النص المفهرس

صفحات 361-380

٣٦١
سورة الأنبياء : الآيتان ٨٣، ٨٤
أُفرِغُ سْعِى /لك(١) وبصَرى، وليلى ونهارِى، بالذكرِ والحمدِ ، والتقديسِ والتهليلِ. ٧٠/١٧
فينصرِفُ عدُّ اللَّهِ من عندِه لم يُصِبْ منه شيئًا مما يريدُ .
قال : ثم إن اللَّهَ تبارك وتعالى قال : كيف رأيتَ أيوبَ ؟ قال إبليسُ : أيوبُ قد
علِيمٍ أنك ستؤُدُّ عليه مالَه وولدَه، ولكن سلِّطنى على جسدِهِ، فإن أصابَه الضرّ فيه
أَطاعَنى وعَصاك. قال: فسُلُّط على جسدِهِ، فأتاه فنفَخ فيه نفخةً قَرِح من لَّدُن قرنِه
إلى قدَمِه . قال: فأصابَه البلاءُ بعدَ البلاءِ، حتى حُمِل [٣٩١/٢ظ] فوُضِعَ على مَزْبلَةِ
كُناسةٍ لبنى إسرائيلَ، فلم يبقَ له مالٌ ولا ولَدّ ولا صَديقٌ ولا أحدٌ يَقْرَبُه غيرُ زوجَتِهِ ،
صبّرت معه، تَصَدَّقُ(١) و(٢) تأتيه بطعام، وتحمَدُ اللَّهَ معه إذا حمِد، وأيوبُ على ذلك
لا يفتُرُ من ذكرِ اللَّهِ والتحميدِ والثناءِ على اللَّهِ، والصبر على ما ابتلاهُ اللَّهُ.
قال الحسنُ : فصرَّخ إبليسُ عدوُ اللَّهِ صرخةً جمَع فيها جنودَه من أقطارِ الأرضِ
جزَعًا من صبرٍ أيوبَ، فاجتَمَعوا إليه وقالوا له: اجْتَمَعْناً(٤)، ما حَزَبَك (٥) ؟ ما أعياكَ ؟
قال : أعيانى هذا العبدُ الذى سألتُ رَبِّى أن يُسلِّطَنى على مالِهِ وولَدِه، فلم أَدَعْ له مالًا
ولا ولَدًا، فلم يزدَدْ بذلك إلا صبرًا وثناءً على اللَّهِ وتحميدًا له، ثم سُلِّطتُ على جسَدِه
فترَكتُه قُرْحةً ملقاةً على كُنَاسةِ بنى إسرائيلَ، لا يقرَبُه إلا امرأتُه، فقد افتضَحْتُ
برَبِّى، فاستعَنْتُ بكم، فأعينونى عليه. قال: فقالوا له: أين مكرك؟ أين عِلمُك
الذى أهلَكْتَ به من مضَى ؟ قال: بطَل ذلك كلُّه فى أيوبَ ، فأَشيروا علىّ . قالوا :
(١) سقط من: م.
(٢) فى م: ((بصدق))، وفى ت ٢: ((فتصدق)). وتصدق هنا بمعنى: تسأل. ينظر اللسان (ص د ق).
(٣) بعده فى م: ((كانت)).
(٤) فى م: (( جمعتنا)).
(٥) فى م، ت ٢: ((خبرك))، وفى ت ١، ف: ((أحزنك)). وحزبه الأمر: نابه، واشتد عليه، وقيل:
ضغطه . اللسان (ح ز ب).

٣٦٢
سورة الأنبياء : الآيتان ٨٣، ٨٤
نُشيرُ عليك، أرأيتَ آدمَ حينَ أُخرَجْتَه من الجنةِ ، من أين أتيتَه؟ قال : من قِبَلِ امرأته .
قالوا : فشأنُك بأيوبَ مِن قَبَلِ امرأتِه ، فإنه لا يستطيعُ أن يَعصِيَها ، وليس أحدٌ يقرَبُه
غيرُها . قال : أصبْتُم . فانطلَق حتى أتى امرأته وهى تَصَدَّقُ ، فتمثَّل لها فى صورةٍ
رجلٍ، فقال: أينَ بعلُكِ يا أمةَ اللَّهِ؟ قالت: ها هو ذاك يحُكُّ قروحه، وتتردَّدُ
الدوابُ فى جسَدِهِ. فلما سمِعها طمِع أن تكونَ كلمةً جزَعِ، فوقَع فى صَدْرِها ،
فوشوَسَ إليها، فذكّرها ما كانت فيه من النِّعَم والمالِ والدوابِّ، وذكّرها جمالَ
أيوبَ وشبابَه، وما هو فيه من الضرّ، وأن ذلك لا ينقَطِعُ عنهم أبدًا. قال الحسنُ:
فصرَخت. فلما صرَخت علِم أن قد صرَخت وجَزِعَتْ ، أتاها بسَخْلةٍ ، فقال :
لیذبح هذا إلىّ أیوب ویبرأً . قال: فجاءت تصرُخُ : یا ایوبُ ، یا أيوبُ ، حتى متى
يعذِّبُك رَبُّك؟ ألا يرحَمُك؟ أينَ الماشيةُ؟ أين المالُ؟ أين الولَدُ؟ أين الصديقُ؟ أين
لونُك الحسَنُ؟ قد تغيَّر وصارَ مثلَ الرمادِ ، أينَ جسمُك الحسنُ الذى قد بلی وتردَّدَ
فيه الدوابُّ؟ اذبَحْ هذه السَّخْلَةَ واسترِعْ. قال أيوبُ : أتاكِ عدوُّ اللَّهِ فنفَخ فيكِ،
فوجَد فيكِ رِفْقًا وأَجَبتِه ، ويَلَكِ، أرأيتِ ما تبكين عليه مما تذكُرِين مما كنا فيه من المالِ
والولَدِ والصحةِ والشبابِ ، من أعطانيه؟ قالت: اللَّهُ. قال: فكم متَّعَنا به؟ قالت :
ثمانين سنةً . قال: فمُذْ كم ابتلانا اللَّهُ بهذا البلاءِ الذى ابتَلانا به؟ قالت: منذُ سبع
سنين وأشهرٍ. قال : ويلَكِ! واللَّهِ ما عدَلتِ ولا أنصَفتِ رَبَّك، ألا صبرتٍ حتى
نكونَ فى هذا البلاءِ الذى ابتلانا رَبُّنَا به ثمانين سنةً كما كُنا فى الرخاءِ ثمانين سنةً ؟
واللَّهِ لئن شفانى اللَّهُ لأجْلِدنَّكِ مائةَ جلدةٍ ، هِيهِ، أمرتِينى أن أَذْبَح لغيرِ اللَّهِ، طعامُك
وشرابُك الذى تأتينى به علىَّ حرامٌ، وأن أَذُوقَ ما تأتينى به بعدُ ، إذ قلتٍ لى هذا
فاغرُبى عَنِّى، فلا أراكِ. فطردَها فذهَبت، فقال الشيطانُ: هذا قد وطَّن نفسَه
٧١/١٧ ثمانين سنةً على هذا البلاءِ الذى هو فيه، / فباءَ بالغلَبةِ ورفَضه. ونظَر أيوبُ إلى امرأتِه

