النص المفهرس
صفحات 1-20
نفَِّةُ الطَّرَّى جَامِعُ الْبَيّانِ عَنْ تَأْوِيلِ آَ الْقُرآنِ لأَنِ جَعَفَ حَّد بن جَرِيْ الطَّبَرِيّ (٢٢٤هـ - ٣١٠ هـ) تحقيق الدكتور /عدالَه بن عبدالمحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات العربية والإسلامية بدار هجر الدكتور/ عبد السنة حسن يمامة الجزء السادس عشر هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان حقوق الطبع محفوظة الطبعة الأولى القاهرة ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠١ م مركز البحوث والدراسات العربية والإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة مكتب : ٤ ش ترعة الزمر - المهندسين - جيزة ت : ٣٢٥١٠٢٧ مطبعة : ٣٢٥٢٥٧٩ - فاكس : ٣٢٥١٧٥٦ تَفِيُ الطَّرِىّ جَامِعُ البَّانِ عَنْ تَأْوِيلِ آَ القُرآنِ 1 ٥ سورة طه : الآيات ١ - ٣ تفسيرُ سورة طه بسم اللهِ الرَّحمنِ الرّحِيمِ القولُ فى تأويل قوله جلَّ ثناؤه: ﴿ِهِ ﴿َ مَآ أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ لِتَشْفَى إِلَّا نَذْكِرَةُ لِّمَنْ يَخْشَى ٢ اختلف أهلُ التأويلِ فى تأويلِ قولِه: ﴿طه﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: يا رَجُلُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا أبو تُمَيلَةَ، عن الحسينِ (١) بن واقدٍ ، عن يزيدَ النَّحْوِىِّ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿طه﴾. قال: بالنَّبَطِيئَّةِ: يَا رَجُلُ (١). حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى ، قال: ثنى أبى، عن مَآ أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ لِتَشْقَىَ﴾: فإنَّ قومَه أبيه ، عن ابنِ عباس قوله : ﴿ طه قالوا : لقد شَقِى هذا الرجلُ بربِّه . فأنزل اللهُ تعالى ذكرُه : ﴿طه ﴾ . یعنی : يا رَجُلُ، ﴿ مَآ أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ لِتَشْفَ﴾(١). (١) فى م: ((الحسن)). وقد تقدم مرارًا . (٢) أخرجه الحارث بن أبى أسامة فى مسنده (٧١٧ - بغية)، وابن أبى حاتم فى تفسيره - كما فى تفسير ابن كثير ٢٦٦/٥٠، وتغليق التعليق ٢٥٣/٤ - والطبرانى (١٢٢٤٩) من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٨٩/٤ إلى ابن مردويه. (٣) عزاه السيوطى فى فى الدر المنثور ٢٨٨/٤ إلى المصنف وابن مردويه . ٦ سورة طه : الآية ١ /حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريج، قال : ١٣٦/١٦ . أخبرنى عبدُ اللَّهِ بنُ مسلمٍ، أو يَعلَى بنُ مسلمٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ أنه قال : ﴿طه﴾: يا رَجُلُ، بالسريانيةِ (١). قال ابنُ جريج: وأخبرنى زمعةُ بنُ صالح، عن سلمةَ بنِ وَهْرامَ، عن عكرمةً ، عن ابنِ عباسٍ بذلك أيضًا(١) . قال ابنُ جريجٍ: قال مجاهدٌ ذلك أيضًا(٣) . حدَّثْنا عمرانُ بنُ موسى القزَّزُ، قال: ثنا عبدُ الوارثِ بنُ سعيدٍ ، قال: ثنا - عمارةُ، عن عكرمةَ فى قوله: ﴿طه﴾. قال: يا رجلُ، كلمةٌ بالَّبْطيّةِ. حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا يحيى بنُ واضح، قال: ثنا " عبيدُ اللَّهِ)، عن عكرمةَ فى قوله: [٤٣/٣٥ظ] ﴿طه﴾. قال: هى بالنَّبَطيَّةِ: يا إِنسانُ. حدَّثنا ° محمدُ بنُ سنانِ القزازُ، قال: ثنا أبو عاصم، عن