النص المفهرس

صفحات 121-140

١٢١
سورة طه : الآية ٧٧
ذكر من قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثْنى
الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد
قوله: ﴿ يَسًا﴾. قال: يابسًا (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاج، عن ابن جريجٍ، عن
مجاهدٍ مثله .
وأما قوله: ﴿ لَّا تَخَفُ دَرَّكَا وَلَا تَخْشَى﴾. فإنه يعنى: لا تَخافُ، مِن فرعونَ
وجنودِه أن يُدْرِكوك مِن ورائِك، ولا تَخْشَى غرقًا مِن بين يديك ووَخَلًا.
وبنحوٍ [٦٥/٣٥؛] الذى قلنا فى تأويل ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى علىّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ)، قال: ثنى معاويةُ، عن على، عن ابن عباسٍ
فى قوله: ﴿لَّا تَخَفُ دَرَّكَا وَلَا تَخْشَى﴾. يقولُ: لا تخافُ مِن آلٍ فرعونَ دَرَكًا ، ولا
تَخْشَى مِن البحرِ غرقًا(٣) .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، " ثنا سعيدٌ"، عن قتادةَ: ﴿لَّا تَخَفْ دَرَّا وَلَّدْ
تَخْشَى﴾. يقولُ: لا تَخافُ أَن يُدْرِكَك فرعونُ مِن بعدِك، ولا تَخْشَى الْغرِقَ
أمامك .
(١) تفسير مجاهد ص ٤٦٤، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٠٤/٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم.
(٢ - ٢) فى ص، م، ت ١، ف: ((أبو صالح)).
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٠٤/٤ إلى ابن المنذر وابن أبى حاتم.
(٤ - ٤) سقط من : ت ٢.

١٢٢
سورة طه : الآية ٧٧
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال: ثنى حجاجٌ ، قال : قال ابنُ جريج : قال
أصحابُ موسى: هذا فرعونُ قد أدرَكَنا، وهذا البحرُ قد غَشِيَنا. فَأَنْزَل اللَّهُ: ﴿لَا
تَخَفُ دَرَّكًا﴾ أصحابَ فرعونَ، ﴿ وَلَا تَخْشَى﴾ مِن البحرِ وَحَلّاً(١) .
حدَّثنى أحمدُ بنُ الوليدِ الرَّمْلىُّ، قال: ثنا عمرُو بنُّ عونٍ ، قال: ثنا هُشَيْمٌ ، عن
بعضِ أصحابِه فى قوله: ﴿لَّا تَّخَفُ دَرَّكًا وَلَا تَّخْشَى﴾. قال: الوَحَلَ .
١٩٢/١٦
/واختَلَفت القرأةُ فى قراءةٍ قولِه: ﴿لَّا تَخَفُ دَرَكًا﴾ ؛ فقرَأَته عامةُ قرأةِ الأمصارِ
غيرَ الأعمشِ وحمزةَ: ﴿لَّا تَخَفُ دَرَكًا﴾ على الاستئنافِ () ب﴿لََّ﴾، كما قال:
﴿ وَأَصْطَبِرْ عَلَيْهَاً لَا نَسْئَلُكَ رِزْقًا﴾ [طه: ١٣٢]. فرفَع، وأكثرُ ما جاء فى(١) الأمرِ
الجوابُ مع ((لا)) بالرفعِ (٥) .
وقرَأ ذلك الأعمشُ وحمزةُ : (لَا تَخَفْ دَرَكًا) فجزَما ((لا تَخفْ))(٦) على
الجزاءِ، ورفَعا: ﴿ وَلَا تَّخْشَى﴾ على الاستئنافِ(٢)، كما قال جلَّ ثناؤه: ﴿يُوَلُّوكُمُ
اُلْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ﴾ [ آل عمران: ١١١]. فاسْتَأْنَف بـ﴿ثُمَّ﴾، ولو نوَى بقولِه:
﴿ وَلَا تَخْشَى﴾. الجزمَ وفيه الياءُ، كان جائزًا، كما قال الراجزُ(1):
هُزِّى إليك الجِذْعَ يْنِيك الجَنَّى
(١ - ١) سقط من: ت ٢.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٠٤/٤ إلى ابن المنذر.
(٣) فى ص، ف: ((الاستثناء)). وهى قراءة نافع وابن كثير وعاصم وابن عامر وأبى عمرو والكسائى. ينظر
حجة القراءات ص ٤٥٩ .
(٤) بعده فى م: ((هذا)).
(٥) سقط من : م.
(٦) فى م: ((تخاف)).
(٧) فى ت ١، ف: ((الاستثناء)). وينظر حجة القراءات ص ٤٥٨.
(٨) معانى القرآن للفراء ١/ ١٦١، ١٨٧/٢.

١٢٣
سورة طه : الآيات ٧٧ - ٧٩
وأعجبُ القراءتين إلىّ أن أَقْرَأ بها: ﴿لَا تَخَفُ ﴾ على وجهِ الرفع؛ لأن ذلك
أفصحُ اللغتين، وإن كانت الأُخرى جائزةً .
وكان بعضُ نحوبى البصرةِ يقولُ(١): معنى قوله: ﴿لَّا تَخَفُ دَرَّكًا﴾ .
اضْرِبْ لهم طريقًا لا تَخافُ فيه دَرَكًا. قال: وحذَف ((فيه)) كما تقولُ: زيدٌ
أَكْرَمْتُ. وأنت تُرِيدُ : أَكْرَمْتُه . وكما قال: ﴿ وَأَتَّقُواْ يَوْمًا لَّا تَجْزِى نَفْسُ عَنْ نَّفْسٍ
شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨]. أى : لا تَجْزِى فيه .
وأما نحويوالكوفةِ (١) فإنهم يُتْكِرون حذفَ ((فيه)) إلا فى المواقيتِ؛ لأنه يَضْلُحُ
أن يقالَ فيها: قمتُ اليومَ ، وفى اليومِ. ولا يُجِيزون ذلك فى الأسماءِ.
القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤه : ﴿فَأَنْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ، فَغَشِيَهُم مِّنَ اَلْيَمِ مَا
٧٩
وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى
غَشِيَهُمْ
يقولُ تعالى ذكرُه: فأسرّى(٢) موسى ببنى إسرائيلَ إذ أوْحَيْنا إليه أن أَشْرٍ
بهم، فأتْبَعَهم فرعونُ بجنودِه حينَ قطَعوا البحرَ، فغشِى فرعونَ [٦٥/٣٥و]
وجنودَه مِن البحرِ(٤) ما غشِيَهم، فغرِقوا جميعًا، ﴿ وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى﴾ .
يقولُ جلَّ ثناؤه: وجارَ(٥) فرعونُ بقومِه عن سواء السبيلِ، وأخَذ بهم على غيرِ
استقامةٍ؛ وذلك أنه سلَك بهم طريقَ أهلِ النارِ، بأمرِهم(٢) بالكفرِ باللّهِ، وتكذيبٍ
(١) ينظر الكتاب لسيبويه ٣٨٦/١.
(٢) ينظر معانى القرآن للفراء ٣٢/١.
(٣) فى م: ((سرى)).
(٤) فى ص، م، ت ١، ف: ((اليم)).
(٥) فى م: ((جاوز)).
(٦) فى ت ١، ف: ((يأمرهم)).