٣٦٣
سورة الأنبياء : الآيتان ٨٣، ٨٤
قد طرَدها، وليس عندَه طعامٌ ولا شرابٌ ولا صَديقٌ . قال الحسنُ: ومرَّ به رجلانِ
وهو على تلك الحالِ ، ولا واللَّهِ ما على ظهْرِ الأرضِ يومئذٍ أكرَمُ على اللَّهِ من أيوبَ،
فقال أحدُ الرجلين لصاحبِهِ: لو كان للَّهِ فى هذا حاجةٌ ما بلَغ به هذا. فلم يسمَعْ
أيوبُ شيئًا كان أشدَّ عليه من هذه الكلمةِ(١).
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ، قال : ثنى حجاجٌ ، عن جريرِ بنِ حازمٍ، عن
عبدِ اللهِ بنِ عُبيدِ بنِ عُميرٍ ، قال: كان لأيوبَ أخوانٍ ، فأتياه ، فقاما من بعيدٍ لا
يقدِرانِ أن يدنوًا منه من رِيحِه، فقال أحدُهما لصاحبِه: لو كان اللَّهُ علِم فى أيوبَ
خيرًا ما ابتلاه بما أرَى. قال: فما جزِع أيوبُ من شىءٍ أصابَه جزَعَه من كلمةٍ
الرجلِ ، فقال أيوبُ: اللهمَّ إن كنتَ تعلَمُ أنى لم أَبِتْ ليلةً شبعانَ قطَّ وأنا أعلَمُ مكانَ
جائع فصَدِّقْنى. فصُدِّق وهما يسمَعانِ ، ثم قال: اللهمَّ إن كنتَ تعلَمُ أنى لم أتخِذْ
قَمِيصَين قطُّ وأنا أعلَمُ مكانَ عارٍ فصَدِّقْنى. فصُدِّق وهما يسمعانِ. قال: ثم خَرَّ
ساجدًا(٢).
فحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: فحدَّثنى مخلدُ بنُ الحسينِ، عن
هشامٍ ، عن الحسنِ، قال: فقال: ربِّ ﴿أَنِي مَسَّنِىَ الضُّرُّ﴾. ثم ردَّ ذلك إلى رَبِّه
فقال: ﴿ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الزَّحِينَ﴾(٢).
حدَّثْنا القاسمُ، قال : ثنا الحسينُ، قال : ثنى حجاجٌ، عن جريرٍ، عن عبدِ اللَّهِ
ابنِ عبيدِ بنِ عميرٍ، قال: فقيل [٣٩٢/٢و] له: ارفَعْ رأسَك فقد استُجِيب لك.
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢٨/٤، ٣٢٩ إلى المصنف.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم - كما فى البداية والنهاية ٥١٠/١ - وابن عساكر فى تاريخه ٦٢/١٠ من طريق
جرير بن حازم به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢٧/٤ إلى ابن أبى شيبة وأحمد فى الوهد وعبد بن حميد
وابن المنذر .
(٣) أخرجه ابن عساكر فى تاريخه ٦٣/١٠ من طريق مخلد بن الحسين به .

٣٦٤
سورة الأنبياء: الآيتان ٨٣، ٨٤
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ، قال : ثنى حجاجٌ ، عن مباركٍ ، عن الحسنِ،
ومخلذٌ ، عن هشام ، عن الحسنِ، دخَل حديثُ أحدِهما فى الآخرِ ، قالا : فقيل له :
﴿ أَرَّكُضْ بِجْلِكَّ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ [ص: ٤٢]. فركَض برجلِه فنبعَت عينٌ ،
فاغتسَل منها ، فلم يبقَ عليه من دائِه شىءٌ ظاهرٌ إلا سقَط، فأُذهَب اللَّهُ كلَّ ألم وكلَّ
سَقَمٍ ، وعاد إليه شبابُه وجمالُه أحسنَ ما كان وأفضلَ ما كان ، ثم ضرَب برجله،
فنبَعت عينٌ أُخرى فشرِب منها، فلم يبقَ فى جوفِه داءٌ إلا خرَج، فقام صحيحًا ،
وكُسِى حُلةً . قال: فجعَل يتلقَّتُ ولا يَرَى شيئًا مما كان له من أهل ومالٍ إلا وقد
أَضعَفه اللَّهُ له، حتى واللَّهِ ذُكِر لنا أن الماء الذى اغتسل به تطایر علی صدرِه جرادًا من
ذهَبٍ. قال: فجعَل يضُّه بيدِه، فأوحَى اللَّهُ إليه: يا أيوبُ ألم أُغنِك؟ قال : بلَى،
ولكنها بر گتك ، فمن يشبئُ منها ! قال : فخرج حتى جلس علی مکانٍ مُشرِفٍ ، ثم
إن امرأتَه قالت: أرأيتٍ إن كان طردَنى إلى مَن أكِلُه؟ أَدَعُه يموتُ جوعًا أو يَضيغُ
فتأكُلُه السّباعُ؟ لأرجِعنَّ إليه . فرجَعتْ ، فلا كُناسةً تَرَى ، ولا من تلك الحالِ التى
كانت، وإذا الأمورُ قد تغيَّتْ، فجعَلت تطوفُ حيثُ كانت الكُناسةُ وتَبْكِى ،
وذلك بعين أيوبَ . قال (١): وهابَتْ صاحِبَ الحُلَّةِ أن تأتيه فتسألَه عنه ، فأرسل إليها
أيوبُ فدعاها، فقال: ما تُزيدين يا أمّةَ اللَّهِ؟ فبكَتْ وقالت : أردتُ ذلك المبتَلَى الذى
كان مَنْبوذًا على الكُناسةِ ، لا أدرِى أضاعَ أم ما فعَل ؟ قال لها أيوبُ : ما كان منك ؟
فبكَت وقالت : بَعلى ، فهل رأيته؟ وهى تبكى ، إنه قد كان هلهنا. قال: وهل تعرِفِينَه
٧٢/١٧ إذا رأَيتِه(٢)؟ قالت: وهل يَخْفَى على / أحدٍ رآه؟ ثم جعلت تنظر إليه وهی تهاُه، ثم
قالت : أما إنه كان أشبهَ خلْقِ اللَّهِ بك إذ كان صحيحًا. قال: فإنى أنا أيوبُ الذى
أمرتِينى أن أذبَح للشيطان ، وإنى أطعتُ اللَّهَ وعَصيتُ الشيطانَ، فدعوتُ اللَّهَ فردَّ علىّ
(١) فى م: ((قالت)).
(٢) فی م: ( رأيتيه ».

