النص المفهرس

صفحات 301-320

٣٠١
سورة الأنبياء : الآيات ٦٣ - ٦٤
وقوله: ﴿إِنّ سَقِيمٌ ﴾ [ الصافات: ٨٩]. وقولُه لسارةً: هى أختى. وغيرُ مستحيل أن
يكونَ اللَّهُ تعالى ذكرُه أذِن خايلِه فى ذلك ليُقَرِّعَ قومَه به، ويَحْتَجّ(١) به عليهم،
ويُعَرِّفَهم موضعَ خَطَئِهم وسُوءَ نَظَرِهم لأَنفسِهم ، كما قال مؤذِّنُ يوسفَ لإخوتِه :
﴿ أَيَّتُهَا الْغِيرُ إِنَّكُمْ نَسَرِفُونَ﴾ [ يوسف: ٧٠]. ولم يكونوا سَرَقوا شيئًا.
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿فَرَجَعُواْ إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُواْ إِنَّكُمْ أَنْتُهُ
ثُمَّ تُكِسُواْ عَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنطِقُونَ
٦٤٦
الظَّالِمُونَ
يقولُ تعالى ذكرُه: فَذَكَروا حينَ قال لهم إبراهيمُ صلوات اللَّه عليه: ﴿بَلَ
فَعَلَهُ كَبِرُهُمْ هَذَا فَسْتَلُوهُمْ إِن كَانُواْ يَطِقُونَ﴾. فى أنفسِهم، ورَجَعوا
إلى عُقُولِهم ، ونظَر بعضُهم إلى بعضٍ ، فقالوا: إنكم معشرَ القوم الظالمون هذا الرجلَ
فى مسألتِكم إياه ، وقيلكم له: مَن فَعَل هذا بآلهتنا يا إبراهيمُ؟ وهذه آلهتكم التى فُعِلَ
بها ما فُعِلَ حاضِرتكم فاسألوها .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنٍ إسحاقَ: ﴿فَرَجَعُواْ إِلَى أَنْفُسِهِمْ
فَقَالُواْ إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الْظَّالِمُونَ﴾. قال: ارعَوَوْا ورجَعوا عنه - يعنى: عن إبراهيم
فيما الذَّعَرا عليه مِن كَشْرِهن - إلى أنفسِهم فيما بينهم، فقالوا: لقد ظَلَمْناه وما نَراه
إلا كما قال (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ :
(١) فى ت ١، ت ٢، ف: (( يجتمع).
(٢) تقدم تخريجه فى ص ٢٩٧.

٣٠٢
سورة الأنبياء : الآيتان ٦٤، ٦٥
فَرَجَعُواْ إِلَى أَنفُسِهِمْ﴾. قال: نظَر بعضُهم إلى بعضٍ، فقالوا: ﴿إِنَّكُمْ أَنْتُهُ
الَّالِمُونَ﴾(١).
وقولُه: ﴿ثُمَّ تُكِسُواْ عَلَى رُءُوسِهِمْ﴾. يقولُ جل ثناؤه: ثم غُلِبوا فى الحُجَّةِ،
فاحْتَجُوا على إبراهيمَ بما هو حجةٌ لإبراهيمَ عليهم ، فقالوا: لقد علمتَ ما هؤلاء
الأصنامُ يَنْطِقون .
٤٢/١٧
كما حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ ، قال: ثم قالوا -
يعنى قومَ إِبراهيمَ - وعَرَفوا / أنها ، يعنى آلهتهم، لا تضُؤُ ولا تنفَعُ ولا تَبْطِشُ:
لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنطِقُونَ﴾. أى: لا تتكلَّمُ فتُخْبِرَنا مَن صَنَع هذا بها ، وما
تَبْطِشُ بالأيدِى فِتُصَدِّقَك. يقولُ اللَّهُ: ﴿ثُمَّ تُكِسُواْ عَلَى رُءُوسِهِمْ﴾. فى الحُبَّةِ
عليهم لإبراهيمَ حينَ جادَلهم، فقال عندَ ذلك إبراهيمُ حينَ ظَهَرت الحُجَّةُ عليهم
بقولهم: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ﴾(١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: قال اللَّهُ: ﴿ثُمَّ تُكِسُوا
عَلَى رُءُوسِهِمْ﴾. أدْرَكَتِ الناسَ حيرةٌ؛ حيرةُ سَوْءٍ(٣) .
وقال آخرون : معنى ذلك : ثم تُكِسوا فى الفتنةِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿ثُمَّ تَكِسُوا
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢١/٤ إلى ابن المنذر.
(٢) كذا فى النسخ، وسقط منها بقية الأثر، وبقيته كما فى تاريخ المصنف: قال: ﴿أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ
القَِّ مَا لَا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُّكُمْ (٣٦) أُقِّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ وتقدم أوله
فی ص ٢٩٧.
(٣) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٥/ ٣٤٤، وفى البداية ٣٣٦/١.

٣٠٣
سورة الأنبياء : الآيات ٦٤ - ٦٧
عَلَى رُءُوسِهِمُ﴾. قال: نُكِسوا فى الفتنةِ على رءوسِهم، فقالوا: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا
هَؤُلَاءٍ يَنْطِفُونَ﴾(١).
وقال بعضُ أهلِ العربيةِ ) : معنى ذلك: ثم رَجَعوا عماً عَرَفوا مِن حُجَّةٍ
إبراهيمَ، فقالوا: ﴿ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءٍ يَنطِقُونَ﴾ .
وإنَّما اختَرْنا القولَ الذى قُلنا فى معنى ذلك؛ لأن نَكْسَ الشىءِ على رأسِه ،
قَلْبُه على رأسِه، وتَصِْيرُ أَعْلَاه أسفلَه، ومعلومٌ أن القومَ لم يُقْلَبوا على رءوسٍ
أنفسِهم ، وأنهم إنما نُكِست حُجَّتُهم ، فأَقِيمَ الخبرُ عنهم مُقامَ الخبرِ عن حُجَّتِّهم . وإذ
كان ذلك كذلك، فتَكْسُ الحُجَّةِ - لا شكَّ - إنما هو احتجاجُ المُخْتَجُّ على خَصْمِه
بما هو حُجّةٌ لخَصْمِهِ .
وأما قولُ السدىِّ: ثم نُكِسوا فى الفتنةِ. فإنهم لم يكونوا خَرَجوا مِن الفتنةِ قبلَ
ذلك فتُکِسوا فيها .
وأما قولُ مَن قال مِن أهلِ العربيةِ ما ذكرنا عنه ، فقولٌ بعيدٌ مِن المفهوم؛ لأنهم
لو کانوا رجعوا عما عَرَفوا مِن حجّة إبراهیم، ما اخْتُوا عليه بما هو حُجٌّ له ، بل
كانوا يقولون: لا نَسألُهم، ولكن نَسْألُك، فأُخبِرْنا مَن فَعَل ذلك بها ، وقد سَمِعنا
أنك فعلتَ ذلك؟ ولكن صَدَقوه القولَ فقالوا: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ
يَنطِقُونَ ﴾ . وليس ذلك رجوعًا عمَّا كانوا عَرَفوا ، بل هو إقرارٌ به .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمْ
شَيْئًا وَلَا يَضُّكُمْ ﴿ أُفِّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ
.
٦٧
يقولُ تعالى ذكرُه : قال إبراهيمُ لقومِه: أفتعبدون أيُّها القومُ مالا ينفعكم شيئًا ولا
(١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٣٤٤/٥، وفى البداية ٣٣٦/١.
(٢) هو الفراء فى معانى القرآن ٢٠٧/٢ .
(٣) فى معانى القرآن: ((عندما)).