قرةَ بنِ خالدٍ، عن الضحاكِ فى قوله: ﴿طه﴾. قال: يا رجلُ، بالنَّبَطِفَةِ(٦). وحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن حُصَينٍ، عن عكرمةَ فى قولِهِ: ﴿طه﴾. قال: يا رجلُ(٧). (١) أخرجه ابن أبى شيبة ٤٧٢/١٠، والبغوى فى الجعديات (٢١٨٧) من طريقٍ سالم الأفطس، عن سعيد . (٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٨٩/٤ إلى المصنف. (٣) ينظر تفسير البغوى ٢٦٢/٥ . (٤ - ٤) فى ص، ت ١، ت ٢، ت٣، ف: ((عبد اللَّه)). وينظر تهذيب الكمال ٨١/١٩. (٥ - ٥) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣، ف: ((محمد بن بشار)). وينظر تهذيب الكمال ٣٢٣/٢٥. (٦) أخرجه ابن أبى شيبة ٤٧٢/١٠ من طريق قرة بن خالد به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٨٩/٤ إلى عبد بن حميد وفيه قصة . (٧) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره - كما فى تغليق التعليق ٢٥١/٤ - من طريق عبد الرحمن بن مهدی = ٧ سورة طه : الآية ١ وحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿طه﴾. قال: يا رجلُ، وهى بالسريانيةِ(١). حدَّثنا الحسنُ، قال : أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ والحسنِ فى قوله: ﴿طه﴾، قالا : يا رجلُ(٢). حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عبيدٌ - " يَعنى ابنَ سليمانَ(٢) - قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ فى قولِه: ﴿طه﴾. يقولُ: يا رجلُ. وقال آخرون: هو اسمٌ مِن أسماءِ اللَّهِ ، وقَسَمْ أقسم اللَّهُ به . ذكرُ من قال ذلك حدَّثنى علىٍّ، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ ، قال: ثنى معاويةُ ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ فى قوله: ﴿طه﴾. قال: فإنه قَسم ( أقنتهمه اللَّهُ)، وهو اسم مِن أسماء اللَّهِ(٥) وقال آخرون : هو حروفُ هجاءٍ . وقال آخرون: هى(١) حروفٌ مُقطَّعَةٌ، يَدُلُّ كلُّ حرفٍ مِنها على معنَّى. واختلفوا (٧) فى ذلك اختلافهم فى ﴿ اڵمّ ﴾. وقد ذكرنا ذلك فى مواضعه، وپێناه بشواهده = به، وأخرجه ابن أبى شيبة ٤٧٢/١٠ من طريق سفيان به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٨٩/٤ إلى ابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن أبى حاتم، وفيه : بلسان الحبشة . (١) ذكره البغوى فى تفسيره ٢٦٢/٥ . (٢) تفسير عبد الرزاق ١٥/٢ . (٣ - ٣) سقط من : الأصل. (٤ - ٤) فى م: ((أقسم اللَّه به)). (٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٨٩/٤ إلى ابن المنذر وابن مردويه. (٦) سقط من: ت١، وفى ص، م، ت ٢، ت٣، ف: (( هو)). (٧) ينظر ما تقدم فى ٢٠٤/١ - ٢١٣. ٨ سورة طه : الآيتان ٢،١ والذى هو أولَى بالصوابِ عندى مِن الأقوالِ فيه قولُ مَن قال: معناه : يا رجلٌ. لأنها كلمةٌ معروفةٌ فى عَكُّ(١) فيما بلَغنى، وأن معناه فيهم: يا رجلُ. وأُنشِد لمتممِ ابنِ نُويرةً(١) : فخِفتُ عليهِ أنْ يكونَ مُوائِلَاً (٣) (٤) وقال آخر(): / هتفتُ بِطَةَ فى القتالِ فلمْ يُچِبْ ١٣٧/١٦ إن السَّفَاهةً طَهَ مِن خلائقِكم لا بارَك اللَّهُ فى القومِ الملاعينِ فإذا كان ذلك معروفًا فيهم على ما ذكَرْنا، فالواجبُ أن يُوجّهَ تأويلُه إلى المعروف فيهم مِن معناه، ولا سِيَّما