١٢٤
سورة طه : الآيات ٧٩ - ٨١
(١)
رسوله (١).
﴿ وَمَا هَدَى﴾. يقولُ: وما سلَك بهم الطريق المستقيم ، وذلك أنه نهاهم عن
اتباع رسول اللّهِ موسى، والتصديقِ به ، فأطاعوه، فلم يَهْدِهم بأمرِه إياهم بذلك ،
ولم يقتدوا باتّباعهم إياه .
القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿ يَبَنِّيّ إِسْرَّهِ يِلَ قَدْ أَنْتَّتَكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَوَعَدْنَكُمْ
جَاِبَ الُْورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى
كُلُواْ مِن طَيَِّتِ مَا رَزَقْنَكُمْ وَلَا
نَظْغَوَاْ فِيهِ فَيَحِنَّ عَلَيْكُمْ عَضَبِىٌّ ﴾.
أيقول تعالى ذكرُه : فلما نجا موسى بقومِه مِن البحرِ ، وغشِی فرعونَ وقومه مِن
اليمُ ما غَشِيهم، قلنا لقومٍ موسى: ﴿يَبَنِىّ إِسْرَِّيلَ قَدْ أَنَّنَكُم مِّنْ عَدُوَّكُمْ
فِعونَ(٢)، ﴿ وَ عَذْنَكُمْ جَلِبَ الْقُورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ .
١٩٣/١٦
وقد ذكرنا كيف كانت مواعدةُ اللَّهِ موسى وقومه جانبَ الطورِ الأيمنَ()،
وبيَّنَا المنَّ والسلوى باختلافٍ المختلفين فيهما، وذكّرْنا الشَّواهدَ على الصوابِ مِن
القول فى ذلك فيما مضى قبلُ، بما أَغْنى عن إعادتِه فى هذا الموضعِ .
واختَلَفت القرأةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿قَدْ أَنْجَنَكُ﴾؛ فكانت عامةُ قرأةِ المدينةِ
والبصرةٍ يَقْرَءونه: ﴿قَدْ أَفَتَكُمْ﴾ بالنونِ والألفِ، وسائرُ الحروفِ الأُخَرِ معه
(٤)
كذلك (".
وقرَأَ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفةِ: (قد أَنْجَشْكم) بالتاءِ (٥)، وكذلك سائرُ الحروفِ
(١) فى م : (( رسله)» :
(٢) فقط من : ٣ ٠٢
(٣) ينظر ما تقدم فى ٦٦٣/١ وما بعدها.
(٤) هى قراءة ابن كثير ونافع وأبى عمرو وابن عامر وعاصم، السبعة لابن مجاهد ص ٤٢٢.
(٥) فى ص، ت ١، ت ٣، ف: ((بالياء)).

١٢٥
سورة طه : الآيتان ٨٠، ٨١
الأُخَرِ، إلا قولَه: ﴿ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى ﴾ فإنهم وإِفَةِا الآخرين فى ذلك.
فقرّءوه بالنونِ والألفٍ(١).
والقولُ فى ذلك عندنا أنهما قراءتان معروفتان باتفاقٍ المعنى، فبأيتهما قرأ
القارئُ ذلك فمصيبٌ .
وقولُه: ﴿كُواْ مِن طَيَِّتِ مَا رَزَقْنَكُمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لهم: ◌ُلُوا يا بنى
إسرائيلَ مِن شَهِيَّاتِ رزقِنا الذى رزَقْناكم ، وحلالِه الذى طيّثناه لكم، ﴿ وَلَا تَْغَوَأْ
فِيهِ﴾. يقولُ: ولا تَعْتَدوا فيه، ولا يَظْلِمْ فيه بعضُكم بعضًا .
كما حدَّثنى علىّ، قال: ثنا " عبدُ اللَّه٢ِ) ، قال: ثنى معاويةُ، عن علىّ ، عن
ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ وَلَا تَطْغَوْاْ فِيهِ﴾. يقولُ: ولا تَظْلِموا(٣).
وقولُه: ﴿فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِىٌّ ﴾ . يقولُ : فتْزِلَ عليكم عقوبتى .
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَيَجِلَ
عَلَيْكُمْ غَضَبِىٌ﴾. يقولُ: فَيَنْزِلَ عليكم غضبى(٤).
واختَلَفت القرَأَةُ فى قراءةِ ذلك ؛ فقرأته عامةُ قرأةِ الحجازِ والمدينةِ والبصرةِ
والكوفةِ: ﴿فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ ﴾ بكسرِ الحاءِ، ﴿وَمَن يَحْلِلْ﴾ بكسرِ اللامُ(). ووجَّهوا
معناه إلى : فيَجِبَ عليكم غضبى .
(١) هى قراءة حمزة والكسائى. السبعة لابن مجاهد ص ٤٢٢.
(٢ - ٢) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ف: ((أبو صالح)).
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٠٤/٤، إلى ابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٤) أخرجه عبد الرزاق ١٨/٢ عن معمر ، عن قتادة .
(٥) هى قراءة ابن كثير وأبى عمرو وابن عامر ونافع وعاصم وحمزة. ينظر السبعة لابن مجاهد ص ٤٢٢.

