النص المفهرس

صفحات 201-220

٢٠١
سورة طه : الآية ١٢٥
والصوابُ مِن القولِ فى ذلك ما قال اللَّهُ تعالى ذكرُه، وهو أنه يَخْشُرُه أعمى
عن الحجةِ ورؤيةِ الأشياءِ كما أخْبَر جلَّ ثناؤُه، فعمَّ ولم يَخْصُصْ .
وقولُه: ﴿ قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِيّ أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾. (١ فقال بعضُهم
فى ذلك ما حدَّثنا ابنُ بشارٍ ، قال : ثنا عبدُ الرحمنِ ، قال : ثنا سفيانُ ، عن ابن أبى
نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿قَالَ رَبٍ لِمَ حَشَرْتَفِىّ أَعْمَى﴾. قال: لا حجةَ لى (١).
وقولُه: ﴿ وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾(١). اخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى تأويلٍ ذلك ؛ فقال
بعضُهم : معناه : وقد كنتُ بصيرًا بحججی .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريجٍ، عن
مجاهدٍ: ﴿ وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾. قال: عالمًا بحُجَجى.
وقال آخرون : بل معناه : وقد كنتُ ذا بصرٍ أَبْصِرُ به الأشياءَ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقَاءُ، جميعًا عن ابنِ أبِى نَجِيحِ، عن مجاهدٍ:
﴿ وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾ : فى الدنيا(٣) .
وحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿قَالَ رَبِّ لِمَ
(١ - ١) ليست فى : ص، م، ف .
(٢) تفسير سفيان ص ١٩٨، ومن طريقه هناد (٢٢٦) .
(٣) تفسير مجاهد ص ٤٦٨، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣١٢/٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن
أبي حاتم.

٢٠٢
سورة طه : الآيتان ١٢٥، ١٢٦
حَشَرْتَنِيّ أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾. قال: كان بعيدَ البصرِ، قصيرَ النظرِ، أعمى عن الحقِّ .
والصوابُ مِن القولِ فى ذلك عندنا أن اللَّهَ جلَّ ثناؤه عمّ بالخبرِ عنه بوصفِه نفسَه
بالبصرِ ، ولم يَخْصُصْ منه معنًى دونَ معنًى ، فذلك على ما عمَّه، فإذا كان ذلك
كذلك، فتأويلُ الكلام(١): قال: ربِّ لمَ حشَرْتَنى أعْمَى عن حُجَجى ورؤيةِ
الأشياءِ، وقد كنتُ فى الدنيا ذا بصرٍ بذلك كلِّه .
فإن قال قائلٌ: وكيف قال هذا لربِّه: ﴿لِمَ حَشَرْتَنِيّ أَعْمَى﴾. مع مُعاينتِه
عظيمَ سلطانِهِ؟ أجَهِلَ فى ذلك الموقفِ أن يكونَ للَّهِ عز وجل أن يفعلَ به ما شاء؟ أم
ما وجهُ ذلك ؟
٢٣٠/١٦
قيل له : إن ذلك منه مسألةٌ لربِّه تعريفَه (٢) الجُزُمَ الذى / اسْتَحَقَّ به ذلك، إذ
كان قد جهِله ، وظنَّ [٨٣/٣٥و] أن لا جُرْمَ له اسْتَحَقَّ ذلك به منه، فقال: ربِّ لأىِّ
ذنبٍ ، ولأىِّ جُزْمٍ حشَرْتَنى أعمى، وقد كنتُ بصيرًا مِن قبلُ فى الدنيا وأنت لا
تُعاقِبُ أحدًا إلا بدونِ ما يَسْتَحِقُّ منك مِن العقابِ .
وقولُه: ﴿قَالَ كَذَلِكَ أَنْتَكَ ءَايَتُنَا فَنَسِينَا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قال اللَّهُ
حينئذٍ للقائلِ له: ﴿ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَِيّ أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾: فَعَلْتُ ذلك بك،
فحشَرْتُك أعمى كما أتَتْك آياتى - وهى حُجَجُه وأدلتُه وبيانُه الذى بيَّنه فى كتابِه -
فَنَسِيَهَا﴾. يقولُ: فترَكْتَها وأعْرَضْتَ عنها، ولم تُؤْمِنْ بها ، ولم تَعْمَلْ.
وعنَى بقولِه: ﴿كَذَلِكَ أَنْتََّكَ﴾: هكذا أتَتْك .
وقولُه: ﴿وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ نُنسَى﴾. يقولُ: فكما نسِيتَ آياتِنا فى الدنيا فتَرَكْتَها
(١) فى ص، م، ت١، ف: ((الآية)).
(٢) فى م، ت٢: ((يعرفه)).

٢٠٣
سورة طه : الآيتان ١٢٦، ١٢٧
وَأَعْرَضْتَ عنها، فكذلك اليومَ نَنْساك فتَتْؤُكُّك فى النارِ .
وقد اخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى معنى قولِه: ﴿ وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ نُنسَى ﴾؛ فقال بعضُهم
بمثل الذى قلنا فى ذلك .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ الأخمَسىُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ عبيدٍ ، قال: ثنا
سفيانُ الثورىُّ، عن إسماعيلَ بن أبى خالدٍ، عن أبى صالح فى قوله: ﴿وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ
تَسَى﴾. قال: فى النارِ.
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال : أخبرنا معمرٌ، عن ابنٍ أبى
نجيح، عن مجاهدٍ فى قوله: ﴿كَذَلِكَ أَنَتْكَ عَلَكُنَا فَنَسِيْنَهَا﴾. قال: فَرَكْتَها،
﴿فَكَذَلِكَ الْيَوْمَ نُنسَى﴾: وكذلك اليومَ تُقْرَكُ فى النارِ(١).
ورُوِى عن قتادةً فى ذلك ما حدَّثنى به بِشرٌ، ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن
قتادةً: ﴿ قَالَ كَذَلِكَ أَنَتََّكَ ءَايَتُنَا فَنَسِنَهَا وَكَذَلِكَ أَلْيَوْمَ نُنَسَى﴾. قال: نُسِى" مِن
الخير، ولم يُنْسَ مِن الشرّ.
وهذا القولُ الذى قاله قتادةُ قريب المعنى ما قاله أبو صالح ومجاهدٌ؛ لأن تركّه
إياهم فى النار من أعظم الشرِّ لهم .
القولُ فى تأويل قوله جلَّ تِناؤُه: ﴿ وَكَذَلِكَ تَخٍْ مَنْ أَسَرَفَ وَلِّمْ يُؤْمِنَ بِتَابَتِ رَبَّهِء
- .
(١٢٧
وَلَذَابُ الْآَخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَىَ
(١) تفسير عبد الرزاق ٢١/٢، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣١٢/٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم.
(٢) فى الأصل: ((تنسى».
) فى الأصل : (تس 4.
(٤) ذكره البغوى فى تفسيره ٠٣٠١/٥