٣٦٥
سورة الأنبياء : الآيتان ٨٣، ٨٤
ما تَرَين . قال الحسنُ: ثم إن اللَّهَ رحِمها بصبرِها معه على البلاءِ، أن أُمَره تخفيفًا عنها
أن يأخُذَ جماعةً من الشجَرِ فيضرِبَها ضربةً واحدةً تخفيفًا عنها بصبرٍها معه (١).
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى ، قال : ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِ مَسَّنِىَ الضُّرُّ﴾ إلى آخرِ
الآيتين: فإنه لما مشَه الشيطانُ بنصْبٍ وعذابٍ، أنساهُ اللَّهُ الدعاءَ؛ أن يدعُوَه
فيكشِفَ ما به من ضُرٍّ، غيرَ أنه كان يذكُرُ اللَّهَ كثيرًا، ولا يزيدُه البلاءُ فى اللَّهِ إِلا رغبةً
وحُسْنَ إِيمانٍ ، فلمَّا انتهى الأجلُ، وقضَى اللَّهُ أنه کاشِفٌ ما به من ضُرٍّ، أذن له فى
الدعاءِ، ويسّره له، وكان قبلَ ذلك يقولُ تبارك وتعالى: لا ينبغى لعبدِى أيوبَ أن
يدعوَنى ثم لا أستجيبَ له. فلمَّا دَعا استجابَ له، وأبدَله بكل شىءٍ ذهَب له
ضِعفَين؛ رَدَّ إليه أهلَه ومثلَهم معهم، وأثنى عليه فقال: ﴿ إِنَّا وَجَدْنَهُ صَابِرَأْ نِعْمَ الْعَبْدُ
إِنَّهُ: أَوََّبٌ﴾(١).
واختلف أهلُ التأويل فى ((الأهْل)) الذين(٢) ذكَر اللَّهُ فى قوله: ﴿وَءَاتَيْنَهُ
أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ ﴾. أهُم أهلُه الذين أُوتيهم فى الدنيا؟ أم ذلك وَعْدٌ وعَده اللَّهُ
أيوبَ أن يفعَلَ به فى الآخرةِ؟ فقال بعضُهم: إنما آتَى اللَّهُ أيوبَ فى الدنيا مثلَ أهلِه
الذين هلكوا ، فإنهم لم يُرَدّوا عليه فى الدنيا ، وإنما وعَد اللَّهُ أيوبَ أن يؤتيَه إِيَّاهم فى
الآخرةِ .
حدَّثنى أبو السائبِ سلْمُ بنُ جنادةَ ، قال : ثنا ابنُ إدريسَ، عن ليثٍ ، قال :
أرسَل مجاهدٌ رجلًا، يقالُ له: قاسمٌ ، إلى عكرمةَ يسألُه عن قولِ اللَّهِ لأيوبَ :
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢٩/٤ إلى المصنف من تمام الأثر المتقدم فى ص ٣٦٠-٢٦٣.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢٨/٤ إلى المصنف.
(٣) فى م: ((الذى)).

٣٦٦
سورة الأنبياء : الآية ٨٤
وَءَاتَيْنَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾. فقال: قيلَ له : إن أهلَك لك فى الآخرةِ،
فإن شئْتَ عجَّلناهم لك فى الدنيا، وإن شئتَ كانوا لك فى الآخرةِ ، وَآتيناكَ مثلَهم
فى الدنيا . فقال: يكونون لى فى الآخرة. وأُوتِى مثلَهم فى الدنيا . قال: فرجع إلى
مجاهدٍ ، فقال : أصابَ(١) .
وقال آخرون : بل رَدَّهم إليه بأعيانِهم ، وأعطاه مثلَهم معَهم .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدّثنا ابنُ حمیدٍ ، قال(٢) : ثنا حكّامُ بنُ سلم ، عن أبی سنانٍ ، عن ثابت ، عن
الضحاكِ، عن ابن مسعودٍ: ﴿ وَءَاتَيْنَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ﴾. قال: أهلَه
(٣)
بأعیانھم(٢) .
حدّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی أُبی ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ: لما دَعا أيوبُ استجابَ(٤) له، وأبدَله بكلِّ شيءٍ ذهَب له
ضِعفين، رَدَّ إليه أهلَه ومثلَهم معَهم(٥).
حدَّثنا القاسمُ، قال : ثنا الحسينُ ، قال: ثنی حجاج، عن ابنٍ جريجٍ، عن
مجاهدٍ: ﴿ وَوَهَبْنَا لَهُدْ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَّعَهُمْ﴾. قال: أحياهُم بأعيانِهم، ورَدَّ إليه
(٦)
مثلَهم(١).
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢٨/٤ إلى المصنف.
(٢) بعده فى ت ١: (( ثنا سلمة قال)).
(٣) أخرجه الطبرانى فى الكبير ٢٥٤/٩ من طريق أبى سنان به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢٨/٤ إلى
ابن أبى شيبة وابن المنذر.
(٤) بعده فى م: ((الله)).
(٥) تقدم تخريجه فى الصفحة السابقة .
(٦) ینظر تفسير ابن كثير ٣٥٧/٥.

٣٦٧
سورة الأنبياء : الآية ٨٤
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ فى قوله :
﴿وَءَتَيْنَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم / مَعَهُمْ﴾. قال: قيلَ له: إن شئتَ أخْتَيناهم لك، وإن ٧٣/١٧
شِئْتَ كانوا لك فى الآخرة، وتُعطَى مثلَهم فى الدنيا. فاخْتارَ أن يكونوا له(١) فى
الآخرة ومثلهم فى الدنيا .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَءَاتَيْنَهُ أَهْلَهُ
وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ﴾. قال الحسنُ وقتادةُ: أَخْيا اللَّهُ أهلَه بأعيانِهم، وزاده إليهم
(٢)
مثلَهم (١).
وقال آخرون : بل آتاه المثلَ مِن نسلِ مالِه الذى ردَّه عليه وأهلِه، فأما الأَهلُ والمالُ
فإنه ردَّهما عليه بأعيانِهما(٣).
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأُعلى ، قال : ثنا ابنُ ثورٍ ، عن معمرٍ ، عن رجلٍ، عن الحسنِ :
﴿ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ﴾. قال: مِن نسلِهم(٤) .
وقولُه: ﴿رَحْمَةً﴾. نُصِبَت بمعنى: فعَلْنا ذلك بهم رحمةً منَّا له (٥).
وقولُه: ﴿ وَذِكْرَىْ لِلْعَبِدِينَ﴾. يقولُ: وتذكرةً للعابدين ربَّهم فعَلْنا ذلك
به ، ليَعْتَبِروا به، ويَعْلَموا أن اللَّهَ قد يَتَلِى أولياءَه ومَن أَحَبَّ مِن عباده فى الدنيا
بضُروبٍ مِن البلاءِ، فى نفسِه وأهلِه ومالِه ، من غيرِ هَوانٍ به عليه ، ولكن اختبارًا منه
(١) سقط من: م، ت ١، ف .
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢٨/٤ إلى المصنف.
(٣) سقط من: م.
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢٨/٤ إلى المصنف.
(٥) فی ت ٢، ف: ((لهم)).