١٢٦
سورة طه: الآيتان ٨١، ٨٢
وقرَأ ذلك جماعةٌ مِن أهلِ الكوفةِ: (فيَخُلِّ عليكم) بضمّ الحاءِ ). ووجهوا
تأويلَه إلى ما ذكَّرْنا عن قتادةَ مِن أنه : فيَقَعَ ويَنْزِلَ عليكم غضبى .
والصوابُ مِن القولِ فى ذلك أنهما قراءتان مشهورتان قد قرَأ بكلٍ واحدةٍ
منهما [٦٦/٣٥و] علماءُ مِن القرأةِ، وقد حذَّر اللَّهُ الذين قيل لهم هذا القولُ مِن
بنى إسرائيلَ وقوعَ بأسِه بهم ونزولَه بمعصيتهم إياه إن هم عصَوْه، وخوَّفهم
وجوبَه لهم، فسواءٌ قُرِئ ذلك بالوقوع أو بالوجوبٍ؛ لأنهم كانوا قد خُوِّفوا
المعنيين كليهما .
١٩٤/١٦
/القولُ فى تأويل قوله جلّ ثناؤُه: ﴿ وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِى فَقَدْ هَوَى
وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَءَامَنَ وَمِلَ صَِحًا ثُمَّ أُهْتَدَى
٨٢
٨١
يقولُ تعالى ذكرُه: ومَن يَجِبْ عليه غضَبى فينزِلْ به، ﴿ فَقَدْ هَوَى﴾ .
يقولُ : فقد تردَّى فشَقِى .
کما حدّثنی علىّ، قال : ثنا عبدُ اللهِ ، قال : ثنی معاویةُ، عن علىٍّ ، عن ابنِ
عباسٍ قولَه: ﴿فَقَدْ هَوَى﴾. يقولُ: فقد شَقِى(٣).
وقولُه: ﴿ وَإِ لَغَفَّارٌ لِّمَنْ تَابَ﴾. يقولُ: وإنى لذو عفو(١) لمن تاب من شِرْكِه
فرجَعَ منه إلى الإيمانِ بى(٢)، ﴿ وَءَامَنَ﴾. يقولُ: وأُخْلَصَ لى الألوهةَ ولم يشرِكْ
فى عبادتِهِ إِيَّىَ غَيْرِى، ﴿ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾. يقولُ: وأدَّى فَرائضِى التى اقْتَرضتُها
(١) هى قراءة الكسائى. السبعة لابن مجاهد ص ٤٢٢ .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم - كــ ـى تغليق التعليق ٢٥٦/٤ - من طريق عبد الله. وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٣٠٤/٤ إلى ابن المنذر.
(٣) فى م، ت ١، ف: ((غفر)).
(٤) سقط من : الأصل .

١٢٧
سورة طه : الآية ٨٢
عليه ، واجْتَنَب معاصِيٍّ، ﴿ ثُمَّ أَهْتَدَى﴾. يقولُ: ثم لَزِمَ ذلك فاسْتقامَ ولم يُضَيِّعْ
شيئًا مِنه .
وبنحوِ الذى قُلنا فى قوله: ﴿وَإِ لَغَفَّارٌ لِّمَنْ تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ
أُهْتَدَى﴾. قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنی علىّ ، قال : ثنا أبو صالح، قال : ثنا معاویةُ ، عن علىٍّ ، عن ابنِ عباسٍ
قولَه: ﴿وَإِنِّى لَغَفَّارٌ لِّمَنْ تَابَ﴾: مِنَ الشِّركِ، ﴿ وَءَامَنَ﴾. يقولُ: وَحَّدَ اللَّهَ،
﴿ وَعَمِلَ صَلِحًا﴾. يقولُ: وأدَّى فرائضِى(١).
وحدَّثنا بشرّ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثناسعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ وَإِّ لَغَفَّارٌ لِّمَنْ
ثَابَ﴾: مِن "ذَنبِه، ﴿ وَءَامَنَ﴾ بربِّه، ﴿وَعَمِلَ صَلِحًا﴾ فيما بينَه وبينَ اللَّهِ.
وحدَّثنا القاسمُ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن أبى جعفرِ الرازىِّ،
عن الربيعِ: ﴿وَإِ لَغَفَّارُ لِمَنْ تَابَ﴾: من الشّرك١ِ)، ﴿ وَءَامَنَ﴾. يقولُ: وأُخْلَصَ
للَّهِ وعمِل فى إِخْلاصِه .
واختلفوا فى معنى قوله: ﴿ ثُمَّ أَهْتَدَى﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: لم يَشْكُكْ
فى إيمانِه .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى علىّ ، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ ، قال: ثنی معاویةُ ، عن على ، عن ابنِ عباسٍ
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٠٤/٤ إلى ابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٢ - ٢) سقط من: ت ٢.

١٢٨
سورة طه : الآية ٨٢
قوله: ﴿ ثُمَّ أَهْتَدَى﴾. يقولُ: لم يَشْكُكْ(١).
وقال آخرون : معنى ذلك : ثم لَزِمِ الإيمانَ والعمل الصالحَ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حذَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةً: ﴿ثُمَّ أُهْتَدَى﴾.
يقولُ: ثم لَزِمِ الإِسلامَ حتى يموتَ علَيْه(٢) ..
وقال آخرون : بل معنَى ذلك : ثم اسْتَقام .
/ذكرُ مَن قال ذلك
١٩٥/١٦
حدِّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن أبى جعفرِ الرازىِّ،
عن الربيعِ بنِ أُنسِ: ﴿ثُمَّ أَهْتَدَى﴾. قال: أَخَذ بسُنَّةٍ نبيّه عليه السلامُ(١).
وقال آخرون : بل معناه : أصاب العملَ .
(٤ ذكرُ مَن قال ذلك
حذَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال [٦٦/٣٥ظ]: قال ابنُ زيدٍ فى
قوله: ﴿وَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ أَهْتَدَى﴾. قال: أصاب العملَ).
وقال آخرون: بل معنى ذلك : عرَّف أمرَ مُثيبِه .
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٠٤/٤ إلى ابن المنذر وابن أبى حاتم.
(٢) ذكره البغوى فى تفسيره ٢٨٨/٥، وأبن كثير في تفسيره ٣٠٢/٥ عن قتادة.
(٣) ذكره القرطبى فى تفسيره ٢٣١/١١ عن الربيع.
(٤ - ٤) سقط من: ت ٢.
والأثر ذكره القرطبى فى تفسيره ٢٣١/١١ عن ابن زيد.