٣٠٤
سورة الأنبياء : الآيات ٦٦ - ٧٠
يضُرُّكم ، وأنتم قد علمتُم أنها لم تمنع نفسها ممن أرادها بسُوءٍ، ولا هى تقدِرُ أن تَنْطِقَ
إِن سُئِلَت عمن يأتِيها بشُوءٍ فَتُخْبِرَ به ، أَفلا تَسْتَخيون مِن عبادةٍ ما كان هكذا؟ .
كما حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ
مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ ﴾ الآية: يقولُ يرحمُه اللَّهُ: ألَا تَرَون
أنهم لم يَدْفَعوا عن أنفسِهم الضُّرَّ الذى أصابَهم، وأنهم لا يَنْطِقون فيُخْبِرونكم مَن
صنَع ذلك بهم، فكيف يَنْفَعونكم أو يَضُرُون(١).
٤٣/١٧
وقولُه : ﴿أُقٍ لَّكُمْ﴾. يقولُ: قُبْحًا لكم وللآلهةِ التى تَعْبُدون مِن دونِ اللَّهِ،
أَفلا تَعْقِلون قُبْحَ ما تَفْعَلون مِن عبادتِكم مالا يضُرُّ ولا ينفعُ، فتَنْؤُكوا عبادته، وتَعْبُدوا
اللَّهَ الذى فَطَرِ السماواتِ والأرضَ، والذى بيدِه النفعُ والضَّرُ.
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالُواْ حَرِّفُوهُ وَأَنصُرُوَاْ ءَالِهَتَكُمْ إِن كُمْ
فَعِينَ هـ
وَأَرَدُواْ بِهِ، كَيْذًا
٦٩
قُلْنَا يَنَارُ كُنِي بَرَّدًّا وَسَلَمَا عَلَى إِنْزَهِيمَ
فَجَعَلْنَهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾ .
يقولُ تعالى ذكرُه : قال بعضُ قومِ إبراهيمَ لبعضٍ: حَرِّقوا إبراهيمَ بالنارِ:
﴿ وَأَنصُرُوَاْ ءَالِهَتَكُمْ إِن كُمْ فَعِلِينَ﴾. يقولُ: إن كنتم ناصِرِيها، ولم تُرِيدوا
تَكَ عبادتِها .
وقیل : إن الذی قال ذلك رجلٌ مِن أكراد فارس .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا ابنُّ عُلَيَّةً، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ فى قوله:
(١) تقدم تخريجه فى ص ٢٩٧.

٣٠٥
سورة الأنبياء : الآية ٦٨
حَرِّقُوهُ وَأَنْصُرُوَاْ ءَالِهَتَكُمْ﴾. قال: قالَها رجلٌ مِن أعرابٍ فارسَ، يعنى
(٢)
الأكرادَ(٢).
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ، قال : ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريجٍ، قال:
أخبرنى وهبُ بنُ سليمانَ، عن شعيبِ الجَبَائِيٌّ، قال: إن الذى قال: ﴿ حَرِّقُوهُ ﴾
هيزنُ ، فخَسَف اللَّهُ به الأرضَ، فهو يَتَجَلْجَلُ فيها إلى يوم القيامةِ (١).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال : ثنا سلمةُ، عن ابنٍ إِسحاقَ ، قال: أجمعَ تُمْرودُ وقومُه
فى إبراهيمَ فقالوا: ﴿ حَرِقُهُ وَأَنْصُرُوّاْ ءَالِهَتَكُمْ إِن كُنُ فَعِلِينَ﴾. أى: لا
تَنْصُروها منه إلا بالتَّخْرِيقِ بالنارِ إن كنتُم ناصِرِيها (*).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سَلَمةُ، قال: ثنى محمدُ بنُّ إسحاقَ ، عن الحسنِ
ابنِ دينارٍ ، عن ليثِ بنِ أبى سُلَيم، عن مجاهدٍ ، قال: تَلَوتُ هذه الآيةَ على عبدِ اللهِ
ابنِ عمرَ، فقال: أتدرى يا مجاهدُ مَن الذى أشارَ بتَحْرِيقِ إبراهيمَ بالنارِ؟ قال : قلتُ
لا . قال: رجلٌ مِن أعرابِ فارسَ. قلتُ: يا أبا عبدِ الرحمنِ، وهَلْ للقُرْسِ أعرابٌ؟
قال: نعم، "الكُرْدُ همْ) أعرابُ فارسَ؛ فرجلٌ منهم هو الذى أشارَ بتَخريقِ إبراهيمَ
(٦)
بالنارٍ(١).
(١) فى ت ٢: ((أكراد )).
(٢) أخرجه المصنف فى تاريخه ٢٤٠/١، ٢٤١.
(٣) أخرجه المصنف فى تاريخه ٢٤١/١ وفيه: ((هينون))، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢٢/٤ إلى ابن أبى
حاتم وفيه: ((هبون )).
(٤) تقدم تخريجه فى ص ٢٩٧ .
(٥ - ٥) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((الكند هى)).
(٦) أخرجه المصنف فى تاريخه ١/ ٢٤٠.
( تفسير الطيرى ٢٠/١٦ )

