النص المفهرس
صفحات 261-280
٢٦١
سورة الأنبياء : الآية ٣١
/القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَحَعَلْنَا فِ اُلْأَرْضِ رَوَسِىَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا ٢١/١٧
فِيَهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ
يقولُ تعالى ذِكرُه: أو لم يرَ هؤلاءِ الكفارُ أيضًا من حُجَجِنا عليهم وعلى
جميع خَلْقِنا، أَنَّا جعَلْنا فى الأرضِ جبالًا راسيةً) . والرّواسِى جمعُ راسيةٍ،
وهى الثَّابتةُ .
كما حدَّها بِشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَجَعَلْنَا
فِي الْأَرْضِ رَوَسِىَ﴾. أى: جبالًا(٢).
وقولُه : ﴿أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ﴾. يقولُ: أَلَّ تَتكفَّأَ بهم . يقولُ جلَّ ثناؤه : فجعلْنا
فى هذه الأرضِ هذه الرَّواسِىّ من الجبالِ، فثَبتََّاها لئلّا تَتَكَفَّأْ بالناسِ، وليقْدِرُوا على
الثباتِ على ظهرِها .
كما حدَّثنا بِشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ ، قال: كانوا على
الأرضِ تَمورُ بهم، لا تَسْتَقِرُّ، فأصبَحُوا صبحًا(٣)، وقد جعَل اللَّهُ الجبالَ، وهى
الرّواسى، أوتادًا للأرضِ(٤).
﴿ وَجَعَلْنَا فَِهَا فِيجَاجًا سُبُلًا﴾. °يقولُ: وسهَّلْنا فى الأرضِ التى أسكناهم
فيها ﴿فِجَاجًا﴾ . يعنى: مسالِكَ، واحِدُها فَتّ .
(١ - ١) فى ت٢: ((رواسى)).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٢١٩/٧ من طريق سعيد به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١١٣/٤
إلى ابن المنذر .
(٣) سقط من : ص، م، ت١ ، ف .
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١١٣/٤ إلى ابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٥ - ٥) سقط من: م، ت١، ت٣، ف .
٢٦٢
سورة الأنبياء : الآيات ٣١ - ٣٣
كما حذَّثنا بِشرٌّ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَجَعَلْنَا
فِيَهَا فِيجَاجًا﴾. أى: أَعْلامًا. وقولُه: ﴿سُبُلًا﴾. أى: طُرُقًا، وهى جمعُ
(١)
الشَّيلِ(١).
وكان ابنُ عباس فيما ذُكِر عنه يقولُ: إِنما عنَى بقولِه: ﴿ وَجَعَلْنَا فِيهَا
فِجَاجًا﴾: وجعَلنا فى الرَّواسِى، فالهاءُ والأُلفُ فى قولِه: ﴿ وَجَعَلْنَا فِيَهَا﴾ من ذِكْرِ
الرواسي .
حذَّثنا [٣٧٦/٢و] بذلك القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثى حجاجٌ، عن
ابنِ جُرَيج، قال: قال ابنُ عباسٍ قوله: ﴿وَجَعَلْنَا فِيَهَا فِجَاجًا﴾. قال: بينَ
(٢)
الجبالٍ (٢).
وإنما اخْتَرِنا القولَ الآخرَ فى ذلك، وجعَلنا الهاءَ والألفَ من ذِكْرٍ
((الأرضِ))؛ لأنَّها إذا كانت من ذِكْرِها دخَل فى ذلك السهلُ والجبلُ، وذلك أن
ذلك كلَّه مِن الأرضِ، وقد حِعَلُ اللَّهُ لخلْقِه فى ذلك كلِّه فِجاجًا سُبْلًا، ولا دلالةً
تدلّ على أنَّه عنَى بذلك فِجاجَ بعضِ الأرضِ التى جعَلها لهم سُبُلًا دونَ بعضٍ،
فالعمومُ بها أَوْلَى .
وقولُه: ﴿لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾. يقولُ تعالى ذِكرُّه: جعَلْنا هذه الفجاجَ فى
الأرضِ ليَهْتَدوا إلى السير فيها .
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا السَّمَآءَ سَقْفًا تَّحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ ءَايَِهَا
وَهُوَ الَّذِىِ خَلَقَ الَّلَ وَاْنَهَارَ وَأُلَّمْسَ وَالْقَمَّرْ كُلُّ فِ فَلَكٍ
مُعْرِضُونَ
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣١٨/٤ إلى ابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣١٨/٤ إلى المصنف وابن المنذر.
٢٦٣
سورة الأنبياء : الآ ية ٣٢
(٣٣
يَسْبَحُونَ
يقولُ تعالى ذِكرُه : وجعَلْنا السماءَ سقفًا للأرضِ مَسْمُوكًا .
وقولُه: ﴿ تَخْفُوظَا﴾. يقولُ : حفِظناها مِن كلِّ شيطان رجيمٍ .
وبنحوِ الذى قُلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
٢٢/١٧
/ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ
فى قولِهِ: ﴿سَقْفًا تَحْفُوظَا﴾. قال: مرفوعًا(١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن
مجاهدٍ مثله .
حدَّثْنا بِشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ وَجَعَلْنَا السَّمَآءَ
سَقْفًا تَّحْفُوظَا﴾. الآية: سَقْفًا مرفوعًا، ومَوْجًا مَكْفُوفًا(٢) .
وقولُه: ﴿وَهُمْ عَنْ ءَايَتِهَا مُعْرِضُونَ﴾. يقولُ: وهؤلاءِ المشركون عن آياتٍ
السماءِ - ويعنى بـ ﴿عَنِهَا﴾ شمسَها وقمرَها ونجومَها - ﴿ مُعْرِضُونَ﴾. يقولُ:
يُعرِضُون عن التَّفَكَرِ فيها، وتَدُّرِ ما فيها من حجج اللّهِ عليهم، ودلالِتِها على
وَحْدَانيَّةِ خالِقِها، وأَنَّه لا ينبَغِى أن تكونَ العبادةُ إلَّا لَمّن دَبَّرَها وسوَّها، ولا تَصْلُغُ إِلَّا
له .
(١) تفسير مجاهد ص ٤٧١، ومن طريقه أبو الشيخ فى العظمة (٥٥٩)، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣١٨/٤
إلى الفريابي وابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٢) سيأتى تخريجه فى تفسير الآية ((٣)) من سورة ((الحديد)).
