النص المفهرس

صفحات 101-120

١٠١
سورة طه : الآية ٦٣
الابتداءِ وهى فضلٌ. قال(١):
أُمُ الُلَيْسِ لَعَجُوزٌ شَهْرَيَّةُ(٣)
/قال: وزعَم قوم أنه لا يجوزُ؛ لأنه إذا خفَّف نونَ ((إن)) فلا بدَّ له من أن يُدخِلَ ١٨٢/١٦
((إلا)) فيقولَ : إِنْ هذان إلا ساحران .
قال أبو جعفرٍ : والصوابُ من القراءةِ فى ذلك عندَنا : (إنَّ) بتشديدِ نونِها ،
(هذان) بالألفِ؛ لإجماع الحجة من القرأةِ عليه، وأنه كذلك هو فى خطّ
المصحفِ. ووجهُه إذا قُرِئ كذلك مشابهتُه ((الذين))، إذ زادوا على ((الذى))
النونَ، وأُقِرّ(٣) فى جميعِ أحوالٍ (٤) الإعرابِ على حالةٍ واحدةٍ، فكذلك (إِنَّ
هَذَانٍ ). زِيدَت على ((هذا)) نونٌ وأَقِرَّ فى جميع أحوالِ الإعرابِ على حالةٍ واحدةٍ ،
وهى لغةُ بَلحرثِ بنِ كعبٍ، وخثعمَ ، وزُبِيدٍ ، ومَن وَلِيَهم من قبائلِ اليمنِ.
وقولُه: ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِفَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾. يقولُ: ويغلبا على ساداتِكم وأشرافِكم .
يقالُ: هو طريقةُ قومِه ، ونَظُورَةُ قومِه ، ونَظيرتُهم . إذا كان سيدَهم وشريفَهم
والمنظورَ إليه، يقالُ ذلك للواحدِ والجميع ، وربما جمَعوا، فقالوا: هؤلاء طرائقُ
قومِهم. ومنه قولُ اللَّهِ تبارك وتعالى: ﴿كُنَّا طَرَبِقَ قِدَدًا﴾ [الجن: ١١]. وهؤلاء
نظائر قومهم .
(١). زيادات ديوان رؤية ص ١٧٠، ونسبه الصاغانى فى العباب - كما فى خزانة الأدب ٣٢٦/١٠ -
(شهرب) إلى عنترة بن عَزوش . قال العينى: وهو الصحيح .
(٢) فى ص: ((شهيبره))، وفى ت١، ف: ((سهيره)). والشهربة والشهيرة: العجوز الكبيرة. اللسان (شهبر) .
(٣) سقط من: ص، ت١، ف ..
(٤) فى م، ت٢: ((الأحوال)).
(٥) فى ص، م، ت١، ف: ((الجمع)).

١٠٢
سورة طه : الآية ٦٣
وأما قولُه: ﴿الْمُثْلَى﴾. فإنها تأنيثُ ((الأمثل))، يقالُ للمؤنثِ: خذِ المُلَى
منهما. ( وفى المذكرِ: خذِ الأمثلَ منهما) . وؤُحِّدَت ﴿اَلْمُثْلَ﴾ وهى صفةٌ ونعتٌ
للجماعةِ، كما قِيل: ﴿لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَ﴾. وقد يَحتمِلُ أن يكونَ ((المُثَلَى))
أُنْنت(٢) لتأنيثِ الطريقةِ .
وبنحوِ ما قلنا فى معنى قوله: ﴿بِطَرِقَتِكُمُ الْمُثَلَى﴾ قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنی علىّ ، قال : ثنا أبو صالح، قال : ثنی معاویةُ ، عن علىٍّ ، عن ابنِ عباسٍ
قولَه: ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾. يقولُ: أمثلُكم، وهم بنو إسرائيلَ (١).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ
قولَه: ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُقْلَ﴾. قال: أُولى العقلِ والشرفِ والأسنانِ(٤).
* حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريجٍ، عن
مجاهدٍ فى قوله: ﴿ وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾. قال: أولى العقول والأشراف
(٤)٥)
والأسنانِ(٤)٥).
(١ - ١) سقط من: ت١، ف.
(٢) فى ت٢: ((أثبت )).
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور كما فى المخطوطة المحمودية ق ٢٨٩ إلى ابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٤) فى م: (( الأنساب)).
والأثر فى تفسیر مجاهد ص ٤٦٣ ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور - مخطوط - إلى عبد بن حميد، وفى
٣٠٣/٤ إلى ابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٥ - ٥) سقط من: ص، ت١ ، ف .

١٠٣
سورة طه : الآية ٦٣
حدَّثنا أبو كريبٍ وأبو السائبِ، قالا: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: سمِعت إسماعيلَ
ابنَ أبى خالدٍ، عن أبى صالحٍ فى: ﴿ وَبَذْهَبَا بِطَرِقَتِكُمُ الْمُخْلَ﴾. قال: بسَراةٍ
(٢)
الناسِ(١).
حدَّثنى موسى بنُ عبدِ الرحمنِ ، قال : نا محمدُ بنُ بشرٍ ، قال : ثنا إسماعيلُ بنُ
أبى خالدٍ ، عن أبى صالح مثلَه .
حدَّثنا بشرّ، قال: نا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿وَيَذْهَبَا
بِطَرِقَتِكُمُ الُْثْلَى﴾: "وطريقتُهم المُلَى) يومَئذٍ كانت بنى إسرائيلَ، وكانوا أكثرَ
القومِ عددًا وأموالًا وأولادًا. قال عدوُ اللَّهِ: إنما يريدان(٤) أن يذهبا بهم
لأنفسِهما .
حدّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن
قتادةً فى قوله: ﴿بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾. قال: ببنى إسرائيلَ(٥).
/حدَّثنی موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿وَيَذْهَبَا ١٨٣/١٦
بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾. يقولُ: يذهَبا بأشرافٍ قومِكم (١) ..
وقال آخرون : معنى ذلك : ويغيّرا سنتَكم ودينكم الذى أنتم عليه . من قولهم:
فلانٌ حسنُ الطريقةِ .
(١ - ١) سقط من: ص، م، ت١، ت٣، ف .
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٠٣/٤ إلى ابن المنذر وابن أبى حاتم ووكيع فى الغرور، وفى الدر:
((بأشرافكم)).
(٣ - ٣) سقط من: ت١، ت٢ .
(٤) فى ص، ت١، ت٢: ((يريد).
(٥) تفسير عبد الرزاق ١٨/٢ .
(٦) تقدم أوله فى ص ١٩ .

