النص المفهرس

صفحات 281-300

٢٨١
سورة الأنبياء : الآيتان ٤٣، ٤٤
الصَّاحبَ، وهو الإِنسانُ يكونُ له خَفِيرٌ(١) مما يخافُ، فهو قولُه: ﴿يُصْحَبُونَ﴾(١).
قال أبو جعفرٍ : وأولى الأقوالِ فى ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال هذا القولَ الذى
حَكَيناه عن ابنِ عباسٍ وأنّ ﴿هُم﴾ مِن قوله: ﴿ وَلَ هُمْ﴾. من ذِكْرِ الْكُفَّارِ، وأنَّ
قولَه: ﴿يُصْحَبُونَ﴾. بمعنى: يُجارُون؛ يُصْحَبون بالجوارِ؛ لأَنَّ العربَ مَحْكِىٌّ
عنها : أنا لك جارٌ مِن فلانٍ وصاحبٌ . بمعنَى: أَجِيرُكَ وأَمْنَعُكَ. وهم إذا لم يُصْحَبوا
بالجوارِ ولم يكن لهم مانِعٌ مِن عذاب اللَّهِ مع سَخَطِ اللَّهِ عليهم ، فلم يُضْحَبوا بخيرٍ
ولم يُنصَرُوا .
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿ بَلْ مَنَّعْنَا هَؤُلَاءِ وَءَابَآءَهُمْ حَتَّى ◌َالَ عَلَيْهِمُ
اُلْهُمُرِّ أَفَلَ بَرُونَ أَنَّا نَأْتِى الْأَرْضَ نَقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ
33
الْغَلُونَ
یقولُ تعالی ذِ کژُه: ما لهؤلاءِ المُشرِ کین مِن آلھةٍ تَمنَعُهم من دونِنا ، ولا جارّ
يُجيرُهم مِن عذابِنا - إذا نحن أرَدْنا عذابَهم - فاتَّكَلوا على ذلك، وعَصَوا رُسُلَنَا؛
اتٌّكَالًا مِنهم على ذلك، ولَكِنَّا متَّعْناهم بهذه الحياةِ الدُّنيا وآباءَهم مِن قَبلِهم حتى
طال عليهم العُمُرُ، وهم على كُفْرِهم مُقِيمُون ، لا تَأْتِيهم مِنَّا واعظةٌ مِن عذابٍ ، ولا
زاجِرةٌ مِن عقابٍ على كُفْرِهم وخِلافِهم أمْرَنا ، وعبادتهم الأوثانَ والأصنامَ ، فتَشُوا
عَهدَنا وجَهِلُوا موقِعَ نِعْمَتِنا عليهم، ولم يغْرِفُوا موضِعَ الشُّكرِ .
وقولُه : ﴿أَفَلاَ يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِ اُلْأَرْضَ نَقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَاً﴾. يقولُ
تعالى ذكره: أفلا يَرى هؤلاءِ الْمُشْرِكون باللَّهِ السَّائِلُون محمدًا عَمِ الآياتِ
(١) خفير القوم : مجيرهم الذى يكونون فى ضمانه ما داموا فى بلاده. التاج (خ ف ر).
(٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٣٣٨/٥ عن العوفى عن ابن عباس إلى قوله: ((يجارون)).

٢٨٢
سورة الأنبياء : الآيتان ٤٥،٤٤
المُسْتَعجِلوه بالعذابِ - أنَّا نأتى الأرضَ نُخَرَّبُها مِن نواحِيها بقَهْرِنا أهْلَها،
وغَلَبَتِناهم ، وإجلائِهم عنها ، وقَتْلِهِم بالسيوفِ ، فَيَعْتَبِرِوا بذلك ويتَّعِظُوا بِهِ ، ويَحْذَروا
مِنَّا أن تُنْزِلَ من بأسِنا بهم نحوَ الذى قد أَنْزَلْنَا بَنْ فَعَلْنا ذلك بهِ مِن أهلِ الأطرافِ.
وقد تقدَّم ذِكرُ القائلين بقولِنا هذا ومخالِفيه، بالرِّواياتِ عنهم فى سورةٍ
((الزَّعِدِ)) بما أغنَى عن إعادته فى هذا الموضعِ(١).
وقولُه: ﴿أَفَهُمُ الْغَدِبُونَ﴾. يقولُ تبارك وتعالى: أفهؤلاءِ المُشْرِكون
المُسْتَعجِلون محمدًا بالعذابِ / الغَالِبُونا؟ وقد رأوا قَهْرَنا مَن أَحْلَلَنا بساحتِه بأسَنا فى
أطراف الأرض ، ليس ذلك كذلك، بل نحن الغالبُون .
٣٢/١٧
وإَما هذا تقريعٌ مِن اللَّهِ تعالى لهؤلاءِ المُشْرِكين بهِ بجهلِهم، يقولُ: أفيظُنُون
أنَّهم يَغْلِون محمدًا وَيَفْهَرُونه، وقد قُهِر مَن ناوأه مِن أهلِ أطرافِ الأرضِ غيرُهم.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَفَهُمُ
الْغَالِبُونَ﴾. يقولُ: ليسوا بِغَالِبين، ولكِنَّ رسولَ اللَّهِ عَلَّهِ هو الغالبُ(١).
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّمَآ أُنْذِرُكُم بِالْوَحِيٍّ وَلَا يَسْمَعُ الصُّدُ
الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ
٤٥
يقولُ تعالى ذِكرُه لنبيِّه محمدٍ عَ له: قلْ يا محمدُ لهؤلاءِ القائلين: ﴿فَلْيَأْنِنَا
بِشَايَةٍ كَمَا أُرْسِلَ اْأَوَُّونَ﴾ [الأنبياء: ٥]: إنما أُنذِرُ كم أيُّها القومُ بِتَنزِيلِ اللَّهِالذى
يُوحِيه إلىَّ مِن عندِهِ، وأُخَوِّفُكم به بأسَه .
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتَادةَ قولَه: ﴿قُلْ إِنَّمَآ
(١) ينظر ما تقدم فى ٥٧٤/١٣ - ٥٧٩ .
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣١٩/٤ إلى المصنف وابن أبى حاتم.