٣٦٨
سورة الأنبياء : الآيات ٨٤ - ٨٦
له، لِيَبْلُغَ بصبرِه عليه، واحتسابِه إياه، وحسنٍ يقينِه - منزلته التى أَعَدَّها له تبارك
وتعالى مِن الكرامةِ عندَه .
وقد حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ، قال : ثنى حجاجٌ ، عن أبى معشرٍ ، عن
محمدِ بنِ كعبِ القُرَظِىِّ فى قوله: ﴿رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَبِدِينَ﴾.
" وقوله: ﴿رَحَْةُ مِنَا وَذِكْرَى لِأُوْلِ الْأَلْبَبِ﴾(١) [ص: ٤٣]. قال: أَيُّما مؤمنٍ أصابَه
بلاءٌ، فذكر ما أصاب أيوبَ ، فلْيَقُلْ: قد أصاب مَن هو خيرٌ منا؛ نبيًّا مِن الأنبياءِ.
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿ وَإِسْمَئِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِّ كُلُّ مِّنَ
(69) وَأَدْخَلْنَهُمْ فِي رَحْمَتِنَّ إِنَّهُمْ مِنَ الصَّلِينَ
الصَّبِينَ
٨٦
يعنى تعالى ذكرُه بإسماعيلَ: إسماعيلَ بنَ إِبراهيم صادقَ الوعدِ ، ویإدريسَ :
خَنُوخَ(٢) ، وبذى الكِفْلِ: رجلًا تكَفَّل مِن بعضِ الناسِ، إما مِن نبىٌّ وإما مِن ملكٍ مِن
صالحى الملوكِ، بعملٍ مِن الأعمالِ ، فقام به مِن بعدِهِ ، فأثْنَى اللهُ عليه حسنَ وفائِه بما
تكَفَّل به، وجعَله مِن المعدودين فى عبادِه، "مع مَن حمِد١) صبرَه على طاعةِ اللهِ.
وبالذى قلنا فى أمرِه جاءت الأخبارُ عن سلفِ العلماءِ.
ذكرُ الروايةِ بذلك عنهم
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارِ ، قال : ثنا مُؤَمَّلٌ ، قال: ثنا سفيان ، عن الأعمش ، عن
المِنْهالِ بنِ عمٍو، عن عبدِ اللَّهِ بنِ الحارثِ، أن نيًّا مِن الأنبياءِ، قال: مَن يَكْفِلُ(٤) لى
(١ - ١) سقط من: م، ت ١، ف.
(٢) فى ص: ((حنوح))، وفى م، ت ١، ف: ((أخنوخ)). وهذا الأخير مما قيل فيه. وينظر فتح البارى ٦/ ٣٧٣،
والتاج (خ ن خ).
(٣ - ٣) فى ت ٢: ((من حسن).
(٤) فى م، ت ٢: ( تكفل )).

٣٦٩
سورة الأنبياء : الآية ٨٥
أن يصومَ النهارَ، ويقومَ الليلَ، ولا يَغْضَبَ ؟ فقام شابٌّ فقال: أنا. فقال: اجْلِسْ. ثم
عاد فقال: مَن يَكْفُلُ(١) لى أن يقومَ الليلَ، ويصومَ النهارَ، ولا يَغْضَبَ ؟ فقام ذلك
الشابُّ فقال: أنا . فقال: انْلِسْ. ثم عاد فقال: مَن يَكْفُلُ(١) لى أن يقومَ الليلَ،
ويصومَ النهارَ، ولا يَغْضَبَ؟ فقام ذلك الشابُ فقال: أنا . فقال: تقومُ الليلَ، وتصومُ
النهارَ، ولا تَغْضَبُ؟ /فمات ذلك النبىُ، فجلس ذلك الشابُّ مكانَه يَقْضِى بينَ ٧٤/١٧
الناسِ، فكان لا يَغْضَبُ ، فجاءه الشيطانُ فى صورةِ إنسانٍ لُغْضِبَه، وهو صائمٌ يُرِيدُ
أن يَقِيلَ(١) ، فضرَب البابَ ضربًا شديدًا، فقال: مَن هذا؟ فقال: رجلٌ له حاجةٌ .
فَأرْسَل معه رجلًا، فقال: لا أرْضَى بهذا الرجلِ. فأرسَل معه آخرَ، فقال: لا أَرْضَى
بهذا. فخرَج إليه، فأخَذ بيدِه، فانْطَلَق معه، حتى إذا كان فى السوقِ خلَّه وذهَب،
فشمّى ذا الكِفْلِ(٣).
حدَّثنا ابنُ المثنى ، قال: ثنا عفانُ بنُ مسلم ، قال: ثنا وُهَيْبٌ ، قال: ثنا داودُ،
عن مجاهدٍ ، قال: لما كبِر الْيَسَعُ قال: لو أنى اسْتَخْلَفْتُ رجلًا على الناسِ يَعْمَلُ
عليهم فى حياتى حتى أَنْظُرَ كيف يَعْمَلُ. قال: فجمَع الناسَ، فقال: مَن يَتَقَبَّلْ(
لى بثلاثٍ أَسْتَخْلِفْه؛ يصومُ النهارَ، ويقومُ الليلَ، ولا يَغْضَبُ ؟ قال: فقام رجلٌ
تَزْدَرِيه العينُ، فقال: أنا . فقال: أنت تصومُ النهارَ، وتقومُ الليلَ، ولا تَغْضَبُ؟
قال : نعم ، فردَّهم ذلك اليومَ ، وقال مثلَها اليوم الآخر، فسكت الناسُ ، وقام ذلك
الرجلُ، فقال: أنا . فاسْتَخْلَفه. قال: فجعَل إبليسُ يقولُ للشياطينِ: عليكم
(١) فى م، ت٢: (( تكفل)).
(٢) فى ت ١: ((يفتن)).
(٣) أخرجه ابن عساكر ٣٧٣/١٧ من طريق سفيان به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٣٢/٤ إلى عبد بن
حميد وابن أبى الدنيا فی ذم الغضب وابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٤) فى ف: ((يقبل))، وفى الدر: ((يتكفل))، ويتقبل، من قَبْل - بالفتح -: إذا كَفَل، وقَبُل - بالضم - إذا
( تفسير الطبرى ٢٤/١٦ )
صار قبيلا: أى كفيلا. وينظر النهاية ٤ / ١٠.

٣٧٠
سورة الأنبياء : الآية ٨٥
بفلانٍ. فأعْياهم ، فقال: دَعُونى وإياه. فأتاه فى صورةٍ شيخ كبيرٍ فقيرٍ، فأتاه حينَ
أَخَذ مَضْجَعَه للقائلةِ، وكان لا يَنامُ الليلَ والنهارَ إلا تلك النَّوْمَةَ، فدقَّ البابَ،
فقال: مَن هذا؟ قال: شيخٌ كبيرٌ مظلومٌ. قال: فقام ففتح البابَ، فجعَل يَقُصُّ
عليه، فقال: إن بينى وبينَ قومى خُصومةً، ( وإنهم ظلَمونى(١) وفعلوا بى وفعلوا .
فجعَل يُطَوِّلُ عليه حتى حضَرِ الرَّوَاحُ، وذَهَبت القائلةُ، وقال: إذا رُحْتُ فَأْتِنِى آخُذْ
لك بحقِّك. فانْطَلَق وراح ، فكان فى مجلسِه، فجعَل يَنْظُرُ هل يَرَى الشيخَ، فلم
يَرَه، فجعَل يَتْتَغِيه، فلمَّا كان الغدُ جعَل يَقْضِى بينَ الناسِ، [٣٩٣/٢ و] ويَنْتَظِرُه فلا
يَراه، فلمَّا رجَع إلى القائلةِ ، فأُخَذ مَضْجَعَه، أتاه فدقُّ البابَ ، فقال: مَن هذا؟
قال: الشيخُ الكبيرُ المظلومُ. ففتح له، فقال: ألم أَقُلْ لك : إذا قعَدْتُ فَأْتِنى؟
فقال : إنهم أخبثُ قوم إذا عرفوا أنك قاعدٌ ، قالوا: نحن نُعْطِيك حقَّك. وإذا قمْتَ
جحَدونى. قال: فانْطَلِقْ فإذا رُحْتُ فَأْتِنِى. قال: ففاتته القائلةُ، فراح فجعَل يَنْظُرُ
فلا يراه ، فشقَّ عليه النُّعاسُ، فقال لبعضِ أهلِه : لا تَدَعَنَّ أحدًا يَقْرَبُ هذا البابَ
حتى أنامَ ، فإنى قد شقَّ علىَّ النومُ. فلما كان تلك الساعةُ جاء، فقال له الرجلُ :
وراءَك . فقال: إنى قد أَتَّيْتُهُ(٢) أمسٍ، فذكَوْتُ له أمرى، قال: واللَّهِ لقد أمَرَّنا أن لا
نَدَعَ أحدًا يَقْرَبُه. فلمّا اغْیاه نظَر فرأَى كُوَّةً فى البيتِ، فتسَوَّر منها ، فإذا هو فى
البيتِ ، وإذا هو يَدُقُّ البابَ . قال: فاسْتَيْقَظ الرجلُ، فقال: يا فلانٌ، ألم آمُرْك؟
قال : أما مِن قِبَلى واللَّهِ فلم تُؤْتَ ، فانْظُرْ مِن أينَ أَتِيتَ . قال : فقام إلى البابِ ، فإذا
هو مُغْلَقٌ كما أَغْلَقه، وإذا هو معه فى البيتِ ، فعرفه فقال: أعدؤُّ اللَّهِ؟ قال: نعم ،
أَعْيَيْتَنى فى كلِّ شيءٍ، ففعَلْتُ ما تَرَى لِأَغْضِبَك. فسمَّاه اللَّهُ(٢) ذا الكِفْل؛ لأنه
(١ - ١) سقط من: ت ٢.
(٢) فى ص، ت ٢، ف: (( أتيتك)).
(٣) سقط من النسخ. واستدركناه من مصدرى التخريج.