١٢٩
سورة طه : الآيات ٨٢ - ٨٤
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حكّام، عن عنبسةَ، عن الكلبىّ: ﴿ وَإِنّى لَغَفَّارٌ لِّمَنْ
تَابَ﴾: من الذَّنبِ، ﴿وَءَامَنَ﴾ من الشِّركِ، ﴿ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ أدَّى ما افتَرَضتُ
عليه، ﴿ثُمَّ أَهْتَدَى﴾ عرَف مُثيبَه إن خيرًا فخيرًا وإن شرًّا فشًا (١).
وقال آخرون بما حدَّثنا إسماعيلُ بنُ موسى الفَزارِىُّ، قال: ثنا عمرُ بنُ شاكرٍ ،
قال: سمِعتُ ثابتًا البُنانيَّ يقولُ فى قوله: ﴿وَإِنِى لَغَفَّارُ لِّمَنْ تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَدِحًا
ثُمَّ أَهْتَدَى﴾. قال: إلى ولايةِ أهلِ بيتِ النبىِّ عليه السلامُ (١).
قال الطبرىُّ: وإنما اخْتَرْنا القولَ الذى اخْتَرنا فى ذلك من أجل أن الاهتداءَ هو
الاستقامةُ على هُدًى، ولا معنى للاستقامةِ عليه إلا وقد جمَعه الإِيمانُ والعملُ
الصالحُ والتوبةٌ(٢)، فمَن فَعَل ذلك وثبَت عليه فلا شَكَّ فى اهْتِدَائِه.
قَالَ
القولُ فى تأويل قوله جل ثناؤُه: ﴿ وَمَآ أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَمُوسَى
هُمْ أُوْلَاءٍ عَلَى أَثَرِى وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبٍ لِتَّضَى
٨٤
يقولُ تعالى ذكره: ﴿ وَمَا أَعْجَلَكَ﴾: وأىُّ شىءٍ أَعْجَلك ﴿عَنْ قَوْمِكَ
يَمُوسَى﴾ فَتَقَدَّمتهم وخَلَّفْتَهم وراءَكَ ولم تكنْ معهم؟ ﴿ قَالَ هُمْ أُوْلَاَءٍ عَلَىّ
أَثَرِى﴾. يقولُ: قومى على أَثَّرِى يَلْحَقون بى، ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبٍ لِتَّضَى﴾.
يقولُ : وعَجِلتُ أنا فسَبَقتُهم ربِّ كَيما ترِضَى عَنِّى .
وإََّا قال اللَّهُ جلَّ وعزَّ لموسى: ﴿ وَمَآ أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ﴾؛ لأنه جلَّ
ثناؤه، فيما بلَغَنا، حينَ نَجَّه وبنى إسرائيلَ مِن فِرِعونَ وقومِه وقَطَع بهم البحرَ،
(١) ذكره البغوى فى تفسيره ٢٨٨/٥، والقرطبى ٢٣١/١١ عن الكلبى.
(٢) ذكره القرطبى فى تفسيره ٢٣١/١١ عن ثابت.
(٣) فى الأصل: ((التقوى)).
( تفسير الطبرى ٩/١٦ )

١٣٠
سورة طه : الآيات ٨٣ - ٨٦
وعَدَهم جانبَ الطورِ الأيمنَ ، فتَعَجَّلَ موسى إلى ربِّه، وأقام هارونُ فى بنى إسرائيلَ
یسیژُ بهم على أَثُرٍ موسى .
(١ كما حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: وعَد اللَّهُ
١٩٦/١٦٠ موسى حينَ أَهْلَك فرعونَ / وقومَه، ونجَّه وقومَه، ثلاثينَ ليلةً، ثم أتّها بعَشْرٍ، فَتَمَّ
ميقاتُ ربِّه أربعينَ ليلةً، تَلَقَّه فيها بما شاء، فاسْتَخْلَفَ موسى هارونَ فى بنى
إسرائيلَ، ومعه الشَّامِرِىُّ، يسيرُ بهم على أَثَرِ موسى ليُلْحِقَهم بهِ، فلمَّا كلَّم اللَّهُ
موسى، قال له : ﴿وَمَآ أَعْجَلَكَ عَن قَوْمِكَ يَمُوسَى﴾؟ قال: ﴿هُمْ أُوْلَآءٍ عَلَى أَثَرِى
وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبٍ لِتَرْضَى﴾ .
وحدَّثنى يونُس، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه :
﴿ وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبٍ لِتَضَى﴾. قال: لأَرضِيَك .
القولُ فى تأويل قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿ قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُ
فَرَجَعَ مُوسَىَ إِلَى قَوْمِهِ، غَضْبَنَ أَسِفَأْ قَالَ يَقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ
السَّامِرِىُّ بِّه
وَهْدًا حَسَنَّا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدَّتُمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ
٨٦
فَأَخْلَفْتُ مَّوْعِدِى
يقولُ تعالى ذِكرُه: قال اللَّهُ لموسى: فإِنَّا يا موسى قد ابتَلَينا قومَك من بعدِك
بعبادة العجل . وذلك كان فتنتهم مِن بعدِ موسى .
ويعنى بقوله: ﴿مِنْ بَعْدِكَ﴾: مِن بعدِ فِراقِك إيَّهم. يقولُ اللَّهُ عزَّ وجلَّ:
وَأَضَلَّهُ السَّامِىُّ﴾. وكان إضلالُ السامرىِّ إياهم دعاءَه إِيَّهم إلى عبادةٍ
العجلِ .
(١ - ١) سقط من: ت ٢.