٢٨٣
سورة الأنبياء : الآية ٤٥
أُنْذِرُكُم بِالْوَحِيَّ﴾. أى: بهذا القرآنِ(١).
وقولُه: ﴿ وَلَا يَسْمَعُ الضُُّّ الدُّعَّمَ ﴾ اختَلَفتِ القرأةُ فى قراءةِ ذلك ؛ فقرَأَتْه
عامَّةُ قرأةِ الأمصارِ: ﴿ يَسْمَعُ﴾. بمعنى أنَّه فِعْلٌ لـ ((الصُّمِّ))، و((الصُّمّ)) حينئذٍ
مَرْفُوعون .
ورُوِى عن أبى عبدِ الرحمنِ السّلَمِيِّ أَنَّه كان يقرأُ : (وَلا (" يُشْمَعُ) بالياءٍ(٢)
وضَمِّها، فـ((الصُُّّ)) على هذه القراءةِ مَرْفُوعةٌ؛ لأنَّ قولَه: (ولَا يُشْمَعُ)(٢) لم يُسَمَّ
فاعلُه، ومعناه على هذه القراءةِ : ولا يُسمِعُ اللَّهُ الصمَّ الدُّعاءَ.
قال أبو جعفرٍ: والصوابُ من القراءةِ عِندَنا فى ذلك [٣٧٩/٢و] ما عليه قرَأَةٌ
الأمصارِ؛ لإجماع الحَُّةِ من القرَأةِ عليه. ومعنى ذلك: ولا يُصْغِى الكافرُ باللَّهِ
بِسَمْعٍ قلبِهِ إِلى تَذَكُرٍ ما فى وَخِي اللَّهِ مِنَ المواعظِ والذِّكْرٍ، فيتذَكَّرَ به ويَعْتَبرَ ، فينزِجِرَ
عمَّا هو عليه مُقيمٌ مِن ضلالِه إذا تُلِى عليه وأُرِيد به، ولكِنَّه يُعرِضُ عن الاغْتِبارِ به
والتَّفكِّرِ فيه ، فعلَ الأصمِّ الذى لا يَسْمَثُ ما يُقال له فيعملَ به.
وبنحوِ الذى قُلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرّ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ وَلَا يَسْمَعُ
(١) جزء من الأثر المتقدم فى الصفحة السابقة .
(٢ - ٢) فى النسخ: ((تُسمَع بالتاء)).
قال القرطبى فى تفسيره ٢٩٢/١١: وقرأ أبو عبد الرحمن السلمى ومحمد بن السميفع: (ولا يُسْمَع) بياء
مضمومة وفتح الميم على مالم يسم فاعله؛ (الصم) رفعًا أى إن الله لا يسمعهم. وقرأ ابن عامر والسلمى أيضًا وأبو
حيوة ويحيى بن الحارث: ((تُسمِع)) بتاء مضمومة وكسر الميم؛ (الصُّمَّ) نصبًا، أى: إنك يا محمد لا تسمع الصمَّ
الدعاء. وينظر البحر المحيط ٣١٥/٦، ٣١٦.
(٣) فى م، ت١: ((تسمع)). وينظر الحاشية السابقة.

٢٨٤
سورة الأنبياء : الآيات ٤٥ - ٤٧
الضُُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ﴾. يقولُ: إِن الكافرَ قد صَمَّ عن كتابِ اللَّهِ لا
يَسمَعُه ، ولا ينتَفِعُ به ولا يعقِلُه، كما يَسمَعُه المؤمنُ وأهلُ الإيمانِ .
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿ وَلَيِنِ مَّسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِّنْ عَذَابٍ رَبِّكَ لَيَقُولُونَ
يَوَيْلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ
يقولُ تعالى ذِكرُه: ولئن مست هؤلاءِ المُستَعجِلين بالعذابِ يا محمدُ
﴿ نَفْحَةٌ مِّنْ عَذَابٍ رَبِّكَ﴾. يعنى بالنِّفْحَةِ النَّصيبَ والحظّ، من قولهم: نفَح فلانٌ
لفلانٍ من عطائِه، إذا أعطاه قِسْمًا أو نصيبًا من المالِ .
٣٣/١٧
/ كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿ وَلَپن
مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِّنْ عَذَابٍ رَبِّكَ﴾ الآية. يقولُ: لئن أصابتهم عقوبةٌ(١).
وقولُه: ﴿ لَيَقُولُنَّ يَيْلَنَآَ إِنَّا كُنَّا ظَلِمِينَ﴾. يقولُ: لئن أصابتهم
هذه النفحةُ من عقوبةِ ربِّك يا محمدُ بتَكذِيِهم بك و كُفرِهم ، لَعْلَمُنَّ حينئذٍ غِبَّ
تَكْذيِهم بك، وليَعْتَرِفُنَّ على أنفسِهم بنعمةِ اللَّهِ وإحسانِه إليهم، وكُفْرانِهم أیادیَه
عِندَهم ، ولَيقُولُنَّ: يا وَيْلنا إِنا كُنَّا ظالمين فى عبادتِنا الآلهةَ والأندادَ ، وتَرْكِنا عبادةَ اللَّهِ
الذى خلَقنا وأنعم علينا ، ووَضْعِنا العبادةَ غيرَ موضعِها .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَنَضَعُ الْمَوَزِنَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَئِمَةِ فَلَا نُظْلَمُ
نَفْسُ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَنْيْنَا بِهَأْ وَكَفَى بِنَا
حَسِبِینَ
٧
يقولُ تعالى ذِكْرُه: ونضَعُ الموازينَ "العدلَ، وهو٢) القِسْطُ .
(١) تقدم أوله فى ص ٢٨٢ .
(٢ - ٢) سقط من : ت٢ .