٢٠٤
سورة طه: الآيتان ١٢٧، ١٢٨
يقولُ تعالى ذكرُه : وهكذا ﴿نَجْزِى﴾. أى: نُثِيبُ مَن أسرَف ، فعصَی ربَّه
ولم يُؤْمِنْ برسِلِه وكتبِهِ ، فَتَجْعَلُ له معيشةٌ ضنكًا فى البرزخِ، كما قد يتنا قبلُ .
﴿ وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَشَدُ وَأَبْقَ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤه : ولعذابُ اللَّهِ فى الآخرةِ
لهم أشدُّ مما عَذَّبَهم به فى القبرِ مِن المعيشةِ الضنكِ، ﴿ وَأَبْقَ﴾. يقولُ: وأدومُ
منها؛ لأنه إلى غيرِ أَمَدٍ ولا نهايةٍ .
القولُ فى تأويلٍ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿ أَفَلَمْ يَهْدٍ لَمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنَ الْقُرُونِ
يَمْشُونَ فِ مَسَكِنِمْ إِنَّ فِ ذَلِكَ [٨٣/٣٥ ظ] لَتٍ لِأُوْلِى النُّهَى
(١٢٨)
٢٣١/١٦
/ يقولُ تعالى ذكرُه لنبيّه محمدٍ عَّهِ: أفلم يَهْدِ لقومِك المشركين باللَّهِ.
ومعنى
﴾ : يُمِّنْ. يقولُ: أفلم يُبيِّنْ(١) لهم كثرةُ ما أهْلَكْنا قبلَهم مِن الأم
التى ("سلفَت قبلَهم٢)، التى يَمْشون هم فى مساكنِهم ودُورِهم، ويَرَوْن آثارَ عُقوباتِنا
التى أُخْلَلْناها بهم - سوءَ مَغَبَّةٍ (٢) ما هم عليه مُقِيمون مِن الكفرِ بآیاتِنا ، فیتَّعِظوا بهم،
ويَعْتَبِروا ويُنِيبوا إلى الإذْعانِ، وَيُؤْمنوا باللّهِ ورسوله؛ خوفًا أن يُصِيتهم بكفرِهم باللّهِ مثلُ
ما أصابهم .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا
٠
(١ - ١) فى ص: ((وعدتهم به))، وفى م: ((وعدتهم))، وفى ت١، ف: ((عذبهم)).
(٢) فى ص: ((نبين)).
(٣ - ٣) فى م: ((سلكت قبلها)).
(٤) سقط من : م .
(٥) فى ت ١، ت ٢: ((معية)).

٢٠٥
سورة طه : الآية ١٢٨
قَّلَهُم مِّنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَئِكِنِمْ﴾: ( نحوِ عادٍ وثمودَ ومَن هلك من الأُمِ(٢)
وقال: ﴿ يَمْشُونَ فِ مَسَكِنِمْ﴾(١). لأن قريشًا كانت تَنَّجِرُ إلى(٣) الشامِ، فَتَمُوُّ
بمساكنٍ عادٍ وثمودَ ومَن أَشْبَههم ، فتَرَى آثارَ وقائع اللَّهِ تعالى بهم ، فلذلك قال لهم :
أفلم يُحَذِّرْهم ما يَرَوْن مِن فعلِنا بهم بكفرِهم بنا نزولَ مثلِه بهم ، وهم على مثلٍ فعلِهم
مقيمون .
وكان الفَرَّاءُ يقولُ (٤): لا يجوزُ فى ﴿كَمْ﴾ فى هذا الموضعِ أن يكونَ إلا نصبًا
بـ ﴿أَهْلََْا﴾. وكان يقولُ: وهو وإن لم يكنْ إلا نصبًا، فإن جملةَ الكلامِ رفعٌ
بقولِه: ﴿يَهْدِ لَمْ﴾. ويقولُ: ذلك مثلُ قولِ القائلِ: قد تبينَّ لى أقام عمرٌوأمُ
(٥)
زيدٌ؟ فى الاستفهام، وكقولِه: ﴿ سَوَآءُ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَمِنُونَ﴾
[الأعراف: ١٩٣]. ويَزْعُمُ أن فيه شيئًا يَرْفَعُ ﴿سَوَاءٌ﴾ لا يَظْهَرُ مع الاستفهامِ ، قال:
ولو قلتَ : سواءٌ عليكم صمتُكم ودعاؤُكم . تَبَيَّن ذلك الرفعُ الذى فى الجملةِ .
وليس الذى قال الفرَّاءُ مِن ذلك كما قال؛ لأن ﴿ كَمْ﴾ وإن كانت مِن
حروفِ الاستفهامٍ ، فإنها لم تُجْعَلْ فى هذا الموضعِ للاستفهامِ ، بل هى واقعةٌ موقعَ(٦)
الأسماءِ الموصوفةِ .
ومعنى الكلام ما قد ذكَرْنا قبلُ، وهو: أفلم يُبَيِّنْ(١) لهم كثرةُ إهلاكِنا قبلَهم
(١ - ١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت٣، ف.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢١٣/٤ إلى ابن أبى حاتم.
(٣) فى الأصل: ((فى)).
(٤) فى معانى القرآن ٢/ ١٩٥.
(٥) فى الأصل، ص، ت ١، ف: ((أو)).
(٦) فى الأصل: ((مواقع)).
(٧) فى الأصل: (( یتبین)).

