلُ الآياتِ الدَّجَالُ،
ونُزُولُ عيسى، ونارٌ تَخْرُجُ مِن قَْرِ عَدَنِ أَبْيَنَ(٥)، تَسوقُ الناسَ إلى المَحْشَرِ، تَقِيلُ
(١) صلة هنا بمعنى: زائدة. ينظر مصطلحات النحو الكوفى ص ٣٨، ٣٩.
(٢ - ٢) فى م: ((نوجبه)). ووجب الشىء يجب وجوبًا ووجْبًا ووَجبةً وجِبةً: لزم وثبت. المعجم الوسيط (وج ب).
(٣) ينظر المحتسب لابن جنى ٢/ ٦٥.
(٤) فى النسخ: (( داود)) .
(٥) عدن أبين: مدينة معروفة باليمن، أضيفت إلى أبين رجل من حمير؛ لأنه عدن بها ، أى : أقام . ينظر
اللسان (ع د ن) .

٣٩٨
سورة الأنبياء : الآية ٩٦
معهم إذا قالوا ، والدُّخانُ ، والدَّابَّةُ ، ثم يأجوج ومأجوج)) . قال حُذيفةُ: قلتُ : يا
رسولَ اللَّهِ، ما يأجوج ومأجوجُ؟ قال: ((يأجوج ومأجوجُ أُثُمّ؛ كلُّ أُمَّةٍ أربعمائةٍ
أَلْفٍ، لا يموتُ الرَّجُلُ منهم حتى يَرَى ألفَ عينِ تُطْرِقُ (١) بِينَ يَدَيْهِ مِن صُلْبِهِ، وهم
وَلَّدُ آدَمَ ، فَيَسِيرونَ إِلى خَرابِ الدُّنْيا، ويكونُ مُقَدِّمَتُهم بالشامِ وساقَتُهم بالعراقِ ،
فيَمُرُون بأنهارِ الدُّنيا، فيَشْربون الفُراتَ والدِّجْلَةَ وبُحيرَةَ الطَّبَرِيَّةِ، حتى يَأْتوا بيتَ
المَقَّدِسِ ، فَيَقُولونَ: قد قَتَلْنا أهلَ الدُّنيا، فقاتِلوا مَنْ فى السماءِ. فَيَرْمُون بالتُّشَّابِ إلى
السماءِ، فَتَرْجِعُ نُشَّابُهم(١) مُخَضَّبَةً بالدَّمِ، فَيَقُولونَ: قد قَتَلْنا مَن فى السماءِ.
وعيسى والمسلمون بجَبَلِ طُورٍ سِينِينَ، فيُوحِى اللَّهُ جلَّ وعزَّ إلى عيسى: أن أخْرِزْ
عبادى بالطُورِ، وما يَلِى أَيْلَةً(٣). ثم إن عيسى يَرْفَعُ يَدَيْه(٤) إلى السماءِ، ويُؤَمِّنُ
المسلمون ، فيَبْعَثُ اللَّهُ عليهم دابَّةً يُقالُ لها: النَّغَفُ. تَدْخُلُ مِن مَناخِرِهم،
فَيُصْبِحِونَ مَوْتَى، مِن حاقٌّ الشام إلى حاقٌّ العراقِ (٥)، حتى تُنْتِنَ الأَرضُ مِن
٥
٨٨/١٧ جِيَفِهم، ويَأْمُرُ اللَّهُ السماءَ فتُمْطِرُ / كأفْواهِ القِرَبِ، فَتَغْسِلُ الأرضَ من جِيَفِهم
ونَتْنِهم، فعندَ ذلك طُلوعُ الشمسِ مِن مَغْرِبِها »(٦).
حدَّثنا ابنُ محُمَيدٍ ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن أبى جعفرٍ ، عن الرَّبيعِ، عن أبى العاليةِ،
قال : إن يأجوج ومأجوجَ يَزيدون على سائرِ الإنسِ الضِّعْفَ ، وإن الجنَّ يزيدون على
(١) فى م، ت ١: (( تطرف)).
(٢) النُّشَّاب: السّهام. واحدته: نُشَّابَة. تاج العروس (ن ش ب).
(٣) أيْلَة: مدينة على ساحل بحر القُلْزُم - البحر الأحمر الآن - مما يلى الشام. وقيل: هى آخر الحجاز وأول
الشام. معجم البلدان ١/ ٤٢٢.
(٤) فى م، ت ٢: ((رأسه))، وفى ت ١، ف: ((راية)). والمثبت من ص موافق لما فى الدر المنثور.
(٥) يقال : لَقیتُه عند حاق المسجد، وعند حقٌّ بابه. أی بقُربه. ينظر تاج العروس (ح ق ق).
(٦) أخرجه أبو عمرو الدانى فى السنن الواردة فى الفتن (٦٧٦) من طريق ربعى به مختصرا نحوه، وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ٣٣٧/٤ إلى المصنف .