٢٨٥
سورة الأنبياء : الآية ٤٧
وجعَل ((القِسطَ ))، وهو موحدٌ، مِن نعتٍ ((الموازين)) وهى جمعٌ؛ لأنَّه فى
مذهبٍ عدلٍ ورضًا ونظرٍ .
وقولُه: ﴿لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾. يقولُ: لأهلِ يوم القيامةِ ، ومَن ورَد على اللهِ فى
ذلك اليوم من خَلْقِه .
وقد كان بعضُ أهلِ العربيةِ يوجّهُ معنَى ذلك إلى ((فى))، كأنَّ معناه عندَه:
ونضَعُ الموازينَ القسطَ فى يومِ القيامةِ .
وقولُه: ﴿فَلَا نُظْلَمُ نَفْسُ شَيْئاً﴾. يقولُ: فلا يَظْلِمُ اللَّهُ نفسًا من ورَد عليه
مِنهم شيئًا بأن يعاقبه بذنبٍ لم يَعْمَلْه، أو يبخسَه ثوابَ عملٍ عمِلَه، أو طاعةٍ أَطاعَه
بها ، ولكِن يُجازِى المحسنَ بإحسانِه، ولا يعاقبُ مسيئًا إلا بإساءتِه .
وبنحوِ الذى قُلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذِکرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى ، قال : ثنى عمى ، قال : ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ وَنَضَعُ الْمَوْزِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ إلى آخرِ الآيةِ:
وهو كقوله: ﴿وَاَلْوَزْنُ يَوْمَيِذٍ الْحَقّ﴾ [الأعراف: ٨]. يعنى بـ ((الوزنٍ)) القِسطِ
بينَهم )): بالحقّ (١) فى الأعمالِ ، الحَسَناتِ والسَّيئاتِ؛ فمَن أحاطَت حسناتُه بسيئاتِه
ثَقُلتْ موازينُه. يقولُ: أَذْهَبَت حسناتُه سيئاتِه، ومن أحاطتْ سيئاتُه بحسناتِه فقد
حَفَّتْ موازينُه وأمُّهُ هاويةٌ . يقولُ: أَذْهَبتْ سيئاتُه حسناتِهِ(١) .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا الثورىُّ، عن
(١) ص، ت١، ف: ((فى الحق)).
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢٠/٤ إلى المصنف مقتصرا على أوله.

٢٨٦
سورة الأنبياء : الآية ٤٧
ابن أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قولِ اللَّهِ: ﴿ وَنَضَعُ الْمَوَزِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ ﴾ .
قال: أَما هو مَثَلٌ، كما يجوزُ الوزنُ كذلك يجوزُ الحقُّ. قال الثورىُّ: قال ليثُ عن
مجاهدٍ: ﴿ وَنَضَعُ الْمَوْزِنَ الْقِسْطَ﴾. قال: العدلَ(١).
وقولُه: ﴿وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّتٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَنْيَّنَا بِهَا﴾. يقولُ : وإن
كان الذى له من عملِ الحسناتِ، أو عليه من السيئاتِ وزنَ حبةٍ من خَوْدَلٍ ﴿ أَنَيْنَا
بِهَا﴾ . يقولُ: جِئْنا بها فأخضَرْناها إِيَّه .
٣٤/١٧
/ کما حدّثنا یونسُ، قال :أخبرنا ابنُ وهب، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله:
﴿ وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَنْيْنَا بِهَاْ﴾. قال: كتبناها
وأخصَیْناها له وعليه .
حدَّثنى يونسُ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَإِن
كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَنَّنَا پھَا﴾ . قال : يُؤْتَی بها لك أو عليك ، ثم
يَعْفو إنْ شاء أو يأخُذُ(٢)، ويَجِى بما ◌ُمِل له مِن طاعةٍ .
وكان مجاهدٌ يقولُ فى ذلك ما حدَّثنی يونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال :
ثنا سفيانُ، عن ابنِ أبى نجيحِ، عن مجاهدٍ فى قوله: ﴿ وَإِن كَانَ مِثْقَالَ جَبَّةٍ
مِّنْ خَرْدَلٍ أَنَيْنَا بِهَا﴾. قال: جَازَيْنَا بها(1).
حدَّثنا عمرُو بنُ عبدِ الحميدِ ، قال: ثنا سفيانُ ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ أنَّه كان
(١) تفسير عبد الرزاق ٢٤/٢.
(٢ - ٢) سقط من: ت٢ .
(٣) فى ت١: ((يؤاخذ)).
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢٠/٤ إلى المصنف وسعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٥) فى ت٢: ((عمر)).

٢٨٧
سورة الأنبياء : الآيتان ٤٨،٤٧
يقولُ: ﴿ وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَنْيَّنَا بِهَا﴾. قال: جَازَيْنا بها.
وقال: ﴿ أَنَيَّنَا بِهَأْ﴾ فَأُخرَج قولَه: ﴿بِهَاْ﴾ مُخرَجَ كنايةِ المؤنثِ، وإن
كان الذى تقدَّم ذلك قوله: [٣٧٩/٢ ظ] ﴿ مِثْقَالَ حَبَّةٍ﴾؛ لأنَّه عنى بقولِه:
﴿بِهَاْ﴾ الحبةَ دونَ المِثْقالِ، ولو عنى بهِ المثقالَ لَقِيل: (( به)).
وقد ذُكِر أنَّ مجاهدًا إِنَما تأوَّل قولَه: ﴿ أَنْيَّنَا بِهَا﴾ على ما ذَكَوْنا عنه؛ لأنَّه
كان يقرأُ ذلك (آتَيْنا بِها)(١) بمدِّ الألفِ.
وقولُه: ﴿وَكَفَى بِنَا حَسِبِينَ﴾. يقولُ: وحشبُ مَن شَهِد ذلك الموقفَ بنا
حاسبين؛ لأنه لا أحدَ أَعَلمُ بأعمالِهم ، وما سَلَف فى الدِّنيا مِن صالح أو سيِّىّ، مِنَّا .
القولُ فى تأويل قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ ءَتَيْنَا مُوسَى وَهَرُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَآءُ
٤٨
وَذِكْرًا لِلْمُنَّقِينَ
يقولُ تعالى ذِكرُه : ولقد آتينا موسى بنَ عِمرانَ وأخاه هارونَ ﴿اَلْفُرْقَانَ﴾.
يعنى به الكتابَ الذى يَفْرُقُ بينَ الحقِّ والباطل. وذلك هو التوراةُ فى قولِ بعضِهم .
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال : ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ
قولَه: ﴿اَلْفُرْقَانَ﴾. قال: الكتابَ(٢).
حدَّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن
مجاهدٍ مثله .
(١) وقرأ بها ابن عباس وابن جبير وابن أبى إسحاق والعلاء بن سيابة وجعفر بن محمد وابن محمد
الأصبهاني، وهى قراءة شاذة. ينظر البحر المحيط ٣١٦/٦.
(٢) تفسير مجاهد ص ٤٧٢ .