٣٧١
سورة الأنبياء : الآية ٨٥
تَكَفَّل بأمرٍ فوقَّى به(١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن
مجاهدٍ فى قوله: ﴿ وَذَا أَلْكِفْلِّ﴾. قال : رجلٌ صالحٌ غيرُ نبىِّ، تكفَّل لنبىِّ قومِه
أن يَكْفِيَه أمرَ قومِه، " ويُقِيمَه لهم، ويَقْضِىَ بينَهم بالعدلِ ، ففعَل ذلك، فسُمِّىَ ذا
.. (٣)
الكِفْلِ(٣) .
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدّثنى
الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، /قال: ثنا وَرْقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبى نجيح، عن مجاهدٍ ٧٥/١٧
بنحوه ، إلا أنه قال : ويَقْضِىَ بينَهم بالحقِّ .
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريج، عن أبى
معشرٍ، عن محمدِ بنِ قيسٍ، قال: كان فى بنى إسرائيلَ ملكٌ صالحٌ، فكيِر، فجمع
قومَه، فقال: أَيُّكم تكفَّل(٤) لى بملكى هذا، على أن يصومَ النهارَ، ويقومَ الليلَ،
ويَحْكُمَ بينَ بنى إسرائيلَ بما أَنْزَل اللَّهُ، ولا يَغْضَبَ؟ قال: فلم يَقُمْ أحدٌ إلا فتّى
شابٌّ ، فازْدَراه لحداثةٍ سنّه، فقال: أَيُّكم تكَفَّلَ(٤) لى بملكى هذا، على أن يصومَ
النهارَ، ويقومَ الليلَ ، ولا يَغْضَبَ، ويَحْكُمَ بينَ بنى إسرائيلَ بما أَنْزَل اللَّهُ؟ فلم يَقُمْ إِلا
ذلك الفتى ، فازْدَراه، فلمَّا كانت الثالثةُ قال مثلَ ذلك، فلم يَقُمْ إلا ذلك الفتى،
فقال: تَعالَ. فخلَّى بينَه وبينَ ملكِه، فقام الفتى ليلَه (١)، فلما أصْبَح جعَل يَحْكُمُ بينَ
(١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٣٥٨/٥ عن المصنف، وعزاه إلى ابن أبى حاتم من طريق زهير، عن داود، عن مجاهد.
(٢ - ٢) فى مصدرى التخريج: ((يقيمهم له)).
(٣) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٣٥٨/٥ عن ابن جريج به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٣١/٤ إلى
المصنف وابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٤) فى ص، م، ت ١، ف: (( يكفل ؟.
(٥) فى م: ((ليلة)).

٣٧٢
سورة الأنبياء : الآية ٨٥
بنى إسرائيلَ ، فلما انْتَصَف النهارُ دخَل ليَقِيلَ ، فأتاه الشيطانُ فى صورةٍ رجلٍ مِن بنى
آدَمَ، فجذَب ثوبَه، فقال: أَتَنَامُ والخصومُ ببابِك؟! قال: إذا كان العشيةُ فَأُتْنِى.
قال: فانْتَظَرَه بالعشىِّ فلم يَأْتِه، فلما انْتَصَف النهارُ ودخَل لِيَقِيلَ ، جذَب ثوبَه ،
وقال: أتَنامُ والخصومُ ببابِك؟! قال: قلتُ لك: اثْنى العشىّ، فلم تَأْتِنِى، اثْنِى
العشيةً. فلما كان بالعشىِّ انْتَظَرَه فلم يَأْتٍ ، فلمَّا دخَل لِيَقِيلَ جذَب ثوبَه، وقال :
أتَنامُ والخصومُ ببابِك؟! قال: أُخْبِرْنى مَن أنت؟! لو كنتَ مِن الإنسِ سمِعْتَ ما
قلتُ! قال: هو الشيطانُ؛ جئتُ لأَغْيِتَك، فعضَمَك اللَّهُ منى. فقضَى بينَ بنى
إسرائيلَ بما أَنْزَل اللَّهُ زمانًا طويلًا، وهو ذو الكِفْلِ، سُمِّىَ ذا الكفلِ؛ لأنه تكفَلَّ
(١)
بالمُلْكِ(١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةً، عن أبى موسى
الأشعرىِّ أنه قال وهو يَخْطُبُ الناسَ: إن ذا الكِفْلِ لم يَكُنْ نبيًا، ولكن كان عبدًا
صالحاً، تكَفَّل بعملِ رجلٍ صالحٍ عندَ موتِه، كان يُصَلّى للَّهِ كلَّ يومٍ مائةَ صلاةٍ،
فأخْسَن اللَّهُ عليه الثناءَ فى كَفالتِه إياه .
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا الحكمُ، قال: ثنا عمرو، قال: أمّا ذو الكِفْلِ، فإنه
كان على بنى إسرائيلَ ملِكٌ ، فلما حضره الموتُ قال : مَن يَكْفُلُ لى أن يكفِیتی بنی
إسرائيلَ، ولا يَغْضَبَ، ويُصَلِّىَ كلَّ يومٍ مائةً صلاةٍ؟ فقال ذو الكِفْلِ: أنا . فجعَل ذو
الكِفْلِ يَقْضِى بينَ الناسِ ، فإذا فرَغ صلَّى مائةٌ صلاةٍ ، فكاده الشيطانُ ، فأُمْهَله حتى
إذا قضَى بينَ الناسِ ، وفرَغ مِن صلاتِه ، وأخَذ مضجعَه فنام ، أتَى الشيطانُ بابه فجعَل
يَدُقُّه، فخرَج إليه، فقال: ظُلِمْتُ وصُنِع بى وصُنِعٍ. فأعطاه خاتمَه، وقال: اذْهَبْ
(١) ينظر تفسير ابن كثير ٣٥٩/٤.