٢٠٦
سورة طه : الآية ١٢٨
القرونَ التى يمشون فى مساكِنهم. أو : أفلم تَهْدِهم القرونُ الهالكةُ .
وقد ذُكِر أن ذلك فى قراءةِ عبدِ اللَّهِ: (أفلم يَهْدِ (١) لهم مَن أَهْلَكْنا).
ف﴿كَمْ﴾ واقعةٌ موقعَ ((مَن)) فى قراءةِ عبدِ اللَّهِ، و(٢) هى فى موضعِ رفعٍ بقوله :
يَهْدِ لَمْ﴾. وهو أظهرُ وُجوهِه، وأصحُ معانيه، وإن كان للذى قاله وجة
ومذهبٌ علی بُعْدٍ .
وقولُه : ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَتٍ لِّأُوْلِى النُّهَى﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن فيما
يُعايِنُ هؤلاء، ويَرَوْن مِن آثارٍ وقائعِنا بالأمم المكذِّبةِ رسلَها قبلَهم ، وحُلولِ مَثُلاتِنا بهم
لكفرِهم باللَّهِ، ﴿لَيَتٍ﴾. يقولُ: لدَلالاتٍ وعِبَرًا وعِظاتٍ ﴿لِأُوْلِ النُّهَى﴾.
يعنى: لأهلِ الحِجًا والعقولِ، ومَن [٨٤/٣٥و] ينهاه عقلُه وفهمُّه ودينُه عن مُواقعةٍ ما
يَضُه .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنی علىّ ، قال : ثنا أبو صالح، قال : ثنی معاویةُ ، عن علىٍّ ، عن ابنِ عباسٍ
قوله: ﴿لِّأُوْلِى النُّهَى﴾. يقولُ: التُّقَى(٤) .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتٍ
لِأُوْلِ النُّهَى﴾: أهلِ الوَرَعِ(٥).
(١) فى ص، ف: ((نهد))، وفى ت ٢: ((يهدى).
(٢) سقط من : م.
(٣) فى ص، م، ت ١، ف: ((الذى)).
(٤) ذكره ابن حجر فى تغليق التعليق ٢٥٦/٤ عن المصنف.
(٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٠٢/٤ إلى ابن أبى حاتم .

٢٠٧
سورة طه : الآيتان ١٢٩، ١٣٠
٢٣٢/١٦
/القولُ فى تأويل قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَّةٌ سَبَقَتْ مِن زَيِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ
(١٢٩)
مُسَمَّی
فَأَصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَيِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعُ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوِاً
وَمِنْ ءَانَآٍَ الَّتِلِ فَسَيِّحْ وَأَْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى
يقولُ تعالى ذكره : ولولا كلمةٌ سَبَقَت من ربِّك يا محمدُ أن كلُّ مَن قضَى له
أجلاً فإنه لا يَخْتَرِمُه قبلَ بلوغِه أجلَه، ﴿ وَأَجَلٌ مُسَمَّى﴾. يقولُ: ووقتٌ مُسَمَّى عندَ
ربِّك سمَّاه لهم فى أمّ الكتابِ، وخطَّه فيه، هم بالغوه ومُسْتَوْفوه - ﴿لَكَانَ
لِزَامًا﴾. يقولُ: لِلازَمَهم الهلاكُ عاجلًا .
وهو مصدرٌ مِن قولِ القائلِ: لازَم فلانٌ فلانًا يُلازِمُه مُلازَمَةً ولزامًا . إذا لم
يُفارِقْه. وقدَّم قولَه: ﴿لَكَانَ لِزَامًا﴾. قبلَ قولِه: ﴿وَأَجَلٌ مُسَتَّى﴾. ( ومعنى
الكلامِ: ولولا كلمةٌ سبَقَت مِن ربِّك وأجلٌ مسمَّى " لكان لزامًا، فاصبِرْ على ما
يقولون .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح ، عن مجاهدٍ
قولَه: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّيِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمَّى﴾. قال: الأجلُ
المسمَّى : الدنيا(٢) .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ وَلَوْلاً كَلِمَةٌ
(١ - ١) سقط من: ت ١، ف .
(٢) تقدم تخريجه فى ٩/ ١٥٢.

٢٠٨
سورة طه : الآيتان ١٢٩، ١٣٠
سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُّسَمَّى﴾. وهذه مِن مَقاديم الكلام. يقولُ: ولولا
كلمةٌ سبقت مِن ربِّك " إلى أجلِ مسمَّى لكان لزامًا. والأجلُ المسمَّى: الساعةُ؛ لأن
اللَّهَ يقولُ: ﴿ بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمُ﴾(٢) [القمر : .
وَلَوْلاً
حدَّثنى يونُسُ، قال: أخبرنا ابنُ وَهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿
كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ لَكَانَ لِزَمَا وَأَجَلٌ مُسَمَّى﴾. قال: هذا مُقَدَّمٌ ومُؤَخَّرُ: ولولا
كلمةٌ سبَقَت مِن ربِّك وأجلٌ مسمَّى لكان لزامًا .
واخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى معنى قوله: ﴿لَكَانَ لِزَامًا﴾ ؛ فقال بعضُهم: معناه:
لکان موتًا .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى علىٌّ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنى [٨٤/٣٥ظ] معاويةُ، عن علىّ ،
عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿لَكَانَ لِزَامًا﴾. يقولُ: موقًا(٣).
وقال آخرون : بل معناه : لكان قتلًا .
٢٣٣/١٦
/ ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى يونُسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿لَكَانَ لِزَامًا ﴾ :
واللِّزامُ القتلُ .
وقولُه: ﴿فَأَصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه لنبيُّه محمدٍ عليه السلامُ:
(١ - ١) سقط من: ص، ت ١، ف.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣١٢/٤ إلى ابن أبى حاتم .
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣١٢/٤ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبى حاتم .