٣٠٦
سورة الأنبياء: الآيتان ٦٨، ٦٩
وقولُه: ﴿قُلْنَا يَنَارُ كُنِى بَدًّاً وَسَلَمًا عَلَى إِزَهِيمَ﴾. وفى الكلامِ متروٌّ
اجتُزِئ بدلالةِ ما ذُكِر عليه منه، وهو: فَأَوْقَدُوا له نارًا ليُحَرِّقوه، ثم أَلْقَوه فيها ، فقلنا
للنارِ: يا نار كونى بردًا وسلامًا على إبراهيمَ .
٤٤/١٧
وذُكِر أنهم لَّ أرادوا إِخْراقَه بَنَوا له بُنْيانًا، كما حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو،
قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ، قال: ﴿ قَالُواْ أَبُواْ لَهُ بُلَيَا فَأَلْقُوهُ فِ الْجَحِيمِ﴾
[ الصافات: ٩٧]. قال: فحَبَسُوه فى بيتٍ، وجَمَّعوا له حَطَبًا، حتى / إن كانتٍ المرأةُ
لتَعْرَضُ فتقولُ: لئن عافانى اللَّهُ لأجمْعنَّ خَطًَا لإبراهيمَ. فلما جَمَعوا له، وأكثَروا
مِن الحطبِ، حتى إن الطيرَ لتَمُوُّ بها فتحترقُ مِن شدَّةِ وَهَجِها، فعَمَدوا إليه فرَفَعوه
على رأسِ البنيانِ، فرفَع إبراهيمُ عَلَِّ رأسَه إلى السماءِ، فقالت السماءُ والأرضُ
والجبالُ والملائكةُ: ربَّنا، إبراهيمُ يُخْرَقُ فيك. فقال: أنا أعلمُ به، وإنْ دَعاكم
فَأَغِيثوه . وقال إبراهيمُ حينَ رَفَع رأسه إلى السماءِ: اللهمَّ أنت الواحدُ فى السماءِ،
وأنا الواحدُ فى الأرضِ، ليس فى الأرضِ أحدٌ يعبْدُك غيرى، حَسْبِى اللَّهُ ونعمَ
الوكيلُ. فَذَفوه فى النارِ، فناداها فقال: ﴿ يَنَارُ كُونِ بَدًا وَسَلَمَا عَلَىَ إِزَهِيمَ﴾.
فكان جبريلُ عليه السلامُ هو الذى ناداها - وقال ابنُ عباسٍ: لو لم يُتْبَعْ بَرْدُها
((سلامًا)) لماتَ إِبراهيمُ مِن شدَّةِ بَرْدِها، فلم يَيْقَ يومَئذٍ نارٌ فى الأرضِ إلا طُفِئتْ،
ظَنَّتْ أنها هى [٣٨٢/٢ظ] تُعْنَى - فلما طُفِئَتِ النارُ نَظَروا إلى إبراهيمَ، فإذا هو ورجلٌ
آخرُ معه، وإذا رأسُ إبراهيمَ فى جْرِهِ يمِسَحُ عن وَجْهِهِ العَرَقَ، وذُكِر أن ذلك الرجلَ
هو مَلَكُ الظُّلِّ، وأنزلَ اللَّهُ نارًا فانتفَعَ بها بنو آدمَ ، وأُخْرَجوا إبراهيمَ، فأدخَلوه على
المَلِكِ ، ولم يكنْ قبلَ ذلك دخَل عليه(١) .
(١) أخرجه المصنف فى تاريخه ١/ ٢٤١، ٢٤٢. وذكره السيوطى فى الدر المنثور ٣٢٢/٤، مقتصرًا على أن
القائل للنار هو جبريل وعزاه إلى المصنف وابن أبى حاتم .

٣٠٧
سورة الأنبياء : الآية ٦٩
حدَّثنى أحمدُ(١) بنُ المقدامِ أبو الأشْعثِ ، قال: ثنا المعتمرُ، قال: سمعتُ أبى،
قال: ثنا قتادةُ، عن أبى سليمانَ، عن كعبٍ ، قال: ما أخرقَت النارُ مِن إبراهيمَ إلا
(٢)
وَثاقَّه(٢) .
حدَّثنا بِشرٌّ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿قُلْنَا يَنَارُ كُنِ
بَّدَا وَسَلَمًا عَلَ إِنْزَهِيمَ﴾. قال: ذُكِر لنا أن كَعْبًا كان يقولُ: ما انتفَعَ بها يومَئذٍ
أحدٌ مِن الناس. وكان كعبٌّ يقولُ: ما أحرقَت النارُ يومَئذٍ إِلا وَثاقَه .
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ ، قال: ثنا مؤمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ ، عن الأعمشِ، عن
شيخٍ ، عن علىٍّ بن أبى طالبٍ رضى اللَّهُ عنه فى قوله: ﴿يَنَارُ كُنِ بَرَّدًا وَسَلَمًا عَلَى
إِبْرَاهِيمَ﴾ قال: بَرَدَتْ عليه حتى كادت تقتُلُه، حتى قيل: ﴿ وَسَلَمًا﴾ . قال: لا
(٣)
تَضُرِّيه(٢) .
حدَّثنا أبو كريبٍ ، قال : ثنا جابرُ بنُّ نوحٍ، قال: أخبرَنا إسماعيلُ، عن المِنْهالِ
ابنِ عمرٍو، قال: قال إبراهيم خليلُ اللَّهِ: ما كنتُ أيامًا قَطَّ أَنْعَمَ مِنِّى مِن الأيامِ التى
كنتُ فيها فى النارِ(٤) .
(١) فى النسخ: ((إبراهيم))، وتقدم مرارًا.
(٢) أخرجه المصنف فى تاريخه ٢٤٣/١ بدون ذكر كعب. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢٢/٤ إلى ابن
أبى شيبة وابن المنذر.
(٣) تفسير الثورى ص ٢٠٢، وأخرجه ابن أبى شيبة ٥١٩/١١، ٥٢٠، وأحمد فى الزهد ص٧٩ من طريق
الأعمش - وعند ابن أبى شيبة الشيخ المبهم عبد الله بن مليل، وعند أحمد: عبد الله بن فلفل رجل من آل أبى
ليلى. والظاهر أنه تصحيف عن الأول. وينظر التاريخ الكبير ١٩٢/٥، والجرح والتعديل ١٦٨/٥- وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ٣٢٢/٤ إلى عبد بن حميد.
(٤) أخرجه ابن عساكر فى تاريخه ١٩١/٦ من طريق أبي كريب به، وأخرجه ابن أبى حاتم - كما فى تفسير
ابن كثير ٣٤٦/٥-، وأبو نعيم فى الحلية ١/ ٢٠، وابن عساكر فى تاريخه ١٩١/٦ من طريق إسماعيل به .