١٣١
سورة طه : الآية ٨٦
وقولُه: ﴿ فَرَجَعَ مُوسَىَ إِلَى قَوْمِهِ، ﴾. يقول: [٦٧/٣٥و] فانصرف موسی إلى
قومِه من بنى إسرائيلَ بعدَ انقضاءِ الأربعين الليلةَ(١)، ﴿غَضْبَنَ أَسِفَأَ﴾. ( يعنى
بقوله: ﴿أَسِفًا﴾٢: مُتَغَيِّظًا على قومِه، حزينًا لما أَحْدَثُوا بعدَه من الكفرِ باللَّهِ .
كما حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى ، قال: ثنى
أبى، عن أبيه ، عن ابنِ عباس قولَه: ﴿غَضْبَنَ أَسِفَأَ﴾ . يقولُ: حزينًا . وقال فى
((الزُّخرفِ)): ﴿فَلَمَّآ ءَاسَفُونَا﴾ [الزخرف: ٥٥]. يقولُ: أَغْضَبونا. والأسفُ
على وجهين : الغضبُ، والحُزْنُ(٣).
حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿غَضْبَنَ
أَسِفَأَ﴾ . يقولُ : حزينًا(٣) .
وحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَّ
إِلَى قَوْمِهِ، غَضَْنَ أَسِفًا﴾ [الأعراف: ١٥٠] أى: حزينًا على ما صَنَع قومُه مِن بعدِه (٤).
وحدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ
قولَه: ﴿أَسِفًا﴾. قال: جزِعًا(٥).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريجٍ، عن
مجاهدٍ مثلُه .
(١) فى ص، م، ت١، ت٣، ف: ((ليلة))، وفى ت٢: ((يوما)).
(٢ - ٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت٣، ف.
(٣) تقدم تخريجه فى ١٠/ ٤٥٠.
(٤) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٣٠٢/٥ عن قتادة .
(٥) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت٣، ف: ((حزينًا)).
والأثر فى تفسير مجاهد ص ٤٦٤.

١٣٢
سورة طه : الآيات ٨٦ - ٨٨
وقولُه: ﴿قَالَ يَقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنَا﴾. يقولُ: ألم يَعِدْكم
ربكم أنَّه غفَّارٌ لمن تاب وآمَن وعمِل صالحاً ثم اهْتَدى؟ ويَعِدْكم جانبَ الطورِ
الأيمنَ ، ويُنَزِّلْ عَلَيكم المنَّ والسَّلوى؟ فكان ذلك وعدَ اللَّهِ الحسنَ بنى إسرائيلَ الذى
قال لهم موسى عليه السلامُ: ألم يَعِدْ كُموه ربّكم ؟
١٩٧/١٦
وقولُه: ﴿أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدِّتُمْ / أَن يَحِلَ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن
رَّبِّكُمْ﴾. يقولُ: أَفطال عليكم العهدُ بى، وبجميلٍ نعم اللَّهِ عندَكم، وأيادِيهِ
لِدَيْكُم؟ ﴿ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ﴾. يقولُ: أم أردتم أن يجِبَ
عَلَيْكُم غضبٌ من ربّكم فتَشْتَحِقُّوه بعبادتِكم العجلَ وكفرٍكم باللّهِ؟ ﴿ فَأَخْلَفْتُمُ
مَّوْعِدِى﴾. وكان إخلافُهم موعدَه، حُكوفَهم على العجلِ، وتَرْكَهم السيرَ على أَثَرِ
موسى للمَوعِدِ الذى كان اللَّهُ عزَّ وجلَّ وعدَهم ، وقولَهم لهارونَ إذنَهاهم عن عبادةِ
العجلِ، ودعاهم إلى السيرِ معه على أثَرِ موسى: ﴿لَن تَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ
إِلَيْنَا مُوسَى﴾ [طه: ٩١].
القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿قَالُواْمَآ أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا ◌ُلْنَآ
فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا
أَوْزَارًا مِّنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْتَهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّارِيُّ
٨٨
لَّهُر خُوَارٌ فَقَالُواْ هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِىَ
يقولُ تعالى ذِكرُه: قال قوم موسى لموسى: ﴿مَآ أَخْلَفْنَا مَوْعِدََكَ﴾. يعنون
بموعِدِهِ عهدَه الذى كان عَهِدَه إِلَيْهم .
کما حدّثنی محمدُ بنُ عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم، قال : ثناعيسى ، وحدَّثنی
الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا [٦٧/٣٤ظ] عن ابنٍ أبى نجيحٍ،
عن مجاهدٍ قولَه: ﴿قَوْعِدِى﴾. قال: عَهْدِى(١) .
(١) تفسير مجاهد ص ٤٦٤، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٠٦/٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم .

١٣٣
سورة طه : الآية ٨٧
وذلك العهدُ والموعدُ هو ما يَناه قبلُ(١).
وقولُه: ﴿ بِمَلْكِنَا﴾. يخبِرُ جلَّ ثناؤُه عنهم أنَّهم أقَرُوا على أنفسِهم بالخطأً ،
وقالوا: إِنَّا لم نُطِقْ حَمْلَ أَنفُسِنا على الصوابِ ، ولم تَمَلِكْ أمرَنا حتى وَقَّعْنا فى الذى
وقَعْنا فيه من الفِتْنةِ .
وقد اخْتَلَفت القرأةُ فى قراءةِ ذلك ؛ فقَرَأَته عامَّةُ قرأةِ المدينةِ: ﴿بِمَلْكِنَا﴾ .
(٢)
بفتحِ الميمِ().
وقرَأَته عامَّةُ قرأةِ الكوفةِ: (بِمُلْكِنا) بضمِ الميم (١).
وقرأه بعضُ أهلِ البصرةِ : (بمِلْكِنا) بالكسرِ(4).
فأما الفتحُ والضمُّ فهما بمعنَى واحدٍ ، وهو قُدْرَتُنا وطاقَتُنا، غيرَ أن أحدَهما
مصدرٌ، والآخرَ اسمٌ، وأمَّا الكسرُ فهو بمعنَى مِلكِ الشَّيِ وكَوْنِه للمالِكِ.
واختلف أهلُ التأويلِ أيضًا فى تأويله؛ فقال بعضُهم: معناه: ما أَخْلَفْنا
موعِدَك بأمْرِنا .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى علىّ، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ ، قال: ثنى معاويةُ ، عن علىِّ، عن ابنِ عباسٍ
قولَه: ﴿مَآ أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا﴾. يقولُ: بأمرِنا(٥).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنا
(١) ينظر ما تقدم فى ٦٦٣/١ - ٦٦٥.
(٢) وهى قراءة نافع وعاصم. السبعة لابن مجاهد ص ٤٢٢.
(٣) وهى قراءة حمزة والكسائى. السبعة لابن مجاهد ٤٢٣.
(٤) وهى قراءة ابن كثير وأبى عمرو وابن عامر. السبعة لابن مجاهد ٤٢٢.
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم - كما فى تغليق التعليق ٢٥٦/٤ - من طريق عبد الله بن صالح به .