٣٧٣
سورة الأنبياء : الآيات ٨٥ - ٨٧
فأتِنِى بصاحبِك. وانْتَظَرَه، فأبْطَأ عليه الآخرُ، حنى إذا عرَف أنه قد نام، وأخَذ
مضجعَه، أَتَّى البابَ أيضًا كى يُغْضِبَه، فجعَل يَدُقُّه، وخدَش وجهَ نفسِه،
فسالَت (١) الدماءُ، فخرج إليه فقال: مالك؟ فقال: لم يَتْبَعْنى وضُربتُ وفعَل. فأخَذه
ذو الكِفْلِ، وأنْكَر أمرَه، فقال: أُخْبِرْنى مَن أنت؟ وأخَذَه أخذًا شديدًا، قال: فأخبره
من هو .
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنى معمرٌ، عن قتادةً فى
قوله: ﴿ وَذَا الْكِفْلِّ﴾. قال : قال أبو موسى الأشْعَرىُّ: لم يَكُنْ ذو الكِفْلِ نبيًّا،
ولكنه كفَل بصلاةِ رجلٍ كان يُصَلَّى كلَّ يومٍ مائةً صلاةٍ فتُوفِّىَ(٢) ، فكفَل بصلاتِه،
فلذلك سُمِّى ذا الكِفْلِ (١) .
ونصَب ﴿ إِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ﴾ عطفًا على /﴿ أَيُوَبَ﴾، [٣٩٣/٢ظ] ٧٦/١٧
ثم اسْتُؤْنِف بقوله: ﴿كُلِّ﴾. فقال: ﴿كُلُّ مِّنَ الصَّبِينَ﴾. ومعنى
الكلامِ: كلُّهم مِن أهلِ الصبرِ فيما نابَهم فى اللَّهِ.
وقولُه: ﴿وَأَدْخَلْنَهُمْ فِى رَحْمَيِّنَاً إِنَّهُم ◌ِنَ الصَّلِينَ﴾. يقولُ تعالى
ذكره: وأدْخَلْنا إسماعيلَ وإدريسَ وذا الكِفْلِ. والهاءُ والميمُ عائدتان عليهم.
﴿﴿فِي رَحْمَيِّنَاً إِنَّهُم مِّنَ الضَكِحِينَ﴾. يقولُ: إنهم ممن صلَح، فأطاع اللَّهَ،
وعمِل بما أمَره .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَضِبًا فَظَنَّ أَن لَّنْ تَّقْدِرَ
(١) فى ت ١: ((حتى سالت)).
(٢) فى ص، م، ت ١، ف: (( فونى)).
(٣) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٢٧ - ومن طريقه ابن عساكر فى تاريخه ٣٧٥/١٧ - وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٣٣٢/٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم .

٣٧٤
سورة الأنبياء : الآية ٨٧
عَلَيْهِ فَنَادَى فِ اُلُُّلُمَتِ أَنْ لَّ إِلَهَ إِلَّ أَنْتَ سُبْحَنَكَ إِنِّ كُنتُ مِنَ
٨٧
الظَّالِمِينَ
يقولُ تعالى ذكره : واذْكُرْيا محمدُ ذا النونِ . يعنى : صاحبَ النونِ . والنونُ :
الحوثُ، وإنما عَنَى بذى النونِ يونُسَ بنَ مَتَّى. وقد ذكَرْنا قصتَه فى سورةِ (( يونُسَ))
بما أغْنَى عن ذكرِه فى هذا الموضعِ(١) .
وقولُه: ﴿إِذ ذَهَبَ مُغَضِبًا﴾. يقولُ: حينَ ذهَب مُغاضِبًا .
واختلف أهلُ التأویلِ فی معنی ذهابه مُغاضبًا ، وعمَّن کان ذهابُه، وعلی مَن
كان غضبُه؛ فقال بعضُهم : كان ذهابُه عن قومِه ، وإياهم غاضَب .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى ، قال: ثنى عمى ، قال : ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَضِبًا ﴾ . يقولُ: غضِب على
قومه(٢).
حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال : سمِعْتُ أَبا مُعاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ ، قال: سمِعْتُ
الضحاكَ يقولُ فى قوله: ﴿إِذ ذَّهَبَ مُغَضِبًا﴾: "أما غضبُه، فكان " على قومِه (٤) .
وقال آخرون: ذهَب عن قومِه مُغاضِبًا لربِّه، إذ كشف عنهم العذابَ بعدَ ما
وعَدهموه .
(١) ينظر ما تقدم فى ٢٩١/١٢ - ٢٩٧.
(٢) أخرجه البيهقى فى الأسماء والصفات (١٠٧٧) من طريق محمد بن سعد به .
(٣ - ٣) فى ت ٢: ((يقول غضب)).
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٣٣/٤ إلى المصنف وابن أبى شيبة وابن المنذر وابن أبى حاتم.

٣٧٥
سورة الأنبياء: الآية ٨٧
ذكرُ مَن قال ذلك، وذكرُ سببٍ مُغاضَتِه ربَّه فى قولهم
حدّثنا ابنُ حمیدٍ ، قال: ثنا سلمةُ ، عن ابنِ إسحاق ، عن یزیدَ بنِ زيادٍ ، عن
عبدِ اللهِ بن أبى سلمةَ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ قال: بعَثه اللَّهُ - يعنى
يونُسَ - إلى أهلِ قريته، فردُّوا عليه ما جاءهم به، وامْتَنَعوا منه، فلمَّا فعلوا ذلك
أوْحَى اللَّهُ إليه: إنى مُوسِلٌ عليهم العذابَ فى ١ يومٍ كذا وكذا، فاخْرُجْ مِن بين
أَظْهُرهم . فأعْلَم قومَه الذى وعَدَهم (١) اللَّهُ مِن عذابِه إياهم، فقالوا: ارْمُقوه، فإن خرَج
مِن بين أظهرٍ كم، فهو واللَّهِ كائنٌ ما وعَدَ كم .
فلمّا كانت الليلةُ التى وُعِدوا العذابَ فى صبحِها أَذْلَج ورآه القومُ، فخرَجوا
مِن القرية إلى بَرازٍ(١) مِن أرضِهم، وفرّقوا بينَ كلِّ دابةٍ وولدِها، ثم عَجوا إلى اللَّهِ ،
فاسْتَقالوه ، فأقالهم، وتنَظَّرُ(٤) يونُسُ الخبرَ عن القريةِ وأهلِها، حتى مرَّ به مارٌّ فقال:
ما فعَل أهلُ القريةِ؟ فقال: فعَلوا أن نبيَّهم خرّج مِن بين أظهرِهم ، عرفوا أنه صدَقهم
ما وعَدَهم مِن العذابِ، فخرَجوا مِن قريتهم إلى بَرازٍ مِن /الأرضِ، ثم فرَّقوا بينَ كلّ ٧٧/١٧
ذاتٍ ولدٍ وولدِها، وعَجوا إلى اللَّهِ، وتابوا إليه، فقيل منهم، وأخّر عنهم العذابَ .
قال : فقال يونُسُ عندَ ذلك، وغضِب: واللَّهِ لا أَرْجِعُ إليهم كذَّابًا أبدًا، وعَدْتُهم
العذابَ فى يومٍ، ثم رُدَّ عنهم! ومضَى على وجهِه مُغَاضِبًا () .
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال : ثنا محمدُ بنُّ جعفرٍ، قال : ثنا عوفٌ ، عن سعيدِ بنِ أبی
(١) بعده فى ص، ف: ((كل)).
(٢) فى ص، م، ت ١، ف: ((وعده)).
(٣) البراز: المكان الفضاء من الأرض البعيد الواسع. اللسان (ب رز).
(٤) فى ت ٢: ((ينظر))، وتنظره: انتظره فى مهلة. اللسان (ن ظـ ر).
(٥) فى ت ١، ف: (( مغضبا)).
والأثر أخرجه المصنف فى تاريخه ١٣/٢، وزاد فى آخره: ((لربه فاستزله الشيطان)). وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ٣٣٣/٤ إلى ابن أبى حاتم بنحوه مطولًا .