١٠٤
سورة طه : الآيتان ٦٣ ، ٦٤
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَيَذْهَبَا
بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾. قال: يذهبا بالذى أنتم عليه بغيرٍ(١) ما أنتم عليه. وقرّأ:
﴿ ذَرُوِيِّ أَقْتُلُ مُوسَى﴾ [غافر: ٢٦]. [٣٥٤/٢ظ] قال: هذا قولُه: ﴿وَيَذْهَبَا
بِطَرِقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾. وقال: يقولُ: طريقتُكم اليومَ طريقةٌ حسنةٌ، فإذا غيَّرَ ذهَبت
و(٣)
هذه الطريقةُ(٣) .
ورُوِى عن علىَّ فى معنى قوله: ﴿ وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾. ما حدَّثْنا به
القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا عبدُ الرحمنِ بنُّ إسحاقَ ،
عن القاسم، عن علىّ بن أبى طالبٍ، قال: يصرِفان وجوه الناسٍ إليهما(*).
قال أبو جعفرٍ: وهذا القولُ الذى قاله ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَيَذْهَبَا بِطَرِقَتِكُمُ
اَلْمُتْلَى﴾. وإن كان قولًا له وجه يَحتَمِلُه الكلامُ ، فإن تأويلَ أهلِ التأويلِ بخلافِه، فلا
أستجيزُ لذلك القول به .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَأَحِعُوْ كَيْدَكُمْ ثُمَّ أَثْتُواْ صَفَّاً وَقَدْ أَفْلَحَ آلْيَوْمَ
﴾
٦٤
مَنِ اُسْتَعْلَى
اخْتَلَفَت القرأةُ فى قراءةٍ قولِه: ﴿فَأَجِعُواْ كَيْدَكُمْ﴾؛ فقرأته عامةُ قرأةِ المدينةِ
والكوفةِ: ﴿فَأَجِعُواْ كَيْدَكُمْ﴾ بهمزِ الألفِ مِن: ﴿فَأَحِعُواْ﴾(١). ووجهوا معنى
(١) فى م: ((يغير)).
(٢) فى م: (( غيرت)).
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٠٣/٤ إلى ابن أبى حاتم مختصرا.
(٤) تفسير مجاهد ص ٤٦٣ ، وأخرجه ابن أبى حاتم - كما فى تفسير ابن كثير ٢٩٥/٥ - من طريق هشيم
به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور كما فى المخطوطة المحمودية ق ٢٨٩ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٥) وهى قراءة نافع وابن كثير وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائى. ينظر حجة القراءات ص ٤٥٦.
٠

١٠٥
سورة طه : الآية ٦٤
ذلك إلى: فأَحْكِموا كيدَكم واْزِموا عليه. مِن قولهم: أجْمَع فلانٌ الخروجَ،
وأجْمَع على الخروجِ. كما يقالُ: أَزْمَع عليه. ومنه قولُ الشاعرِ(١):
يا ليت شِعْرِى والمتّى لا تَنْفَعُ هلِ أَعْدُوَنْ يومًا وأَمْرِى مُجْمَعُ
يعنى بقولِه: مُجْمَعُ: قد أُخْكِم وُزِم عليه. ومنه قولُ النبيِّ ◌َِّ: ((مَن لم
يُجمِغ على الصومٍ مِن الليلِ فلا صومَ له))(١) .
/ وقرَأْ ذلك بعضُ قرَأَةِ أهلِ البصرةِ: (فاجْمَعوا كَيْدَكم). بوصلِ الألفِ وتركٍ ١٨٤/١٦
همزِها(١) ، مِن: جمَعْتُ الشىءَ. كأنه وجَّهه إلى معنى: فلا تَدَعوا مِن كيدِ كم شيئًا
إلا جثتُم به .
وكان بعضُ قارئى هذه القراءةِ يَعْتَلُّ فيما ذُكِر لى لقراءتِه ذلك كذلك بقولِه :
فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾ .
والصوابُ فى قراءةِ ذلك عندَنا همزُ الألفِ مِن ((أجْمَع))؛ لإجماع الحَُّةِ مِن
القرأة عليه ، وأن السّحَرةَ هم الذين قيل لهم ذلك، ولم يحضُّروا ذلك المشهد إلا لما
كان عندَهم من السحرِ الذى " كانوا به معروفين، فلا وجه لأن يُقالَ لهم: اجمعُوا
ما دُعِيتُم له مما أنتم به عالمون(٤)؛ لأن المرءَإنما يَجْمَعُ ما لم يَكُنْ عندَه إلى ما عنده ، ولم
يَكُنْ ذلك يومَ تَزِيدُ فى علمِهم بما كانوا يَعْلمونهُ مِن السحرِ، بل كان يومَ
(١) تقدم تخريجه فى ١٢/ ٢٣١.
(٢) هى قراءة أبى عمرو. حجة القراءات ص ٤٥٦.
(٣ - ٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٣، ف.
(٤) فى ت ٢: ((عاملون)).
(٥) فى ت ٢: ((يوما)).
(٦) فى م، ت ٢: ((يعملونه)).

١٠٦
سورة طه : الآية ٦٤
إظهاره، أو ما(١) كان متفرّقًا مما هو عندَه، بعضه إلى بعضٍ، ولم يكن السحرُ(١)
متفرّقًا عندَهم فجَمَعوه (٣) .
وأما قولُه: ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾. فغيرُ شبيهِ المعنى بقولِه: ﴿فَأَحِعُواْ
ڪَنْدَكُمْ﴾ . وذلك أن فرعون كان هو الذى يَجْمَئُ ويَحْتَفِلُ بما ® يَغْلِبُ به موسی
مما لم يَكُنْ عندَه مُجْتَمِعًا حاضرًا، فقيل: ﴿فَتَوَ فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾ .
وقولُه: ﴿ثُمَّ أَثْتُواْ صَفًّا﴾. يقولُ: ثم اخضُروا وجِيئوا صفًّا. والصفُّ هلهنا
مصدرٌ، ولذلك وُحِّد، ومعناه: ثم ائْتُوا صُفوفًا .
وللصفِّ فى كلامِ العربِ موضعٌ(٥) آخرُ، وهو قولُ العربِ: أَتَّيْتُ الصفَّ
الیومَ. یعنی به المُصَلَّی الذی یُصَلَّی فیه .
وقولُه: ﴿ وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى ﴾. يقولُ: قد ظفر بحاجته الیومَ مَن
علا على صاحبِه فقهَره .
كما حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: حُدِّثْتُ عن
وهبِ بنِ مُنَبِّهٍ، قال: جمَع فرعونُ الناسَ لذلك الجمع، ثم أمَر السحرةَ فقال:
﴿أَثْتُواْ صَفَّأْ وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى﴾. أى: قد أُقْلَحِ مَن فَلَج(١) اليومَ على
(٧)
صاحبِه (٧).
(١) سقط من: م، ت ١، ت ٢.
(٢) فى ت ١، ف: ((السحرة)).
(٣) فى م، ت ٢: ((فيجمعونه))، وفى ت١، ت ٣: ((مجتمعون))، وفى ف: ((مجتمعوه)).
(٤) فى ص: ((مما))، وفى ت ١، ت ٢: ((فيما).
(٥) فى ت ٢: ((مواضع)).
(٦) فى م: «أفلج)) .
(٧) تقدم أوله فى ص ١٩ .