٢٠٩
سورة طه : الآية ١٣٠
فاصْبِرْ يا محمدُ على ما يقولُ هؤلاء المكذِّبون بآياتِ اللَّهِ مِن قومِك ، لك: إنك
ساحرٌ، وإنك "مجنونٌ، وشاعرٌ. ونحوَ ذلك مِن القول، ﴿وَسَبِّحْ بَحَمْدٍ
رَبِّكَ﴾. يقولُ: وصلِّ بثنائِك على ربِّك. وقال: ﴿ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾. والمعنى:
" بحمدِكَ رَبَّك)، كما تقولُ: أعْجَبَنِى ضربُ زيدٍ. والمعنى: ضربى زيدًا.
وقولُه: ﴿ قَبْلَ مُلُوعِ الشَّمْسِ﴾، وذلك صلاةُ الصبحِ، ﴿وَقَبْلَ غُرُوٍِ﴾،
وهى صلاةُ العصرِ، ﴿ وَمِنْ ءَنَآَمٍ آَلَّيْلِ﴾، وهى ساعاتُ الليلِ، واحدُها إِنْىٌّ،
على تقديرٍ حِفْلٍ، ومنه قولُ المتْتَّلِ(٤) السعدىِّ:
فى (٥) كلِّ إِنِى حَذَاه (٦) الليلُ يَنْتَعِلُ
حُلْوٌّ ومُرّ كعَطْفِ القِدْحِ مِرَّتُه
ويعنى بقولِه: ﴿وَمِنْ ءَانَآٍَ اَلَّيْلِ فَسَيِّحْ﴾. صلاةَ العشاءِ الآخرةِ؛ لأنها
تُصَلَّى بعدَ مُضِىٌّ آناءٍ مِن الليلِ .
وقولُه: ﴿ وَأَطْرَافَ اَلنَّهَارِ﴾. يعنى صلاةَ الظهرِ والمغربِ.
وقيل(٧): ﴿ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ﴾. والمرادُ بذلك الصلاتان اللتان ذكَونا؛ لأن
صلاةَ الظهرِ فى آخِرِ طَرَفِ النهارِ الأُولِ، وفى أولِ طَرَفِ النهارِ الآخِرِ، فهى فى
طرفين منه، والطّرَفُ الثالثُ غروبُ الشمسِ، وعندَ ذلك تُصَلَّى المغربُ ، فلذلك
قيل : أطرافٌ .
(١ - ١) سقط من: الأصل.
(٢ - ٢) فى م، ت ١، ف: (( بحمد ربك)).
(٣) سقط من: ص، م، ت ١، ف.
(٤) فى ص، م، ت ٢، ف: ((المنخل)). والبيت تقدم تخريجه فى ٦٩٥/٥.
(٥) فى الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ف: ((من).
(٦) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ف: ((قضاه)).
(٧) بعده فى الأصل: ((فى)).
( تفسير الطبرى ١٤/١٦ )

٢١٠
سورة طه : الآية ١٣٠
وقد يَحْتَمِلُ أن يقالَ: أُرِيد به طرفا النهارِ، فقيل: أطرافٌ. كما قيل: ﴿فَقَدْ
صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤]. فجمَع، والمرادُ قلبان، فيكونُ ذلك أولَ طرفٍ النهارِ
الآخِرِ، وآخِرَ طرفِهِ الآخِرِ (١) .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ ، قال : ثنا عبدُ الرحمنِ ، قال : ثنا سفيانُ ، عن عاصمٍ،
عن "أبى رَزين٢ٍ)، عن ابنِ عباسٍ: فـ﴿سَيِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعُ الشَّمْسِ وَقَبْلَ
غُرُوِهَا﴾ . قال : الصلاةُ المكتوبةُ(٣).
حدَّثنا تميُ بنُ المنتصرِ، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارون ، قال : أخبرنا إسماعيلُ بنُ أبی
خالدٍ ، عن قَيْسٍ بنِ أبى حازمٍ، عن جريرِ بنِ عبدِ اللَّهِ، قال: كنا جلوسًا عندَ
رسولِ اللَّهِ عَلَّهِ، فرأَى القمرَ ليلةَ البدرِ، فقال: ((إنكم راءُون ربّكم كما ترون هذا،
لا تُضامُّون فى رُؤيته، فإن اسْتَطَعْتُمْ أَلا تُعْلَبوا على (١) صلاةٍ قبلَ طلوع الشمس وقبلَ
غزوبِها فافْعَلوا)). ثم تلا: فـ﴿سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ مُطْلُوعُ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوِيَا﴾ (٥).
(١) فى م: ((الأول)).
(٢ - ٢) فى م: ((ابن أبى زيد)). وينظر تهذيب الكمال ٤٧٥/١٣.
(٣) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢/ ٢١، وابن المنذر فى الأوسط ٣٢٤/٢ من طريق سفيان به، وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ٣١٢/٤ إلى الفريابى وعبد بن حميد وابن أبى حاتم .
(٤) فى الأصل: ((عن)).
(٥) أخرجه البخارى فى خلق أفعال العباد ص ٢١، وابن خزيمة فى التوحيد ص ١١٠ من طریق یزید بن
هارون به، وأخرجه البخارى (٥٥٤، ٥٧٣، ٤٨٥١)، ومسلم (٢١١/٦٣٣)، وأحمد ٣٦٠/٤
(اليمنية)، وأبو داود (٤٧٢٩)، والترمذى (٢٥٥١)، والنسائى (٧٧٦٢)، وابن ماجه (١٧٧)، وابن حبان
(٧٤٤٢، ٧٤٤٣) من طريق إسماعيل بن أبى خالد به .

٢١١
سورة طه : الآية ١٣٠
/حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ: فـ(سَبِّحْ بِحَمْدٍ رَبِّكَ ٢٣٤/١٦
قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوِهَا﴾. قال ابنُ جُرَيجٍ: العصرُ. ﴿وَأَطْرَافَ النَّهَارِ﴾ .
قال : المكتوبةُ .
حدَّثنا الحسنُ، قال : أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةً فى قولِه
فـ﴿ سَبِّحْ بِحَمْدٍ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾. قال: هى [٨٥/٣٥ و] صلاةُ الفجرِ،
﴿ وَقَبْلَ غُرُوِهاً﴾: صلاةُ العصرِ، ﴿ وَمِنْ ءَانَآٍَ اَلَّيْلِ﴾: صلاةُ المغربِ والعشاءِ،
﴿ وَأَطْرَافَ النَّارِ ﴾ : صلاةُ الظهرِ (١).
حدَّثنى يونُسُ، قال : أخبرنا ابنُ وَهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَمِنْ
ءَنَّبِ الَِّلِ فَسَيِّحْ وَأَطْرَافَ اَلنََّارِ ﴾. قال: ﴿وَمِنْ ءَانَآٍَ اَلَّيْلِ﴾: العَتَمةِ.
﴿ وَأَطْرَافَ اَلنَّهَارِ﴾: المغربَ والصبحَ .
ونصَب قولَه: ﴿ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ﴾. عطفًا على قوله: ﴿قَبْلَ طُلُوعٍ
الشَّمْسِ﴾. لأن معنى ذلك: فسبِّح بحمدٍ ربِّك آخِرَ الليلِ وأطرافَ النهارِ.
وبنحوِ الذى قلنا فى معنى ﴿ءَنَآٍَ اُلَّيْلِ﴾ قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال : ثنى حجاجٌ ، عن ابن جريج ، قال : قال
ابنُ عباسٍ: ﴿وَ مِنْ ءَانَآٍ اَلَّيْلِ﴾. قال: المصلَّى مِن الليلِ كلِّه.
(١) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٢١، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣١٢/٤ إلى ابن أبى حاتم.