٣٠٨
سورة الأنبياء : الآية ٦٩
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا يعقوبُ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ، قال: لِمَّ أُلْقِى
إبراهيم خليلُ اللَّهِ مَ ◌ّهِ فى النارِ، قال الملَكُ خازنُ المطرِ: ربِّ، خليلُك إبراهيمُ ! رَجا
أن يُؤْذَنَ له فيُمطِرَ عليه١)، قال: فكان أمرُ اللَّهِ أُسرعَ مِن ذلك فقال: ﴿ يَنَارُ كُونِى
بَّدَّا وَسَلَمًا عَلَى إَِّهِيمَ﴾. فلم يَبْقَ فى الأرضِ نارٌ إلا طُفِئَتِ(٢).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا جريرٌ، عن مُغيرةَ ، عن الحارثِ، عن أبى زُرعةً ، عن
أبى هريرةَ، قال: إن أحسنَ شىءٍ قاله أبو إبراهيمَ لمّ رَفَع عنه الطَّبَقَ وهو فى النارِ،
وجَدَه يرشَحُ جبينُه، فقال عندَ ذلك: نِعْمَ الربُّ ربُّك يا إبراهيمُ (١).
٤٥/١٧
/حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال :
أُخبرَنى وهبُ بنُ سليمانَ، عن شعيبِ الجَبَائِيِّ، قال: أَلْقِى إبراهيمُ فى النارِ وهو ابنُ
ستُّ عَشْرةَ سنةً، وذُبِح إسحاقُ (٤) وهو ابنُ سبعٍ(٥) سنينَ، ووَلَدَته سارةُ وهى ابنةُ
تسعين سنةً، وكان مذبحُه مِن بيتٍ إيلياءَ على ميلَين، ولما عَلِمت سارةُ بما أراد
بإسحاقَ بُطِنت يومين، وماتَت اليومَ الثالثَ(٦).
قال ابنُ جريجٍ : قال كعبُ الأحبارِ : ما أحرقَتِ النارُ مِن إبراهيم شيئًا غيرَ وَثاقِهِ
الذى أوثقوه به .
(١ - ١) فى م، والدر المنثور: ((فيرسل المطر)).
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢٢/٤ إلى المصنف.
(٣) أخرجه المصنف فى تاريخه وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢٣/٤ إلى ابن أبى حاتم.
(٤) الصحيح أن الذبيح هو إسماعيل عليه السلام، وينظر تعليقنا فى تفسير الآية (١٠٧) من سورة الصافات.
(٥) فى علل أحمد: (( تسع )).
(٦) أخرجه المصنف فى تاريخه ٢٤٩/١، وأخرجه أحمد فى العلل - رواية عبد الله - ١٠١/١، ١٠٢،
وهو فى عرائس المجالس ص٦٨ من قول الشعبى .
٠٢٠

٣٠٩
سورة الأنبياء : الآية ٦٩
حدَّثنا القاسمُ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنا معتمرُ بنُ سليمانَ الَّيْمِىُّ، عن
بعضِ أصحابِهِ ، قال : جاء جبريلُ إلى إبراهيمَ عليهما السلامُ وهو يُوثَقُ، أو يُقَتَّطُ ،
لُلقَى فى النارِ ، قال: يا إبراهيمُ ألك حاجةٌ؟ قال: أمَّا إليك فلا(١).
قال: ثنا معتمرٌ، قال: ثنا ابنُ كعبٍ، عن أرقمَ ، أن إبراهيمَ قال حينَ جَعَلوا
يُوثِقونه ليُلْقُوه فى النارِ : لا إلهَ إلا أنت سبحانك ربُّ العالمين، لك الحمدُ، ولك
الملكُ لا شريكَ لك(٢).
قال : ثنا الحسينُ، قال : ثنى حجاجٌ، عن أبى جعفرٍ الرازىِّ، عن الربيعِ بنِ
أنسٍ ، عن أبى العاليةِ فى قوله: ﴿ قُلْنَا يَنَارُ كُنِى بَدًا وَسَلَمًا﴾. قال: السلامُ لا
يُؤْذِيه ◌َرْدُها، ولولا أنه قال: ﴿ وَسَلَمًا﴾ لكان البَرْدُ أشدَّ عليه ("مِن الحرّ))(٧).
قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ قولَه: ﴿بَرَّدًا﴾. قال: فبَرَدَتْ عليه،
وَسَلَمًا﴾ لا يُؤْذِيه .
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿قُلْنَاً
يَنَارُ كُنِى بَرَّدًّا وَسَلَمَا عَلَىَّ إِنَزَهِيمَ﴾. قال: قال كعبٌ : ما انتفَعَ أحدٌ مِن أهلِ
الأرضِ يومَئذٍ بنارٍ ، ولا أحرقَتِ النارُ يومَئذٍ شيئًا إلا وَثاقَ إبراهيمَ .
وقال قتادةُ: لم تأتٍ يومَئذٍ دابةٌ إلا أطفأتْ عنه النارَ، إلا الوَزَغَ (١)
(١) أخرجه المصنف فى تاريخه ٢٤٣/١.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢٣/٤ إلى المصنف.
(٣ - ٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.
(٤) الوزغة : سام أبرص، والجمع وزغ. اللسان (وز غ)
والأثر أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٤/٢، ٢٥ عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢٢/٤ إلى
عبد بن حميد .

٣١٠
سورة الأنبياء : الآيات ٦٩ - ٧١
وقال الزهرىُّ: أَمَرِ النبىُّ عَلِ بِقَتْلِهِ، وسَمَّاه فُوَيسِقًا (١).
وقولُه : ﴿ وَأَرَدُواْ بِهِ، كَيْدًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وأرادوا بإبراهيمَ كَيْدًا،
فَجَعَلْنَهُمُ اُلْأَخْسَرِينَ﴾ . يعنى : الهالِكين .
وقد حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ، قال : ثنى حجاجٌ، عن ابن جريج :
﴿وَأَرَدُواْ بِهِ، كَيّدًا فَجَعَلْنَهُمُ اُلْأَخْسَرِينَ﴾. قال: أَلْقَوا شيخًا منهم فى النارِ؛ لأَنْ
يُصِيبوا ◌َجَاتَه، كما نجَا إبراهيمُ عليه السلامُ، فاخْتَرَق(٢).
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَنَّيْنَهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِ بَرَّكْنَا فِيَهَا
﴾ .
لِلْعَلَمِينَ
يقولُ تعالى ذكره : ونجينا إبراهيم ولوطًا مِن أعدائهما ؛ تُمْرودَ وقومِه، مِن أرضِ
العراقٍ [٣٨٣/٢و] ﴿ إِلَى الْأَرْضِ / الَّتِى بَرَّكْنَا فِيهَا لِلْعَلَمِينَ﴾ وهى أرضُ الشامِ،
فارَق صلواتُ اللَّهِ عليه قومَه ودينَهم وهاجَر إلى الشامِ .
٤٦/١٧
وهذه القصةُ التى قَصَّ اللَّهُ مِن نَبَأُ إبراهيمَ وقومِه، تذكيرٌ منه بها قومَ
محمدٍ عَلِّ مِن قريش أنهم قد سَلَكوا فى عبادتهم الأوثانَ وأُذَاهم محمدًا على
نَهْيِه عن عبادتِها(١)، ودُعائِهم إلى عبادةِ اللَّهِ مُخْلِصين له الدينَ - مَسْلكَ
"أعداءٍ أبيهم إبراهيمَ، ومُخالفتَهم دينه، وأن محمدًا فى (٥) براءته مِن عبادتها ،
(١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٥/٢ عن معمر به.
(٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.
والأثر عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢٣/٤ إلى المصنف.
(٣) فى ص، ت ٢، ف: ((عبادته).
(٤ - ٤) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((أعدائهم)).
(٥) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((من)).