١٣٤
سورة طه : الآية ٨٧
الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقَاءُ، جميعًا عن ابن أبى نجيح، عن مجاهدٍ
قولَه: ﴿ يِمَلَكِنَا﴾. قال: (بأمرٍ مِلْكِنا((٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنی حجاج، عن ابنٍ جریچٍ، عن
مجاهدٍ مثله .
/وقال آخرون: معناه : بطَاقَتِنا .
١٩٨/١٦
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ قَالُواْ مَآ أَخْلَفْنَا
مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا﴾ أى: بطاقَتِنا(٢).
حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿ قَالُواْ مَآ
أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا﴾. يقولُ: بطاقَتِنا(٤) .
وقال آخرون: معناه: ما أَخْلَفْنا موعدَك بهَوَانَا ، ولكِنَّا لم نملِكْ أَنفُسَنا .
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا يونسُ، قال: حدَّثنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ مَآ أَخْلَفْنَا
مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا﴾. قال: يقولُ: بِهَوَانًا. قال(٥): ولكِنَّه جاءت ثلاثةٌ . قال: ومعهم
(١ - ١) فى م، ت ١، ف: ((بأمرنا))، وفى تفسير مجاهد: ((بأمر نملكه)). والمثبت موافق لما فى الدر المنثور.
(٢) تفسير مجاهد ص ٤٦٤، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٠٦/٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم.
(٣) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١٨/٢ عن معمر، عن قتادة ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٠٦/٤ إلى
عبد بن حميد وابن المنذر .
(٤) أخرجه المصنف فى تاريخه ٤٢٣/١ عن موسى به ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٣٠٦/٤ إلى ابن أبى حاتم من قول السدى.
(٥) سقط من: الأصل .

١٣٥
سورة طه : الآية ٨٧
حُلٌّ اسْتَعاروه من آلٍ فرعونَ وثيابٌ(١) .
وكلُّ هذه الأقوالِ الثلاثةِ فى ذلك مُتقارِباتُ المعنى؛ لأن من لم يملِكْ نَفْسَه
لِغَلَبةِ(٢) هواه على(٣) أمرٍ، فإِنَّه لا تمتنعُ اللغةُ أن تقولَ: فَعَل فلانٌ هذا الأمرَ وهو لا
يمِلِكُ نفسَه، وفعَلَه وهو لا يَضْبِطُها، وفعَلَه وهو لا يُطِيقُ تَرْكَه . فإذا كان ذلك
كذلك، فسواءٌ بأىِّ القراءاتِ الثلاثِ قرَأ ذلك القارئُّ، وذلك أن من كسَر الميمَ مِنَ
((المِلْكِ))، فإنما يوجّهُ معنى الكلام إلى: ما أخْلَفْنا موعدَك ونحنُ نملِكُ الوفاءَ بهِ
الغَلَبةِ أنفسِنا إيانا على خِلافِهِ . وجعَله من قولِ القائلِ : هذا مِلكُ فلانٍ . لما يَملِكُهُ مِنَ
المملُوكَاتِ، وأنَّ مَن فَتَحها، فأَما يوجّهُ معنى الكلام إلى نحوِ ذلك، غيرَ أنه يجعَلُه
مصدرًا من قولِ القائل: مَلكتُ الشىءَ أَمْلِكُه مَلْكًا ومَلَكةً، كما يُقالُ: غلبتُ فلانًا
أَعْلِبُهُ غَلْبًا وغَلَبَةً، وأنَّ مَن ضمَّها فإِنَّه يوجّه معناه إلى: ما أُخْلَفْنا موعدَك بسُلْطَانِنا
وقُدرتِنا . أى ونحنُ نقدرُ أن نمتَنِعَ منه؛ لأن كلَّ مَن قَهَر شيئًا فقد صار له السلطانُ
عليه ، وقد أَنْكَر بعضُ الناسِ قراءةَ مَن قرَأَه بالضمِّ ، فقال : أىُّ مُلكٍ كان يومئذٍ لبنى
إسرائيلَ، وإنما كانوا بمصرَ مُسْتضعَفين؟! فأَغْفَلَ معنَى القوم، وذهَب عن مرادِهم
ذهابًا بعيدًا، وقارِئو ذلك بالضمّ لم يَقْصِدوا المعنَى الذى ظَنَّه هذا المُنْكِرُ عليهم ذلك،
وأَّمَا قَصَدوا إلى أن معناه: ما أَخْلَفنا موعِدَك بسلطانٍ كانت لنا على أَنفْسِنا نَقْدِرُ أن
نردَّها عما أتَت؛ لأنَّ هوانا غلَبنا على إخلافِك الموعدَ .
وقولُه: ﴿ وَلَكِنَّا حُمِلْنَآ أَوْزَارًا مِّنْ زِينَةِ الْقَوْمِ﴾. يقولُ: ولكِنَّا حُمِّلْنا أثقالًا
وأحمالًا من زينةِ القوم(٥) . يعنُون مِن حُلىٍّ آل فرعونَ، وذلك أنَّ بنى إسرائيلَ لَّ أرادَ
(١) ينظر تفسير القرطبى ٢٣٤/١١.
(٢) بعده فى ص، ت ١، ف: (( نفسه)) .
(٣) بعده فى ص، م، ت ١، ت٣، ف: ((ما)).
(٤) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣، ف: ((غير)).
(٥) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت٣، ف.