٢٨٨
سورة الأنبياء : الآية ٤٨
حدُّثنا بشرّ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا
مُوسَى وَهَرُونَ الْفُرْقَانَ﴾: الفرقانُ التوراةُ، حلالُها وحرامُها، وما فرَق اللَّهُ بينَ الحقِّ
(١)
والباطلِ(١) .
و کان ابنُ زید یقولُ فی ذلك ما حدّثنی به یونسُ ، قال :أخبرنا ابنُ وهپٍ،
قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى وَهَرُونَ الْفُرْقَانَ﴾. قال: الفرقانُ
الحقَّ، آتاه اللَّهُ موسى وهارونَ، فَرَق بينَهما وبينَ فِرعونَ، قضَى بينهم بالحقِّ . وقرأ :
﴿ وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ اَلْفُرْقَانِ﴾ [الأنفال: ٤١]. قال: يومَ بدرٍ().
قال أبو جعفرٍ رحِمه اللَّهُ: وهذا القولُ الذى قاله ابنُ زيدٍ فى ذلك أشْبَهُ بظاهرٍ
التَّنْزِيلِ، وذلك لدخولِ الواوِ فى ((الضياءِ))، ولو كان الفرقانُ هو التوراةَ كما قال
مَن قال ذلك، لكان التنزيلُ: ولقد آتَيْنا موسى وهارونَ الفرقانَ ضياءً؛ لأن
الضياءَ الذى آتَى اللَّهُ موسى وهارونَ هو التوراةُ التى أضاءت لهما ولمَنِ اتَّبَعَهما
أمرَ دينهم /فبصَّرَهم الحلال والحرامَ، ولم يقصِدْ بذلك فى هذا الموضعِ ضياءً
الإِبْصَارِ . وفى دخول الواوِ فى ذلك دليلٌ على أن الفرقانَ غيرُ التوراةِ التى هى ضياءً.
٣٥/١٧
فإن قال قائلٌ: وما ينكر أن يكونَ ((الضياءُ)) من نعتِ ((الفُرْقَانِ))، وإن كانت
فيه واوٌ، فيكونَ معناه: وضياءً آَيْناه ذلك. كما قال: ﴿بِنَةٍ الْكَوَكِبِ
وَحِفْظًا﴾؟ [الصافات: ٦، ٧] .
قيل: إن ذلك وإن كان الكلامُ يحتَمِلُه، فإنَّ الأغلبَ مِن معانيه ما قُلنا،
والواجبُ أن تُوجَّهَ معانى كلام اللَّهِ إلى الأغلبِ الأشهرِ مِن وجوهِها المعروفةِ عندَ
العرب ما لم يكنْ بخلافٍ ذلك ما يجبُ التسليمُ له مِن بحجّةٍ خبرٍ أو عقلٍ .
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢٠/٤ إلى المصنف.

٢٨٩
سورة الأنبياء : الآيات ٤٨ - ٥٠
وقولُه: ﴿ وَذِكْرًا لِلْمُنَّقِينَ ﴾. بقولُ: وتَذْكِيرًا لَمَّنَ اتَّقَى اللَّهَ بطاعتِه وأَدَّى
فرائضَه، واجتنبَ معاصيه، ذكّرهم بما أنَّى موسى وهارونَ من التوراةِ .
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ
مُشْفِقُونَ
٩
يقولُ تعالَى ذِكرُه: آتينا موسى وهارونَ (١): الذِّكْرَ الذى أَتِناهما للمُثَّقين
الذين يخافون رَّبهم ﴿ِلْغَيْبِ﴾: يعنى فى الدُّنيا أن يعاقِتَهم فى الآخِرةِ إذا
قَدِموا عليه بتَضْيِيعِهم ما الزَّمَهم مِن فرائضِه، فَهُم من خَشْيَتِهِ يحافِظُون على
حدودِه وفرائضِه، وهم من الساعةِ التى تقومُ فيها القيامةُ مُشْفِقون حَذِرُون أن
تقومَ علَيهم، فَيَرِدُوا على ربِّهم قد فرَّطوا فى الواجبِ عليهم للَّهِ، فيعاقِيَهم من
العقوبة بما لا قِيل لهم به .
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿وَذَا ذِكْرٌ تُبَارَكٌ أَنَزَلْتَهُ أَفَاَنْتُمْ لَهُ
مُنِكِرُونَ
يقولُ جلَّ ثناؤه : وهذا القرآنُ الذى أَنزَلْنَاه إلى محمدٍ عَِّ ذِكْرٌ لمَن تَذَكّرِ به،
وعِظَةٌ لمن انَّعَظ به، مباركٌ، أَنزَلْناه كما أَنْزَلْنا التوراةَ إلى موسى وهارونَ ذِكْرًا
للمُتَّقِين - ﴿أَفَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾. يقولُ تعالى ذِكْرُه: أَفأنتم أيُّها القومُ لهذا الكتاب
الذى أَنْزَلْناه إلى محمدٍ مُكِرون وتقولون هو [٣٨٠/٢و] ﴿أَضْغَتُ أَحْلَمٍ بَلِ
أَفْتَرَهُ بَلَ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْنِنَا بِشَايَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ ﴾ [ الأنبياء: ٥]. وإنّما الذى
آتَيْناه من ذلك ذِكْرٌ للمُثَّقين؛ كالذى آتَيْنا موسى وهارونَ ذكرًا للمُثَّقين.
وبنحوِ الذى قُلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
(١) بعده فى م، ت١، ت٣، ف : (الفرقان).
( تفسير الطبري ١٩/١٦ )

٢٩٠
سورة الأنبياء : الآيات ٥٠ - ٥٢
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرّ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةً قولَه: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ
مُبَارَكُ﴾ إلى قوله: ﴿ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنِكِرُونَ﴾. أى: هذا القرآنُ(١).
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَلَقَدْ ءَانَيْنَآ إِنَزَهِيَمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ،
٥٢٠
إِذْ قَالَ لِأَبِهِ وَقَوِْهِ، مَا هَذِهِ الثَّمَائِلُ الَِّ أَنْتُمْ لَهَا عَكِفُونَ
عَلِمِينَ أَهَّ
٣٦/١٧
/ يقولُ تعالى ذِكرُه: ولقد أرشَدْنا إِبرَاهِيمَ مِن قبلِ موسى وهارونَ، ووفَّقناه
للحقٌّ، وأنْقَذْناه من بين قومِه وأهلِ بيتِه من عبادةٍ(٢) الأوثانِ، كما فَعَلْنا ذلك
بمحمدٍ عَّهِ وعلى إبراهيمَ - فَأَنْقَذَناه من قومِه وعشيرتِه من عبادة الأوثانِ ، وهَذَیْناه
إلى سبيلِ الرَّشادِ تَوفيقًا مِنَّا له .
وبنحوِ الذى قُلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ، قال : ثنا ورقاء، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ
قوله: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَآ إِبَّرَهِيَمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ﴾. قال: هَدَيْناه صغيرًا (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ مجرَيجٍ، عن
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢٠/٤ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٢) فى ص، ت ٢: ((عباد)).
(٣) تفسير مجاهد ص ٤٧٢، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢٠/٤ إلى ابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن
المنذر وابن أبى حاتم .