٣١١
سورة الأنبياء : الآية ٧١
وإخلاصِه (١) العبادةَ للَّهِ، وفى دُعائِهم إلى البراءةِ مِن الأصنامِ، وفى الصَّبْرِ على ما
يَلْقَى منهم فى ذلك - سالكٌ مِنْهاجَ أبيه إبراهيمَ، وأنه مُخْرِ جُه مِن بينِ أَظْهُرِهم، كما
أخرجَ إبراهيمَ مِن بينِ أَظْهُرٍ قومِه، حينَ(١) تَمادَوا فى غَيِّهم، إلى مُهاجَرِهِ مِن أَرْضٍ
الشام، ومُسَلُ بذلك نبيّه محمدًا عَّمِ عما يَلْقَى مِن قومِه مِن المكْروهِ والأَذَى،
ومُعْلِمُه أنه مُنَجِّيه منهم، كما نَجِّى أباه إبراهيمَ مِن كَفَرةِ قومِه .
وقد اختلفَ أهلُ التأويلٍ فى الأرضِ التى ذَكَر اللَّهُ أنه نَجَّى إبراهيمَ
ولوطًا إليها، ووَصْفِه أنه بارَك فيها للعالمين؛ فقال بعضُهم بنحوِ الذى قُلنا فى
ذلك .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا الحسينُ(٢) بِنُ حُرَيثٍ الْمَرْوَزِىُّ أبو عمارٍ، قال : ثنا الفضلُ بنُ موسى ، عن
الحسين بن واقدٍ، عن الربيعِ بنِ أنسٍ، عن أبى العاليةِ، عن أبيّ بنِ كعبٍ: ﴿وَخَيْنَهُ
وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِى بَرَّكْنَا فِيهَا لِلْعَلَمِينَ﴾. قال: الشامُ، وما مِن ماءٍ عَذْبٍ إلا
خَرَج مِن تلك الصخرة التى ببيتِ المقدسِ() .
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ ، قال: ثنا سفيانُ، عن فُراتِ القَزَّازِ، عن
الحسنِ فى قوله: ﴿ إِلَى الْأَرْضِ اَلَتِى بَرَّكْنَا فِيَهَا﴾. قال: الشامُ(٥).
(١) فى ص، ت١، ت٢، ت٣، ف: ((إصلاحه).
(٢) فى ص، ت٢، ف: ((حتى)).
(٣) فى ت ١، ت ٢، ف: ((الحسن). وينظر تهذيب الكمال ٦/ ٣٥٨.
(٤) أخرجه ابن عساكر فى تاريخه ١٤٠/١ من طريق أبى عمار به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢٣/٤
الی ابن أبى حاتم .
(٥) تقدم تخريجه فى ٤٠٥/١٠ .

٣١٢
سورة الأنبياء : الآية ٧١
حدِّثنا بِشرٌّ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿وَنَّيْنَهُ
وَلُوطَّا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَرَّكْنَا فِيهَا لِلْعَلَمِينَ﴾: كانا بأرضِ العراقِ، فَأُنْيا إلى أرضٍ
الشامٍ ، وكان يقالُ للشامِ: عمادُ(١) دارِ الهجرة، وما نَقَص مِن الأرضِ زِيد فى الشامِ،
وما نَقَص مِن الشامِ زِيد فى فِلَسْطينَ، وكان يقالُ: هى أرضُ المحشرِ والمَشَرِ، وبها
مَجْمَعُ الناسِ، وبها ينزلُ عيسى ابنُ مريمَ ، وبها يُهْلِكُ اللَّهُ مسيحَ () الضلالةِ الكذَّابَ
-(٣)
الدَّجَالَ(٣) .
وحدَّثنا أبو قِلَابَةَ أن رسولَ اللَّهِ بِهَمِ قال: «رأيتُ فيما يَرَى النائمُ كأن الملائكةَ
حَمَّلَت عَمُودَ الكتابِ فَوَضَعَته بالشامِ، فَأَوَّلْتُه أن الفِتَنَ إذا وَقَعَت فإن الإِيمانَ
(٤)
بالشامِ))(9).
وذُكِر لنا أنَّ رسولَ اللّهِ يَّمِ قال ذاتَ يومٍ فى خُطْبِه: «إِنَّه كائِنٌ بالشامِ مُنْدٌ،
وبالعراقِ جُنْدٌ، وباليمنِ جندٌ )). فقال رجلٌ: يا رسولَ اللَّهِ، خزلى. فقال: ((عليك
بالشام ، فإِنَّ اللَّهَ قد تَكَفَّلَ لى بالشام وأهْلِه، فمَنْ أَتَى فَلْيَلْحَقْ بيمِنِه(٥) وَلْيَشْتقِ
(٦)
بِغُدُرِه(١))).
i
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((أعقاب)).
(٢) فى ص ، ت١: ((مسيخ)، وفى م، فى، والدر المنثور: ((شيخ)).
(٣) أخرجه ابن عساكر فى تاريخه ١٨١/١ من طريق سعيد وخليد به وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢٣/٤
إلی عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٤) أخرجه ابن عساكر فى تاريخه ١١٠/١ من طريق أبى قلابة عن عبد الله بن عمرو به. وأخرجه فى
١٠١/١ - ١١٣ من طرق عن عبد الله بن عمرو وأبى الدرداء وعمرو بن العاص وعمر بن الخطاب
وأبى أمامة وعائشة وعبد الله بن حوالة .
(٥) فى النسخ: ((بأمنه)). والمثبت من مصادر التخريج.
(٦) فى م: ((بقدره)). والغُدُر جمع غدير، وهو النهر الصغير.
والحديث أخرجه الطيرانى فى الأوسط (٣٨٥١)، وفى مسند الشاميين ٢٢٨/١ من حديث عبد الله بن
عمر. وأخرجه فى الكبير ٥٥/٢٢ ١٣٠، ٥٨، ١٣٧، ١٣٨) من حديث واثلة بن الأسقع، وأخرجه فى =