٢٦٤
سورة الأنبياء: الآيتان ٣٣،٣٢
وبنحوِ الذى قُلنا فى تأويلٍ ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ:
﴿﴿وَهُمْ عَنْ عَلَيْنِهَا مُعْرِضُونَ﴾. قال: الشمسُ والقمرُ والنجومُ آياتُ السماءِ(١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرّيجٍ، عن
مجاهدٍ مثله .
وقولُه : ﴿ وَهُوَ الَّذِىِ خَلَقَ الَِّلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمِّرْ كُلِّ فِىِ فَلَكِ
يَسْبَحُونَ﴾. يقولُ تعالى ذِكرُه: واللَّهُ الذى خلق لكم أيُّها الناسُ الليلَ والنهارَ،
نعمةً منه عليكم وحُجَّةً، ودلالةً على عظيمٍ سُلطانِهِ، وأن الألوهةَ له دونَ كلِّ ما
سِواه، فهما يختلفان عليكم لصلاح معايشِكم وأمورٍ دُنْياكم وآخرتكم، وخلَق
الشمسَ والقمرَ أيضًا، ﴿ كُلُّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾. يقولُ: كلَّ ذلك فى فلكٍ
يَسْبَحون .
واختلف أهلُ التأويلِ فى معنى ((الفَلَكِ)» الذى ذكَره اللَّهُ فى هذه الآيةِ؛ فقال
بعضُهم : هو کھیئةٍ حديدة الرّحی .
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبى نجيح، عن مجاهدٍ
(١) تفسير مجاهد ص ٤٧١ .
٢٦٥
سورة الأنبياء : الآية ٣٣
قوله: ﴿كُلِّ فِ فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ . قال: فَلَكُ كهيئةٍ حديدةِ الوَحَى(١).
حدَّثنا القاسمُ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، قال: قال ابنُ جريجٍ :
كُلُّ فِى فَلَكِ يَسْبَحُونَ ﴾ . قال : كنعتِ حديدةِ الرَّحَى.
حدّثنا ابنُ حمیدٍ ، قال : ثنی جریرٌ ، عن قابوس بنِ أبی ظُبیانَ ، عن أبيه ، عن ابنِ
عباسٍ: ﴿ كُلِّ فِ فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾. قال: فَلَكُ السماءِ() .
وقال آخرون : بل الفَلَكُ الذى ذكَرَه اللَّهُ فى هذا الموضع سرعةُ جري الشمسٍ
والقمرِ والنجومِ وغيرِها .
٠ ٢٣/١٧
/ذكرُ مَن قال ذلك
حدِّثتُ عن الحسينِ ، قال : سمِعتُ أبا معاذٍ ، قال: أخبرنا عبيدٌ ، قال: سمِعتُ
الضحاكَ يقولُ فى قولِهِ: ﴿ كُلِّ فِ فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾: الفَلَكُ المَجْرى والسُّرعةُ(٣) .
(" وقال آخرون: الفَلَكُ مَوجّ مكْفوفٌ تجرى الشمسُ والقمر والنجومُ فيه" .
وقال آخرون: [٣٧٦/٢ظ] بل هو القطبُ الذى تدورُ به النُّجومُ. واسْتَشْهَد قائلُ
هذا القول لقوله هذا بقول الراجز :
باتَتْ تُناصِى (٦) الفَلَكَ الدَّوَّارًا
(١) تفسير مجاهد ص ٤٧١، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣١٨/٤ إلى ابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن
المنذر وابن أبى حاتم ، وينظر فتح البارى ٤٣٦/٨ .
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣١٨/٤ إلى المصنف وابن أبى شيبة وابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٣) ذكره القرطبى فى تفسيره ٢٨٦/١١ .
(٤ - ٤) سقط من : ت٢.
(٥) البيت فى مجاز القرآن لأبى عبيدة ٣٨/٢.
(٦) فى م: (( تناجى)). وتناصى: تجاذب . ينظر اللسان (ن ص ی) .
:
٢٦٦
سورة الأنبياء : الآية ٣٣
حتى الصَّباح تُعمِلُ الأقْتَارَا
وقال آخرون فى ذلك ما حدَّثنا به بِشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن
قتادةَ قولَه: ﴿كُلُّ فِ فَلٍَ يَسْبَحُونَ﴾. أى : فى فَلَكِ السماءِ.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةً: ﴿ كُلُّ
فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾. قال: يَجْرى فى فَلَكِ السماءِ كما رأيتَ(١).
حدَّثنی یونسُ ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابنُ زيدٍ فى قوله : ﴿ كُلِّ فِي
فَكٍ يَسْبَحُونَ ﴾. قال: الفَلَكُ الذى بينَ السماءِ والأرضِ مِن مجارى النُّجومِ
والشَّمسِ والقَمرِ. وقرأ: ﴿نَبَارَكَ الَّذِى جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَجًا
وَقَمَرًا مُنِيْرًا ﴾ [ الفرقان: ٦١]. وقال: تلك البرويجُ بينَ السماءِ والأرضِ، وليست فى
الأرضِ، ﴿ كُلُّ فِ فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾. قال: فيما بينَ السماءِ والأرضِ؛ النجومُ
(٢).
والشمس والقمر
وذُكِر عن الحسنِ أنَّه كان يقولُ: الفَلَكُ طاحونةٌ كهيئةٍ فَلَكَةِ المِغْزَلِ(١).
والصوابُ من القولِ فى ذلك أن يُقالَ كما قال اللَّهُ عزَّ وجلَّ: ﴿ كُلُّ فِ فَلَكٍ
يَسْبَحُونَ﴾. وجائزٌ أن يكونَ ذلك الفَلَكُ كما قال مجاهدٌ كحديدةِ الرَّحَى، وكما
ذُكِر عن الحسنِ كَطَاحُونَةِ الرَّحَى، وجائزٌ أن يكونَ موجًّا مَكْفوفًا، وأن يكونَ قُطْبَ
السماءِ، وذلك أن الفَلَّكَ فى كلام العربِ هو كلُّ شيءٍ دائرٍ، فجَمْعُه أَفْلَاكٌ. وقد
ذكرتُ قولَ الراجزِ:
(١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٣/٢، ٢٤ عن معمر، عن قتادة.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣١٨/٤ إلى المصنف وابن أبى حاتم، وينظر تفسير القرطبى ٢٨٦/١١.
(٣) أخرجه ابن عيينة فى تفسيره - كما فى تغليق التعليق ٢٥٧/٤ - عن عمرو، عن الحسن .