٢٩١
سورة الأنبياء : الآيتان ٥٢،٥١
مجاهدٍ: ﴿ وَلَقَدْ ءَانَيْنَآَ إِبْرَهِيَمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ﴾. قال: هَدَاهُ(١) صغيرًا.
حدَّثنا ابنُ بَشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن جريجٍ(١)،
عن مجاهدٍ: ﴿َنَيْنَآ إِنَزْهِيَمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ﴾. قال: هَداه صغيرًا (٢) .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَآَ
إِبَزَهِيَمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ﴾. يقولُ: آتَيْنَاه هُدَاهُ(٤).
وقولُه: ﴿ وَكُنَّا بِهِ، عَلِمِينَ﴾. يقولُ: وكُنَّا عالمين به أنَّه ذو يَقِينِ وإيمانٍ بِاللَّهِ
وتوحيدٍ له، لا يُشْرِكُ به شيئًا، ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِهِ وَقَوْمِهِ،﴾. يعنى: فى وقتٍ قِيلِه
وحين قيلِه لهم: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَائِلُ الَّ أَنْتُمْ لَهَا عَكِفُونَ﴾. يقولُ: قال لهم : أىُّ
شىءٍ هذه الصورُ التى أنتم عليها مُقِيمون ؟ وكانت تلك التماثيلُ أصنامَهم التى كانوا
يعبدونها .
كما حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم ، قال : ثنى عيسى، وحدَّثنا
الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ
قولَه: ﴿مَا هَذِهِ التََّائِلُ﴾. قال: الأصنامُ(٥).
حدَّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن
مجاهدٍ مثله .
(١) فى ف: (هديناه)).
(٢) فى ص، م، ت ١، ف: ((أبى نجيح)).
(٣) تفسير سفيان ص ٢٠١، ٢٠٢.
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢٠/٤ إلى المصنف.
(٥) تفسير مجاهد ٤٧٢، ومن طريقه الفريابى - كما فى الفتح ٤٣٧/٨ وتغليق التعليق ٢٥٩/٤ - وهو من
تمام الأثر المتقدم فى الصفحة السابقة .

٢٩٢
سورة الأنبياء : الآيات ٥٢ - ٥٦
وقد بيّنا فيما مضى من كتابِنا هذا أن العاكفَ على الشىءٍ: المُقيمُ عليه ،
بشواهدِ ذلك، وذكَوْنا الروايةً عن أهلِ التأويلِ(١).
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالُواْ وَجَدْنَا ءَابََّنَا لَمَا عَبِدِينَ ﴿ قَالَ لَقَدْ
قَالُواْ أَجِئْتَنَا بِلْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ
كُمْ أَنْتُمْ وَبَآؤُكُمْ فِي ضَلٍ مُّبِينٍ
الَّعِينَ مّ
يقولُ تعالى ذِكرُه: قال أبو إبراهيمَ وقومُه لإبراهيمَ: وَجَدْنا آباءَنا لهذه الأوثانِ
عابدين، فنحنُ على مِلةٍ آبائِنَا نَعْبُدُها كما كانوا يَعْبُدون. ﴿ قَالَ﴾ إبراهيمُ: ﴿لَقَدْ
كُنْتُمْ﴾ أيُّها القومُ، ﴿أَنْتُمْ وَءَبَاؤُكُمْ﴾ بعبادتِكم / إياها، ﴿فِي ضَلَلٍ تُبِينٍ﴾ .
يقولُ: فى ذهابٍ عن سبيلِ الحِقِّ ، وجَوْرٍ عن قَصْدِ السبيلِ، ﴿قُبِينٍ﴾. يقولُ:
بيّنٌ(٢) لمن تأمَّلَه بعقلٍ أنكم كذلك فى جَوْرٍ عن الحقِّ. ﴿قَالُواْ أَجِئْتَنَا بِالْحَقِ﴾ .
يقولُ: قال أبوه وقومُه له: أجئتنا بالحقِّ فيما تقولُ، أَمْ أنت هازِلٌ لايِبّ من
اللاعبين .
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿قَالَ بَلَ رَّبِّكُمْ رَبُّاً لَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ الَّذِى فَطَرَ هُرَ
وَنَاْ عَى ذَلِكُم مِّنَ الشَّهِدِينَ
٥٦
يقولُ تعالى ذكرُه : قال إِبراهيمُ لهم : بل جئتُكم بالحقِّ لا الذَّعِبِ ؛ ربُّكم ربُّ
السَّماواتِ والأرضِ الذى خَلَقَهن، ﴿ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ﴾، مِن أن ربَّكم هو ربُّ
السّماواتِ والأرضِ الذى فَطَرَهنَّ، دونَ التماثيلِ التى أنتم لها عاكفون، ودونَ كلٌ
أحدٍ سِواه، شامٌ ﴿مِّنَ الشَّهِدِينَ﴾. يقولُ: فإياه فاعبدوا، لا هذه التماثيلَ التى
هى خَلْقُه ، التى لا تضُرُّ ولا تنفعُ .
(١) ينظر ما تقدم فى ٥٣٤/٢ - ٥٣٦.
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢،: ((تبين))، وفى ف: ((يبين).
٣٧/١٧