٣١٣
سورة الأنبياء : الآية ٧١
وذُكِر لنا أن عمرَ بنَ الخطابِ رضِى اللَّهُ عنه قال: يا كعبُ ، ألا تَتَحوَّلُ إلى
المدينةِ؛ فإنها مُهاجَرُ رسولِ اللَّهِ مَّهِ وموضعُ قبره؟ فقال له كعب: يا أميرَ المؤمنين،
إنى أُجِدُ فى كتابِ اللَّهِ الْمُزَّلِ ، أن الشامَ كَثُ اللَّهِ مِن أرضِه، وبها كنزُه مِن عبادِه(١).
/حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿ وَنَخَيْنَهُ ٤٧/١٧
وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِى بَرِّكْنَا فِيَهَا لِلْعَلَمِينَ﴾. قال: هاجَرا جميعًا من كُوثَى(٢) إلى
(٣)
الشامِ () .
حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباطُ ، عن السدىِّ، قال: انطَلَق
إبراهيمُ ولوطْ قِبَلَ الشامِ، فَلَقِىَ إبراهيمُ سارةً، وهى بنتُ ملكِ حَرَّانَ، وقد طَعَنَت
على قومِها فى دينهم، فتَزَوَّجها على ألَّا يُغَيِّرَها (٤).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنٍ إسحاقَ، قال: خَرَج إبراهيمُ
مُهاجِرًا إلى ربِّه، وخَرَج معه لوطٌ مُهاجِرًا، وتَزوَّج سارَةَ ابنةَ عمِّه، فخَرج بها
معه يَلْتَمِسُ الفِرارَ بدينِهِ والأمانَ على عبادةِ ربِّه، حتى نَزَل حَرَّانَ، فمَكَث
فيها ما شاء اللَّهُ أن يَمْكُثَ، ثم خَرَج منها مُهاجِرًا حتى قَدِمَ مصرَ، ثم خَرَج مِن
مصرَ إلى الشامِ، فَزَل السَّبْعَ مِن أرضٍ فِلَسطينَ، وهى بَرِّيَّةُ الشامِ، ونَزل لوطٌ
= مسند الشاميين ١ / ٢٩٢، ١٠٥٤/٢،٥٧٠، والحاكم ٥١٠/٤ من حديث عبد الله بن حوالة. وأخرجه ابن
عساكر فى تاريخه ٥٦/١ - ٨٣ من طرق عن عبد الله بن حوالة وعبد الله بن عمر وواثلة بن الأسقع وعبد الله بن
الأسقع وأبى الدرداء والعرباض بن سارية .
(١) أخرجه معمر فى جامعه (٢٠٤٥٩)، والبغوى فى تفسيره ٣٢٩/٥ وابن عساكر فى تاريخه ١٢١/١،
١٢٢ من طرق عن عمر.
(٢) كُوثَی: موضع پسواد العراق فى أرض بابل. معجم البلدان ٣١٧/٤.
(٣) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٣٠.
(٤) أخرجه المصنف فى تاريخه ٢٤٤/١. وقال ابن كثير فى تفسيره ٣٤٧/٥: وهو غريب، والمشهور أنها
ابنة عمه .

٣١٤
سورة الأنبياء : الآية ٧١
بالمؤتفكة، وهى مِن السَّبْعِ على مسيرةٍ يومٍ وليلةٍ، أو أقربَ مِن ذلك، فبَعَثَه اللَّهُ
(١)
نبيًا عَعٍ(١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريج قولَه:
﴿ وَيِّنَهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِى بَرَّكْنَا فِيَهَا لِلْعَلَمِينَ﴾. قال: نَجّه مِن أرضِ
العراقِ إلى أرضٍ الشامٍ .
قال : ثى حجاج، عن أبى جعفرٍ الرازىٌّ، عن الربيع ، عن أبى العالية أنه قال فى
هذه الآيةِ: ﴿بَرِّكْنَا فِيَهَا لِلْعَلَمِينَ﴾. قال: ليس ماء عذبٌ إلا يَهْبِطُ إلى الصخرةِ
التى ببيتٍ المقدسِ. قال: ثم يَتَفَرَّقُ فى الأرضِ(٢) .
حدَّثنی یونسُ ، [٣٨٣/٢] قال : أخبرنا ابنُ وهب، قال: قال ابنُ زیدٍ فی
قوله: ﴿ وَفَخَيْنَهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِ بَرَّكْنَا فِيَهَا لِلْعَلَمِينَ﴾. قال: إلى
الشامٍ .
وقال آخرون: بل يعنى مكةَ، وهى الأرضُ التى قال اللَّهُ تعالى: ﴿الَّتِى بَرَّكْنَا
فِيهَا لِلْعَلَمِينَ﴾ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی ابی ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَّنَكَهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ أَلَّتِى بَرَّكْنَا فِيَهَا
لِلْعَلَمِينَ﴾: يعنى مكةَ، ونُزُولَ إسماعيلَ البيتَ، أَلَا تَرى أنه يقولُ: ﴿إِنَّ أَوَّلَ
(١) تقدم أوله فى ص ٢٩٧.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢٣/٤ إلى عبد بن حميد.