٢١٢
سورة طه : الآية ١٣٠
حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَةَ، عن أبى رَجاءٍ، قال: سمِعْتُ
الحسنَ قرَأ: ﴿ وَمِنْ ءَانَآٍَ آَلَيْلِ﴾. قال: مِن أولِه وأوسطِه وآخرِه (١) .
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال: ثنى أبى ، قال: ثنى عمى ، قال : ثنى أبى ، عن أبيه،
عن ابن عباسٍ فى قوله: ﴿وَمِنْ ◌َنٍَّ اَلَّيْلِ فَسَيِحْ﴾. قال: آناءُ الليلِ جوفُ الليلِ(٢) .
وقولُه: ﴿لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾. يقولُ: كى تَرْضَى.
وقد اختلفَت القرَأَةُ فى قراءةِ ذلك، فقرَأَته(١) عامةُ قرَأَةِ المدينةِ والعراقِ:
﴿ لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾ بفتحِ التاءِ".
وكان عاصمٌ والكِسائىُ يَقْرَآن ذلك: (لعلك تُرْضَى ) بضمِّ التاءِ . ورُوِى
ذلك عن أبى عبد الرحمنِ الشُّلَمئِّ .
وكأن الذين قرَءوا ذلك بالفتح ذهبوا إلى معنَى : إن اللَّهَ يُعْطِيك حتى تَرْضَى
عطيته وثوابَه إِياك ، وكذلك تأؤَّله أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى يونُسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ لَعَلَّكَ
تَرْضَى﴾. قال: الثوابُ؛ تَرْضَى مما(٩) بِئْك اللَّهُ على ذلك(٧).
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٣٩/٣ (٤٠١٣) من طريق عباد بن منصور، عن الحسن.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٣٨/٣ (٤٠١٠) من طريق أبى ظبيان ، عن ابن عباس.
(٣) فى الأصل: ((فقرأ به)).
(٤) وهى قراءة نافع وابن كثير وأبى عمرو وابن عامر وعاصم فى رواية حفص وحمزة. السبعة لابن مجاهد
ص ٤٢٥ .
(٥) وهى قراءة الكسائى وعاصم فى رواية أبى بكر. المصدر السابق.
(٦) فى م: (( بما)).
(٧) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣١٢/٤ إلى ابن أبى حاتم .
..

٢١٣
سورة طه : الآيتان ١٣٠، ١٣١
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريج: ﴿لَعَلَّكَ
تَرْضَى﴾. قال: بما(١) تُعْطَى.
وكأن الذين قرَءوا ذلك بالضمّ وجَّهوا معنى الكلام إلى: لعل اللَّهَ يُرْضِيك مِن
عبادتك إياه وطاعتك له .
والصوابُ مِن القول فى ذلك عندى أنهما قراءتان ، قد قرَأ بكلٍ واحدةٍ منهما
علماءُ مِن القرَأَةِ، وهما قراءتان مُسْتَفِيضتان فى قرَأَةِ الأمصارِ، مُتَّفِقَتَا المعنى ، غيرُ
مُخْتَلِفَتَيْه، وذلك أن اللَّه تعالى ذكرُه إذا(٢) أرضاه، / فلا شكَّ أنه يَرْضَى، (٢ وأنه٣) إذا ٢٥/١٦٪
رضِى فقد أرضاه اللَّهُ، فكلُّ واحدةٍ منهما تَدُلُّ على معنى الأُخرى، فبأيِتِهما قرَأ
القارئُ فمصيبٌ الصوابَ .
[٨٥/٣٥ظ] القولُ فى تأويلٍ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿ وَلَا تَمُذَنَ عَيْنَّكَ إِلَى مَا
مَتَّعْنَا بِهِ: أَزْوَجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَوِْ الذُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيَّةٍ وَرِزْقُ رَبِّكَ خٌَّ
وَأَبْقَى
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ عَلَّه: ولا تَنْظُرْ إلى ما جعَلْنا لضُرَباءِ هؤلاء
المُعرِضين عن آياتِ ربِّهم وأشكالِهم ، متعةً فى حياتِهِم الدنيا ، يَتَمَتَّعون بها مِن زهرةٍ
عاجلِ الدنيا ونَضرتِها ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيَةٌ﴾. يقولُ: لَخْتَبِرَهم فيما متَّغناهم به مِن ذلك
ونَبْتَلِيَهم، فإن ذلك فانٍ زائلٌ، وغُرورٌ وخُدَعٌ تَضْمَحِلُ، ﴿ وَرِزْقُ رَبِّكَ﴾ الذى
وعَدك أن يَرْزُقَكه فى الآخرةِ حتى تَرْضَى - وهو ثوابُه إياه - ﴿خَيْرٌ﴾ لك مما متَّعْناهم
به مِن زهرةِ الحياةِ الدنيا ﴿وَأَبْقَى﴾. يقولُ: وأدومُ. لأنه لا انقطاعَ له ولا نفادً.
(١) فى الأصل، ت ٢: ((ما)).
. (٢) سقط من: ص، ت ١، ف .
(٣ - ٣) سقط من: ت ١، ف.