٣٧٦
سورة الأنبياء : الآية ٨٧
الحسنِ، قال: بلَغَنى أن يونُسَ لما أصاب الذنبَ انْطَلَق مُغاضِبًا لربِّه، واسْتَزَلَّه
. (١)
الشيطانُ(١).
حدَّثُنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنا يحيى بنُ زكريا بن أبى زائدةً ،
(٢
عن مُجالدٍ بن سعيدٍ، عن الشعبىِّ فى قوله: ﴿إِذ ذَهَبَ مُغَضِبًا﴾. قال:
مُغاضِبًا لربّه(١) .
حدَّثنا الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا سفيانُ، عن إسماعيلَ بنِ عبدِ
الملكِ ، عن سعيد بن جبيرٍ. فذکر نحوَ حدیثِ ابنِ حميدٍ ، عن سلمةَ، وزاد فيه :
قال: فخرَج يونُسُ يَنْظُرُ العذابَ، فلم يَرَ شيئًا، قال: جرَّبوا علىَّ كذبًا. فذهَب
مُغاضِبًا لربّه حتى أتَى البحرَ(٤).
حدّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ ، عن ربيعةَ بنِ
أبى عبد الرحمنِ ، عن وهبٍ بِنِ مُنَبِّهِ اليَمانىِّ ، قال: سمِعْتُه يقولُ: إِن يونُسَ بنَ مَتَّى
كان عبدًاً صالحاً، وكان فى خُلُقِهِ ضِيقٌ ، فلما محمّلَت عليه أثقالُ النبوةِ - ولها أثقالٌ
لا يَحْمِلُها إلا قليلٌ - تفَسَّخ تحتَها تفَسَّخَ الرُّبَعِ تحتَ الحِملِ (٥)، فقذَفها بين يديه،
وخرَج هاربًا منها، يقولُ اللَّهُ لنبيِّه عَّهِ: ﴿فَأَصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾
[ الأحقاف: ٣٥]. و﴿فَأَصْبِرْ ◌ِحِكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبٍ أَلْمُتِ﴾ [القلم: ٤٨]. أى :
لا تُلْقِ أمرى كما ألقاه(١).
(١) سيأتى تخريجه فى ص ٣٨٠ .
(٢ - ٢) فى ت ٢: ((مجاهد عن)). وينظر تهذيب الكمال ٢١٩/٢٧.
(٣) ذكره الطوسى فى التبيان ٢٤٢/٧.
(٤) تقدم تخريجه فى ٢٩٥/١٢ .
(٥) الرُّبَع: الفصيل، وهو ولد الناقة إذا فُصِل عن أمه، وتَفسَّخ الربع تحت الحمل الثقيل إذا لم يطقه.
التاج (ف س خ، ر ب ع).
(٦) ذكره ابن منظور فى تاريخه ١٠٦/٢٨ عن وهب بن منبه .

٣٧٧
سورة الأنبياء : الآية ٨٧
وهذا القولُ - أعنى قولَ مَن قال: ذهَب عن قومِه مُغاضِبًا لربِّه - أشبهُ بتأويلِ
[٣٩٤/٢ و] الآية، وذلك لدلالةِ قوله: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَّنْ نَّقْدِرَ عَلَيْهِ﴾. على ذلك.
على أن الذين وجهوا تأويلَ ذلك إلى أنه ذهَب مُغاضِبًا لقومِه، إنما زعموا أنهم فعلوا
ذلك استنكارًا منهم أن يُغاضِبَ نبىٌّ مِن الأنبياءِ ربَّه، واستعظامًا له . وهم بقيلهم:
إنه ذَهب مُغاضِبًا لقومِه. قد دخلوا فى أعظمَ مما أَنْكَروا، وذلك أن الذين قالوا :
ذهَب مُغاضِبًا لربِّه. اخْتَلَفوا فى سببٍ ذَهابِه كذلك؛ فقال بعضُهم: إنما فعَل ما فعَل
مِن ذلك كراهةَ أن يكونَ بينَ قوم قد جرّبوا عليه الخُلْفَ فيما وعَدَهم، واسْتَحْيا
منهم، ولم يَعْلَمِ السببَ الذى دُفِع به عنهم البلاءُ.
وقال بعضُ مَن قال هذا القولَ : كان مِن أخلاقِ قومِه الذين فارَقَهم قتلُ مَن
جرَّبوا عليه الكذبَ ، عسى أن يَقْتُلوه مِن أجلِ أنه وعَدَهم العذابَ ، فلم يَنْزِلْ بهم ما
وعَدَهم مِن ذلك. وقد ذكَرْنا الروايةَ بذلك فى سورةِ ((يونُسَ))، فكرِهْنا إِعادتَها(١)
فى هذا الموضعِ .
وقال آخرون : بل إنما غاضَب ربَّه مِن أجلٍ أنه أُمِر بالمصيرِ إلى قومٍ لِيُنْذِرَهم
بأسَه ، ويَدْعُوَهم إليه، فسأَل ربَّه أن يُنْظِرَه ؛ ليَتَأَهَّبَ للشُّخوصِ إليهم، فقيل له :
الأمرُ أسرعُ مِن ذلك، ولم يُنْظَرْ حتى شاء أن يُنْظَرَ إلى أن يَأْخُذَ نعلًا يَلْبَسُها(١) ، فقيل
له نحوُ القولِ الأولِ، وكان رجلًا فى خُلُقِه ضِيقٌ ، فقال: أعْجلَنى ربى أن آخُذَ نعلًا!
فذهَب مُغاضِبًا .
/وممن ذُكِر هذا القولُ عنه الحسنُ البصرىُّ، حدَّثنى بذلك الحارثُ ، قال: ثنا ٧٨/١٧
(١) فى ص، م، ت ١، ف: ((إعادته)). وينظر ما تقدم فى ٢٩٦/١٢.
(٢) فى م: (( ليلبسها)).