١٣٦
سورة طه : الآية ٨٧
موسى أن يسيرَ بهم ليلاً من مصرَ بأمرِ اللَّهِ إياه بذلك، أمرّهم أن يَسْتَعيروا من أمتعَةِ آلٍ
فرعونَ ومحُلِّيهم، وقال: إن اللَّهَ مُغْنِمُكم ذلك. ففعلوا، واسْتَعاروا [٦٨/٣٤ و]
منهم(١) من حُلىٍّ نسائِهم وأمتعاتِهم(٢) ، فذلك قولُهم لموسى حينَ قال لهم:
﴿ أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدَتُمْ أَنْ يَحِلَ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمُ
مَّوْعِدِى ﴿٨َ) قَالُواْ مَآ أَخْلَفْنَا مَوْعِدَاءَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِلْنَآ أَوْزَارًا مِّنْ زِينَةِ الْقَوْمِ﴾ .
وبنحوِ الذى قُلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
١٩٩/١٦
/ ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال: ثنى أبى ، قال: ثنى عمى ، قال : ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿ وَلَكِنَّا حُمِّلْنَآ أَوْزَارًا مِّنْ زِينَةِ الْقَوْمِ﴾: فهو ما كان مع
بنى إسرائيلَ من حُلىٍّ آل فرِعونَ، يقولُ: (حَظِينا بها٢)، أصَبْنا مِن حُلىٍّ عدوّنا().
وحدَّثنى محمدُ بنُّ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ
قولَه: ﴿أَوْزَارًا﴾. قال: أثقالًا. قولَه: ﴿مِّنْ زِينَةِ الْقَوْمِ﴾. قال: وهى الحُلُّ
التى اسْتَعارُوا من آلٍ فرعونَ، وهى الأثقالُ(٥) .
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريجٍ، عن
(١) سقط من: م، ت ١، ت٢، ت ٣.
(٢) فى م، ف: ((أمتعتهم؟.
(٣ - ٣) فى م: ((خطئونا بما)).
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٠٥/٤ إلى عبد بن حميد وابن أبى حاتم .
(٥) تفسير مجاهد ص ٤٦٤، ومن طريقه الفريابى كما فى تغليق التعليق ٢٥٣/٤ - وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٣٠٦/٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم.

١٣٧
سورة طه : الآية ٨٧
مجاهدٍ قوله: ﴿ وَلَكِنَّا حُلْنَآ أَوْزَارًا﴾. قال: أثقالًا. ﴿مِّن زِينَةِ الْقَوْمِ﴾
قال(١) : حُليتِهم(٢).
وحدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿ وَلَكِنَّا
◌ُّلْنَا أَوْزَارًا مِّنْ زِينَةِ الْقَوْمِ﴾. يقولُ: مِن حُلىٍّ (٢القِبْطِ(٤).
وحدَّثنا يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهب، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَلَكِنَّا
حُمِلْنَآ أَوْزَارًا مِّنْ زِينَةِ الْقَوْمِ﴾. قال: الحُلُُ " الذى اسْتَعاروه والثيابُ، لَيْسَت من
الذنوبِ فى شىءٍ، لو كانت الذنوبَ كانت: حُمِّلْناها نتحمَّلُها ، فليست من
الذنوبِ فی شیءٍ ) .
واختَلَفتِ القرأةُ فى قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامَّةُ قرأةِ المدينةِ وبعضُ المكَيِّين:
حُمِلْنَا﴾ بضمِّ الحاءِ وتشديدِ الميمِ(٢)، بمعنى أنَّ موسى حمَّلهم ذلك.
وقرَأَته عامَّةُ قرأةِ الكوفة والبصرةِ وبغضُ المكيين: (حَمَلْنا) بتخفيفِ الحاءِ
والميمِ وفَتْحِهما() ، بمعنى أنهم حمَلوا ذلك من غيرٍ أن يكَلِّفَهم حَمْلَه أحدٌ .
والقولُ فى ذلك عندِى أَنَّهما قراءتان مَشْهُورتان متقارِبَتا المعنَى؛ فإن
(١ - ١) سقط من: ت ١.
(٢) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣، ف: ((حليهم)).
(٣ - ٣) سقط من: ت ٢.
(٤) تقدم تخريجه فى ص ١٣٤.
(٥) فى م: ((نحملها))، وفى ت ١، ت ٢، ت٣، ف: ((بتحملها)).
(٦) ينظر التبيان ١٧٥/٧، ١٧٦.
(٧) وهى قراءة نافع وابن كثير وابن عامر وحفص. حجة القراءات ص ٤٦٢ .
(٨) وهى قراءة أبى عمرو وحمزة وأبى بكر والكسائى. المصدر السابق.

١٣٨
سورة طه : الآيتان ٨٧، ٨٨
القومَ حمَلُوا، وأنَّ موسى قد أمرَهم بحَمْلِه، فبأيَّتِهما قرَأ القَارئُ فمصيبٌ
الصوابَ .
وقولُه: ﴿فَقَذَفْتَهَا﴾: يقولُ: فَأَلْقَيْنا تلك الأوزارَ مِن زينةِ القوم فى الحُفْرَةِ،
فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامُِ﴾. يقولُ: فكما قَذَفْنا نحنُ تلك الأثقالَ، فكذلك ألْقَى
السامرىُّ ما كان معه من تُرْبَةِ حافرٍ فرسٍ جبريلَ عليه السلامُ .
وبنحوِ الذى قُلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
[٦٨/٣٥ظ] حدَّثنا محمدُ بنُّ عمرو، قال : ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى ،
وحدَّثنى الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ جميعًا عن ابنٍ أبى نجيحٍ، عن
مجاهدٍ قوله: ﴿فَقَذَفْتَهَا﴾. قال: فَأَلْقَيِناها، ﴿فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّارِيُّ﴾:
فكذلك صنع(١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريجٍ، عن
مجاهدٍ: ﴿ فَقَذَفْتَهَا﴾. قال: فَأَلْقَيناها. ﴿ فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّارِيُّ﴾: فكذلك
صَنَعِ .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَقَذَفْتَهَا﴾ . أى:
فنَذْناها .
٢٠٠/١٦
/وقولُه: ﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَُّ خُوَارٌ﴾. يقولُ: فأخْرَج لهم
السامرىُّ مما قذَفوه ومَمَّا أَلْقَاه ﴿عِجْلًا جَسَدًا لَُّ خُوَارٌ﴾، ويعنى بالخُوارِ الصوتَ،
(١) تقدم تخريجه فى ص ١٣٦.
٠