٣٩٩
سورة الأنبياء : الآية ٩٦
الإنسِ الضِّعفَ، وإن يأجوج ومأجوجَ رَجُلانِ اسمُهما يأجوج ومأجوجُ(١).
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شُعْبَةُ، عن أبى
إسحاقَ ، قال: سَمِعتُ وهبَ بنَ جابرٍ يُحدِّثُ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عمرٍو أنه قال : إن
يأجوج ومأجوجَ يَمُوُّ أوَّلُهم بنهرٍ مثلِ دِجْلَةً ، ويمُّ آخِرُهم فيقولُ: قد كان فى هذا مَرَّةٌ
ماءٌ. لا يموتُ رجلٌ منهم إلا ترَك مِن ذُرِّيَّتِه ألفًا فصاعِدًا. وقال: مِن بعدِهم ثلاثُ أَتَم
لا يَعْلَمُ عددَهم إلا اللَّهُ؛ تاويلُ، وتاريسُ، وناسكٌ أو منسكٌ. شَكَّ شعبةٌ(٢).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفيانُ، عن أبى إسحاقَ ، عن
وهبِ بنِ جابرِ الخَيْوَانيّ ، قال: سألتُ عبدَ اللهِ بنَ عمرو عن يأجوج ومأجوجَ ؛ أمِن
بنى آدمَ هم ؟ قال: نعم ، ومِن بعدِهم ثلاثُ أمم لا يعلمُ عددَهم إلا اللَّهُ؛ تاريسُ،
وتاويلُ ، ومنسكٌ .
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا (٣ سهلُ بنُ حَمَّادٍ أبو عَتَّب٣ٍ)، قال: ثنا شُعْبةُ، عن
التُّعْمانِ بنِ سالم ، قال : سَمِعتُ نافعَ بنَ جُبيرِ بنِ مُطْعم يقولُ : قال عبدُ اللَّهِ بنُ عمرو :
يأجوج ومأجوجُ لهم أنهارٌ يَلَغُونَ (٤) ما شائُوا، ونساءٌ يُجامِعون ما شاءُوا، وشجرٌ
(١) عزاه السيوطى بنحوه فى الدر المنثور ٢٤٩/٤ إلى ابن أبى حاتم، وفى لفظه: ((يزيدون على الإنس
الضعفين وإن الجن يزيدون على الإنس الضعفين)).
(٢) أخرجه نعيم بن حماد فى الفتن (١٦٥٦) عن محمد بن جعفر به، وأخرجه أبو عمرو الدانى فى السنن
الواردة فى الفتن (٦٨٠)، والحاكم ٤٩٠/٤ من طريق شعبة به .
(٣ - ٣) فى ص، ت ١، ف: ((سهل بن حاتم أبو عتاب))، وفى ت ٢: ((إسماعيل بن حاتم أبو أعتات)).
وينظر تهذيب الكمال ١٧٩/١٢.
(٤) فى م: ((يلقمون))، وفى ت ١، ت ٢: ((يلقون))، وفى ف: ((يلعون)).
وولَغ السَّبْعُ والكلبُ، وكلّ ذى خَطْم فى الإناء وفى الشراب ، ومنه، وبه ، أى : شرب ما فيه بأطراف
لسانه ، أو أدخل لسانه فيه فحرّكه . ينظر تاج العروس (ول غ).

٤٠٠
سورة الأنبياء : الآية ٩٦
يَلْقَمُون ما شاءُوا، ولا يموتُ رجلٌ(١) إلا تَرَكُ مِن ذُرِّيَّتِه ألفًا فصاعدًا(١).
حدَّثنا محمدُ بنُ عُمارةَ ، قال: ثنا( عُبَيْدُ اللَّهِ بنُ موسى، قال: أخبرنا ز کریا،
عن عامٍ، عن عمرو بن ميمونٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ سَلَامٍ، قال: ما مات أحدٌ مِن يأجوج
ومأجوجَ إِلا تَرَك ألفَ ذُرِّىٌّ(٤) فصاعدًا(٥).
حدَّثنى يحيى بنُ إبراهيمَ المَسْعُودىُّ، قال: ثنا أبى ، عن أبيه، عن جدِّه، عن
الأعمش ، عن عطيةً ، قال: قال أبو سعيدٍ: يَخرُجُ يأجوج ومأجوجُ فلا يَثْوُ كون أحدًا
إِلا قَتَلوه، إلا أهلَ الحُصونِ، فَيَمُرُّون على البُحَيرةِ فِيَشْرَبونها، فيَمُوُ المارُّ فيقولُ:
كأنَّه كان ههنا ماء. قال: فيَبْعَثُ اللَّهُ عليهم النَّغَفَ حتى يَكْسِرَ أَعناقَهم فِيَصِيروا
حَبالاً، فيقولُ أهلُ الحصونِ: لقد هَلَك أعداءُ اللَّهِ . فيُدَلَّون رجلًا لِيَنْظُرَ، ويَشْتَرِطُ
عليهم إن وَجَدهم أحياءٌ أَن يَرْفَعُوه، فيَجِدُهم قد هَلَكُوا. قال: فَيُنْزِلُ اللَّهُ ماءً مِن
السماءِ، " فَيَقْذِفُ بهم فى البحرِ، فَتَطْهُرُ الأرضُ منهم، ويَغْرِسُ الناسُ بعدَهم
الشجرَ والنخلَ، وتُخرِجُ الأرضُ ثمرتَها، كما كانت تُخرجُ فى زمنٍ يأجوج
ومأجوج(٧) ..
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن
(١) بعده فى ت ٢: ((منهم)).
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٥٠/٤ إلى المصنف.
(٣ - ٣) فى م، ت ١، ف: ((عبد الله)).
(٤) فى م: (( ذرء)).
(٥) أخرجه نعيم بن حماد فى الفتن (١٦٤٣) من طريق زكريا به، وعزاه السيوطى فى الدرالمنثور ٢٥٠/٤ إلى
ابن أبى شيبة .
(٦ - ٦) فى م: ((فيقذفهم)).
(٧) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٣٧/٤ إلى المصنف.