٣٧٨
سورة الأنبياء : الآية ٨٧
الحسنُ بنُّ موسى، عن أبى هلالٍ، عن شهرِ بنِ حَوْشَبِ عنه (١).
قال أبو جعفرٍ : وليس فى واحدٍ مِن هذين القولين مِن وصفٍ نبيّ اللَّهِ يونُسَ
عليه السلامُ - شىءٌ إلا وهو دونَ ما فى وصْفِه بما وَصَفه الذين قالوا: ذهَب
مُغاضِبًا لقومِه؛ لأن ذَهابَه عن قومِه مُغاضِبًا لهم، وقد أمَرَه اللَّهُ تعالى بالمُقَامِ بينَ
أُظُهُرِهم؛ ليُبلِّغَهم رسالتَه، ويُخَذِّرَهم بأسَه، وعقوبته على تركِهم الإيمانَ به
والعملَ بطاعتِه - لا شكَّ أن فيه ما فيه، ولولا أنه قد كان عليه السلامُ أَتَّى ما قاله
الذین وصفوه یاتیان الخطيئة ، لم یکنِ اللّهُ تعالی ذِكْرُه لِيُعاقته العقوبةَ التى ذكرها.
فى كتابِهِ، ويَصِفَه بالصفةِ التى وَصَفَهِ بها، فيقولَ لنبيّه عَ له: ﴿ وَلَا تَكُنْ
كَصَاحِبٍ المُتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُوْمٌ ﴾ [القلم: ٤٨]. ويقولَ: ﴿فَلْنَقَمَهُ الْحُوتُ
فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينٌّ
(١٤٢
وَهُوَ مُلِيمٌ.
لَلِثَ فِى بَطْنِ إِلَى يَوْمِ
١٤٣
يُبْعَثُونَ ﴾ [الصافات: ١٤٢ - ١٤٤].
وقولُه: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَّنْ تَّقْدِرَ عَلَيْهِ ﴾. اخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى تأويله ؛ فقال
بعضُهم : معناه : فظنَّ أن لن نُعاقِبَه بالتَّضيِيقِ عليه . مِن قولهم : قدَرْتُ على فلانٍ .
إِذا ضَيَقْتَ عليه، كما قال اللَّهُ جلّ ثناؤه: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيَّهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّآ ءَانَئُهُ
اللَّهُ ﴾ [ الطلاق
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى علىّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح(٢) ، قال: ثنى معاويةُ، عن علىّ ، عن
ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَّنْ تَّقْدِرَ عَلَيْهِ﴾. يقولُ: ظنَّ أن لن يَأْخُذَه العذابُ
(١) بعده فى ت ٢: ((ابن)). وتقدم فى ٢٥٣/٣.
(٢) أخرجه المصنف فى تاريخه ١٢/٢ عن الحارث به. دون ذكر الحسن.
(٣) فى ت ١، ت ٢: ((صبيح))، وفى ف: ((صبح)).

٣٧٩
سورة الأنبياء : الآية ٨٧
الذى أصابه(١) .
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى ، قال: ثنى أبى، عن
أبيه، عن ابنِ عباس: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَّنْ تَّقْدِرَ عَلَيْهِ﴾. يقولُ: ظنَّ أَن لن نَقْضِىَ عليه
عُقوبةً ولا بلاءً فيما صنَع بقومِه فى غضبِهِ إذ غضِب عليهم ، وفرارِهِ ، وعقوبتُه أخذُ
(٢)
النون إياه
حدَّثنا محمدُ بنُّ المثنى ، قال : ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، عن شعبةً، عن الحكمِ ، عن
مجاهدٍ أنه قال فى هذه الآية: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ﴾. قال: فظنَّ أن لن نُعاقِبَه
(٣)
بذنِه(٢).
حدَّثنی موسى بنُ عبدِ الرحمنِ المَشْروقىُ ، قال : ثنا زيدُ بنُ حبابٍ ، قال : ثنى
شعبةُ ، عن مجاهدٍ . ولم يَذْكُرْ فيه الحَكَمَ .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَّنْ
نَّقْدِرَ عَلَيْهِ﴾. قال: يقولُ: ظنٍّ أن لن نُعاقِبَه(٤) .
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ ، عن معمرٍ ، عن قتادةً
والكلبىّ: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَّنْ تَّقْدِرَ عَلَيْهِ﴾. قالا: ظنَّ أن لن نَقْضِىَ عليه العقوبةَ(٥).
(١) أخرجه البيهقى فى الأسماء والصفات (١٠٧٦) من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٣٣٣/٤ إلى ابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٢) تقدم تخريجه فى ص ٣٧٤.
(٣) أخرجه البيهقى فى الأسماء والصفات (١٠٨٠) من طريق شعبة به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٣٣/٤
إلى ابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٤) أخرجه البيهقى فى الأسماء والصفات (١٠٧٩) من طريق سعيد، عن قتادة ، عن الحسن .
(٥) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٧/٢ عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٣٣/٤ إلى ابن أبى
حاتم .

٣٨٠
سورة الأنبياء : الآية ٨٧
حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ ، قال: سمِعْتُ
٧٩/١٧ الضحاكَ يقولُ فى قوله: ﴿فَظَنَّ أَن لَّنْ تَّقْدِرَ عَلَيْهِ﴾. يقولُ: ظنَّ أن اللَّهَ لن
يَقْضِىَ عليه عُقوبةً ولا بلاءً فى غضبِهِ الذى غضِب على قومِه، وفراقِه إياهم (١) .
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال : ثنا جريرٌ، عن منصورٍ ، عن ابنِ عباسٍ فى قوله :
﴿فَظَنَّ أَن لَّنْ تَّقْدِرَ عَلَيْهٍ﴾. قال : البلاءُ الذى أصابه .
وقال آخرون : بل معنى ذلك : فظنَّ أنه يُعْجِزُ ربَّه فلا يَقْدِرُ عليه .
ذكرُ مَن قال ذلك
٠٠٠
حدّثنا ابنُ بشارٍ، قال : ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ ، قال : ثنا عوفٌ ، عن سعيدِ بنِ أبی
الحسنِ، قال: بلَغَنى أن يونُسَ لما أصاب الذنبَ، انْطَلَقَ مُغاضِبًا لربِّه، واسْتَزَلَّه
الشيطان ، حتى ظنّ أن لن نَقْدِرَ علیه . قال: و کان له سلفٌ وعبادةٌ وتسبيحٌ، فأبى
اللَّهُ أن يَدَعَه للشيطانِ، فأخَذَه فقذَفَه فى بطنِ الحوتِ ، فمكث فى بطنِ الحوتِ
أربعين ، مِن بين ليلةٍ ويومٍ ، فأمْسَك اللَّهُ نفسَه فلم يَقْتُلْه هناك ، فتاب إلى ربِّه فى بطنٍ
الحوتِ، وراجَع نفسَه. قال: فقال: ﴿ سُبْحَنَكَ إِ كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾.
قال : فاسْتَخْرَجه اللَّهُ مِن بطنِ الحوتِ برحمتِه، بما كان سلَف مِن العبادة والتسبيحِ ،
فجعَله مِن الصالحين . قال عوفٌ: وبلَغَنى أنه قال فى دعائِه : وبنَيْتُ لك مسجدًا فى
مکانٍ لم يَتِه أحدٌ قبلى(٣) .
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا هَؤْذَةُ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ: ﴿فَظَنَّ أَن لَّن
نَّقْدِرَ عَلَيْهٍ﴾: وكان له سلفٌ مِن عبادةٍ وتسبيحٍ، فَتَدارَكه اللَّهُ بها ، فلم يَدَغْه
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٣٣/٤ إلى المصنف وابن أبى حاتم.
(٢) ذكره ابن کثیر فی تفسيره ٣٦١/٥ مختصرًا جدًّا - وفيه: سعيد بن الحسن البصرى. وهو سعید بن أبى
الحسن البصرى، أخو الحسن البصرى. ينظر تهذيب الكمال ٣٨٥/١٠، والبداية والنهاية ٢/ ٢٠.