١٠٧
سورة طه: الآيتان ٦٥ ، ٦٦
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالُواْ يَمُوسَىّ إِمَّا أَنْ تُلْقِىَ وَإِمَّ أَنْ تَكُونَ أَوَّلَ مَنْ
أَلْقَى
قَالَ بَلْ أَلْقُواْ فَإِذَا حَالَهُمْ وَعِصِيُّهُمْ بُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنََّ
٦٥
تَشْعی
٦٦
يقولُ تعالى ذكرُه: فأجْمَعَت السَّحَرةُ كيدَهم، ثم أَتَوْا صفًّا، فقالوا لموسى :
◌ْ يَمُوسَىّ إِمَّا أَنْ تُلْقِىَ وَإِمَّ أَنْ تَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى﴾. وتُرِك ذكرُ ذلك مِن الكلامِ
اكْتِفاءَ بدَلالةِ الكلامِ عليه .
واخْتُلِف فى مبلغ عددِ السَّحَرةِ الذين أَتَوْا يومَئذٍ صفًّا؛ فقال بعضُهم: كانوا
سبعين ألفَ ساحرٍ ، مع كلِّ ساحرٍ منهم حبلٌ وعصًا .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن هشام الدَّسْتُوَائِىّ ، قال: ثنا
القاسمُ بنُّ أَبِى بَزَّةَ ، قال : جمَع فرعونُ سبعين ألفَ ساحرٍ ، فَأَلْقَوْا سبعين ألفَ حبلٍ،
وسبعين ألفَ عصًا ، فأَلْقَى موسى عصاه، فإذا هى ثعبانٌ مبينٌ ( فاغِرّ به فاه ) ، فابتَلَع
حبالهم وعِصِيَّهم، فأَلْقِى السَّحَرةُ سُجَّدًا عندَ ذلك،/ فما رفَعوا رءوسَهم حتى رأْوًا ١٨٥/١٦
الجنة والنارَ وثوابَ أهلِهما، فعندَ ذلك قالوا: ﴿لَن تُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ
الْبَيْنَتِ﴾ [طه: ٧٢].
وقال آخرون : بل كانوا نَّفًا وثلاثين ألفَ رجلٍ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السدىِّ، قال: قالوا :
(١ - ١) فى ص، ت ١، ف: ((فاغره)).
(٢) تقدم تخريجه فى ٣٥٨/١٠.

١٠٨
سورة طه : الآية ٦٥
﴿ يَمُوسَىَ إِمَّ أَنْ تُلْقِىَ وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٣]. قال لهم
موسى : أَلْقُوا . فَأَلْقَوْا حبالَهم وعصيَّهم، وكانوا بِضْعةً وثلاثين ألف رجلٍ ، ليس منهم
رجلٌ إلا ومعه حبلٌ وعصًا (١).
وقال آخرون: بل كانوا خمسةَ عشرَ ألفًا .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُّ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: محُدِّثْتُ عن
وهبِ ابنِ مُنَبِّهٍ، قال: صَفَّ خمسةَ عشرَ ألفَ ساحرٍ، مع كلٌّ ساحرٍ حِباله
(١)
وعِصِيُّه(١).
وقال آخرون: كانوا تسعَمائةٍ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثُنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ نجريجٍ، قال :
كان السَّحَرةُ ثلاثَمائةٍ مِن العَريشِ، وثلاثمائةٍ من الفَيُّومِ، و "يشكّون فى" ثلاثمائةٍ
مِن الإسكندرية ، فقالوا لموسى : إما أن تُلْقِىَ ما معك قبلَنا، وإما أن نُلْقِىَ ما معنا قبلَك.
وذلك قولُه: ﴿وَإِمَّ أَنْ تَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى﴾(١).
و﴿أَنْ﴾ فى قوله: ﴿وَلِمَّ أَنْ﴾، (٤) ﴿وَلِقَّ أَنَ﴾٤) . فى موضعِ نصبٍ،
وذلك أن معنى الكلام: اخْتَز يا موسى أحدَ هذين الأمرين ؛ إما أن تُلْقِىَ قبلَنا ، وإما
(١) تقدم أوله فى ص ١٩ .
(٢ - ٢) سقط من : ت ٢.
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٠٦/٣ إلى أبى الشيخ، وذكره القرطبى فى تفسيره ٧/ ٢٥٨.
(٤ - ٤) سقط من: م.