٣١٥
سورة الأنبياء : الآيات ٧١ - ٧٣
بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِىِ بِكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدَّى لِلْعَلَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٦].
قال أبو جعفرٍ: وإنما اخترنا ما اخترنا مِن القولِ فى ذلك لأنه لا خلافَ بينَ جميعٍ
أهلِ العلم أن هجرةَ إبراهيمَ مِن العراقِ كانت إلى الشام، وبها كان مُقَامُه أيامَ حياتِهِ ،
وإن كان قد كان قَدِم مكةً ، وبَنَى بها البيتَ ، وأَسْكَنَها إسماعيلَ ابنَه مع أمِّه هاجرَ ،
غيرَ أنه لم يُقِمْ بها ، ولم يَتَّخِذْهَا وَطَنًا لنفسِه، ولا لوطٌ، واللَّهُ إِنما أخبَر عن إبراهيمَ
ولوط أنهما أُنجيا(٢) إلى الأرضِ التى بارك(٣) فيها للعالمين.
/القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ: إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةٌ وَكُلَّ جَعَلْنَا ٤٨/١٧
صَلِحِينَ
وَجَعَلْنَهُمْ أَبِضَّةُ يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَتِ
٧٢
٧٣
وَإِقَامَ الصَّلَوَةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَوَةٌ وَكَانُواْ لَنَا عَبِدِينَ
يقولُ تعالى ذكرُه: ووَهَبْنا لإبراهيمَ إسحاقَ ولدًا، ويعقوبَ ولدَ ولِدِهِ، نافلةً
(٤)
له(٤) .
واختلف أهلُ التأويلِ فى المعنىِّ بقولِه: ﴿ نَافِلَةٌ﴾؛ فقال بعضُهم: عَنَى به
يعقوبَ خاصةً .
ذکژُ مَن قال ذلك
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ: إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةٌ﴾. يقولُ: وَوَهَبْنا
(١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٣٤٧/٥.
(٢) فى م، ت ١: ((أنجاهما))، وفى ص، ف: ((أنجاه)).
(٣) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((باركنا)).
(٤) فى م: ((لك)).

٣١٦
سورة الأنبياء : الآية ٧٢
له إسحاقَ ولدًا، ويعقوبَ ابنَ ابنِ، نافلةً (١) .
.
حدَّثنا بِشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ؟
إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةٌ ﴾ : والنافلةُ ابنُ ابنِه يعقوبُ(٢).
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُّ زيدٍ فى قولِه:
﴿ وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةٌ﴾. قال: سأل واحدًا فقال: ﴿رَبِّ هَبْ لِی
مِنَ الصَّلِحِينَ﴾ [الصافات: ١٠٠]. فَأَعْطاه واحدًا، وزادَه يعقوبَ، ويعقوبُ ولدُ
ولده .
وقال آخرون : بل عنَى بذلك إسحاقَ ويعقوبَ . قالوا: وإنما معنى النافلةٍ :
العَطِيئَةُ ، وهما جميعًا مِن عطاءِ اللَّهِ أعطاهما إياه .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال : ثنا عبدُ الرحمن ، قال : ثنا سفيان ، عن ابن ◌ُرَیج، عن
عطاءٍ فى قولِهِ: ﴿ وَوَهَبْنَا لَهُ، إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةٌ﴾. قال: عَطِيَّةً().
حدَّثنى محمدُ بنُّ عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ
فى قوله: ﴿ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾. قال: عَطاءً().
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢٣/٤ إلى المصنف.
(٢) ذکره ابن کثیر فی تفسيره ٣٤٨/٥.
(٣) تفسیر سفيان ص ٢٠٢.
(٤) تفسير مجاهد ص ٤٧٣، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢٣/٤ إلى ابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن
المنذر .

٣١٧
سورة الأنبياء : الآيتان ٧٣،٧٢
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ مُجُرَيجٍ، عن
مجاهدٍ مثله .
قال أبو جعفرٍ رحِمه اللَّهُ: وقد بَيَّنا فيما مضَى قبلُ، أن النافلةَ: الفضلُ مِن
الشىءٍ، يصيرُ إلى الرجلِ مِن أىِّ شىءٍ كان ذلك(١)، وكلًا وَلِدَيه إسحاقٌ
ويعقوبَ كان فضلًا مِن اللَّهِ تَفَضَّل به على إبراهيمَ، وهِبةً منه له. وجائزٌ أن
يكونَ عنَى به أنه آتاهما إياه جميعًا نافلةً منه له، وأن يكونَ عنَى أنه آتاه نافلةً
يعقوبَ. ولا برهانَ يَدُلَّ على أىِّ ذلك المرادُ مِن الكلام، فلا شىءَ أَوْلَى أن يقالَ
فى ذلك مما قال اللَّهُ: ووَهَب اللَّهُ لإبراهيمَ إِسحاقَ ويعقوبَ نافلةً .
وقولُهُ: ﴿وَكُلَّ جَعَلْنَا صَلِحِينَ﴾. (٢ يقولُ: وكلّهم جعلنا صالحين(٢) .
يعنى : عامِلِين بطاعةِ اللهِ، مُجْتَنِبِين محارمَه .
وعنَى بقولِه: ﴿ وَكُلٌ﴾: / إبراهيمَ وإسحاقَ ويعقوبَ.
٤٩/١٧
وقولُه: ﴿ وَجَعَلْنَهُمْ أَبَِّّةُ يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ . يقولُ تعالى ذكرُه: وجعَلنا
إبراهيمَ وإسحاقَ ويعقوبَ أئمةٌ يُؤْتُمُ بهم فى الخيرِ فى طاعةِ اللَّهِ فى اتِباعِ أمْرِه ونَهْيِهِ ،
ويُقْتَدَى بهم ويُتَّبَعون عليه .
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ وَجَعَلْنَهُمْ
أَبِئَّةُ يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾: جَعَلهم اللّهُ أئمةٌ يُقْتَدَى [٣٨٤/٢ و] بهم فى أمرِ اللَّه(٣) .
وقولُهُ: ﴿ يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾. يقولُ: يَهْدُون الناسَ بأمرِ اللَّهِ إِيَّاهم بذلك،
ويَدْعُونهم إلى اللَّهِ وإلى عبادتِه .
(١) ينظر ما تقدم فى ١١/ ١٠.
(٢ - ٢) سقط من: م، ف .
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢٣/٤ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبى حاتم .