٢٦٧
سورة الأنبياء : الآية ٣٣
باتَتْ تُنَاصِى (١). الفَلَكَ الدَّوَّارَا
وإذا کان کلُ ما دار فی کلامِها فلگًا(٢) ، ولم یکنْ فی کتابِ اللهِ ، ولا فی خبرٍ
عن رسولِ اللَّهِ مِّْهِ، ولا عمَّن يَقْطَعُ قولُه العُذْرَ، دليلٌ يدُلُّ على أىِّ ذلك هو مِن
أىِّ، كان الواجبُ أن نقولَ فيه ما قال، ونَسْكُتَ عمَّا لا علمَ لنا بهِ .
فإذا كان الصوابُ فى ذلك مِن القولِ ما ذكَرْنا، فتأويلُ الكلام: والشمسُ
والقمرُ، كلٌّ ذلك فى دائرٍ يَسْبَحون .
أُوأما قولُه: ﴿ يَسْبَحُونَ﴾. فإِنَّ معناه: يَجْرون .
٢٤/١٧
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ
فى قولِهِ: ﴿ كُلٌّ فِ فٍَ يَسْبَحُونَ﴾. قال: يَجْرون(١) .
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريجٍ، عن
مجاهدٍ مثله .
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله :
يَسْبَحُونَ﴾. قال : يَجْرون(٤) .
وقيل: ﴿ كُلُّ فِ فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾. فأخرَج الخبرَ عن الشمسِ والقمرِ مُخْرَجَ
(١) فى م: ( تناجى)).
(٢) سقط من : م، ف .
(٣) تفسير مجاهد ص ٤٧١ .
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣١٨/٤ إلى المصنف وابن أبى حاتم.
۔
٢٦٨
سورة الأنبياء : الآيات ٣٣ - ٣٥
الخبرِ عن بنى آدمَ بالواوِ والنونِ، ولم يقلْ: يَشْبَحْنَ، أو: تَشْبَحُ. كما قيل: ﴿ وَالشَّمْسَ
وَاُلْقَمَرَ رَيْنُهُمْ لِ سَِدِينَ﴾ [ يوسف: ٤]. لأنَّ السجودَ من أفعالٍ بنى آدمَ، فلمّا
وُصِفتِ الشَّمسُ والقمرُ بمثلٍ أفعالِهم، أُجْرِىَ الخبرُ عنهما مُجْرَى الخبرِ عنهم.
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرِ مِن قَبْلِكَ الْخُلُّدِّ أَفَإِن ◌ِّتَ فَهُمُ
كُلُّ نَفْسٍ ذَابِقَةُ الْمَوْتِّ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَاَلْخَيَّرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا
٣٤
اْخَلِدُونَ
٣٥
تُحَعُونَ
يقولُ تعالى ذِكْرُه لنبيِّه محمدٍ مَّهِ: وما خَلَّدْنا أحدًا من بنى آدمَ يا محمدُ
قبلَك فى الدُّنيا فتُخَلِّدَك فيها، ولابُدَّ لك مِن أن تموتَ كما مات مِن قَبْلِك رُسُلُنا ،
﴿ أَفَإِيْنِ مِتَّ فَهُمُ الْخَلِدُونَ﴾. يقولُ: فهؤلاء المُشْرِكون بربِّهم هم الخالِدُون فى
الدُّنيا بعدَك؟ لا، ما ذلك كذلك، بل هم مَيّتون بكلٌ حالٍ ، عِشْتَ أو مِتّ.
فأُدخِلتِ الفاءُ فى ((إن)) وهى جزاءٌ، وفى جوابِهِ؛ لأُنَّ الجزاءَ مُتَّصِلٌ بكلامٍ قَبْلَه ،
ودخَلت أيضًا فى قولِه: ﴿فَهُمُ﴾؛ لأنَّه جوابٌ للجزاءِ، ولو لم يكُنْ فى قوله :
﴿فَهُمُ﴾ الفاءُ، جاز على وجْهَين؛ أحدُهما، أن تكونَ محذوفةً وهى مرادةٌ،
والآخرُ، أن يكونَ مرادًا تقديمُها إلى الجزاءِ، فَكَأَنَّه قال: أَفَهُمُ الخالدون إن مِتَّ؟
وقولُه: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَابِقَةُ الْمَوْتِ﴾. يقولُ تعالى ذِكرُه: كلَّ نفْسٍ مَنْفوسةٍ
من خَلْقِهِ، معالِجَةٌ غُصَصَ الموتِ ، ومتجرّعةٌ كأْسَها .
وقولُه: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيِّرِ فِتْنَةٌ﴾ . يقولُ تعالى ذِكرُه: ونَخْتَبِرُكِم أيُّها
الناسُ ﴿بِالشَّرِّ﴾. وهو الشِّدَّةُ، نَبْتَلِيكم بها، وبـ ﴿ الْخَيَّرِ﴾. وهو الرخاءُ
والسّعةُ والعافيةُ ، فنَفْتِئُكم به .
وبنحوِ الذى قُلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
٢٦٩
سورة الأنبياء : الآية ٣٥
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جُرَيجٍ، قال :
قال ابنُ عباسٍ قولَه: ﴿ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيَّرِ فِتْنَةٌ﴾. قال: بالرَّخَاءِ والشِّدَّةِ،
وكلاهما بلاءً(١).
٢٥/١٧
/حدَّثنا بشرّ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ وَنَّلُوكُمْ
[٣٧٧/٢ و] بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةٌ﴾. يقولُ: نَبْلُوكم بالشَّرِّ بلاء، وبالخيرِ فتنةٌ،
﴿ وَإِلَيْنَا تُحَعُونَ﴾ .
حدَّثنا يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَنَبْلُوكُمْ
بِالثَّرِّ وَالْخَيَّرِ فِتْنَهُ وَإِلَيْنَا تُحَعُونَ﴾. قال: (٢ نَبْلُوهم بما يُحبُّون وبما يَكْرَهون؛
نَخْتَبِرُهم بذلك لتنظرَ كيف شُكرُهم فيما يُحبُّون ، وكيف صبرُهم فيما يَكْرَهون(١).
حدَّثنی علیٍّ ، قال : ثنا أبو صالح، قال : ثنی معاویةُ ، عن علىّ ، عن ابنِ عباسٍ
قولَه: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَرِ﴾. يقولُ: نَبَتَلِيكم بالشِّدةِ والرّخَاءِ، (والصّحةِ»
والسَّقَمِ ، والغِنَى والفَقْرِ، والحلالِ وَالحرامِ، والطاعةِ والمعصيةِ، والهُدَى والضَّلالةِ(٤).
وقولُهُ : ﴿وَإِلَيْنَا تُجَعُونَ(٥)﴾. يقولُ: وإلينا "تُردُّون فتُجازَوْن) بأعمالِكم(٧)؛
(١) ذكره أبو حيان فى البحر المحيط ٣١١/٦.
(٢ - ٢) فى ت١، ت٢: ((نبلوكم بما تحبون وما تكرهون نختبركم)).
(٣ - ٣) سقط من: ص، ت١، ت٣، ف .
(٤) أخرجه اللالكائى فى شرح أصول الاعتقاد (١٠٠٧) من طريق أبى صالح به ، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٣١٩/٤ إلى ابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٥) فى ص، ف: ((يرجعون)). قال أبو حيان فى البحر المحيط ٣١١/٦: وقرأ الجمهور ((تُوجعون)) بتاء الخطاب
مبنيا للمفعول، وقرأت فرقة بالتاء مفتوحة مبنية للفاعل - وهى قراءة يعقوب، وهو من العشرة - وقرأت فرقة بضم
الياء للغيبة مبنيا للمفعول على سبيل الالتفات . وينظر فى قراءة يعقوب إتحاف فضلاء البشر ص ١٨٩.
(٦ - ٦) فى م: ((يردون فيحازون)).
(٧) فى ص، ت١، ت٣، ف: ((بأعمالهم)).
٢٧٠
سورة الأنبياء : الآيات ٣٦ - ٣٨
حسنِها وسيِّئِها .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَإِذَا رَءَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا
هُزُوًا أَهَذَا الَّذِى يَذْكُرُ ءَالِهَنَّكُمْ وَهُم ◌ِذِكْرِ اٌلَّهَْنِ هُمْ كَفِرُونَ
٣٦
يقولُ تعالَى ذِكْرُه لنبيِّه محمدٍ عَظِهِ: وإذا رآك يا محمدُ الذين كَفَروا باللّهِ
﴿إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًّا﴾. يقولُ: ما يَتَّخِذُونك إلَّا سِخْرِيًّا يقولُ بعضُهم
لبعضٍ: ﴿أَهَذَا الَّذِى يَذْكُرُ ءَالِهَتَكُمْ﴾. يعنى بقولِه: ﴿يَذْكُرُ
ءَالِهَتَكُمْ﴾: يذكرُ آلهتكم بسوءٍ ويُعيبُها؛ تعجّبًا مِنهم مِن ذلك، يقولُ اللَّهُ تعالى
ذِكرُه : فيَعجبون مِن ذِكْرِك يا محمدُ آلهتهم التى لا تضرُ ولا تَنفَعُ بسوءٍ، وهم یذکرِ
الرحمنِ الذى خلقهم وأنعَم عليهم ، ومنه نَفْعُهم ، وبيدِه ضرُّهم ، وإليه مَرْجِعُهم ،
بما هو أهلُه مِنهم أن يَذْ كُروه به - كافرون .
والعربُ تضَحُ الذِّكرَ موضِعَ المدحِ والذمِّ، فيقولون: سمِعْنا فلانًا يَذْكُرُ فلانًا .
وهم يُريدُون : سمِعْناه يَذْكُرُه بقبيح ويَعِيبُه - ومِن ذلك قولُ عنترةً(١) :
لا تَذْكُرِى مُهْرِى وما أَطْعَمتُه فيكونَ(٢) جلدُكِ مِثلَ جِلدِ الأجْرَبِ
يعنى بذلك : لا تَعِیبی مُهْرِى - وسَمِعْناه يَذْكُرُه بخيرٍ .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ خُلِقَ الْإِنِسَنُ مِنْ عَجَلٍ سَأُوْرِيَكُمْ ءَايَنِى فَلَا
٣٧١
٣٨
وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمُ صَدِقِينَ
تَسْتَعِْلُونِ
/ يقولُ تعالى ذِكْرُه: ﴿ خُلِقَ الْإِنسَانُ﴾. يعنى آدمَ، ﴿مِنْ عَجَلِ
واختلف أهلُ التأويل فى تأويلِه ؛ فقال بعضُهم: معناه: مِن عَجَلٍ فِى بِنْيَتِه
٢٦/١٧
(١) ديوانه ص ١٩، ونسبه فى اللسان (ن ع م) إلى خُزّز بن لؤذان السدوسى .
(٢) فى ت ٢: ((فيصير).
٢٧١
سورة الأنبياء: الآية ٣٧
وخَلْقِهُ(١)، كان مِن العَجَلَةِ(٢) ، وعلى العجَلَةِ.
ذِكْرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كريبٍ ، قال : ثنا ابنُ يمانٍ، عن أشعثَ ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ فى
قولِهِ: ﴿ خُلِقَ الْإِنِسَنُ مِنْ عَجَلٍ﴾. قال: لِمّ نُفِخ فى آدمَ الروحُ فى رُكبتَيْه ذهَب
لِينهضَ، فقال اللَّهُ: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَنُ مِنْ عَلٍّ﴾(٣).
حدَّثنا موسى ، قال: ثنا عمرو ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ، قال: لما نُفِخ
فيه، يعنى فى آدمَ، الروحُ، فدخَل فى رأسِه عطَس(٤)، فقالت الملائكةُ: قُلْ:
الحمدُ للَّهِ . فقال: الحمدُ للَّهِ. فقال اللَّهُ له: رحِمكَ رَبُّك. فلمَّا دخَل الروحُ فى عَينَيْه
نظَر إلى ثمارِ الجَنَّةِ ، فلمَّا دخَل فى جوفِه اشْتَهى الطعامَ ، فوثَب قبلَ أن تبلغَ الروح
رِجْلَيْه عَجْلَانَ إلى ثمارِ الجنةِ، فذلك حينَ يقولُ اللَّهُ: ﴿ خُلِقَ الْإِنْسَنُ مِنْ
عَبَلٍ﴾ . يقولُ: خُلِقِ الإِنسانُ عَجُولًا(٥).
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن١ُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةً: ﴿ خُلِقَ
اُلْإِسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾. قال: خُلِقٍ عَجُولًا(٧) .
وقال آخرون: معناه ﴿خُلِقَ الْإِسَنُ مِنْ عَجَلٍ﴾. أى: من تَعْجيلٍ فى خَلْقِ اللَّهِ
(١) فى ص، م، ت١، ف: ((خلقته)).
(٢) فى ت٢: ((عجل)).
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣١٩/٤ إلى المصنف وابن أبى حاتم .
(٤) فى ت ٢: ((فعطس)).
(٥) تقدم مطولًا فى ٤٨٦/١ - ٤٨٨ .
(٦) فى ت٢: ((أبو)).
(٧) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٤/٢ عن معمر به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣١٩/٤ إلى ابن
المنذر .
٢٧٢
سورة الأنبياء : الآية ٣٧
إِيَّاه ومِن سُرعةٍ فيه وعلى عَجَلٍ. وقالوا: خَلَقه اللَّهُ فى آخِرِ النَّهارِ يومَ الجُمُعةِ قبلَ غُروبٍ
الشمس على عجلٍ فى خَلْقِهِ إِيَّهِ قبلَ مَغيِها .
ذِكْرُ مِن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًاً) عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد
فى قولِ اللَّهِ: ﴿خُلِقَ الْإِسَنُ مِنْ عَلٍ﴾. قال: قولُ آدَمَ حينَ خُلِقٍ بعدَ كلِّ شيءٍ
آخرَ النهارِ مِن يومٍ خُلِقِ الخَلْقُ، فلمَّا أَحْيا الروحُ عَيْنَيْه ولسانَه ورأْسَه ، ولم يَبلُغْ
أُسْفَلَه، قال: يا ربِّ اسْتَعْجِلْ بِخَلْقِى قبلَ غروبِ الشمسِ(١).
٣حدَّثنا الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبى نجيح، عن
مجاهدٍ مثله» .
حدَّثنا القاسمُ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ مُرَيج، قال :
قال مجاهدٌ: ﴿ خُلِقَ الْإِنِسَنُ مِنْ عَجَلٍ﴾. قال: آدمُ حينَ خُلِقٍ بعدَ كلٌّ شىءٍ . ثم
ذكَر نحوَه، غيرَ أنَّه قال فى حديثه : اسْتَعْجِلْ بخَلْقِى فقد غَرَبتِ الشمسُ.
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ خُلِقَ
اُلْإِسَنُ مِنْ عَلٍ﴾. قال: على عَجَلٍ خُلِقِ آدمُ آخِرَ ذلك اليومِ من (٢ ذلك اليوم)،
يريدُ يومَ الجُمُعةِ، وَخَلَقه على عجلٍ، وجعَلَه عَجُولًا(٥).
(١) سقط من: ص ، ت٢ .
(٢) تفسير مجاهد ص ٤٧١، وأخرجه ابن أبى شيبة ١١٥/١٤، وأبو الشيخ فى العظمة (١٠٢٦) من طريق
ليث عن مجاهد بنحوه. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣١٩/٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم.
(٣ - ٣) كذا فى النسخ، وهو تكرار من الأثر السابق.
(٤ - ٤) فى ص، ت١: ((ذلك اليومين)) فى م: ((ذينك اليومين)).
(٥) ذكره أبو حيان فى البحر المحيط ٣١٣/٦ بنحوه .
٢٧٣
سورة الأنبياء : الآية ٣٧
وقال بعضُ أهلِ العربيةِ من أهلِ البصرةِ [٣٧٧/٢ظ] ثمّن قال نحوَ هذه المقالةِ:
إنّما قال: ﴿ خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ / وهو يعنى أنه خلَقَه مِن تعجيلٍ من الأمرِ؛ ٢٧/١٧
لأَنَّه قال: ﴿ إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْءٍ إِذَا أَرَدْنَهُ أَنْ تَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾[ النحل: ٤٠].
قال: فهذا العَجَلُ، وقولُه: ﴿فَلَا تَسْتَعْدِلُونِ﴾ (" إِنِّى ﴿سَأُوْرِكُمْ ءَايَِ﴾(١).
وعلى قولٍ صاحبٍ هذه المقالةِ يجبُ أن يكونَ كلُّ خَلْقِ اللَّهِ خُلِقٍ على عَجَلٍ؛
لأن كلَّ ذلك خُلقٍ بأنْ قِيل له : كُنْ. فكان. فإن كان ذلك كذلك، فما وَجْهُ
خصوصِ الإنسانِ إذن بذكرٍ أَنَّه خُلِق من عَجَلِ دونَ الأشياءِ كلِّها ، وكُلُّها مخلوقٌ
مِن عَجَلٍ ، وفى خصوصِ اللَّهِ تعالى ذِكرُه الإنسانَ بذلك، الدليلُ الواضحُ على أن
القولَ فى ذلك غيرُ الذى قاله صاحبُ هذه المقالةِ .
وقال آخرون مِنهم(١) : هذا من المَقْلوبِ، وأَّما هو: خُلِقِ العجَلُ مِن)
الإنسانِ وخُلِقتِ العَجَلةُ من الإنسانِ. وقالوا: ذلك مثلُ قولِه: ﴿مَا إِنَّ مَفَاتِهَهُ
لَثَنُواْ بِالْعُصْبَةِ أُوْلِ الْقُوَّةِ ﴾ [القصص: ٧٦] إَما هو: لَتَنوءُ العصبةُ بها مُشَاقِلةٌ .
وقالوا: هذا وما أشْبَههُ فى كلامِ العربِ كثيرٌ مشهورٌ. قالوا: وإنَّما كُلِّم القومُ بما
يَعقلون . قالوا: وذلك مثلُ قولِهِم: عرَضْتُ الناقةَ (٤ على الحوضِ. يُريدون:
عرضتُ الحوضَ على الناقةِ ). وكقولهم: إذا طلعتِ الشِّعرَى واستوى العودُ على
الحزباءِ. أى: اسْتَوتِ الحِزباءُ على العودِ. كقولِ الشاعرِ ) :
(١) هو الأخفش ، كما فى البحر المحيط ٣١٣/٦.
(٢ - ٢) سقط من: ت٢ .
(٣) هو أبو عبيدة فى مجاز القرآن ٣٨/٢، ٣٩.
(٤ - ٤) سقط من: م، ت١، ت٣، ف .
(٥) هو خداش بن زهير، والبيت فى الكامل ٦٢/٢، واللسان (ض طر)، والشطر الثانى فى المخصص ٧٧/٢
غير منسوب .
( تفسير الطبرى ١٨/١٦ )
٢٧٤
سورة الأنبياء : الآية ٣٧
وتَشْقَى الرِّماحُ بالضياطِرَةِ(١) الحُتْرِ
وتَركَبُ خَيْلاً لا هَوَادَةَ بينَها
وكقولِ ابنِ مُقْبٍ(٢) :
حَسَرْتُ كَفِّى عن السّربالِ آخُذُه فَرَدًا يُجَوْ علَى أَيْدِى المُفُدِّينا
يريدُ : حسَرتُ السِّربالَ عن كَفِّى. ونحوُ ذلك مِن المقلوبِ .
وفى إجماع أهلِ التأويلِ على خلافٍ هذا القولِ الكفايةُ المغنيةُ عن الاستشهادِ
على فسادِه بغيرِه .
قال أبو جعفرٍ رحِمهُ اللهُ: والصوابُ من القولِ فى تأويلِ ذلك عِندَنا القولُ
الذى ذكرناه عمَّن قال: معناه : خُلِقِ الإنسانُ من عَجَلٍ فى خَلْقِه . أْ : على عجل
وسرعة فى ذلك . وإنّما قيل: ذلك كذلك لأنَّه ◌ُودِر بخلْقِه مغيب الشمس فى آخِرٍ
ساعةٍ مِن نهارِ يومِ الجُمُعةِ ، وفى ذلك الوقتِ نُفخ فيه الروح .
وإنما قُلنا: ذلك(٢) أولى الأقوالِ التى ذكرناها فى ذلك بالصوابِ؛ لدلالةِ قولِه
تعالى ذِكرُه : ﴿ سَأُؤْرِيَكُمْ ءَايَتِ فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ ﴾ . على ذلك .
وأن أبا كريبِ حدَّثنا قال : ثنا ابنُ إدريسَ، قال: أخبرنا محمدُ بنُّ عمرٍو، عن
٢٨/١٧ أبى سلمةَ، عن أبى هريرةَ، / قال: قال رسولُ اللَّهِ مَّهِ: ((إِن فِى الْجُمُعَةِ لَساعَةٌ -
يُقَلِّلُها(٤) - فقال: لا يُوافِقُها عَبْدٌ مسلِمٌ يَسألُ اللَّهَ فيها خيرًا إِلَّ آتاه اللَّهُ إِيَّه)). فقال
عبدُ اللَّهِ بنُ سلام: قد علِمتُ أىَّ ساعةٍ هِى ؛ هى آخِرُ ساعاتِ النهارِ من يوم الجُمُعةِ ،
قال اللَّهُ: ﴿ خُلِقَ الْإِنِسَنُ مِنْ عَجَلِ سَأُوْرِيَكُمْ ءَايَِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ﴾(٢).
(١) الضياطرة : الرجال الضخام . اللسان (ض ط ر) .
(٢) ديوانه ص ٣٢٥ .
(٣) زيادة يقتضيها السياق .
(٤) أى يقلل يده ؛ كما فى مصادر التخريج الآتية ، ويقللها: كأنه يشير إلى ضيق وقتها. ينظر التمهيد ١٨/١٩.
(٥) أخرجه البغوى فى شرح السنة (١٠٤٦) من طريق محمد بن عمرو به، وينظر الطيالسى (٢٤٨٤) =
٢٧٥
سورة الأنبياء : الآية ٣٧
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا المحاربيُّ وعَبْدةُ بنُ سليمانَ وأَسدُ بنُ عمرو، عن
محمدِ بنِ عمرٍو، قال: ثنا أبو سلمةً، عن أبى هريرةَ، عن النبيِّ ◌َّمِ بنحوِه. وذكر
كلامَ عبدِ اللهِ بنِ سلامٍ بنحوِه .
فتأويلُ الكلام إذ كان الصوابُ فى تأويلِ ذلك ما قُلنا بما بهِ اسْتَشْهَدْنا: خُلِقَ
الإنْسانُ مِن تعجيلٍ(٢)؛ ولذلك يَشْتَعَجِلُ ربَّه بالعذابِ، ﴿سَأُؤْرِيَكُمْ﴾(٢) أيُّها
المُسْتَعجِلون ربّهم بالآياتِ القائِلُون لنبيُّهم( محمدٍ عَلَه: ﴿بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا
◌ِشَايَةٍ كَمَا أُرْسِلَ اُلْأَوَّلُونَ﴾ [الأنبياء: ٥] - ﴿ءَايَتِى﴾، كما أَرَيْتُها(°) مَن
قَبْلَكم من الأمم التى أهْلَكْتُها(١) بتكذِيِها الرُّسلَ، إذ أَتَتْهَا الآياتُ، ﴿فَلَاَ
تَسْتَعْجِلُونِ﴾. يقولُ: فلا تَستَعجِلوا ربَّكم، (فإنّا سنأتِيكُم٢) بها وتُرِيكُمُوها .
واختَلَفتِ القرأةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿ خُلِقَ الْإِسَنُ مِنْ عَجَلٍ ﴾. فقرَأَتْه عامَّةُ قرَأَةٍ
الأمصارِ: ﴿ خُلِقَ الْإِسَنُ مِنْ عَجَلٍ﴾ بضمِّ الخاءِ على مذهبٍ ما لم يسمَّ فاعلُه.
وقرَأَه حُميدٌ الأعرجُ: (خَلَقَ) بفَتِها(٨). بمعنى: خَلَقِ اللَّهُ الإنسانَ .
والقراءةُ التى عليها قرَأَةُ الأمصارِ هى القراءةُ التى لا أَسْتَجيزُ خِلافَها .
= وأخرج المرفوع منه أبو يعلى (٥٩٢٥) من طريق ابن إدريس به مختصرًا، وأخرجه الطيالسى (٢٤٨٣)،
وأحمد (١٠٥٤٥) من طرق محمد بن عمرو به .
(١) فى ص، م: ((أسير)). وتقدم فى ٣٨٢/٣، وينظر التاريخ الكبير ٤٩/٢ .
(٢) فى ص، م: ((عجل)).
(٣) بعده فى ص، م، ت١، ف: ((آياتى فلا تستعجلون)).
(٤) فى ص، م، ت١، ت٣، ف: ((لنبينا).
(٥) فى ت١: ((توارثتها)).
(٦) فى ص، م: ((أهلكناها)).
(٧ - ٧) فى ت١، ت٢، ف: ((بها فإنها سياتيكم)).
(٨) وهى قراءة مجاهد وابن مقسم، وهى قراءة شاذة ، ينظر مختصر الشواذ لابن خالويه ص ٩٤، والبحر
المحيط ٠٣١٣/٦
٢٧٦
سورة الأنبياء: الآية ٣٨
وقولُه: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا اُلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ﴾. يقولُ تعالى
ذِكرُه: ويقولُ هؤلاءِ المُستَعجِلون ربَّهم بالآياتِ والعذابِ، لمحمدٍ عَاهِ: ﴿مَتَى هَذَا
الْوَعْدُ ﴾؟ يقولُ: متى يجِيثُنا هذا الذى تَعِدُنا من العذابِ ، إِن كُنتُم صادقين فيما
تَعِدُونَنا بهِ من ذلك ؟
وقيل: ﴿هَذَا الْوَعْدُ﴾(١). والمعنَى: الموعودُ. لمعرفةِ السامِعين معناه . وقيل:
﴿إِن كُنتُمُ صَدِقِينَ﴾. كأنَّهم كانوا قالوا ذلك لرسولِ اللَّهِ سَ لِ وللمؤمنين بهِ.
و ﴿ مَتَى﴾ فى موضع نصبٍ؛ لأنَّ معناه: أىَّ وقتٍ هذا الوعدُ؟ وأيَّ يومٍ
هو ؟ فهو نصبٌ على الظرفِ؛ لأَنَّه وقتٌ .
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ حِينَ لَا يَكُفُونَ عَن
٣٩
وُجُوهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُصَرُونَ
[٣٧٨/٢و] يقول تعالى ذِكرُه: لو يعلمُ هؤلاءِ الكفارُ المُستَعجِلون عذابَ ربِّهم
ماذا لهم من البلاءِ حينَ تَلفَحُ وجوههم النارُ، وهم فيها كالِحُون ، فلا يَكفُّون عن
وجوهِهم النارَ التى تَلفَحُها، ولا عن ظُهورِهم فيَدفَعونها عنها بأنفسِهم ، ﴿ وَلَا هُمْ
يُصَرُونَ﴾. يقولُ: ولا لهم ناصرٌ ينصُرُهم، فيَسْتَنقِذُهم حينئذٍ من عذابِ اللَّهِ -
لَمَا أقامُوا على ما هُم عليه مُقِيمون من الكفرِ باللَّهِ، وَسارَعوا إلى التوبةِ منه
والإيمانِ باللَّهِ، ولَمَا اسْتَعجَلوا لأنفسِهم البلاءَ.
/ القولُ فى تأويلٍ قوله تعالى: ﴿بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةٌ فَتَبْهَتُهُمْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ
رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ
٢٩/١٧
يقولُ تعالى ذِكرُه : لا تأتى هذه النارُ التى تَلْفَحُ وجوهَ هؤلاءِ الكفارِ الذین
(١) فى ت١، ت٢، ف: ((الوعيد)).
(٢) فى ت٢: ((يسارعون)).
٢٧٧
سورة الأنبياء : الآيات ٤٠ - ٤٢
وُصِف أمرُهم فى هذه الشّورةِ حينَ تأتِيهم - عن علم مِنهم بوَقْتِها ؛ ولكنَّها تأتِيهم
مفاجأةٌ لا يَشْعُرون بمجِيئِها، ﴿ فَتَبَهَتُهُمْ﴾. يقولُ: فَتَغْشاهم فجأةً، وتلْفحُ
وجوهَهم معاينةً ، كالرَّجلِ يَيْهَتُ الرجلَ فى وَجْهِهِ بالشىءٍ حتى يَثْقَى المَبَهوتُ (١)
كالحيرانِ منه، ﴿فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا﴾. يقولُ: فلا يُطيقون حينَ تَبْغَتُهم
فَتَبهَتُهم ، دفْعَها عن أنفسِهم ، ﴿ وَلَ هُمْ يُنْظَرُونَ ﴾. يقولُ: ولا هم وإن لم يُطيقوا
دَفْعَها عن أنفسِهِم يُؤَخَّرون بالعذابِ بها لتوبةٍ يُحدِثونها، وإنابةٍ يُنِيبون؛ لأنَّها
لَيْست حينَ عملٍ وساعةً توبةٍ وإنابةٍ ، بل هى ساعةُ مُجازاةٍ وإثَابَةٍ .
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ
٤١
سَخِرُواْ مِنْهُم مَّا كَانُواْ بِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ
يقولُ تعالى ذِكرُه لنبيُّه محمدٍ عَظِلّهِ: إِن يَتَّخِذْكَ يا محمدُ هؤلاءِ القائلُون لك:
﴿هَلْ هَذَآ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [الأنبياء: ٣]. إذا رَأَوْكَ هُزُوًّا، ويقُولُون: هذا
الذى يَذْكُرُ آلهتكم ! كفرًا مِنهم باللّهِ، واجتراءً عليه - فلقد استْهُزِىَّ برُسُلٍ مِن رُسُلِنا
الذين أرْسَلْناهم من قَبَلِك إلى أَمِمهم. يقولُ: فوجَب ونزَل بالذين اسْتَهْزءوا بِهِم،
وسَخِروا مِنهم من أَمَمِهم ما كانوا به يستهزئون (١) ، من البلاءِ والعذابِ الذى كانت
رُسُلُهم تخُوَّفُهم نُزولَه بهم .
﴿ يَسْتَهْزِءُونَ ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤه: فلن يَعْدُوَ هؤلاءِ الْمُسْتَهِزِئون بكَ من هؤلاءِ
الكَفَرةِ أن يَكُونوا كأَسلافِهم من الأمم المُكَذِّبةِ رُسُلَها ، فينزلَ بهم من عذابِ اللَّهِ
وسَخَطِه باسْتِهْزائِهم بكَ ، نظيرُ الذى نزَل بِهم .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ مَن يَكْلَؤُكُمْ بِالَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِّ بَلْ هُمْ
(١) فى ت٢: ((كالمبهوت)).
(٢) بعده فى ص، م، ت١، ف: ((يقول جل ثناؤه: حل بهم الذى كانوا به يستهزئون)).
٢٧٨
سورة الأنبياء : الآية ٢
٤٢
عَن ذِكْرٍ رَبِّهِم مُعْرِضُونَ
يقولُ تعالى ذِكْرُه لنبيِّه محمدٍ عَّهِ: قُلْ يا محمدُ لهؤلاءِ الْمُسْتَعجِليكَ (١)
بالعذابِ، القائلين: ﴿ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ﴾: ﴿مَن
يَكْلَؤُكُمْ﴾ أيُّها القومُ . يقولُ: مَن يَحْفَظُكم ويَحْرُسُكم بالليلِ إذا نِعْتُم، وبالنهارِ
إذا انصرَفتم(١) ﴿ مِنَ الرَّحْمَنُّ﴾؟ يقولُ: من أمرِ الرحمنِ إِن نزل بكم، و(٢) من
عذابِه إن حلّ بكم .
وترَكَ ذِكْرَ ((الأَمْرٍ))، وقيل: ﴿مِنَ الرَّحْمَنِ﴾؛ اجْتِزاءً بمعرفةِ السامِعين لمعناه
مِن ذِكْرِه.
وبنحوِ الذى قُلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حذَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريج، قال : قال ابنُ
عباسٍ فى قوله: ﴿قُلْ مَن يَكْلَؤُكُمْ بِلَّلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنُّ﴾. قال: يَحْرُسُكم(٤).
٣٠/١٧
/ حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿قُلْ مَن يَكْلَؤُكُمْ
بِالَّلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنَّ﴾. قال(٥): يَحفَظُكم بالليلِ والنهارِ مِن الرحمنِ.
يُقال منه: كلأَّتُ القومَ، إذا حَرَسْتَهم، أكْلَؤُهم. كما قال ابنُ هَرْمةً (١):
إِنَّ سُلَيْمَى واللَّهُ يَكْلَؤُها ضَنَّتْ بِشَىءٍ ما كان يَرْزَؤُها
(١) فى ت١: ((المستهزئون المستعجليك))، وفى ت٢: ((المستعجلوك)).
(٢) فى ص، م: (( تصرفتم)).
(٣) سقط من: ت١، ت٢، ف .
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣١٩/٤ إلى المصنف وابن المنذر.
(٥) فى م: ((قل من)).
(٦) ديوانه ص ٥٥ .
٢٧٩
سورة الأنبياء: الآيتان ٤٣،٤٢
وقولُه: ﴿بَلْ هُمْ عَن ذِكْرٍ رَيِّهِم ◌ُعْرِضُونَ﴾. وقولُه: ﴿بَلَ﴾
تحقيقٌ لجَخْدٍ (١) قد عرَفه المخاطَبون بهذا الكلامِ، وإن لم يكُنْ مذكورًا فى هذا الموضِعِ
ظاهرًا، ومعنَى الكلامِ: وما لهم ألَّ يعلَموا أنَّه لا كَالِيَّ لهم (٢ مِن أمرٍ؟ اللَّهِ إذا هو حَلَّ
بهم ليلاً أو نهارًا! بل هم عن ذكرٍ مواعظِ ربِّهم ومحُجَجِه التى احْتَجّ بها عليهم
مُعْرِضُون ، لا يَتَدَبَّرون ذلك، ولا يَعْتَبِرُون بهِ ؛ جَهْلاً مِنهم وسَفَهًا .
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ ءَالِهَةٌ تَمْنَعُهُم مِّن دُونِنَاْ لَا يَسْتَطِيعُونَ
نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلَا هُم مِّنَا يُصْحَبُونَ
٤٣
يقولُ تعالى ذِكرُه: أَلِهؤلاءِ الْمُسْتَعْجِلى ربّهم بالعذابِ آلهةٌ تَمْنَعُهم - إن نحنُ
أُخْلَلْنا بهم عذابَنا، وأَنْزَلْنا بهم بأسَنا - من دونِنا . ومعناه : أم لهم آلهةٌ من دونِنا
تَمْنَعُهم مِنَّا. ثم وصَف جلَّ ثناؤه الآلهةَ بالضَّغْفِ والمَهانَةِ ، وما هى بهِ مِن صِفَتِها ،
فقال: وكيف تَسْتَطيعُ آلهتُهم التى يَدْعُونها مِن دونِنا أن تمنَعَهم مِنَّ وهى لا تستَطيعُ
نَصْرَ أَنفُسِها ؟
وقولُه: ﴿ وَلَ هُم مِّنَّا يُصْحَبُونَ﴾. اختَلَف أهلُ التأويلِ فى المعنىّ
بذلك، وفى معنَى ﴿ يُصْحَبُونَ ﴾؛ فقال بعضُهم: عنَى بذلك الآلهةَ، وأَنَّها لا
تُصْحَبُ مِن اللَّهِ بخيرٍ .
ذِكرُ مَن قال ذلك
[٣٧٨/٢ظ] حدَّثنا بشرٌّ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَمْ
لَهُمْ ءَالِهَةٌ تَمْنَعُهُم مِّن دُونِنَأَ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ﴾: ( يعنى الآلهةّ)،
(١) فى ت٢: ((لحجة)).
(٢ - ٢) فى ت٢: ((إلا)).
(٣ - ٣) سقط من: ت١، ت٢، ف .
٢٨٠
سورة الأنبياء : الآية ٤٣
﴿وَلَ هُم مِّنَّا يُصْحَبُونَ﴾. يقولُ: لا يُضْحَبون مِن اللَّهِ بخيرٍ(١).
وقال آخرون : بل معنَى ذلك : ولا هم مِنَّا يُنصَرُون .
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأُعلى، قال: ثنا ابنُّ ثورٍ ، عن معمرٍ، عن ابنٍ أبى نجيحٍ، عن
مجاهدٍ: ﴿ وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ﴾. قال(٢): يُصَرُونَ(٣).
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال : ثنى حجاج ، عن ابن جريج، قال : قال
ابنُ عباسٍ قوله: / ﴿أَمْ لَهُمْ ءَالِهَةٌ تَمْنَعُهُم مِّن دُونِنَاً﴾ إلى قوله:
(يُصْحَبُونَ﴾. قال: يُنصَرُون(٤). قال: قال مجاهدٌ: ولا هم يُحفَظون .
٣١/١٧
حدَّثنا عليٍّ ، قال: ثنا أبو صالح، قال : ثنى معاويةُ ، عن علىّ ، عن ابنِ عباسٍ
قولَه: ﴿وَلَ هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ﴾: يُجارُون(٥) .
" ذِكرُ مَن قال ذلك)
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى، قال : ثنى عمى ، قال: ثنى أبى، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ وَلَا هُم مِّنَّا يُصْحَبُونَ﴾. يقولُ: ولا هم مِنَّا
يُجارُون، وهو قولُه: ﴿وَهُوَ يُجِبْرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهٍ﴾ [المؤمنون: ٨٨]. يعنى
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣١٩/٤ إلى المصنف وابن أبى حاتم.
(٢) بعده فى م : (( لا )).
(٣) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٤/٢ عن معمر به .
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣١٩/٤ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٥) ينظر تفسير القرطبى ٢٩١/١١.
(٦ - ٦) كذا فى النسخ ، ولم يترجم المصنف لهذا القول، وحق ترجمة هذا القول وهذه الجملة أن يكونا قبل
الأثر السابق .