٢١٤
سورة طه : الآية ١٣١
وذُكِر أن هذه الآيةَ نزَلت على رسولِ اللَّهِ سَّهِ مِن أجلِ أن رسولَ اللَّهِ سَ لِّ بَعَث
إلى يهودىِّ يَسْتَشْلِفُ منه طعامًا، فَأَتَى أن يُسْلِفَه إلا برَهنٍ.
ذكرُ الرواية بذلك
حدّثنا ابنُ و کیعٍ، قال : ثنا أبی ، عن موسى بن عُبیدةً، عن یزیدَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ
قُسَبْطٍ، عن أبى رافعٍ، قال: أرْسَلَنى رسولُ اللّهِ عَه إلى يهودِىِّ يَسْتَشْلِفُه ، فأتَى أُن
يُعْطِيَه إلا برهنٍ، فحزِن رسولُ اللَّهِ مَّهِ، فَأَنْزَل اللَّهُ: ﴿وَلَا تَمُدَّنَ عَيْنَيَّكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا
بِهِ- أَزْوَجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَوْمِ الدُّنْيَا﴾(١).
حدَّثنا القاسمُ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنا محمدُ بنُ كثيرٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ
واقدٍ، عن يعقوبَ بنِ يزيدَ، عن أبى رافعٍ، قال: نزَل برسولِ اللَّهِ صَلِ ضَيفٌ،
فَأرْسَلَنى إلى يهودىِّ بالمدينةِ أَستسلِفُهُ(٢) ، فأَتَيْتُه فقال: لا أَسْلِفُه إلا برهنٍ. فَأَخْبَرْتُه
بذلك، فقال: ((إنى لأمينٌ فى أهلِ السماءِ، وفى أهلِ الأرضِ، فاحْمِلْ دِرْعى إليه)).
فنزلت هذه الآيةُ: ﴿ وَلَقَدْ ءَانَيْنَكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِىِ وَالْقُرْءَانَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧].
وقولُه: ﴿ وَلَا تَمُدَّنَ عَيْنَيَّكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ، أَزْوَجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَّوَةِ الدُّنْيَا﴾. إلى
قولِهِ: ﴿ وَالْعَقِبَةُ لِلنَّقْوَىُ﴾ .
(١) أخرجه الرويانى (٧١٥) عن سفيان بن وكيع به، وأخرجه إسحاق ، وابن أبى شيبة - كما فى المطالب
العالية (١٦٠٠، ١٦٠١) - وأبو يعلى من طريق ابن أبى شيبة - كما فى المطالب العالية (١٦٠٣) - من
طريق وكيع به ، وأخرجه إسحاق - كما فى المطالب (١٦٠٢) - والرويانى (٦٩٥)، والبزار (٣٨٦٣)،
والطبرانى (٩٨٩) من طريق موسى بن عبيدة به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣١٢/٤، ٣١٣ إلى ابن
المنذر وابن أبى حاتم والخرائطى فى مكارم الأخلاق وأبى نعيم فى المعرفة .
(٢) فی م، ت ٢: (( يستسلفه)) .

٢١٥
سورة طه : الآية ١٣١
ويعنى بقولِه: ﴿أَزْوَجًا مِنْهُمْ﴾: (رجالًا منهم) أشكالاً، وبـ: ﴿زَهْرَةَ
اُلْخَيَوَةِ الدُّنْيَا﴾ : زينةَ الحياةِ الدنيا.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿زَهْرَةَ
اُلْخَيَوَةِ اُلُّنْيَا﴾. أى: زينةَ الحياةِ الدنيا(٢).
ونصَب ﴿ زَهْرَةَ الْخَيَّةِ الدُّنْيَا﴾ على الخروجِ مِن الهاءِ التى فى قوله:
◌ِهِ ﴾. مِن: ﴿ مَتَّعْنَا بِهِ﴾. كما يقالُ: مرَرْتُ به الشريفَ الكريمَ . فنصَب
الشريفَ الكريمَ على فعلٍ: مرَرْتُ . فكذلك قولُه: ﴿إِلَى / مَا مَتَّعْنَا بِهِ: أَزْوَجَا مِنْهُمْ
زَهْرَةَ الْخَيَّوَةِ الدُّنْيَا ﴾ تُنْصَبُ على الفعلِ بمعنى: متَّعْناهم به زهرةٌ [٨٦/٣٥و] فى الحياةِ
الدنيا وزينةً لهم فيها. وذكَر الفرّاءُ أن بعضَ بنى فَقْعَسِ أَنْشَدَه(١) :
٢٣٦/١٦
رهينةَ رَمْسٍ من ترابٍ وجَنْدَلٍ
أبعدَ الذى بالسَّفْحِ سَفْحِ كَواكِبٍ
فنصَب ((رهينة)) على الفعلِ مِن قولِه: أبعدَ الذى بالسَّفْح. وهذا لا شكَّ أنه
أضعفُ فى العملِ نصبًا مِن قوله: ﴿ مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَجًا مِنْهُمْ﴾. لأن العاملَ فى الاسم
الذى(٤) هو ((رهينة))، حرفٌ خافضّ لا ناصبٌ .
٥)
وبنحوِ الذى قلنا فى °معنى قوله: ﴿لِنَغْتَِّهُمْ فِيَةٍ (٢) وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىَ
قال أهلُ التأويلِ .
(١ - ١) سقط من: الأصل، وفى ت ٢: ((رجالًا)).
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣١٣/٤ إلى ابن أبى حاتم .
(٣) معانى القرآن ١٩٦/٢.
(٤) سقط من: ص، ت ١، ف، وفى م: ((و)).
(٥ - ٥) فى م: ((ذلك)).
(٦) بعده فى ت ٢: ((قال: لنبتليهم فيه)).