٢٩٣
سورة الأنبياء : الآيتان ٥٧، ٥٨
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَمَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُولُواْ مُدِْينَ
٥٨
فَجَعَلَهُمْ جُذَاذَا إِلَّا كَبِيرًا لَُّمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ
[٣٨٠/٢ط] ذُكرٍ أن إبراهيمَ صلواتُ اللهِ عليه حَلَف بهذه اليمينِ فى سِرٍّ مِن
قومِه وخفاءٍ، وأنه لم يَسْمَعْ ذلك منه إلا الذى أفشاه عليه حينَ قالوا: ﴿مَن فَعَلَ
هَذَا بِثَالِهَتِنَآ إِنَّهُ لَمِنَ الطَّالِمِينَ ﴾ [الأنبياء: ٥٩]. فقال: ﴿ سَمِعْنَا فَنَى يَذْكُرُهُمْ
يُقَالُ لَهُ: إِبْرَهِيمُ ﴾ [الأنبياء: ٦٠].
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثْنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبى نجيح، عن مجاهدٍ فى
قولِ اللَّهِ: ﴿ وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَمَكُمْ﴾. قال: قولُ إبراهيمَ حينَ اسْتَشْبَعه قومُه
إلى عيدٍ لهم فأبى وقال: إنى سَقِيمٌ. فسَمِع منه وعيدَ أصنامِهم رجلٌ منهم اسْتَأْخَرَ ،
وهو الذى يقولُ: ﴿سَمِعْنَا فَتَى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ: إِنْزَهِيمُ﴾ (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاج، عن ابنٍ جريج، عن
مجاهدٍ مثله .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةً قوله: ﴿ وَتَاللَّهِ لَأَحِكِيدَنَّ
أَصْنَكُ﴾. قال: نَرَى أنه قال ذلك حيثُ لا يَشْمَعون بعدَ أن تَوَلَّوا مُدْيِرِين(٢).
وقولُه: ﴿ فَجَعَلَهُمْ جُذَادًا إِلَّ كَبِيرًا لَهُمْ﴾. اختلفتِ القرأةُ فى قراءةٍ
ذلك ؛ فقرأته عامةُ قرأةِ الأمصارِ سوى يحيى بنٍ وتَّابٍ والأعمشِ والكسائيّ:
(١) تفسير مجاهد ص ٤٧٢، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢١/٤ إلى ابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢١/٤ إلى ابن المنذر وابن أبى حاتم.

٢٩٤
سورة الأنبياء : الآية ٥٨
﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا﴾. ( بمعنى: فجعلهم جذاذًا، بمعنى جمع(١)، كأنهم أرادوا
به جمعَ جَذِیذٍ وجِذاذٍ، كما يُجمَعُ الخَفِيفُ خِفافًا، والكريمُ كرامًا .
٣٨/١٧
/ وأولى القراءتَين فى ذلك عندَنا بالصوابِ قراءةُ مَن قرأه: ﴿ جُذَدًا﴾. بِضَمّ
الجيمِ ؛ لإجماع قرأةِ الأمصارِ عليه، وأن ما أجمَعت عليه فهو الصوابُ(١) ، وهو إذا
قُرِئ كذلك مصدرٌ مثلَ الرُّفاتِ والفُتاتِ والدُّقاقِ، لا واحدَ له. وأما مَن كَسَر
الجيمَ، فإِنه جمعٌ لـ ((جَذيدِ)) والجَدِيذُ هو فَعِيلٌ، صُرِف مِن مَجْذوذٍ إليه، مثل
كَسِيرٍ، وهَشِيم. والمجذوذةُ المكسورةُ قِطَعًا .
وبنحوِ الذى قُلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثْنى علىّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن علىّ ، عن ابنِ عباسٍ
قوله: ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَادًا﴾. يقولُ: حُطامًا(٤).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ :
◌ْ جُذَاذًا﴾: كالصَّرِيمِ .
(١ - ١) سقط من: م، والكلام فيه سقط ظاهر، ويوضحه ما قاله أبو حيان فى البحر المحيط ٣٢٢/٦: وقرأ
الجمهور ((جذاذًا)). بضم الجيم. والكسائى وابن محيصن وابن مقسم وأبو حيوة وحميد والأعمش فى رواية
بكسرها، وأبو نهيك وأبو السمال بفتحها ... وقال اليزيدى: ((جذاذا)) بالضم جمع ((مجذاذة))، کزُجاج
وزجاجة. وقيل: بالكسر جمع ((جَذيذ)) ككريم وكرام. وقيل: الفتح مصدر كالحصاد بمعنى المحصود،
فالمعنى ((مجذوذين)) ... وقرأ يحيى بن وثاب ((جذاذًا)) ... كجديد ومجدُد. وقرئ ((جُذّدًا)) ...
(٢) بعده فى ص، م، ت١، ت٣، ف: (( جذید)).
(٣) وما قرأ به الكسائى أيضًا فهو صواب؛ لأن قراءته من السبعة المتواترة عن النبى عـ
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢١/٤ إلى ابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٥) تفسير مجاهد ص ٤٧٢.

٢٩٥
سورة الأنبياء : الآية ٥٨
حدَّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريجٍ، عن
مجاهدٍ مثله .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَجَعَلَهُمْ
جُذَادًا﴾. أى: قِطَعًا(١).
وكان سببَ فعلِ إبراهيمَ صلواتُ اللَّهِ عليه بآلهةٍ قومِه ذلك، كما حدَّثنا
موسى ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ، أن إبراهيمَ قال له أبوه :
يا إبراهيمُ، إن لنا عيدًا لو قد خَرَجتَ معنا إليه قد أعجَبَكِ دِينُنا؟ فلما كان يومُ
العيدِ، فخَرجوا إليه، خَرَج معهم إبراهيمُ، فلما كان ببعضِ الطريقِ ألقَى نفسَه
وقال : إنى سَقِيمٌ. يقولُ: أَشْتَكى رِجْلى. فتَوطَّوا(٢) رِجْلَيه وهو صريحٌ، فلما
مَضَوا نادَى فى آخِرِهم، وقد بَقِىَ ضَعْفَى الناسِ: ﴿ وَتَللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَمَكُمْ
بَعْدَ أَنْ تُوَلُّواْ مُدْبِرِينَ﴾. فسَمِعوها منه، ثم رَجَع إبراهيمُ إلى بيتِ الآلهةِ، فإذا هُنَّ
فى بَهْرٍ عظيمٍ، مُسْتقبِلَ بابِ البَهْوِ صنٌ عظيمٌ، إلى جَنْبِهِ أصغرُ منه، بعضُها إلى
بعضٍ، كلّ صنمٍ يَلِيه أصغرُ منه، حتى بَلَغوا بابَ البَهْوِ، وإذا هم قد جَعَلوا
طعامًا، فَوَضَعوه بينَ يَدَي الآلهةِ، قالوا: إذا كان حينَ نرجِعُ رَجَعْنا، وقد
بارَكَتِ الآلهةُ فى طعامِنا، فأكَلنا. فلما نَظَر إليهم إبراهيمُ ، وإلى ما بينَ أيدِيهم
مِن الطعامِ، ﴿فَقَالَ أَلَا تَأْكُونَ﴾. فلما لم تُجِبْه، قال: ﴿مَا لَكُمْ لَا نَنطِقُونَ
٩٢
فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْيَا بِآلْيَمِينِ﴾ [الصافات: ٩١ - ٩٣]. فَأُخَذَ( ١) حديدةٌ، فَنَقَرَ كلَّ صنمٍ فى
حافَتَه، ثم عَلَّق الفأسَ فى عُنُقِ الصنم الأكبرِ، ثم خَرَجَ، فلما جاء القومُ إلى
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره - كما فى تغليق التعليق ٢٥٧/٤ - من طریق یزید بن زريع به .
(٢) فى م: ((تواطئوا)).
(٣) بعده فى م: (( فأس )).

٢٩٦
سورة الأنبياء : الآية ٥٨
٥٩٦
طعامِهِم نَظَروا إلى آلهتهم، ﴿ قَالُواْ مَنْ فَعَلَ هَذَا بِثَالِهَتِنَآ إِنَّهُ لَمِنَ الظَِّمِينَ
قَانُواْ سَمِعْنَا فَتَى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَّهُ: إِنْزَهِيمُ﴾(١).
وقولُه: ﴿إِلَّ كَبِيرًا لَّمْ﴾. يقولُ: إلا عظيمًا للآلهةِ؛ فإِنَّ إبراهيمَ لم
يَكْسِرْه، ولكنَّه فيما ذُكِر عَلَّق الفأْسَ فى ◌ُنُقِه .
وبنحوِ الذى قُلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريجٍ :
[٣٨١/٢,] ﴿ إِلَّ كَبِيرًا لَهُمْ﴾. قال: / قال ابنُ عباسٍ: إلا عظيمًا لهم، عظيمٌ
(٢)
٣٩/١٧
آلهتهم . .
قال ابنُّ جريج: وقال مجاهدٌ: وجَعَل إبراهيمُ الفأْسَ التى(٣) أهْلَك بها ("
أصنامَهم مُسْندةً إلى صدرٍ (٥) كبيرِهم الذى تَرَكَ .
حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال : ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ،
قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبى نجيح، عن مجاهدٍ، قال: جَعَل
إبراهيمُ الفأسَ التى أَهْلَك بها أصنامَهم مسندةٌ إلى صدرٍ كبيرهم الذى تَرَك(٦) .
حدَّثنا ابنُّ حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنٍ إِسحاقَ ، قال: أقبَل عليهنَّ كما
قال اللَّهُ تبارك وتعالى: ﴿ضَْيَا بِأَلْيَمِينِ﴾ [ الصافات: ٩٣]. ثم جَعَل يكسِرُ هنَّ بفأسٍ
(١) أخرجه المصنف فى تاريخه ٢٣٦/١ - ٢٣٨ مطولاً بإسناد السدى المعروف.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢١/٤ إلى ابن المنذر.
(٣) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ( الذى)).
(٤) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ( به ).
(٥) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((ظهر).
(٦) تفسير مجاهد ص ٤٧٣.

٢٩٧
سورة الأنبياء : الآيات ٥٨ - ٦١
فى يَدِهِ، حتى إذا بَقِى أعظمُ صنم منها رَبَط الفأْسَ بيدِه، ثم تَرَكهنَّ، فلما رَجَع قومُه
رَأَوا ما صُنِعِ بأَصْنامِهم، فَراعَهم ذلك وأعْظَموه وقالوا: مَن فَعَل هذا بآلهتنا؟ إنه
لمِن الظالمين (١).
وقولُه: ﴿لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾. يقولُ: فَعَلَ ذلك إبراهيمُ بآلهتهم ؛
لِيَعْتَبِروا ويَعْلَموا أنها إذا لم تَدْفَعْ عن نفسِها ما فعَل بها إبراهيمُ ، فهى مِن أن تدفَعَ عن
غيرِها مَن أرادَه بشُوءٍ أبعدُ ، فيرجِعوا عما هم عليه مُقِيمون مِن عبادتها إلى ما هو عليه
مِن دينه وتوحيدِ اللَّهِ والبراءةِ مِن الأوثانِ .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثْنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ
يَرْجِعُونَ﴾. قال: كادَهم بذلك لعلهم يَتَذَكَّرون أو يُتْصِرون(٢).
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿قَالُواْ مَنْ فَعَلَ هَذَا ◌ِخَالِهَتْنَآ إِنَّهُ لَمِنَ
قَالُواْ فَأَتُواْ بِهِ، عَلَ أَعْيُنِ
الَِّمِينَ (٨٩) قَالُواْ سَمِعْنَا فَتَّى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ: إِنْزَهِيمُ
اُلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونے
يقولُ تعالى ذكره: قال قومُ إبراهيمَ لَّ رَأَوا آلهتَهم قد بجذَّتْ ، إلا الذى رَبَط به
الفَأْسَ إبراهيمُ: مَن فعَل هذا بآلهتنا؟ إن الذى فعل هذا بها لمِن الظالمين. أى: لمِن
الفاعلين بها ما لم يكنْ له فعلُه (٣). ﴿قَالُواْ سَمِعْنَا فَتَى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَّهُ، إِنْزَهِيمُ﴾ .
..
(١) أخرجه المصنف فى تاريخه ٢٣٨/١.
(٢) ينظر التبيان ٢٢٨/٧.
(٣) فى ص، ت ٢، ف: ((فعلها)).

٢٩٨
سورة الأنبياء: الآيتان ٦٠، ٦١
يقولُ: قال الذين سَمِعوه يقولُ: ﴿ تَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَكُم بَعْدَ أَنْ تُوَلُّأْ مُدْبِرِينَ
٠
﴿سَمِعْنَا فَتَّى يَذْكُرُهُمْ﴾ بِعَيْبٍ، ﴿ يُقَالُ لَهُ إِنْزَهِيمُ﴾ .
كما حدَّثنا القاسمُ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ :
قَالُواْ سَمِعْنَا فَتَّى يَذْكُرُهُمْ ﴾ . قال ابنُ جريج: ﴿ يَذْكرُهُمْ ﴾ : يَعِیبُهم ..
حدِّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنٍ إسحاقَ قوله: ﴿سَمِعْنَا فَتَى
· يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ: إِبْرَهِيمُ ﴾: سَمِعناهُ(١) يَسُبُّها ويَعِيبُها ويَسْتهزِئُ بها، لم نسمَعْ أحدًا
يقولُ ذلك غيرُه، وهو الذى نظُنُّ صَنَع هذا بها(٣) .
٤٠/١٧
وقولُهُ: ﴿فَأَنُواْ بِهِ، عَلَ أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه:
قال قومُ إبراهيمَ / بعضُهم لبعضٍ: فَأَتُّوا بالذى فَعَل هذا بآلهتنا، الذى سَمِعتُموه
يذكُرُها بِعَيْبٍ وَيَسُبُّها ويَذُمُّها ، على أعيُنِ الناسِ. فقيل: معنى ذلك: على رءوسٍ
الناسِ(١) . وقال بعضُهم: معناه: بأعيُنِ الناسِ ومَرَأَى منهم. وقالوا: إنما أُرِيدَ
بذلك : أظهروا الذى فعَل ذلك للناس. كما تقولُ العربُ إذا أُظهِرَ الأمرُ وشُهِر:
كان ذلك على أعينُ الناسِ . يرادُ به: كان بأتْدِى الناسِ(6) .
واختلَفَ أهلُ التأويلِ فى تأويلٍ قوله: ﴿ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ﴾؛ فقال بعضُهم:
معناه : لعلَّ الناسَ يَشْهَدون عليه أنه الذى فعَل ذلك ، فتكونَ شھادتُهم علیه حُجّةً لنا
عليه . وقالوا : إنما فعلوا ذلك لأنهم كَرِهوا أن يأخُذوه بغيرِ بَيِّنةٍ .
(١) فى ص، ت ٢، ف: ((سمعنا)).
(٢) أخرجه المصنف فى تاريخه ٢٣٩/١.
(٣) هوقول الفراء فى معانى القرآن ٢٠٦/٢.
(٤) ينظر مجاز القرآن ٢/ ٤٠.

٢٩٩
سورة الأنبياء : الآيات ٦١ - ٦٣
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿قَالُواْ فَأْتُواْ
بِهُ عَلَ أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ﴾: عليه أنه فعل ذلك(١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿فَأَتُواْ بِهِ، عَلَّ
أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ﴾. قال: كَرِهوا أن يأْخُذوه بغيرِ بَيِّنةٍ .
وقال آخرون : بل معنى ذلك: لعلهم يَشْهَدون ) ما يُعاقبونه به، فيُعاينونه
ويَرَونه .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ ، عن ابنٍ إِسحاقَ، قال: بَلَغ ما فعلَ إِبراهيم
بآلهةِ قومِه تُمْرُودَ وأشرافَ قومِه، فقالوا: ﴿فَأَتُواْ بِهِ، عَلَىَ أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ
يَشْهَدُونَ﴾. أى: ما يُصْنعُ به(٣).
وأظهرُ معنى ذلك أنهم قالوا : فَأَتُوا به على أعينُ الناسِ لعلهم يَشْهَدون عُقُوبتنا
إياه ؛ لأنه لو أُرِيدَ بذلك لِيَشْهَدوا عليه بفعلِه كان يقالُ: انظُرُوا مَن شَهِده يفعلُ
ذلك. ولم يقلْ : أخْضِروه بمجمعٍ مِن الناسِ.
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: [٣٨١/٢] ﴿قَالُواْ ءَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا ◌ِخَالِتِّنَا
قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِرُهُمْ هَذَا فَثَلُوهُمْ إِن كَانُواْ
يَاِبْزَهِيمُ
(١) تقدم تخريجه فى ص ٢٩٦.
(٢ - ٢) سقط من: ت ٢.
(٣) تقدم تخريجه فى الصفحة السابقة .

٣٠٠
سورة الأنبياء : الآيتان ٦٣،٦٢
٦٣
يَنْطِقُونَ
يقولُ تعالى ذكرُه : فَأَتُوا بإبراهيمَ ، فلما أَتَوا به قالواله: أأنتَ فعلتَ هذا الذى بآلهِنا
مِن الكسرِ بها يا إبراهيمُ؟ فأجابَهم إبراهيم، فقال: بل فَعَله كبيرُهم هذا وعظيمُهم،
فاشْأَلُوا الآلهةَ مَن فَعَل بها ذلك وكَسَرها إن كانت تَنْطِقُ أَو تُعَبِّرُ عن نفسِها .
وبنحوِ الذى قلنا فى تأويل ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ ، عن ابن إسحاقَ ، قال: لمَّ أُتِى به واجتمع له
قومُه عندَ ملكِهم نُمْرُودَ، / ﴿ قَالُواْ ءَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِثَالِتِّنَا فَإِبْرَهِيمُ (١٦) قَالَ بَلْ
فَعَلَهُ كَبِيْرُهُمْ هَذَا فَسْتَلُوهُمْ إِن كَانُواْ يَنَطِقُونَ﴾: غَضِب مِن أَن تَعْبُدوا
معه هذه الصِّغارَ وهو أكبرُ منها، فكَسَرَهن(١).
٤١/١٧
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ
كَبِرُهُمْ هَذَا﴾ الآية: وهى هذه الخَصلةُ التى كادَهم بها(٢) .
وقد زَعَم بعضُ مَن لا يُصَدِّقُ بالآثارِ ، ولا يقبلُ مِن الأخبارِ إلا ما استفاضَ به
النقلُ مِن العَوامٌ، أن معنى قوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيُهُمْ هَذَا﴾. إنما هو: بل فَعَلُه
كبيرُهم هذا إن كانوا يَنْطِقون، فاسْألُوهم. أى : إن كانت الآلهةُ المكسورةُ تَنْطِقُ؛
فإن كبيرهم هو الذى كَسَرهم.
وهذا قولٌ خلافُ ما تَظاهَرَت به الأخبارُ عن رسولِ اللَّهِ عَ لّهِ ، أن إبراهيم لم
يكذِبْ إِلا ثلاثَ كَذَباتٍ كلُّها فى اللَّه (٣)، قولُه: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِرُهُمْ هَذَا﴾ .
(١) تقدم تخريجه فى ص ٢٩٨.
(٢) تقدم تخريجه ص ٢٩٧.
(٣) سيأتى تخريجه فى تفسير الآية ((٨٩) من سورة الصافات.