٣١٨
سورة الأنبياء : الآيتان ٧٣ ، ٧٤
وقولُه: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَتِ﴾. يقولُ تعالى ذكره: وأَوْحَينا
فيما أوحينا: أن افْعَلوا الخيراتِ، وأقيموا الصلاةَ بأمْرِنا بذلك. ﴿ وَكَانُواْ لَنَا
عَبِدِينَ﴾ . يقولُ: كانوا لنا خاشِعِين، لا يَشْتَكِّرون عن طاعتِنا وعبادتنا .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَلُوطًا ءَانَيْنَهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَيْنَهُ مِنَ
اَلْقَرْيَةِ الَّتِى كَانَتَ تَّعْمَلُ الْخَبَتْبِتُّ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمَ سَوْءٍ فَسِقِينَ
(٧٤
يقولُ تعالى ذكره: وآَينا لوطًا حُكْمًا، وهو فَصْلُ القضاءِ بينَ الخصومِ .
﴿ وَعِلْمًا﴾. يقولُ: وآتيناه أيضًا عِلْمًا بأمرِ دِينِه، وما يجبُ عليه للَّهِ مِن فرائضِه.
وفى نَصْبِ ((لوطٍ )) وجهان؛ أن يُنْصَبَ لتعلَّقِ الواوِ بالفعل، كما قلنا : وآتينا
لوطًا . والآخر، بمضمرٍ بمعنى: واذكُوْ لوطًا .
وقولُه: ﴿وَيَّنَهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِى كَانَتَ تَعْمَلُ الْخَبََّبِثُّ﴾. يقولُ:
ونَجيناه مِن عذابِنا الذى أَحْلَلْناه بأهلِ القرية التى كانت تعملُ الخبائثَ، وهى قريةُ
سَدُومَ التى كان لوطٌّ بُعِث إلى أهلِها، وكانت الخبائثُ التى يَعْمَلونها؛ إتيانَ
الذِّكرانِ فى أذْبارِهم، وحَذْفَهم(١) الناسَ، وتَضارُطَهم فى أنديتهم، مع أشياءَ أُخْرَ
كانوا يَعْمَلونها مِن المُكرِ، فأخرَجَه اللَّهُ حينَ أراد إهلاكَهم إلى الشامِ .
كما حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباطُ، عن الشّدِّىِّ، قال:
أخرَجهم اللَّهُ - يعنى لوطًا وابنتيه ريثا وزغرتا (٢) - إلى الشامِ حينَ أرادَ إهلاكَ قومِه(٣).
وقولُه: ﴿ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمَ سَوْءٍ فَسِقِينَ﴾. مُخالِفِين أمرَ اللَّهِ، خارِچِين
عن طاعتِهِ وما يَرْضَى من العملِ .
(١) فى م: (( خذفهم) .
(٢) فى م: ((زعرثا)).
(٣) تقدم تخريجه فى ١٢ / ٤٩٧.

٣١٩
سورة الأنبياء : الآيات ٧٥ - ٧٧
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَأَدْخَلْنَهُ فِ رَحْمَتِنَآ إِنَّهُ مِنَ
Vo
الصَّالِحِينَ
يقولُ تعالى ذكره : وأُدْخَلْنا لوطًا فى رحمتنا بانجائِنا إياه مما أخلَلْنا بقومِه مِن
العذابِ والبلاءِ، وإنقاذِناه منه ﴿إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾. يقولُ: إن لوطًا مِن الذين
كانوا يَعْمَلون بطاعتِنا، ويَنْتَهُون إلى أمرِنا ونَهْيِنا، ولا يَعْصُونَنَا .
/ وكان ابنُ زيدٍ يقولُ فى معنى قوله: ﴿وَأَدْخَلْنَهُ فِ رَحْمَتِنَآَ﴾ ما حدَّثنى ٥٠/١٧
يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَأَدْخَلْنَهُ فِ
رَحْمَيِّنَا﴾. قال: فى الإسلامِ .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِن قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَهُ
وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (١٨) وَنَصَرْنَهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِثَايَقِنَاْ إِنَّهُمْ
كَانُواْ قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَهُمْ أَجْمَعِينَ
يقولُ تعالى ذكرُه : واذكُرْ يا محمدُ نوحًا إذ نادَى ربّه مِن قبلِك، ومِن قبلِ
إبراهيمَ ولوطٍ، وسَأَلَنا أن نُهلِكَ قومَه الذين كذَّبوا اللَّهَ فيما تَوَعَّدَهم به مِن وَعیدِه،
وكذَّبوا نوحًا فيما أتاهم به مِن الحقِّ مِن عندِ ربِّه وقال: ﴿رَّبِّ لَا نَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ
اَلْكَفِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦]. فاسْتَجْبنا له دعاءَه. ﴿فَجَّيْنَهُ وَأَهْلَهُ ﴾. يعنى بـ
((أهلِه)) أهلَ الإِيمانِ به مِن ولدِهِ وحَلائِلِهِم، ﴿مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ . يعنى
بـ ((الكَرْبِ العظيم)): العذابَ الذى حَلَّ (١) بالمُكذِّبين مِن الطوفانِ والغَرَّقِ .
والكَرْبُ شدَّةُ الغَمِّ ، يقالُ منه: قد كَرَبَنى هذا الأُمرُ، فهو يَكْرُبُنِى كَرْبًا .
وقولُه: ﴿ وَنَصَرْنَهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِشَايَتِنَا﴾. يقولُ: ونَصَوْنا نوحًا
(١) فى ص، م، ت ٢، ف: ((أحل)).

٣٢٠
سورة الأنبياء : الآيات ٧٧ - ٧٩
على القوم الذين كذَّبوا بحُجَجِنا وأدلتِنا، فأنجيناه منهم ، فأُغْرَقْناهم أجمعين ﴿ إِنَّهُمْ
كَانُواْ قَوْمَ سَوْمٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن قومَ نوح الذين كذَّبوا بآياتِنا كانوا قومَ
سَوْءٍ، يُسِيئُون الأعمالَ، فيَعْصُون اللَّهَ، ويُخالِفون أمرَه.
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَنَ إِذْ يَحْكُمَانٍ فِي الْحَثِ إِذْ نَفَشَتْ
فَفَهَمْنَهَا سُلَيْمَنَّ وَكُلَّ ءَانَيْنَا
٧٨
فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا ◌ِكِْهِمْ شَهِدِينَ
ج
حُكْمًا وَعِلْمَاً وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَاَلَّيْرٌ وَكُنَّا فَعِلِينَ
۔
٧٩
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيّه محمدٍ عَلَهِ: واذكُرْ داود وسليمانَ يا محمدُ إِذ
يَحْكُمان فى الحزثِ .
واختلف أهلُ التأويل فى ذلك الحوثِ، ما كان؟ فقال بعضُهم: كان نَبْتًا .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن (١ أبى
إسحاق١َ)، عن مُرَّةَ فى قولِه: ﴿إِذْ يَحْكُمَانِ فِ الْحَثِ﴾. قال: كان الحرثُ
(٢)
نَبًِا(٣) .
حدَّثنا بشرّ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ذُكِر لنا أن غَنَمَ
القومِ وَقَّعَتِ فِى زَرْعِ لَيْلًا(٢) .
وقال آخرون : بل كان ذلك الحرثُ کَوْمًا .
(١ - ١) فى ص، م: ((ابن إسحاق)). وتقدم مرارًا .
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور، وهو فى تفسير سفيان ص ٢٠٢ عن أبى إسحاق ، عن مرة ، عن مسروق
قال : الحرث عنب .
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢٤/٤ إلى المصنف.
: