النص المفهرس
صفحات 241-260
٢٤١ سورة الأنبياء : الآية ١٨ وبنحوِ الذى قُلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكر مَن قال ذلك حدَّثْنا بِشرٌّ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالَقَّ عَلَى الْبَطِلِ فَيَدْمَغُهُ، فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾: ﴿ والحقُّ: كتابُ اللَّهِ القرآنُ، والباطلُ إِبليسُ، ﴿فَيَدْمَغُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾. أى: ذاهبٌ(٢). وقولُه: ﴿وَلَكُمُ الْوَبِلُ مِمَّا نَصِفُونَ﴾. يقولُ: ولكم الويلُ مِن وَصْفِكم ربَّكم بغيرِ صِفَتِه ، وقِيلِكم: إِنَّه اتَّخَذ زوجةٌ وولدًا. وفِريتِكم عليه . وبنحوِ الذى قُلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ، إلا أنَّ بعضَهم قال: معنَى ﴿نَصِفُونَ﴾: تَكْذِبون. وقال آخرون: معنَى ذلك: تُشرِكون . وذلك وإن اختلفت به الألفاظُ فمتَّفِقَةٌ معانيه؛ لأنَّ من وصَف اللَّهَ بأنَّ له صاحبةً فقد كذَب فى وصْفِه إِيَّاه بذلك ، وأَشْرَك بهِ، ووصَفه بغيرِ صِفَتِه ، غيرَ أن أولى العباراتِ أن يُعَبَّرَ بها عن معانى القرآنِ أقربُها إلى فَهْمِ سامِعِيهِ . ذكرُ مَن قال ما قلنا فى ذلك حدَّثنا بِشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَا نَصِفُونَ ﴾. أى: تَكذِبون (٣). (١ - ١) سقط من: ص، ت١، ف. (٢) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٣٨٩/١، ٢٣/٢ عن معمر، عن قتادة بنحوه دون أوله، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣١٥/٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم وفيه: هالك . بدلا من: ذاهب .. (٣) تقدم تخريجه فى ٤٢/١٣،٤٥٥/٩، ٢٧٧. ( تفسير الطبري ١٦/١٦ ٢٤٢ سورة الأنبياء : الآيتان ١٩،١٨ حدَّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاتجٌ، عن ابنٍ نجريج: ﴿وَلَكُمْ اُلْوَيْلُ مِمَّا نَصِفُونَ﴾. قال: تُشْرِكون. وقوله: ﴿عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٠، الأنبياء: ٢٢، المؤمنون: ٩١، الصافات: ١٥٩، ١٨٠، الزخرف: ٨٢]. قال: يُشْرِكون. قال: وقال مجاهدٌ: ﴿ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٩]. قال: قولَهْم الكَذِبَ فى ذلك(١). القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَهُ مَن فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَمَنْ عِندَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِ، وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ يقولُ تعالى ذكره: وكيفَ يجوزُ أن يَتَّخِذَ اللَّهُ(١) لهوّا وله مُلْكُ جميعِ مَن فى السماواتِ والأرضِ، والذين عِندَه مِن خَلْقِه لا يَستَنْكِفُون عن عبادتهم إيّه، ولا يَعْيَون من طولٍ خِدْمتِهم له ، وقد عَلِمتُم أنَّه لا يستَعْبِدُ والدّ ولدَه ولا صاحبتَه، وكلُّ مَن فى السماواتِ والأرضِ عبيدُه، فَأَنَّى يكونُ له صاحبةٌ وولدٌ؟ يقولُ: أفلا تَتَفَكّرون فيما تَفْتَرون مِن الكذبِ علی ربِّكم . /وبنحوِ الذى قُلنا فى تأويل قوله: ﴿ يَسْتَحْسِرُونَ﴾ قال أهلُ التأويلِ. ١٢/١٧ ذكرُ مَن قال ذلك حذَّثنا علىّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنى معاويةُ ، عن علىٍّ ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾. يقولُ: لا يَرْجِعُونَ(١). حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ (١) ذكره القرطبى فى تفسيره ٢٧٧/١١ بنحوه . (٢) بعده فى ت٢: ((ولدًا و)). (٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣١٥/٤ إلى ابن أبى حاتم . ٢٤٣ سورة الأنبياء : الآية ١٩ قولَه: ﴿وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾: لا يحشرون(١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريجٍ، عن مجاهدٍ مثله . حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿ وَلَا يَسَّتَحْسِرُونَ﴾. يقولُ: لا يَفْتُرون(٢). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾. قال: لا يُعْيون(٣). حدَّثنا ابنُ عبدِ الأُعلى ، قال : ثنا محمدُ بنُ ثورٍ ، عن معمرٍ ، عن قتادةَ مثلَه . حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿لَّا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ، وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾. قال: ﴿لَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾: لا يملُّون . وذلك الاسْتِخسارُ. قال: و﴿لَا يَفْتُرُونَ﴾، و﴿ لَا يَسْئَمُونَ﴾ [فصلت: ٣٨]. هذا كلُّه واحدٌ معناه، والكلامُ فيه مُخْتَلِفٌ، وهو من قولهم: بعيرٌ حَسِيرٌ، إذا أعْيَا وقام() ، ومنه قولُ علقمةَ بنِ عبدةً(٥) : فَبِيضٌ وأمَّا جِلْدُها