١٠٩
سورة طه : الآيتان ٦٥، ٦٦
أن نكونَ أولَ مَن أَلْقَی .
ولو قال قائلٌ: هو رفعٌ. كان مذهبًا، كأنه وجّهه إلى أنه خبرٌ، كقولِ القائلِ(١) :
وإما مَقِيلٌ صالحٌ وصَدِيقُ
فسِیرا(٢) فإما حاجةٌ تَقْضِیانِها
وقولُه: ﴿ قَالَ بَلْ أَلْقُواْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قال موسى للسّحَرةِ: بل أَلْقُوا
أنتم ما معكم قبلى .
وقولُه: ﴿فَإِذَا جِبَالُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيِّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَّا تَتْعَى﴾. وفى هذا
الكلام متروكٌ، وهو: فَأَلْقَوْا ما معهم مِن الحبالِ والعِضِىِّ فإذا حبالُهم . تُرِك ذكرُه
اسْتِغْناء بدلالةِ الكلامِ الذی ذُکِر علیه عنه .
وذُكِر أن السحرةَ سحروا عينَ موسى وأعينَ الناسِ قبلَ أن يُلْقُوا حبالَهم
وعصيّهم، ثم ألقَوْا حبالَهم وعِصيّهم) فِخُيِّل حينئذٍ إلى موسى أنها تَشْعَى.
/ كما حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: حُدِّثْتُ عن ١٨٦/١٦
قَالَ
٦٥
وهبِ بنِ مُنَبِّهِ، قال: ﴿قَالُواْ يَمُوسَىَ إِمَّا أَنْ تُلْقِىَ وَلِمَّآ أَنْ تَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى
بَلْ أَلْقُواْ﴾: فكان أولَ ما اخْتَطَفوا بسحرِهم بصرُ موسى وبصرُ فرعونَ ، ثم أبصارُ
الناسِ بعدُ ، ثم ألْقَى كلّ رجلٍ منهم ما فى يدِه مِن العِصِىِّ والحبالِ ، فإذا هى حيَّاتٌ
كأمثالِ الجِبالِ (4)، قد مَلأَت الوادىَ، يَرْكَبُ بعضُها بعضًا (٥).
واختَلَفت القرأةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ﴾؛ فقرَأ ذلك عامةُ قرأةٍ
(١) معانى القرآن للفراء ١٨٥/٢.
(٢) فى ت ٢: ((فسيروا)).
(٣ - ٣) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف.
(٤) فى م، ت ٢: ((الحبال)).
(٥) تقدم أوله فی ص ١٩ .

١١٠
سورة طه : الآيات ٦٦ - ٦٩
الأمصارِ: ﴿يُخَيِّلُ﴾ بالياءِ ، بمعنى: يُخَيِّلُ إليهم سعيُها(١).
وإذا قُرِئ ذلك كذلك، كانت ((أن)) فى موضعٍ رفعٍ .
ورُوِى عن الحسنِ البصرىِّ أنه كان يَقْرَؤُه: (تُخَيَّلُ) بالتاءِ، بمعنى: تُخَيَّلُ
حيالُهم وعصيُّهم بأنها تَسْعَى(٢) .
ومَن قرَأ ذلك كذلك، كانت ((أن)) فى موضعٍ نصبٍ لتعَلَّقِ (تُخَيَّلُ) بها .
وقد ذُكِر عن بعضِهم أنه كان يَقْرَؤُه: (تَخَيَّلُ إليه). بمعنى: تَتَخَيَّلُ
(٣)
إليه(٢) .
وإذا قُرِئ ذلك كذلك أيضًا فـ((أن)) فى موضع نصبٍ بمعنى : تَتَخَيَّلُ بالسعي لهم.
والقراءةُ التى لا يَجوزُ عندى فى ذلك غيرُها: ﴿يُخَيَّلُ﴾ بالياءِ؛ لإجماعِ
الحُجّةِ مِن القرأةِ عليه (٤).
قُلْنَا لَا تَخَفْ
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَأَوْجَسَ فِ نَفْسِهِ، خِفَةً مُوسَى
إِنَّكَ أَنْتَ آلْأَعْلَى
٦٨
وَأَلِّقِ مَا فِ يَمِينِكَ ثَلْقَفْ مَا صَنَعُوَاْ إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيْدُ سَحِرٌّ وَلَا
(٦٩
يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَى
يعنى تعالى ذكرُه بقولِه:﴿فَأَوْجَسَ فِى نَفْسِهِ، خِيفَةً مُوسَى﴾:
فأوْجَس فى نفسِه خوفًا موسى ووجَدَه .
(١) هى قراءة نافع وابن كثير وعاصم وأبى عمرو وحمزة والكسائى. ينظر حجة القراءات ص ٤٥٧.
(٢) وبها قرأ ابن ذكوان عن ابن عامر، وروح ممن يعقوب. النشر ٢٤١/٢، وقراءة الحسن فى إتحاف فضلاء
البشر ص ١٨٦.
(٣) هى قراءة أبى السَّمَّال. البحر المحيط ٢٥٩/٦.
(٤) القراءتان الأولى والثانية متواترتان .
(٥ - ٥) سقط من: ص، م، ت ١، ت٣، ف.

١١١
سورة طه : الآيات ٦٧ - ٦٩
وقولُه: ﴿قُلْنَاَ لَا تَّخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾ . يقولُ تعالى ذكرُه : قلنا لموسى إذ
أحَسَّ(١) فى نفسِه ◌ِيفةً: لا تَخَفْ إِنَّك أنت الأعلَى على هؤلاء السحرةِ، وعلى
فرعونَ وجندِه، والقاهرُ لهم، ﴿ وَأَلْقِ مَا فِ يَمِنِكَ ثَلْقَفْ مَا صَنَعُواْ﴾. يقولُ: وألْقٍ
عصاك " التى فى يمينِك " تَتَلِغْ حبالهم وعصيّهم التى سخَروها حتى خُيّل إليك ()
أنها تَشْعَی .
وقولُه: ﴿ إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيْدُ سَحِرٌ﴾. ٢ اخْتَلَفت القرأةُ فى قراءةِ ذلك(٥)؛
فقرَأَتَه عامةُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ وبعضُ قرأةِ الكوفةِ: ﴿ إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيْدُ سَبِّ﴾ُ
برفعٍ ﴿كَيْدُ﴾ وبالألفِ فى ﴿ سَحِرٌ﴾. بمعنى: إن الذى صنَعَه هؤلاء السحرةُ كيدُ
(٦)
مَنْ يسخرُ(١) .
وقرأ ذلك عامةُ قرأةِ الکوفةِ : (إِنما صنعوا کیدُ سِخْرٍ) برفع (( الکیدِ)» وبغیرِ
الألفِ فى ((السحر)). بمعنى: إن الذى صنعوہ کیدُ سحر " .
والقولُ فى ذلك عندى أنهما قراءتان مشهورتان مُتَقارِبتا المعنى، وذلك أن
الكيدَ هو المكر والخُدْعةُ، فالساحرُ مَكْرُه وخُذعتُه مِن سحرٍ يَسْحَرُه(١)، ومکرُ
السحرِ وخُذْعتُه تخييلُهُ(٩) إلى المسحورِ على خلافٍ ما هو به فى حقيقتِهِ،
فالساحرُ كائدٌ بالسحرِ، والسحرُ كائدٌ بالتَّخْيِيلِ، فإلى أيُّهما أضَفْتَ الكيدَ فهو
(١) فى ص، م، ت ١، ت٣، ف: ((أوجس)).
(٢ - ٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت٣، ف.
(٣) فى ت ٢: ((إليه)).
(٤ - ٤) سقط من: ت ٢.
(٥) فى م: (قوله)).
(٦) هى قراءة ابن كثير ونافع وأبى عمر وعاصم وابن عامر. السبعة لابن مجاهد ص ٤٢١.
(٧) هى قراءة حمزة والكسائى . المصدر السابق .
(٨) فى ص، م، ت ١، ت٣، ف: ((يسحر)).
(٩) فى ص، م، ت ١، ت٣، ف: (( تخيله)).

١١٢
سورة طه : الآيات ٦٩ - ٧١
صوابٌ .
وقد ذُکِر عن بعضهم أنه قرأ : ( گَيْدَ سِخْرٍ) بنصبٍ (( گید))(١). ومَن قرأذلك
كذلك، جعَل ﴿ إِنَّمَا﴾ حرفًا واحدًا، وَأَعْمَل ﴿صَنَعُواْ﴾ فى ﴿ كَيْدُ﴾.
وهذه قراءةٌ لا أَسْتَجِيزُ القراءةَ بها؛ لإجماع الحجةِ مِن القرأةِ على خلافِها .
وقولُه: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَنَى﴾. يقولُ: ولا يَظْفَرُ الساحرُ بسحره بما
طلَب أینَ كان .
/وقد ذُكِر عن بعضِهم أنه كان يقولُ: معنى ذلك: أن الساحرَ یُقْتَلُ حیثُ
ۇچِد .
١٨٧/١٦
وذكّر بعضُ نحوبى البصرةٍ(٢) أن ذلك فى حرفٍ ابنٍ مسعودٍ: (ولا يُفْلِحُ
الساحرُ أين أتَى). وقال: العربُ تقولُ: جثْتُك مِن حيثُ لا تَعْلَمُ، ومِن أينَ لا تَعْلَمُ .
وقال غيرُه مِن أهلِ العربيةِ الأُوَلِ (٣): جزاءٌ، يُفْتَلُ الساحرُ حيث أتَى وأين أَتَّى.
وقال : وأما قولُ العربِ: جثْتُك مِن حيثُ لا تَعْلَمُ ، ومِن أين لا تَعْلَمُ . فإنما هو جوابُ
مَن١٢ْ لم يَفْهَمْ فَاسْتَفْهَم، كما قالوا: أين الماءُ والعُشْبُ.
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَأَلْقِىَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُواْ ءَامَنَّا بِرَبِّ هَرُونَ وَمُوسَى
٧٠
قَالَ ءَامَنْتُمْ لَهُمْ قَبْلَ أَنْ مَذَنَ لَكُمِّ إِنَّهُ لَكِيُّكُمُ الَّذِى عََّكُمُ السِّخْرِّ
فَأُقَطِعَنَّ أَيَدِيَّكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ سِلَفٍ وَلَأُصَلِبَنَّكُمْ فِ جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَنَعْلَمُنَّ أَيُّنَاَ
أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى
(١) هى قراءة مجاهد وحميد وزيد بن على. البحر المحيط ٢٦٠/٦.
(٢) هو الأخفش كما فى تهذيب اللغة ٥٥٠/١٥ .
(٣) هو أبو العباس ثعلب كما فى تهذيب اللغة الموضع السابق .
(٤) سقط من النسخ ، والمثبت من تهذيب اللغة .

١١٣
سورة طه : الآية ٧٠
وفى هذا الكلام متروكٌ قد اسْتُغْنِى بدَلالةِ ما ذُكر(١) عليه، وهو: فَأَلْقَى موسى
عصاه فتلقَّفَت ما صنعوا، فَأُلْقى السحرةُ سُجَّدًا قالوا : آمنا بربِّ هارونَ وموسى .
وذُكِر أن موسى٣ [٦٣/٣٥ظ] لما أُلْقَى ما فى يدِه تحَوَّل ثعبانًا، فالتهم كلَّ ما
كانت السحرةُ أَلْقَته مِن الحبالِ والعصىِّ .
ذكرُ الروايةِ " عمن قال ذلك٢)
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال : ثنا يعقوبُ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ، قال: لما اجْتَمَعوا
وأَلْقَوْا ما فى أيديهم مِن السحرِ خُيِّل إليه(١) مِن سحرِهم أنها تَسْعَى، ﴿فَأَوْجَسَ فِى
وَأَلْقِ مَا فِىِ يَمِنِكَ نَلْقَفْ مَا
٦٨
(٣) قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى
نَفْسِهِ، خِيفَةٌ ◌ُوسَى
صَنَعُواْ﴾ فَأَلْقَى عصاه، فإذا هى ثعبانٌ مبينٌ، قال: فَتَحَت فمَا لها مثلَ الدَّخْلِ ()، ثم
وضّعَت مِشْفَرَها على الأرضِ، ورفَعَت الآخرَ، ثم استَوْعَبَت كلَّ شىءٍ أَلْقَزْه مِن
السحرِ، ثم جاء إليها فقبَض عليها، فإذا هى عصًا، فخرّ السَّحَرةُ سُجَّدًا، ﴿ قَالُواْ ءَامَنًا
قَالَ ءَامَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ ءَذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِرُكُمُ الَّذِى عَلَّمَّكُمُ
٧٠
بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى
اَلْسِحْرٌّ فَلَأُ قَطِعَنَ أَيْدِيَّكُمْ وَأَرْ جُلَكُم مِّنْ خِلَفٍ﴾. قال: فكان أولَ مَن قطَع الأيدىّ
والأرجلَ مِن خِلافٍ فرعونُ، ﴿ وَلَأَصَلِبَّكُمْ فِى جُذُوعِ النَّخْلِ﴾. قال: فكان أولَ
مَن صَلَب فى جُذوعِ النخلِ فرعونُ(٥).
(١) فى ص، م، ت ١، ف: (وترك)).
* إلى هنا ينتهى الخرم المشار إليه فى ص ١٨، وسيجد القارئ أرقام نسخة جامعة القرربين بين معكوفين داخل
صفحات التحقيق .
(٢ - ٢) فى ت ٢: (( بذلك)).
(٣) فى ت ٢: ((إليهم)).
(٤) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((الرجل)). والدَّخْل: نقب ضيق فمه ثم يتسع أسفله حتى يُمشى فيه. لسان
العرب (د ح ل) .
(٥) ينظر ما تقدم تخريجه فى ٣٦٣/١٠.
( تفسير الطبرى ٨/١٦ )

١١٤
سورة طه : الآيتان ٧٠ ، ٧١
حدَّثنا موسى بنُ هارونَ ، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ :
فَأَوْجَسَ فِى نَفْسِهِ، خِفَةٌ مُوسَى﴾ فَأْحَى اللّهُ إليه: لا تَخَفْ، وأَلْقِ ما فى يِمِينِك
تَلْقَفْ ما يَأْفِكون. فَأَلْقَى عصاه، فأُكَلَت كلَّ حيةٍ لهم، فلمَّا رأوا ذلك سجَدوا،
رَبِّ مُوسَى وَهَرُونَ﴾ [الأعراف: ١٢١، ١٢٢].
١٢٢
وقالوا: ﴿ ءَامَنَّا بِرَبِّ الْعَلَمِينَ
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنٍ إسحاقَ ، قال: حُدِّثْتُ عن وهبٍ
ابنِ مُنَبِّهِ : ﴿فَأَوْجَسَ فِى نَفْسِهِ، خِيفَةً مُوسَى﴾: لما رأَى ما ألْقَوْا مِن الحبالِ والعصىِّ،
وخُيِّل إليه أنها تَسْعَى، وقال: واللهِ إن كانت لَعِصِيًّا فى أيديهم، ولقد عادت
حيَّاتٍ، وما تَعْدو عَصاىَ هذه - أو كما حدَّث نفسَه - فأوْحَى اللَّهُ / إليه أن:
أَلْقِ مَا فِ يَمِنِكَ نَلْقَفْ مَا صَنَعُوَّ إِنََّا صَنَعُواْ كَيْهُ سَبِحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ
أَنَ﴾ [طه: ٦٩]. ( وفُرَّج عن٢٢ موسى، فَأَلْقَى عصاه مِن يدِه، فاسْتَعْرَضَت ما أَلْقَوْا مِن
حبالهم وعصيّهم ، وهى حياتٌ فى عينِ فرعونَ وأعينِ الناسِ تَسْعَى ، فجعَلَت تَلْقَفُها ؛
تَبْتَلِعُها حيةً حيةً، حتى ما يُرَى بالوادى قليلٌ ولا كثيرٌ مما أَلْقَوْا، ثم أَخَذَها موسى فإذا
هى عصًا فى يدِه كما كانت، ووقَع السَّحَرةُ سُبَّدًا، قالوا: آمنا بربِّ هارونَ وموسى،
لو كان هذا سحرًا(٣) ما غلّبنا (١).
١٨٨/١٦
وقولُه: ﴿ قَالَ ءَامَنٌُ لَهُمْ قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤه: وقال فرعونُ
للسحرةِ : أصدَّقْتُم وأقْرَرْتُم لموسى بما دعاكم إليه مِن قبلٍ أن أُطْلِقَ ذلك لكم، ﴿ إِنَّهُ
لَكَبِيرُكُمُ ﴾ . يقولُ: إن موسى لَعظيمُكم الذى علَّمكم السحرَ.
كما حدَّثنا ابنُّ حميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: حُدِّثْتُ عن
(١) تقدم أوله فى ص ١٩.
(٢ - ٢) فى م، ت ٢: ((وفرح)).
(٣) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ف: ((سحر)).

١١٥
سورة طه : الآية ٧١
وهبِ بنِ مُنَبِّهِ، قال: لما قالت السحرةُ: ﴿ءَامَنَّا بِرَبِّ هَرُونَ وَمُوسَى﴾. قال لهم
فرعونُ، وأَسِف ورأى الغَلَبَةَ البينةَ: ﴿ ءَامَنتُمْ لَهُمْ قَبْلَ أَنّ ◌َذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِّكُمُ الَّذِى
عَلَّمَّكُمُ السَّخْرٌ ﴾. أْ: لَعظيمُ السُّخَّارِ الذى علَّمَكم (١).
وقولُه: ﴿فَلَأُ قَطِعَنَّ أَيَدِيَّكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ ◌َِفٍ﴾. يقولُ: فَلأُقَطِّعَنَّ أيديَكم
وأرجلكم مخالفًا بين قطع ذلك ؛ وذلك أن يَقْطَعَ یمنی الیدین ویسری الرجلين ، أو
يسرى اليدين ويمنى الرجلين ، فيكونُ ذلك قطعًا مِن خِلافٍ . وكان فيما ذُكِر أولَ
مَن فَعَل ذلك فرعونُ، وقد ذكَرْنا الروايةَ بذلك(٢).
وقولُه: ﴿ وَلَأُصَلِتَّكُمْ فِ جُدُوعِ النَّخْلِ﴾. يقولُ: ولَأَصَلِِّتَّكم على جذوع
النخلِ، كما قال الشاعرُ:
فلا عطَسَت شَيْبَانُ إِلا بِأُجْدَعا
هُمُ صَلَبوا العَبْدِىَّ فى جِذْعِ نخلةٍ
يعنى : على جذع نخلةٍ. وإنما قيل: ﴿فِي جُذُوعٍ﴾. لأن المصلوبَ على
الخشبةِ يُزْفَعُ فى طولِها ، ثم يَصِيرُ عليها، فيقالُ: صُلِب عليها .
حدَّثنا بشرٌّ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ وَلَأُصَلَِّنَّكُمْ فِ جُذُوع
النَّخْلِ﴾: لما رأَى السحرةُ ما جاء به عرَفوا أنه مِن اللَّهِ، فخرُّوا سجّدًا وآمَنوا، عندَ ذلك
قال عدوُّ اللَّهِ: ﴿لَأُقَطِعَنَّ أَيْدِيَّكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِّنْ يَِفٍ﴾ الآية [الأعراف: ١٢٤].
حدَّثنا موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباطُ ، عن السدىِّ، قال
فرعونُ: ﴿فَلَأُقَطِعَنَ أَيَدِيَّكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَفٍ وَلَأُصَلِبَنَّكُمْ فِي ◌ُذُوعِ النَّخْلِ﴾:
(١) تقدم أوله فى ص ١٩ .
(٢) ينظر ما تقدم فى ص ١١٣ .
(٣) نسبه فى الأزهیة ص ٢٧٨ ، واللسان (ع ب د ، شم س) إلی سويد بن أبی کاهل اليشكرى، وكذا نسبه
فى حاشية نسخة من مجاز القرآن ٢٣/٢، ٢٤. ونسبه فى الخصائص ٣١٣/٢، واللسان (ف ی ی) إلى
امرأة من العرب .