١٣٩
سورة طه : الآية ٨٨
وهو صوتُ البقَرِ .
ثم اختلف أهلُ العلمِ فى كيفيَّةِ إِخْراجِ السامرىِّ العجلَ ؛ فقال بعضُهم: صاغَه
صِياغَةٌ ، ثم ألْقَى من تُرابٍ حافِ فرسٍ جبريلَ فى فيهِ ، فَخَارَ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بِشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَكَذَلِكَ أَلْقَى
السَّامُِ﴾. قال: كان اللَّهُ وقَّت لموسى عليه السلامُ ثلاثين ليلةً، ثم ◌َّها بعَشْرٍ، فلمّا
مضَت الثلاثون قال عدوُّ اللَّهِ السامرىُّ: إَما أصابَكم ما أصابكم عقوبةً بالحُلىّ الذى
كان معَكم، فهَلُمُّوا. وكانت حُلِيًّا تَعَوَّروها من آلٍ فرعونَ، فساروا وهى معهم،
فَقَذَفوها إليه، فصَوَّرها صورةَ بقَرةٍ ، وكان قد صَرَّفى عِمامَتِه أو فى ثوبِهِ قَبْضَةٌ مِن آثرِ
الفرسِ ، فرسٍ جبريلَ عليه السلامُ، فَقَذَفها مع الحُلىِّ والصُّورةِ، ﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ
عِجْلًا جَسَدًّا لَّهُ خُوَارٌ﴾. فجَعَل يَخُورُ خُوارَ البَّقَرةِ، فقال: ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ
مُوسَى﴾ .
حدَّثنا الحسنُ(١) ، قال: حدثنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ ، قال :
لما اسْتَبْطَأ موسى قومُه قال لهم السامرىُّ: إنما اخْتَبَس عنكم من أجلٍ ما عِندَ كم من
الحُلىِّ. وكانوا اسْتَعارُوا حُليًّا من آلٍ فرعونَ، فجَمَعوه فأعطَوْه السامرىَّ، فصَاغ منه
عِجْلًا، ثم أخَذ القَبْضَةَ التى قَبَض من أثّرِ الفرسِ فرسِ المَلَكِ ، فتبذها فى جوفِه، فإذا هو
عجلٌ جَسَدٌ له خُوارٌ، فقال: هذا إلهُكم وإلهُ موسى، ولكِنَّ موسى نَسِى ربّه
(٢)
عِنْدَ كم(٢).
(١) فى الأصل: ((الحسين)).
(٢) تفسير عبد الرزاق ٢/ ١٨.

١٤٠
سورة طه : الآية ٨٨
وقال آخرون فى ذلك بما حدَّثنا موسى ، قال : ثنا عمرو، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السدىِّ، قال: أخَذ السامرىُّ مِن تُزْبةِ الحافرِ ، حافرٍ فرسٍ جبريلَ، فانطَلَق موسى
واسْتَخْلَفَ هارونَ على بنى إسرائيلَ، وَوَاعَدَهم ثلاثين ليلةٌ، وَأَتَّها اللَّهُ بِعَشْرٍ، فقال
لهم هارونُ: يا بنى إسرائيلَ إِن الغَنيمةَ لا تَحِلُّ لكم ، وإن حُلىَّ القبطِ إِنما هو غَنِيمٌ ،
. فاجْمَعوها جَميعًا، فاحْفِروا لها حُفْرةً فادْفِنوها ، فإن جاء موسى فأحَلَّها أخَذْتُوها ،
وإلّا كان شيئًا لم تَأْكُلوه. فجَمَعوا ذلك الحُلىَّ فى تلك الحُفْرةِ، وجاء السامرىُّ بتلك
القبضةِ فقَذَفها، فأخْرَج اللَّهُ مِن الحُلُىِّ عِجْلًا جَسَدًا له خُوارٌ، وعَدَّت بنو إسرائيلَ
موعِدَ موسى، فعَدُّوا الليلةَ يومًا، واليومَ يومًا، فلمَّا كان لعشرينَ(١) خرَج لهم
العجلُ، فلمَّا رَأَوْه قال لهم السامرىُّ: ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِىَ﴾. فعَكَفوا
عليه يَعْبُدونه ، وكان يخورُ ويَمْشِى. ﴿فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِيُ﴾: ذلك حينَ قال لهم
هارونُ: احْفِروا لهذا الحُلىّ حُفْرةً واطْرَحوه فيها. فطَرَحوه، فَقَذَف السامرىُّ
تُرْبَنَّه(٢) .
وقولُه: ﴿فَقَالُواْ هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى﴾. يقولُ: فقال قومُ موسى
الذين عَبّدوا العجلَ : هذا مَعْبُودُكم ومعبودُ موسى .
وقولُه: ﴿فَنَسِىَ﴾ يقولُ: فَضَلَّ وتَرَك.
ثم اخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى قولِهِ: ﴿فَنَسِىَ﴾. مَن قائلُه، ومَن الذى ◌ُصِف بهِ ،
وما مَعْناه؟ فقال بعضُهم: هذا خبرٌ من اللَّهِ عن السامرىِّ، والسامرىُّ هو الموصوفُ
بهِ . قالوا: ومَعْناه أنَّه ترَك الدِّينَ الذى بعَث اللَّهُ بهِ موسى، وهو الإسلام.
(١) فى الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ف: ((العشرين)). وفى نسخة من تاريخ المصنف: ((العشر)).
(٢) تقدم أوله فى ص ١٩، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٠٦/٤ إلى ابن أبى حاتم.