فصَلِيبُ (١) بها چِيَفُ الحَشْرَى فأمَّا عِظامُها (١) تفسير مجاهد ص ٤٧٠، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣١٥/٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم . (٢) فى ص، م، ت١، ت٣، ف: ((يُعْيَون)). (٣) تفسير عبد الرزاق ٢٣/٢. (٤) قام : وقف عن السير . اللسان (ق وم). (٥) ديوانه ص ١٤ . (٦) ذكره الطوسى فى التبيان ٢١٠/٧. ٢٤٤ سورة الأنبياء : الآيتان ٢٠، ٢١ القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ الَّيْلَ وَالتَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ ﴿٢) أَمِ أَتَّخَذُوَاْ ءَالِهَةٌ مِّنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ يقولُ تعالى ذِكرُه : يُسَبِّحُ هؤلاء الذين عندَه من ملائكتِهِ ربَّهم الليلَ والنَّهارَ لا يُفْتُرون من تَشْبيچِهم إِيَّه . كما حدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَةَ، قال : أخبرَنا حميدٌ ، عن إسحاقَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ الحارثِ، عن أبيه ، أن ابنَ عباسٍ سأل كعبًا عن قولِه: يُسَبِّحُونَ الَّلَ وَالتَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ و﴿ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِلَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْئَمُونَ﴾ [فصلت: ٣٨]. فقال: هل يَئودُك طَرْفُك؟ هل يَعودُك [٣٧٣/٢ظ] نَفَسُك؟ قال: لا. قال: فإنَّهم أُلهِموا التسبيحَ كما أُلْهِمتُم الطَّرْفَ والنّفْسَ(١). ١٣/١٧ حدَّثنا القاسمُ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنى أبو معاويةً، عن أبى إسحاقَ الشَّيبانىّ، عن حسانَ / بنٍ مُخارقٍ ، عن عبدِ اللهِ بنِ الحارثِ ، قال: قلتُ لكَعْبٍ الأحبارِ: ﴿يُسَبِّحُونَ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾. أما يشْغَلُهم رسالةٌ أو عملٌ ؟ قال : يابنَ أخى، إنَّهُ(١) جُعِل لهم التسبيح كما جُعِل لكم النَّفَسُ، ألستَ تأكلُ وتشْرَبُ ، وتقومُ وتَفْعُدُ، وتجىءُ وتذهَبُ، وأنت تَتَنفسُ؟ قلتُ : بلى. قال : فكذلك جُعِل لهم التسبيح . حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ وأبو داودَ ، قالا: ثنا عِمْرانُ القطّانُ، عن قتادةَ، عن سالم بن أبى الجَغْدِ ، عن مَعْدانَ بنِ أبى طلحةً، عن عمرٍو البِكَالِيِّ، (١) أخرجه البيهقى فى الشعب (١٦٠) من طريق حميد به من غير ذكر ابن عباس. (٢) فى م: ((إِنهم)) . (٣) أخرجه أبو الشيخ فى العظمة (٣٢٢)، والبيهقى فى الشعب (١٦١) من طريق أبى معاوية به، وذكره ابن كثير فى تفسيره ٣٣٠/٥ عن أبى إسحاق به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣١٥/٤ إلى ابن المنذر وابن أبى حاتم. ٢٤٥ سورة الأنبياء: الآيتان ٢٠، ٢١ عن عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو (١)، قال: إن اللَّهَ (٣)جزّأ الخَلقَ) عَشَرَةَ أجزاءٍ، فجعَل تسعةَ أجزاءٍ الملائكةَ، وجزءًا سائرَ الخَلْقِ، وجزَّأ الملائكةَ عَشَرةَ أجزاءٍ، فجعَل تسعةً أجزاءٍ يُسَبِّحون الليلَ والنهارَ لا يفتُرون، وجزءًا لرسالتِهِ، وجزّأ الخلقَ عَشَرةَ أجزاءٍ، فجعَل تسعةً أجزاءِ الجنَّ، ومجزءًا سائرَ بنى آدمَ، وجَزَّأُ بنى آدمَ عَشَرَةَ أجزاءٍ، فجعَل يأجوج ومأجوجَ تسعةً أجزاءٍ، وُجُزْءًا سائرَ بنى آدمَ(٣) . حدَّثْنا بِشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يُسَبِّحُونَ الَّيْلَ وَاَلْنَّهَارَ لَا يَفْتُّرُونَ﴾. يقولُ: إِنَّ الملائكةَ الذين هم عندَ الرحمنِ لا يَسْتَكْبِرُون عن عبادَتِه ولا يَسأُمُون فيها. وذُكِر لنا أن نبىَّ اللَّهِ عَّمِ بينَما هو جالسٌ مع أصحابِه إذ قال: ((تَشْمَعون ما أسْمَعُ؟)) قالوا: ما نَسمَعُ من شىءٍ يا نبيَّ اللَّهِ. قال: ((إنى لِأَسمَعُ أَطِيطَ السماءِ، وما تُلامُ أن تَشِطَّ وليس فيها مَوْضِعُ راحةٍ إلَّ وفيه مَلَكٌ ساجِدٌ (٤) أو قائمٌ))(4). وقولُه: ﴿أَمِ اتَّخَذُوَاْ ءَالِهَةُ مِّنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ﴾. يقولُ تعالى ذِكرُه: أَتَّخَذ هؤلاءِ المشرِكُون آلهةً مِن الأرضِ هم يُنْشِرون؟ يعنى بقولِه: ﴿هُمْ﴾. الآلهةَ. يقولُ : أهذه الآلهةُ التى أَتَّخَذوها تُنشِرُ الأمواتَ. يقولُ: يُحيُّون الأمواتَ ، ويُنْشِئُون(٥) الخَلْقَ، فإن اللَّهَ هو الذى يُحِى وَيُميتُ. كما حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى (١) فى م، ت٢: ((عمر)). وينظر ما تقدم فى ٢٩٧/١٥. (٢ - ٢) فى م: ((خلق)). (٣) ينظر ما سيأتى ص ٤٠١، ٤٠٢ . (٤) أخرجه الطبرانى (٣١٢٢)، وأبو نعيم ٢١٧/٢، والبزار (٣٢٠٨) والطحاوى فى مشكل الآثار (١١٣٤) من طريق سعيد به، وذكره ابن كثير فى تفسيره ٣٢٩/٥ من طريق سعيد بن أبى عروبة عن قتادة عن صفوان بن محرز عن حكيم بن حزام مرفوعًا . (٥) فى م، ف: (( ينشرون)). ٢٤٦ سورة الأنبياء : الآيات ٢١ - ٢٣ م الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرقاءُ جميعًا، عن ابنِ أبى نجيح، عن مجاهدٍ قوله: ﴿يُنْشِرُونَ﴾. قال: يُحيُون(١). حدَّثنى يونسُ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله : ﴿أَمِ أَّخَذُوَاْ ءَالِهَةٌ مِّنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ﴾. يقولُ: أفى آلهتهم أحدٌ يُحبى ذلك؛ يُنْشِرُون. وقَرَأْ قولَ اللَّهِ: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُّكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾ [يونس: ٣١- ٣٥]. القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لَوْ كَنَ فِيهِمَآ ءَاِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَأْ فَسُبْحَنَ اللَّهِ (٢٢ ﴾. رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ يقولُ تعالى ذِكرُه: لو كان فى السماواتِ والأرضِ آلهةٌ تصلُحُ لهم العبادةُ سوى اللَّهِ الذى هو خالقُ الأشياءِ، وله العبادةُ والألوهةُ التى لا تصلُحُ إلَّا له - ﴿ لَفَسَدَتَأْ﴾. يقولُ: لفسَد أهلُ السماواتِ والأرضِ، ﴿فَسُبْحَنَ الَهِ رَبِّ الْعَشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤه: فَتَنزِيةٌ للَّهِ وَتَبْرِئَةٌ له مما يَفْتَرى به عليه هؤلاءِ المشرِكُون به مِن الكذب . ١٤/١٧ / كما حدَّثنا بِشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَآ ءَالِهَةُ إِلَّا أَلَّهُ لَفَسَدَنَّا فَسُبْحَنَ اُللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴾ : ◌ُسَبِّحُ نفسَه إذ قيل م (٢) عليه البهتانُ(٢) . القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿لَا يُنْثَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْتَلُونَ ٢٣ (١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣١٥/٤، ٣١٦ إلى ابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن أبى حاتم وابن المنذر . (٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣١٦/٤ إلى ابن المنذر وابن أبى حاتم. ٢٤٧ سورة الأنبياء : الآية ٢٣ يقولُ تعالى ذِكْرُه: لا سائلَ يسألُ ربَّ العرشِ عن الذى يَفعَلُ بخلْقِه من تَصْريفِهم فيما شاءُ(١) من حياة وموتٍ وإغْزازٍ وإِذْلالٍ وغيرِ ذلك من حُكْمِه فيهم ؛ لأَنَّهم خَلْقُه وعبيدُه، وجميعُهم فى مُلكِه وسلطانِه، والحكمُ حُكْمُه، والقضاءُ قضاؤه، لا شىءَ فوقَه يسألُهُ عمَّا يَفعَلُ، فيقولُ له: لِمَ فَعَلْتَ؟ ولِمَ لم تَفعَلْ؟ ﴿ وَهُمْ يُسْتَلُونَ ﴾. يقولُ جلّ ثناؤه: [٣٧٤/٢و] وجميعُ مَن فى السماواتِ والأرضِ من عبادِهِ مَشْئولُون عن أَفْعالِهم، ومحاسَبون على أعمالهم، وهو الذى يسألُهم عن ذلك، ويُحاسبهم عليه؛ لأنّه فوقَهم ومالِگُهم، وهم فى سُلطانِه . وبنحوِ الذى قُلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ . ذِكرُ مَن قال ذلك حذَّثنا بِشرٌّ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿لَا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْتَلُونَ﴾. يقولُ: لا يُسألُ عما يفعلُ بعبادِه، وهم يُشألون عن (٢) أعمالهم ). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال قولَه: ﴿لَا يُسْشَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْتَلُونَ﴾. قال: لا يُسألُ الخالقُ عن قَضائِه فى خَلْقِه، وهو يَسْأَلُ الخلقَ عن عمَلِهم . حُدِّثتُ عن الحسينِ ، قال : سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرَنا عُبِيدٌ ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ فى قوله: ﴿لَا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْتَلُونَ﴾. قال: لا يُسأَلُ (١) فى ص، ت١، فى: (( بينا)). (٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣١٦/٤ إلى ابن المنذر وابن أبى حاتم. (٣) ذكره القرطبى فى تفسيره ٢٧٩/١١. ٢٤٨ سورة الأنبياء : الآيتان ٢٤،٢٣ الخالقُ عما يَقْضِى فى خلقِه، والخلقُ مسئولُون عن أعمالِهم (١). القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿أَمِ أَتَّخَذُواْ مِن دُونِ ءَاِمَّةٌ قُلْ هَاتُواْ بُهَكَةٌ @ ٣٤ هَذَا ذِكْرُ مَنْ شَعِىَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِّ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقِّ فَهُم مُّعْرِضُونَ يقولُ تعالى ذِكرُّه: أنَّخَذ هؤلاء المشرِكُون من دونِ اللَّهِ آلهةً تنفَعُ وتضُرُ، وتَخلقُ رتُحيِى وتُميتُ؟ ﴿قُلْ﴾ يا محمدُ لهم: ﴿هَاتُواْ بُهَنَكُمْ﴾. يعنى: حُبَّتَكم. يقولُ: هاتوا، إن كُنتم تزعمون أنَّكم مُحِقُّون فى قِيلِكم ذلك، حُجَّةً ودليلا على صِدْقِكم . كما حدَّثْنا بِشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ قُلْ هَاتُواْ بُهَنَكُمْ﴾. يقولُ: هاتوا بيّتَكم على ما تَقُولون(٢) . ١٥/١٧ وقولُه : ﴿هَذَا ذِكْرُ مَن مِّعِىَ﴾. يقولُ: هذا الذى جِئْتُكُم بِهِ مِن عندِ اللَّهِ من القرآنِ والتَّزِيلِ ﴿ذِكْرُ / مَن مَِّىَ﴾. يقولُ: حَبرُ مَن معى بما(٣) لهم مِن ثوابِ اللَّهِ على إيمانهم به ، وطاعتهم إيّاه ، وما عليهم مِن عقابِ اللّهِ على معصيتهم إيّاه و کفرِهم به ، ﴿ وَذِكْرُ مَن قَبْلِىٌ﴾. يقولُ: وخَبرُ مَن قَبْلى من الأمم التى سلَفت قَبْلى، وما فعَل اللَّهُ بهم فى الدُّنيا وما هو فاعلٌ بهم فى الآخرةِ . وبنحوِ الذى قُلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثْنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتَادةَ قولَه: ﴿هَذَا ذِكْرُ مَنْ (١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣١٦/٤ إلى ابن أبى حاتم . (٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣١٦/٤ إلى ابن المنذر وابن أبى حاتم. (٣) فى ت١، م: (( مما). ٢٤٩ سورة الأنبياء : الآيتان ٢٤، ٢٥ تَفِىَ﴾. يقولُ: هذا القرآنُ فيه ذكرُ الحلال والحرامِ، ﴿ وَذِكْرُ مَنْ قَبَلِ﴾. يقولُ: ذكرُ أعمالِ الأممِ السَّالِفةِ وما صنَعِ اللَّهُ بهم ، وإلى ما صارُوا(١). حدَّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ مجرَيج: ﴿هَذَا ذِكِرُ مَن مَّعِىَ ﴾. قال: حديثُ مَن معى، وحديثُ مَن قَبْلی . وقولُه: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقِّ﴾. يقولُ: بل أكثرُ هؤلاء المشركين لا يَعلَمُون الصوابَ فيما يقولون، ولا فيما يأْتُون ويَذَرون، ﴿فَهُم مُّعْرِضُونَ﴾ عن الحقِّ جَهْلًا منهم به ، وقِلَةَ فَهْمِ . وكان قتادةُ يقولُ فى ذلك ما حدَّثنا بِشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتَادةَ: ﴿ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقِّ فَهُم مُعْرِضُونَ﴾ : عن كتابٍ (١) اللَّهِ(١) . القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولِ إِلَّا نُوحِىَّ(٢) إِلَيْهِ أَتَُّ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَأْ فَأَعْبُدُونِ يقولُ تعالى ذِكرُه : وما أرسلنا يا محمدُ مِن قبلك من رسولٍ إلى أمةٍ من الأمم إلَّ نُوحِى إليه أنَّه لا معبودَ فى السماواتِ والأرضِ تَصْلُحُ له العبادةُ سِواى ﴿ فَاعْبُدُونِ﴾. يقولُ: فأخْلِصوا لى العبادةَ، وأَفْرِدوا لى الألوهةَ. وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ . (١) تقدم تخريجه فى الصفحة السابقة . (٢) فى ص، ت١، ت٢، ت٣، ف، هنا وفيما يأتى: ((يوحى)). وهى قراءة ابن كثير ونافع وأبى عمرو وأبى بكر عن عاصم. وقرأ بالنون حمزة والكسائى وحفص عن عاصم، ونسب أبو حيان فى البحر المحيط ٣٠٧/٦ هذه القراءة إلى المصنف . ٢٥٠ سورة الأنبياء : الآيات ٢٥ - ٢٧ ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثْنا بِشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِىّ إِلَيْهِ أَنَُّ لَآ إِلَهَ إِلَّ أَنَا فَأَعْبُدُونِ﴾: به(١) أرسَلتُ الرسلَ؛ بالإخلاصِ والتوحيدِ، لا يُقبلُ منهم - قال أبو جعفرٍ: أُظُنُّه أنا قال - عَمَلٌ حتى يقولوه ويُقِرُّوا به ، والشرائعُ مختلفةٌ ؛ فى التوراةِ شريعةٌ ، وفى الإنجيلِ شريعةٌ ، وفى القرآنِ شريعةٌ ، حلالٌ وحرامٌ، وهذا كلُّه فى إخلاص للَّهِ وتوحيدٍ له(٢). القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقَالُواْ اْتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدَأُ سُبْحَتَهُمْ بَلْ عِبَادٌ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ، يَعْمَلُونَ (٢٧ ٢٦ مُكَّرُونَ: ١٦/١٧ /يقولُ تعالى ذِكرُه: وقال هؤلا الكافرون بربِّهم: اتَّخَذَ الرحمنُ ولدًا من ملائكتِه. فقال جلَّ ثناؤه، استعظامًا لما(١) قالوا، وتَبرِّيًا مما وصَفوه به سبحانه ، يقولُ: تَنْزِيهًا له عن ذلك، ما ذلك مِن صِفَتِهِ ﴿ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾. يقولُ: ما الملائكةُ كما وصَفهم به هؤلاء الكافرون من بنى آدمَ، ولكنَّهم ﴿عِبَادٌ ◌ُكْرَمُونَ﴾. يقولُ: أكْرَمهم اللَّهُ . كما حدَّثْنا بِشرّ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَقَالُوا أَتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدَأْ سُبْحَتَهْ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ﴾. قال: قالتِ اليهودُ: إِن اللَّهَ تبارك وتعالى صاهَر الجنَّ، فكانت مِنهم الملائكةُ، قال اللَّهُ تبارك وتعالى تكذيبًا لهم وردًّا عليهم: ﴿بَلْ عِبَادٌ تُكْرَمُونَ﴾ وإن الملائكةَ ليس(٤) كما قالوا ، إَماهم عبادٌ (١) فى م: (( قال)). (٢) تقدم تخريجه فى ص ٢٤٨ . (٣) فى ص، م، ت١، ف: ((مما). (٤) فى ت١: ((ليسوا)). ٢٥١ سورة الأنبياء : الآيات ٢٦ - ٢٨ أكرمهم اللَّهُ بعبادته(١) . [٣٧٤/٢ظ] حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، وحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقٍ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ: ﴿ وَقَالُواْ أَتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدَأْ﴾: قالتِ اليهودُ وطوائفُ من الناسِ: إن اللَّهَ تبارك وتعالى خاتَن إلى الجِنِّ؛ فالملائكةُ من الجنِّ. قال اللَّهُ تبارك وتعالى: سُبْحَتَهْ بَلْ عِبَادٌ تُكْرَمُونَ﴾. "حتى بلَغ: ﴿وَهُم مِّنْ خَشْبَتِهِ مُشْفِقُونَ ﴾). "قال أبو جعفرٍ: ورفَع قولَه: ﴿عِبَادٌ مُكْرُونَ﴾(٢). وقولُه: ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤه: لا يتكلَّمون إلا بما يأمرُهم به ربُّهم، ولا يعْمَلون عملاً إلا به . حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: قال اللَّهُ: ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ﴾: يثنى عليهم، ﴿وَهُمْ يَأَمْرِهِ، يَعْمَلُونَ﴾(١). القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا ٢٨ لِمَنْ أَرْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ، مُشْفِقُونَ (١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣١٧/٤ إلى ابن المنذر وابن أبى حاتم . (٢ - ٢) سقط من: م، ت٢، ف . والأثر فى تفسير عبد الرزاق ٢٣/٢. (٣ - ٣) سقط من: م، ت٢ ، ف . والكلام فيه سقط . قال الفراء فى معانى القرآن ٢٠١/٢: وقوله: ﴿سبحانه بل عباد مكرمون﴾. معناه: بل هم عباد مكرمون . ولو كانت : بل عبادًا مكرمين . مردودة على الولد ، أى: لم نتخذهم ولدًا ، ولكن اتخذناهم عبادًا مكرمين - كان صوابًا . ٢٥٢ سورة الأنبياء : الآية ٢٨ يقولُ تعالى ذكرُه : يعلمُ ما بينَ أيدى ملائكته ما لم يَتْلُغوه ، ما هو ، وما هم فيه قائلُون وعاملُون، ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾. يقولُ: وما مضَى من قبلِ اليومِ مما خَلَّفوه وراءَهم من الأزمانِ والدُّهورِ ما عمِلوا فيه. قالوا: ذلك كلَّه مُخْصّى لهم وعليهم ، لا يَخْفَى عليه من ذلك شىءٌ . وبنحوِ الذى قُلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی أبى ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ . يقولُ: يعلم ما قدَّموا وما أَضَاعوا من أعْمالِهم (١). ﴿ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ أَرْتَضَى﴾. يقولُ: ولا تَشْفَعُ الملائكةُ إِلَّ لمن رضِى اللهُ عنه . وبنحوِ الذى قُلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذِكرُ مَن قال ذلك حدّثنی علٹ ، قال : ثنا أبو صالح، قال : ثنی معاويةُ، عن علىٍّ ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنْ أَرْتَضَى﴾. يقولُ: الذين ارْتَضَى لهم شهادةَ أَلَّ إلهَ إلَّ اللَّهُ(٢) . /حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی ١٧/١٧ (١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٨٩/٢ ، ٤٩٠ (٢٥٩٠ ، ٢٥٩٥) عن محمد بن سعد به . (٢) أخرجه البيهقى فى البعث والنشور (٢) من طريق أبى صالح به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣١٧/٤ إلى ابن المنذر وابن أبى حاتم . ٢٥٣ سورة الأنبياء : الآيتان ٢٩،٢٨ الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبى نجيح، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿إِلَّا لِمَنْ أَرْتَضَى﴾. قال: لمن رضِى عنه(١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاتجٌ، عن ابنٍ جريجٍ، عن مجاهدٍ مثله . حدَّثنا بشرٌّ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنْ أَرْتَضَى﴾: يومَ القيامةِ. ﴿وَهُم مِّنْ خَشْبَتِهِ، مُشْفِقُونَ﴾ . حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ يقولُ: ﴿ وَلَا يَشْفَعُونَ﴾ : يومَ القيامةِ(٢) . حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال : ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ مثلَه . وقولُه: ﴿وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ، مُشْفِقُونَ﴾. يقولُ: وهم من خوفِ اللَّهِ وحذارِ عقابِه أن يحُلَّ بهم ﴿مُشْفِقُونَ﴾. يقولُ: حَذِرُون أن يَعْصوه ويُخالِفوا أُمْرَه ونهيه . القولُ فى تأويلِ قولِه تعالَى: ﴿ وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِلَّتْ إِلَّهُ مِّن دُونِهِ، فَذَلِكَ تَجْزِيٍ جَهَنَّمُ كَذَلِكَ نَجْزِى الَّالِمِينَ يقولُ تعالى ذِكرُه : ومَن يقلْ من الملائكةِ: إِنِّى إِلهٌ من دونِ اللَّهِ؛ ﴿ فَذَلِكَ﴾ الذى يقولُ ذلك مِنهم ﴿ نَجْزِيِهِ جَهَنَّمٌ ﴾. يقولُ: تُثِئُه على قِيلِه ذلك جَهَنَّمَ، كَذَلِكَ نَجْزِى الَّالِمِينَ﴾. يقولُ: كما نَجْزِى مَن قال مِنَ الملائكةِ: إِنِّى إلهٌ مِن دونِ اللَّهِ . جَهَنَّمَ، كذلك تَجْزِى ذلك كلَّ مَن ظلَم نفسَه، فكَفر باللّهِ وعبد غيرَه. وقيل : عُنِى بهذه الآيةِ إبليسُ. وقال قائلو ذلك: إَّما قُلنا ذلك لأنَّه لا أحدَ مِن (١) تفسير مجاهد ص ٤٧٠، ومن طريقه البيهقى فى البعث والنشور (٣)، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣١٧/٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم . (٢) تفسير عبد الرزاق ٢٣/٢، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣١٧/٤ إلى ابن المنذر وابن أبى حاتم. ٢٥٤ سورة الأنبياء: الآيتان ٢٩، ٣٠ الملائكةِ قال : إِنِّى إلهٌ مِن دونِ اللهِ . سواه . ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ تُرَيجٍ: ﴿ وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِّتِ إِلَهٌ﴾. قال: قال ابنُ جرَيجٍ: مَن يقُلْ مِن الملائكةِ: إِنِّى إلهٌ من دونِه. فلم يَقُلْه إلا إبليسُ دعا إلى عبادةِ نفسِه، فنزَلت هذه فى إبليسَ (١). حدَّثْنا بِشرٌّ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِّ إِلَهٌ مِّن دُونِهِ، فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمُ كَذَلِكَ نَجْزِى الَّكِمِينَ﴾: وإنَّما كانت هذه الآيةُ خاصةً لعدوٌ اللَّهِ إِبليسَ لمَّ قال ما قال، لعَنه اللَّهُ وجعَله رجيمًا، فقال: ﴿ فَذَلِكَ نَجْزِيِهِ جَهَنَّمْ كَذَلِكَ نَجْزِى اُلَِّلِمِينَ﴾(١). حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِلَّى إِلَهٌ مِّن دُونِهِ، فَذَلِكَ تَجْزِيهِ جَهَنَّمْ﴾. قال: هى خاصةً لإبليسَ(٣). القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿أَوْلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ ٣٠ كَانَا رَتْفًا فَفَنَقْنَهُمَّا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَآءِ كُلّ شَىْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ / [٣٧٥/٢ ] يقولُ تعالى ذِكرُه: أو لم ينظُرْ هؤلاءِ الذين كفَروا باللّهِ بِأَبْصَارِ قلوبِهم، فيَرَوْا بها، ويَعْلَموا ﴿ أَنَّ اُلسَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ كَانَ رَتْقًا﴾. يقولُ: ليس فيهما تَقْبٌ ، بل كانتا مُلْتَصِقَتَين. يقالُ منه: رَتَق فلانٌ الفَتْقَ، إِذا شَدَّه، فهو يَرْتُقُه رَتْقًا ورُتُوقًا. ومن ذلك قيل للمرأة التى فرجُها مُلْتَحِمٌ: رَتْقَاءُ. ووَخَد ((الرَّتقَ))، ١٨/١٧ (١) أخرجه المصنف فى تاريخه ٨٣/١. (٢) أخرجه المصنف فى تاريخه ٨٣/١، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣١٧/٤ إلى ابن المنذر وابن أبى حاتم. (٣) أخرجه المصنف فى تاريخه ٨٣/١، وأخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٣/٢ من طريق معمر به. ٢٥٥ سورة الأنبياء : الآية ٣٠ وهو مِن صِفةِ السماءِ والأرضِ، وقد جاء بعدَ قوله: ﴿كَانَنَا﴾؛ لأنَّه مصدرٌ مثلُ (١) الزورِ والصومِ والفطرِ . وقولُه: ﴿فَفَنَقْنَهُمَّ﴾. يقولُ: فصَدَعْناهما وفرَجْناهما . ثم اختلف أهلُ التأويلِ فى معنى وصْفِ اللَّهِ السماواتِ والأرضَ بالَثْقِ، وكيف كان الرَّقُ؟ وبأىِّ معنًى فُتِقٍ؛ فقال بعضُهم: عُنى بذلك أن السماواتِ والأرضَ كانت مُلتَصِقَتَين ، ففصَل اللَّهُ بينَهما بالهواءِ. ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنی علىّ ، قال : ثنا أبو صالح، قال : ثنی معاویةُ ، عن على ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّ السَّمَوَتِ وَاَلْأَرْضَ كَانَ رَتْفًا﴾. يقولُ: مُلْتَصِقَتَين(٢) . حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی ابی ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّ السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضَ كَانَنَا رَتْقًا فَفَتَقَنَّهُمَا﴾ الآية. يقولُ: كانتا مُلتَصِقَتَين، فرفَع السماءَ ووضَع الأرضَ(١). حُدِّثت عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ : أُخبرَنا عبيدُ بنُّ سليمانَ ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ فى قوله: ﴿أَنَّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ كَانَنَا رَتَّقًا فَفَنَقْنَهُمَّا﴾. كان ابنُ عباسٍ يقولُ: كانتا مُلْتَزِقَتَين، فَتَقَّهما اللَّهُ(٤). (١) بعده فى ص، م، ت١، ت٣، ف: ((قول)). (٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣١٧/٤ إلى المصنف . (٣) ذكره البغوى فى تفسيره ٣١٦/٥. (٤) تفسير سفيان ص ٢٠٠ عن الضحاك .. ٢٥٦ سورة الأنبياء : الآية ٣٠ حدَّثنا بشرٌ، قال : ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَنَّ اُلسَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ كَانَا رَتْفًا فَفَنَقْنَهُمَا﴾. قال: كان الحسنُ وقتَادةُ يقولان: كانتا جميعًا، ففصَل اللَّهُ بينَهما بهذا الهواءِ (١). وقال آخرون : بل معنى ذلك أنَّ السماواتِ كانت مُرتَتِقَةٌ طبقةً ، ففَتَقَها اللَّهُ ، فجعَلها سبعَ سماواتٍ ، وكذلك الأرضُ كانت كذلك مُرْتَيِقَةً، فَفَتَقَها، فجعَلها سبعَ أَرْضِين . ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أَبى نجيح، عن مجاهدٍ فى قولِ اللَّهِ تبارك وتعالى: ﴿رَتَّقً فَفَتَقْتَهُمَا﴾: مِن الأرضِ ستَّ أَرَضِين معها ، فتلك سبعُ أَرَضِين معها، ومن السماءِ سِتَّ سماواتٍ معها، فتلك سبع سماواتٍ معها. قال: ولم تكنِ الأرضُ والسماءُ مُتماسَّتَين(١). حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى ، قال : ثنا محمدُ بنُ ثورٍ ، عن معمرٍ ، عن ابن أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿رَتْقًا فَفَنَقْنَهُمَا﴾. قال: فتَقَهُنَّ سبعَ سماواتٍ، بعضُهنَّ فوقَ بعضٍ، وسبعَ أَرَضِين ، بعضُهنَّ تحتَ بعضٍ(٤). (١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٣٣٣/٥ عن الحسن وقتادة، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣١٧/٤ إلى ابن المنذر وابن أبى حاتم . (٢) فى ص، ت١، ت٢، ف: ((السماوات)). (٣) تفسير مجاهد ص ٤٧٠، ومن طريقه أبو الشيخ فى العظمة (٥٤٤)، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣١٧/٤ إلى ابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم . (٤) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٣/٢ عن معمر به ، ٢٥٧ سورة الأنبياء : الآية ٣٠ حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ مُجُرَيجٍ، عن مجاهدٍ نحوَ حديثٍ محمدِ بنِ عمرو، عن أبى عاصمٍ . /حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ بيانٍ، قال: أخبرنا محمدُ بنُ يزيدَ، عن إسماعيلَ، ١٩/١٧ قال: سألتُ أبا صالح عن قولِه: ﴿كَانَنَا رَتْقَا فَفَتَقْتَهُمَّاْ﴾. قال: كانت الأرضُ رَثْقًا والسماءُ رَتْقًا، فَقَتَق من السماءِ سبعَ سماواتٍ، ومِن الأرضِ سبعَ أَرَضِينَ(١). حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباطُ ، عن السدىِّ، قال: كانت سماءً واحدةً ثم فَتَقها، فجعَلها سبعَ سماواتٍ فى يومين؛ فى الخميس والجُمُعَةِ ، وَمَا سُمِّىَ يومَ الجُمُعَةِ لأَنَّه ◌ُجُمِع فيه خلقُ السماواتِ والأرضِ، فذلك حينَ يقولُ : ﴿ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ فِى سِنَّةِ أَيَّامٍ﴾ [الأعراف: ٥٤، يونس: ٣، هود: ٧، الحديد: ٤]. يقولُ: ﴿كَانَنَا رَبِّقَا فَفَتَقْتَهُمََّ﴾(٣). وقال آخرون : بل ◌ُنِى بذلك أن السماواتِ كانت رَتْقًا لا تُمْطِرُ، والأرضَ كذلك رَتْقًا لا تُنْبِتُ، ففَتَقَ السماءَ بالمطرِ، والأرضَ بالنباتِ . ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن سماكٍ، عن عكرِمةَ: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ كَانَا رَتْقَا فَفَنَقْتَهُمَا﴾. قال: كانتا رَثْقًا لا يخرجُ منهما شىءٌ، ففَتَق السماءَ للمطرِ(٤)، وفَتَق الأرضَ للنباتِ(٥). قال: وهو قولُه: (١) فى م: ((السماوات)). (٢) أخرجه أبو الشيخ فى العظمة (٥٤٣) من طريق إسماعيل به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣١٧/٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم . (٣) أخرجه المصنف فى تاريخه ٥٥/١ بإسناد السدى المعروف . (٤) فى م: ((بالمطر)). (٥) فى م: ((بالنبات)). ( تفسير الطبرى ١٧/١٦ ) ٢٥٨ سورة الأنبياء : الآية ٣٠ ﴿ وَالسَّماءِ ذَاتِ الرَّجْ رِ وَاَلْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ﴾ [ الطارق: ١٢،١١]. حدَّثنى الحسينُ بنُّ علىِّ الصُّدائىُّ، قال: ثنا أبى، عن الفُضَيلِ بنِ مَرْزوقٍ ، عن عطيةً فى قولِه: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوْ أَنَّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ كَانَ رَتْقًا فَفَنَقْنَهُمَّ﴾. قال: كانت السماءُ رَتْقًا لا تُطرُ، والأرضُ رَتْقًا لا تُنْبِتُ، فَفَتَق السماءَ بالمطرِ، وَفَتَقَ الأَرضَ بالنباتِ ، وجعَل من الماءِ كلِّ شيءٍ حىّ ، أفلا (١) يؤمنون(١)؟ حدَّثنى يونسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّ السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضَ كَانَ رَتْقًّا فَفَنَقْنَهُمَا﴾. قال: كانت السماءُ(٢) رَثْقًا لا يَنزلُ منها مطرٍ، وكانت الأرضُ رَثْقًا لا يخرجُ منها نباتٌ، فَفَتَقَهما اللَّهُ، فأَنزَلَ مطرَ السماءِ، وشَقَّ الأرضَ فأخْرَج نباتَها. وقرَأ: ﴿فَفَتَقْنَهُمَّا وَجَعَلْنَا مِنَ اَلْمَآءِ كُلَّ شَىْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾(١). وقال آخرون: إنما قيل: ﴿فَفَتَقْنَهُمَا﴾؛ [٣٧٥/٢ظ] لأَنَّ الليلَ كان قبلَ النَّهارِ ، ففَتَقِ النهارَ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ، قال : أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال : أخبرنا الثورىُّ، عن أبيه ، عن عكرِمةَ، عن ابنِ عباسٍ ، قال: خَلَق الليلَ قبلَ النهارِ، ثم قال: ﴿كَانَنَا رَتْقًا فَفَنَقْتَهُمَّاً ﴾ (٤) . (١) ذكره البغوى فى تفسيره ٣١٦/٥، وابن كثير في تفسيره ٣٣٢/٥. (٢) فى م، ف: ((السماوات)). (٣) ذكره القرطبى فى تفسيره ٢٨٤/١١ . (٤) أخرجه المصنف فى تاريخه ٦١/١، وهو فى تفسير سفيان ص ٢٠٠، ومن طريقه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٣/٢. ٢٥٩ سورة الأنبياء: الآية ٣٠ قال أبو جعفرٍ : وأولى الأقوالِ فى ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: معنى ذلك : أو لم يرَالذين كفَروا أن السماواتِ والأرضَ كانتا رَتْقًا من المطرِ والنباتِ ، فَقَتَقْنا السماءَ بالغَيْثِ، والأرضَ بالنباتِ . وإنما قُلنا : ذلك أولى بالصوابِ فى ذلك؛ لدلالةِ قوله: ﴿ وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَىْءٍ حَيٍّ﴾ على ذلك، وأنَّه جلَّ ثناؤُه لم يُغْقِبْ ذلك بوصْفِ الماءِ بهذه الصِّفَةِ إلَّ والذى تَقَدَّمه مِن ذكرٍ أسبابِهِ . فإن قال قائلٌ: فإن كان ذلك كذلك، فكيفَ قيل: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ كَانَنَا / رَتْفًا﴾. والغيثُ إنّما ينزلُ من السماءِ الدُّنيا؟ ٢٠/١٧ قيل : إن ذلك مُخْتَلَفٌ فيه ، قد قال قومٌ: إَّما ينزلُ مِن السماءِ السابعةِ. وقال، آخرون: من السماءِ الرابعةِ. ولو كان ذلك أيضًا كما ذكرتَ مِن أنَّه ينزلُ من السماءِ الدُّنيا ، لم يكنْ فى قولِه : ﴿ أَنَّ السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضَ ﴾ دليلٌ على خلافٍ ما قُلنا؛ لأنَّه لا يمتَنِعُ أن يُقالَ: السماواتُ. والمرادُ منها واحدةٌ، فَتُجْمعَ؛ لأن كلَّ قطعةٍ منها سماءٌ، كما يُقالُ : ثوبٌ أُخْلاقٌ، وقميصٌ أسمالٌ . فإن قال قائلٌ: وكيفَ قيل: ﴿ أَنَّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ كَانْنَا﴾. فالسماواتُ جمعٌ، وحكمُ جمع الإناثِ أن يُقالَ فى قليلِه: كُنَّ، وفى كثيرِه: كانت ؟ قيل: إنّما قيل ذلك كذلك؛ لأنَّهما صِنْفان، فالسماواتُ نويٌ، والأرضُ آخرُ، وذلك نظيرُ قولِ الأسودِ بنِ يَغْفُرُ(١): إِن المَنِيَّةَ والحُثُوفَ كِلاهما تُوفِى المُخَارِمَ يَرْقُبانِ سَوَادِى فقال: كلاهما. وقد ذكَّر المنيةَ والحُتُوفَ؛ لما وصَفْتُ من أنَّه عنَى النَّوعين . (١) البيت فى المفضليات ص ٢١٦، وسمط اللآلئ ١٧٤/١، ٣٦٨. ٢٦٠ سورة الأنبياء : الآية ٣٠ وقد أُخْبِرتُ عن أبى عبيدةَ معمرٍ بن المثنى(١) ، قال: أنشَدنى غالبٌ النُّفَيْلِىّ (٢) للقُطامِئِّ(٢) : وتَغْلِبَ قد تَبايَنتا انْقِطاعًا أَلَمْ يَحْزُّنْكِ أن حِبالَ قَيْسٍ فجعَل حبالَ قيسٍ وهى جمعٌّ، وحبالَ تَغْلِبَ وهی جمعٌ، اثْنَئِن . وقولُه: ﴿ وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلّ شَىْءٍ حَيَّ﴾. يقولُ تعالى ذِكرُه: وأُحْيَشْنا بالماءِ الذى نُزِّلُهُ مِن السماءِ كلَّ شىءٍ. كما حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ ، عن معمرٍ ، عن قتادةً: ﴿ وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَآءِ كُلَّ شَىْءٍ حَيَّ﴾. قال: كلُّ شىءٍ حىّ خُلِقٍ مِنَ الماءِ(١) . فإن قال قائلٌ: وكيف خُصَّ كلُّ شيءٍ حىٍّ بأنَّه بجعِل مِن الماءِ دونَ سائرِ الأشياءِ غيرِهِ، فقد عَلِمتَ أنَّه يَحْيا بالماءِ الزروعُ والنباتُ والأشجارُ، وغير ذلك مما لا حياةَ له، ولا يُقالُ له : حىٍّ ولا مَيِّتُّ؟ قيل: إنه لا شىءَ من ذلك إلَّا وله حياةً وموتٌ، وإن خالفَ معناه فى ذلك معنَى ذواتٍ الأرواح فى أنَّه لا أرواحَ فيهنَّ، وأن فى ذواتِ الأرواح أرواحًا ، فلذلك قيل: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَآءِ كُلَّ شَىْءٍ حَيَّ﴾. وقولُه: ﴿أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾. يقولُ: أفلا يُصَدِّقون بذلك، ويُقِرُون بأُلوهةٍ مَن فعَل ذلك ويُفْرِدُونه بالعبادةِ ! (١) مجاز القرآن ٣٧/٢. (٢) ديوانه ص ٣٢، والرواية فيه: ((تباينت)). (٣) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٣/٢ عن معمر به، وأخرجه أحمد ٣١٤/١٣ (٧٩٣٢)، والحاكم ١٢٩/٤، ١٦٠ من طريق قتادة، عن أبى ميمونة، عن أبى هريرة، عن النبى عليه.