١١٦
سورة طه : الآيات ٧١ - ٧٣
"فقتَّلَهم وقطّعهم)، كما قال عبدُ اللَّهِ بنُ عباسٍ حينَ قالوا: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا
وَتَوَقَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٦]. وقال: كانوا فى أول النهارِ سحرةٌ، وفى آخرٍ
النهارِ شُهداءً(١) .
/وقولُه: ﴿ وَلَنَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى﴾. يقولُ: وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّها السحرةُ أَيُّنا
أشدُّ عذابًا لكم وأُدْوَمُ ، أنا أو موسى .
١٨٩/١٦
القولُ فى تأويل قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿ قَالُواْ لَنْ تُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبِيِّنَتِ
إِنَّاَ ءَامَنَّا بِرَبِنَا
وَاَلَّذِىِ فَطَرَنَّا فَأَقْضِ مَآ أَنْتَ قَاضٌٍ إِنَّمَا نَقْضِى هَذِهِ الْخَيَوَةَ الدُّنْيَّاً
٧٣)
لِيَغْفِّرَ لَنَا خَطَنَا وَمَّا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّخْرِّ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَ
يقولُ تعالى ذكره : قالتِ السحرةُ لفرعونَ لما توَتَّدهم بما توَغَّدهم به: ﴿لَن
تُؤْثِرَكَ﴾ فَبِعَكُ ونُكَذِّبَ مِن أجلِك موسى، ﴿عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيْنَتِ﴾ .
يعنى : مِن الحجج والأدلةِ على حقيقةٍ ما دعاهم إليه موسى، ﴿ وَالَّذِى فَطَرَنًا﴾. يقولُ:
قالوا: لن نُؤْثِرَك على الذى جاءنا مِن البيناتِ وعلى الذى فِطَرَنا. ويعنى بقولِه:
﴿فَطَرَا﴾: خلَقَنا. ف﴿ الَّذِى﴾ مِن قوله: ﴿ وَالَّذِى فَطَرَنَا﴾. خفضٌ(٣) عطفًا(٤).
على قولِه: ﴿ مَا جَآءَنَا﴾. وقد يَحْتَمِلُ أن يكونَ قولُه: ﴿الَّذِى فَطَرَنًا ﴾ . خفضًا
على القسم، فيكونُ معنى الكلامِ: لن نُؤْثِرَكُ على ما جاءنا مِن البيناتِ واللَّهِ .
وقولُه: ﴿فَقْضِ مَآ أَنْتَ قَاضٌٍ﴾. يقولُ: قالوا: فاصْنَعْ ما أنت صانعٌ،
واعْمَلْ بنا ما بدا لك، ﴿إِنَّمَا نَقْضِى هَذِهِ الْخَيَّوَةَ الذُّنْيَا﴾. يقولُ: إِنما تَقْدِرُ أن
(١ - ١) فى ص: ((وصلبهم وقطعهم))، وفى ت ١، ف: ((فقتلهم وصلبهم)).
(٢) تقدم أوله فى ص ١٩ .
(٣) فى ص، ت ١: ((خفضا)).
(٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت٣، ف.
(٥ - ٥) سقط من: ص، ت ١، ت٣، ف.

١١٧
سورة طه : الآيتان ٧٢، ٧٣
تُعَذِّبَنا فى هذه الحياةِ الدنيا التى تَقْنَى .
ونصبُ ﴿الْحَيَّوَةَ الدُّنْيَا﴾ على الوقتِ، [٦٤/٣٥و] وجُعِلَت ﴿إِنَّمَا﴾ حرفًا
واحدًا .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُّ حميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ ، قال: حُدِّثْتُ عن وهبٍ
ابنِ منبهٍ: ﴿لَن تُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيْنَتِ وَالَّذِى فَطَرَنَا﴾. أى: على اللَّهِ على
ما جاءنا مِن الحجج مع نبيّهُ(١)، ﴿ فَقْضِ مَآ أَنْتَ قَاضٌٍ﴾. أى: اصْنَع ما بدَا لك،
﴿﴿ إِنَّمَا نَقْضِى هَذِهِ الْحَيَوَةَ الدُّنيَا﴾ التى " ليس لك سلطانٌ إلا فيها ، ثم لا سلطانَ لك
(٣)
بعدَه (٣) .
وقولُه: ﴿ إِنَّاَ ءَامَنَا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَلْنَا﴾. يقولُ تعالى ذكره: إنا أقْرَرْنا
بتوحيدِ ربِّنا، وصدَّقْنا بوعدِه ووَعيدِه، وأنَّ ما جاء به موسى حقٍّ؛ ﴿لِيَغْفِرَ لَنَا
خَطَلْنَا﴾. يقولُ: لَيَعْفُوَ لنا عن ذنوبِنا فيَسْتُرَها علينا، ﴿ وَمَّا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ
السّخْرِّ﴾. يقولُ: لِيَغْفِرَ لنا ذنوبَنا وتَعَلُّمَنا ما تعلَّمناه مِن السحرِ، وعمَلَنا) به الذى
أكرهتنا على تعلّمِه والعملِ به .
وذُكِر أن فرعونَ كان أخَذَهم بتعلُّمِ السحرِ .
(١) فى م، ت ١، ت ٢، ف: ((بينة)).
(٢) فى م: ((أى)).
(٣) تقدم أوله فى ص ١٩.
(٤) فى ص، ت ١، ت ٢: ((علمنا).

١١٨
سورة طه : الآية ٧٣
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى موسى بنُ سهلٍ، قال: ثنا نعيمُ بنُ حمادٍ ، قال : ثنا سفيانُ بنُ عيينةً،
١٩٠/١٦ - عن أبى سعدٍ (١)، عن / عكرمةً، عن ابنِ عباسٍ فى قولِ اللَّهِ تبارك وتعالى: ﴿ وَمَّاً
أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السّحْرِ﴾. قال: غِلْمَانٌ دفَعَهم فرعونُ إلى السحرةِ تُعَلِّمُهم السحرَ
(٢)
بالفَرَمَا(٢) .
حدَّثْنى يونسُ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَمَّآ
أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السّخْرِّ﴾. قال: أمَرهم بتعلَّم السحرِ. قال: ترَكوا كتابَ اللَّهِ،
وأمَروا قومَهم بتعلُّم(١) السحرِ. ﴿وَمَآ أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ﴾. قال: أمَوْتَنَا أن
نَتَعَلَّمَهُ(٤).
وقولُه: ﴿وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَىَ﴾. يقولُ: واللَّهُ خيرٌ منك يا فرعونُ جزاءً لمن
أطاعه ، وأبْقَى عذابًا لمن عصاه وخالَف أمرَه .
كما حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنٍ إسحاقَ: ﴿ وَاللَّهُ خَيْرٌ
وَأَبْقَ﴾. أى: خيرٌ منك ثوابًا، وأبقى عقابً(٥).
حدَّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن "أبِى مَغْشَرٍ)، عن
(١) فى م، ت ١، ت ٢، ف: ((سعيد)). وينظر ما تقدم فى ٦٤٧/١.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم - كما فى تفسير ابن كثير ٢٩٨/٥ - من طريق نعيم به .
(٣) فى م، ت ٢: ((بتعليم)).
(٤) ذكره ابن کثیر فی تفسيره ٢٩٨/٥.
(٥) فى م، ت ٢: ((عذابا)).
والأثر تقدم أوله فى ص ١٩.
(٦ - ٦) فى ت ٢: ((مسعر)).