٢١٦
سورة طه : الآيتان ١٣٢،١٣١
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرّ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ .
قال: لنَبْتَلِيَهم فيه، ﴿ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ مما(١) مُتْع(١) به هؤلاء مِن هذه
الدنيا (٣) .
القولُ فى تأويل قوله جلَّ ثناؤُه: ﴿ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَوةِ وَأَصْطَِّرْ عَلَيْهَاً لَا نَسْئَلُكَ
رِزْقَا تَّخْنُ نَرْزُقُّكْ وَالْعَقِبَةُ لِلنَّقْوَىُ
(١٣٢
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيُّه محمدٍ عَلَه: ﴿ وَأَمُرْ﴾ يا محمدُ ﴿أَهْلَكَ بِالصَّلَوةِ
وَأَصْطَيِرْ عَلَيْهًا﴾. يقولُ: واضْطَيِرْ على القيام بها وأدائِها بحدودِها أنت ﴿لَا نَشْشَلُكَ
رِزْقًا﴾. يقولُ: لا نَسْأَلُك مالاً، بل نُكَلِّفُك عملًا ببدنك ، تُؤْتِيك عليه أجرًا عظيمًا
وثوابًا جَزِيلًا، ﴿فَعْنُ نَرْزُقُكْ﴾. يقولُ: نحن نُعْطِيك المالَ وتُكْسِبُكَه، ولا
نَسْأَلُگَه .
وقولُه: ﴿وَالْعَقِبَةُ لِلنَّقْوَى﴾. يقولُ: والعاقبةُ الصالحةُ مِن عملِ كلِّ
عاملٍ لأهلِ التقوى والخشيةِ مِن اللَّهِ، دونَ مَن لا يَخافُ له عقابًا، ولا يَرْجو
له ثوابًا .
وبنحوِ الذى قلنا فى تأويل قوله: ﴿وَأَمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَوْءِ وَأَصْطَيِرْ عَلَيْهَ بَ﴾.
قال أهلُ التأويلِ.
(١) فى الأصل: ((ما)).
(٢) فى ص، م، ت ١، ف: ((متعنا)).
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣١٣/٤ إلى ابن أبى حاتم.

٢١٧
سورة طه : الآيتان ١٣٢،١٣١
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى أبو السائبِ ، قال : ثنا حفصُ بنُ غِياتٍ ، عن هشام بنِ عروةَ ، قال :
كان عروةُ إذا رأَى / ما عندَ السلاطينِ دخَل دارَه، فقال: ﴿ وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا ٢٣٧/١٦
وَأَمُرْ
١٣٦
مَتَّعْنَا بِهِ: أَزْوَجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَوِ الذُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيَةٍ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى
أَهْلَكَ بِالصَّلَوَةِ وَأَصْطَيِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْتَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَّ وَالْعَقِبَةُ لِلَّقْوَىُ﴾. ثم
يُنادِى: الصلاةَ الصلاةَ، يَرْحَمُكم اللَّهُ(١) .
حدّثنا أبو كريبٍ ، قال: ثنا عَنَّام، عن هشام بن عروةً، عن أبيه، أنه كان إذا
رأَى شيئًا مِن الدنيا جاء إلى أهلِه، فقال: الصلاةَ؛ ﴿ وَأَمْرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَوَةِ وَأَصْطَيِرُ
عَلَيْهَاً لَا نَسْئَلُكَ رِزْقًا﴾(٢).
حدَّثنا العباسُ بنُ عبدِ العظيم ، قال : ثنا جعفرُ بنُ عَونٍ ، قال : أخبرنا هشامُ بنُ
سعدٍ ، عن زيدِ بنِ أسلمَ ، عن أبيه ، قال: كان يَبِيتُ عندَ عمرَ بنِ الخطابِ مِن غِلمانِه
أنا ويَوْفَأُ(٢) ، وكانت له مِن الليلِ ساعةٌ يُصَلِيها، فإذا قلنا: لا يقومُ مِن الليلِ (٤كما كان
يقومُ . يكونُ أبكرَ ماء) كان قيامًا، وكان إذا صلَّى مِن الليل ثم فرَغ، قرأ هذه الآيةَ:
﴿ وَأَمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَوَةِ وَأَصْطَيِرْ عَلَيْهًا﴾ الآيةَ(٥).
حدَّثنی يونُسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال : أخبرنى هشامُ بنُ سعدٍ ، عن زيد
(١) ذكره القرطبى فى تفسيره ٢٦٣/١١.
(٢) أخرجه ابن أبى شيبة ٥٣٦/١٣ من طريق هشام بن عروة به .
(٣) فى الأصل، ص، ت ١، ف: ((يرفى))، وفى ت ٢: ((مرمى)). وينظر الإصابة ٦٩٦/٦.
(٤ - ٤) سقط من: م.
(٥) أخرجه ابن أبى الدنيا فى التهجد وقيام الليل (٣٥١) من طريق هشام بن سعد به، وأخرجه مالك
١١٩/١ - ومن طريقه عبد الرزاق فى مصنفه (٤٧٤٣) - عن زيد بن أسلم به .

٢١٨
سورة طه : الآيتان ١٣٣،١٣٢
ابنِ أَسْلَمَ، "عن أبيه، عن عمر١َ) مثلَه.
القولُ فى تأويلٍ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿ وَقَالُواْ لَوْلَا يَأْتِنَا بَِايَةٍ مِّن رَبِّهِ، أَوْلَمْ تَأْتِهِم
بَيِّنَةُ مَا فِ الضُّحُفِ الْأُولَى
يقولُ تعالى ذكره: وقال هؤلاء المشركون الذين وصَف صفتهم فى الآياتِ
قبلُ : هلَّا يَأْتِينا محمدٌ بآيةٍ مِن ربِّه، كما أَتَى قومَه صالح بالناقةِ ، وعیسی پإحياءِ
الموتى وإبراءِ الأكْمهِ والأبرصِ ؟ يقولُ اللَّهُ جلَّ ثناؤه: أو لم يَأْتِهم بيانُ ما فى الكتبِ
التى قبلَ هذا الكتابِ مِن أنباءِ الأمم مِن قبلِهم التى أَهْلَكْناهم لمّا سألوا الآياتِ، فكفَروا
بها لما أتَتْهم - كيف عجَّلْنا لهم العذابَ، وأَنْزَلْنا بهم(٢) بأسَنا بكفرِهم بها. يقولُ:
فماذا يُؤْمِنُهم إِن أَتَتْهم الآيةُ أن يكونَ حالُهم حالَ أولئك .
وبنحوِ الذى قلنا فى تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ
قولَه: ﴿أَوَلَمْ تَأْتِهِم بِيِنَهُ مَا فِىِ الضُّحُفِ الْأُولَى﴾. قال: التوراةِ والإنجيلِ(١) .
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريجٍ، عن
مجاهدٍ مثله .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَوَلَمْ تَأْتِهِم بِيِّنَةُ
(١ - ١) سقط من: م، وفى ص، ت ١: ((عن عمر)).
(٢) سقط من: م .
(٣) تفسير مجاهد ص ٤٦٨، ومن طريقه ابن أبى شيبة ١٤/ ١٢٠، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣١٣/٤
إلی عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم .

٢١٩
سورة طه: الآيتان ١٣٣ ، ١٣٤
مَا فِ الصُّحُفِ الْأُوْلَى﴾: الكتبِ التى خلَت مِن الأمم التى يَمْشُون فى مساكنِهم .
القولُ فى تأويلٍ قولِه جل ثناؤه: ﴿ وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَهُم بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ، لَقَالُواْ
رَبََّا لَوْلًا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَتَّبِعَ ءَايَلِكَ مِن قَبْلِ أَن نَذِلَ وَنَخْزَى
١٣٤
/يقول تعالى ذكره: ولو أنا أهْلَكْنا هؤلاء المشركين [٨٧/٣٥و٢ الذين يُكذّبون ٢٣٨/١٦
بهذا القرآنِ مِن قبلٍ أن ننزّلَه عليهم ، ومِن قبلٍ أن نَبْعَثَ داعيًا يَدْعوهم إلى ما فرَضْنا
عليهم فيه ، بعذابٍ نُنْزِلُه بهم بكفرِهم باللَّهِ، لَقالوا يومَ القيامةِ إذا(١) ورَدُوا علينا ،
فأَرَدْنا عقابَهم: ربًَّا هلًّا أرْسَلْتَ إلينا رسولاً يَدْعونا إلى طاعتِك ﴿فَنَتَّبِعَ ءَايَئِكَ﴾؟
يقولُ : فَتَبِعَ حُجَجَك وأدلَّتَك وما تُنَزِّلُه عليه مِن أمرِك ونهيك، مِن قبلٍ أن نَذِلّ
بتعذيِك إیانا ونَخْرَی به .
كما حدَّثنى الفضلُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو قُتَئِيةَ سَلْمُ بنُ قُتَنِيةَ، عن فُضَيْلٍ
ابنِ مَرْزوقٍ، عن عطيةَ العَوْفىِّ، عن أبى سعيد الخدرىِّ، عن النبيِّ عَّهِ قال:
((يَحْتَجُ على اللَّهِ يومَ القيامةِ ثلاثةٌ ؛ الهالكُ فى الفَتْرةِ، والمغلوبُ على عقلِه، والصبىّ
الصغيرُ، فيقولُ المغلوبُ على عقلِه: لم تَجْعُلْ لى عقلًا أَنْتَفِعُ به . ويقولُ الهالكُ فى
الفترةِ : لم يَأْتِنِى رسولٌ ولا نبيٌ، ولو أتانى لك رسولٌ أو نبىٌّ لَكنتُ أطوعَ خلقِك
لك - وقرّأ: ﴿لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَتَقَيِّعَ ءَايَئِكَ﴾ - ويقولُ الصبىُّ
الصغيرُ: كنتُ صغيرًا لا أَعقِلُ. قال: فتُوْفَعُ لهم نارٌ، ويقالُ لهم: رِدُوها . قال :
فيَرِدُها مَن كان فى علم اللَّهِ أنه سعيدٌ ، ويَثَلَكَّأُ عنها مَن كان فى علم اللَّهِ أنه شَقِّ .
فيقولُ: إِباى عصَيْتُم، فكيف برسلى لو أتَتْكم؟))(٢).
(١) فى م: ((إذ)).
(٢) أخرجه البزار (٢١٧٦ - کشف)، ومحمد بن یحیی الذهلی - کما فی تفسير ابن كثير ٥٢/٥ - من
طریق فضيل بن مرزوق به .

٢٢٠
سورة طه : الآية ١٣٥
القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه : ﴿قُلْ كُلٌ مُتَرَيِّصُ فَقُواْ فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ
(١٣٥)
أَصْحَبُ الصِّرَطِ السَّوِيِّ وَمَنِ أَهْتَدَى
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ عَ له: قلْ يا محمدُ: كلُّكم أيُّها المشركون باللَّهِ
مُتَرَيِّصُ﴾. يقولُ: منتظِرٌ لمن يكونُ الفلامح، وإلى ما يَقُولُ أمرى وأمؤكم،
مُتَوَقِّفٌ يَنْتَظِرُ دوائرَ الزمانِ، ﴿فَرَبَُّواْ﴾. يقولُ: فتَرَقَّبوا وانْتَظِروا، ﴿فَسَتَعْلَمُونَ
مَنْ أَصْحَبُ الصِّرَطِ السَّوِيِّ﴾. يقولُ: فسيعلَمون مَن٢ أهلُ الطريقِ المستقيم
المعتدلِ الذى لا اعْوِجاجَ فيه إذا جاء أمرُ اللَّهِ، وقامت القيامةُ ، أنحن أم أنتم ؟ ﴿ وَمَنِ
أُهْتَدَى﴾. يقولُ: وستَعْلَمون حينئذٍ مَن المهتدِى الذى هو على سننِ الطريقِ القاصدِ
غيرِ الجائرِ عن قصدِهِ منا ومنكم .
وفى ﴿مَنْ﴾ مِن قوله: ﴿فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَبُ الصِّرَطِ السَّوِيِّ﴾. والثانيةِ
مِن قوله: ﴿ وَمَنِ أُهْتَدَى﴾ وجهان؛ الرفعُ، وتركُ إِعْمالٍ ((تعلمون)) فيهما، كما
قال جلَّ ثناؤُه: ﴿لِنَعْلَمَ أَىُّ الِْبَيْنِ أَحْصَى﴾ [الكهف: ١٢]. والنصبُ على
إعمالٍ ((تعلمون)) فيهما، كما قال جلَّ ثناؤه: ﴿وَاَللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ
اُلْمُصْلِّحْ﴾ [البقرة:
(١ - ١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ف.
* إلى هنا ينتهى الجزء الخامس والثلاثون من نسخة جامعة القرويين، والمشار إليه بالأصل، وسيجد القارئ بعد
ذلك أرقام النسخة ت١ بين معکوفین .