١١٩
سورة طه : الآيات ٧٣ - ٧٦
محمدِ بنِ كعبٍ ومحمدِ بنِ قيسٍ فى قولِ اللَّهِ: ﴿ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَىَ﴾. قالا: خيرٌ(١)
منك إِنْ أُطِيع، وأبقى منك عذابًا إِنْ عُصِى (١).
القولُ فى تأويل قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿ إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَُّ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَمَ لَا يَمُوتُ
وَمَن يَأْتِهِ، مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّلِحَتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَتُ
VE
فِيَهَا وَلَا يَحْيَى
الْعُلَى
يقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن قِيلِ السحرةِ لفرعونَ: ﴿ إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَُّ﴾ مِن
خلقِه ﴿مُجْرِمًا﴾. يقولُ: مُكْتَسِبًا الكفرَ به، ﴿ فَإِنَّ لَهُ جَهَنََّ﴾. يقولُ: فإنَّ له
جهنَّمَ مأْوَى ومسكنًا، جزاءً له على كفرِه، ﴿لَا يَمُوتُ فِيهَا﴾ فَتَخْرُجَ نفسُه،
﴿ وَلَا يَحْيَى﴾ فتَسْتَقِرَّ نفسُه فى مَقَرّها فتَطْمَئِنَّ، ولكنها تَتَعَلَّقُ بالحَنَاجرِ [ ٦٤/٣٥ظ]
منهم، ﴿ وَمَنْ يَأْتِهِ، مُؤْمِنًا﴾. ( يقولُ: ومن يقدَمْ على ربِّه" موحّدًا له لا يُشْرِكُ به،
﴿قَدْ عَمِلَ الصَّلِحَتِ﴾. يقولُ: قد عمِل بما أمَره به ربُّه، وانْتَهى عما نهاه عنه،
﴿فَأُوْلَّكَ لَهُمُ الَّرَحَتُّ الْعُلَى﴾. يقولُ: فأولئك الذين ("تلك صفتُهم)، لهم
درجاتُ الجنةِ العُلَى .
القولُ فى تأويل قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿حَثَّتُ عَدْنٍ تَجْرِى مِن تَحِهَا الْأَنْهَرُ خَالِينَ فِيهَاً
وَذَلِكَ جَزَّآءُ مَن تَزَّكَى
٧٦
يقولُ تعالى ذكره: ﴿ وَمَنْ يَأْتِهِ، مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَِّحَتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ
الذَّرَجَتُ الْعُلَى﴾. ثم يَّن تلك الدرجاتِ العُلَى ما هى، فقال: هن ﴿جَثَّتُ
(١) فى ص، م، ت ١، ف: ((خيرا)).
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٠٣/٤ إلى ابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٣ - ٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت٣، ف.

١٢٠
سورة طه : الآيتان ٧٦، ٧٧
عَدْنٍ﴾. يعنى: جناتُ إقامةٍ لا ضَعْنَ عنها، ولا نفادَ لها ولا فناء، ﴿تَجْرِى مِن تَحْنِهَا
اَلْأَنْهَرُ ﴾. يقولُ: تجرى مِن تحتِ أَشَجارِها الأنهارُ، ﴿ خَدِينَ فِيهَاً﴾. يقولُ:
ماكثين فيها إلى غيرِ غايةٍ محدودةٍ. فـ ((الجنّاتُ)) مِن قوله: ﴿جَنَّتُ عَدْذٍ﴾.
مرفوعةٌ بالردِّ على ((الدرجاتِ)).
كما حدُّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال: ثى حجاجٌ، عن ابنٍ جريج فی
قوله: ﴿ وَمَن يَأْتِهِ، مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَِّحَتِ فَأُوْلَِكَ لَهُمُ الذَّرَحَتُ اَلْعُلَى﴾. قال:
عَدْنٌ .
١٩١/١٦
/وقولُه: ﴿ وَذَلِكَ جَزَّآءُ مَن تَزَّكَى﴾. يقولُ: وهذه الدرجاتُ العُلَی التی هی
جناتُ عَدْنٍ على ما وصَف جلَّ جلالُه ثَوابُ ﴿مَن تَزَّكَى﴾٢. يعنى: مَن تطَهَّر مِن
الذنوبِ ، فأطاع اللَّهَ فيما أمَرَه ، ولم يُدَنِّسْ نفسَه بمعصيته فيما نهاه عنه .
القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿ وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَىَ أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِى
VV
فَأَضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِى الْبَحْرِ يَسَا لَّا تَخَفُ دَرَّكًا وَلَا تَخْشَى
يقولُ تعالى ذكره : ولقد أوْحَيْنا إلى نبيّنا موسى إذا تابَعْنا له الحججَ على
فرعونَ، فأَتَى أَن يَشْتَجِيبَ لأمرِ ربِّه، وطفَى وَمَادَى فى طُغْيانِهِ، أن أسْرِ ليلًاً
﴿ يِعِبَادِى﴾. يعنى: بعبادى مِن بنى إسرائيلَ، ﴿فَأَضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِى الْبَحْرِ
يَبَسًا﴾. يقولُ: فَاتَّخِذْ لهم فى البحرِ طريقًا يابسًا. واليَبَسُ واليَبْسُ يُجْمَعُ أَنْياسٌ،
يقالُ: وَقَعُوا فى أثِياسٍ مِنِ الأرضِ. والَتْسُ الخُفَّفُ يُجْمَعُ بُوسٌ .
وبنحوِ الذى قلنا فى تأويل ذلك قال أهلُ التأويلِ.
(١ - ١) سقط من: ت ٢.