إذا وافَق ذلك تأويلَ أهلِ العلم مِن الصحابةِ والتابعين . فتأويلُ الكلام إذن: يا رجلُ، ما أَنْزَلْنا عليك القرآن لتَشْقَى بإنزالِناهُ عليك، فيكلِّفَك ما لا طاقةً لك به مِن العملِ . وذُكِر أنه قيل له ذلك بسببٍ ما كان يَلْقَى مِنِ النَّصَبِ والعَناءِ والسَّهرِ فی قیامِ : الليل ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى محمدُ بنُّ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم ، [٤٤/٣٥ و] قال: ثنا عيسى ، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن (١) عك: قبيلة يضاف إليها مخلاف باليمن. معجم البلدان ٧٠٦/٣. (٢) ديوانه ص ١٣١ (٣) الموائل: الطالب للنجاة. ينظر اللسان ( وأل ). (٤) هو يزيد بن المهلهل، والبيت فى التبيان ١٤٠/٧، وتفسير القرطبى ١٦٦/١١. (٥) فى م: ((ما أنزلناه)). ٩ سورة طه : الآيتان ٢، ٣ مجاهدٍ : ﴿ مَآ أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ لِتَشْقَىَّ﴾. قال: ( فى الصلاةِ. قال): هى مِثلُ قوله: ﴿فَاقْرَهُوأَمَا تَرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠]. فكانوا يُعلِّقُون الحبالَ بصدُورِهم(٢) فى (٣) الصلاةٍ(١) . وحدَّثنا القاسمُ، قال : ثنا الحسينُ ، قال : ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ : ﴿ مَآ أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ لِتَشْقَى﴾. قال: فى الصلاةِ؛ كقوله: ﴿ فَاقْرَهُوامَا تَسَّرَ مِنْهُ﴾. وكانوا يعلِّقون الحبالَ بصدورهم فى الصلاةِ . وحدَّثنا بشرٌّ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ مَآ أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ لِتَشْقَى﴾: لا واللَّهِ ما جعَله اللَّهُ شَقاءٌ(٤)، ولكن جعله رحمةٌ ونورًا ، ودليلًا إلى .(٥) الجنةِ(٥). وقولُه: ﴿إِلَّا نَذْكِرَةُ لِّمَنْ يَخْشَى﴾. يقولُ جلَّ ذكرُه: ما أنزلنا عليك هذا القرآنَ إِلا تذكرةً لمن يَخشَى عقابَ اللَّهِ ، فيتَّقِيه بأداءِ فرائضٍ ربّه واجتنابٍ محارمِه . كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةً قولَه: ﴿إِلَّا نَذْكِرَةً لِّمَنْ يَخْشَى﴾: وإن اللَّهَ أَنزَل كتابَه(٤)، وبعَث رسلَه رحمةً رحِم اللَّهُ بها العبادَ؛ ليتذَكَّر ذاكرٌ، ويَنْتَفِعَ رجلٌ بما سمِع مِن كتابِ اللَّهِ، وهو ذكر له أنزله(٧)اللَّهُ، (١ - ١) سقط من: م. (٢) فى م: (( فى صدورهم)). (٣) تفسير مجاهد ص ٤٦٠، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٨٩/٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم . (٤) فى ص، م، ت ١، ف، والدر المنثور: ((شقيا)). (٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٨٩/٤ إلى ابن أبى حاتم . (٦) فى م: (( كتبه )) . (٧) فى م: (( أنزل)). ١٠ سورة طه : الآيات ٣ - ٥ فيه حلَالُهُ وحرامُه، فقال: ﴿تَنِيلًا مِّمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَوَتِ الْعُلَى﴾(١). حدَّثنا يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿إِلَا نَذْكِرَةً لِّمَنْ يَخْشَى﴾. قال(٢): أَنزَلناه عليك تذكرةً لمن يَخشَى. / فمعنَى الكلامِ إذن: يا رجلُ ما أنزلنا عليك هذا القرآنَ لتشقَى به، ما أنزلناه إلا تذکرةً لمن يُخشَى . ١٣٨/١٦ وقد اختلف أهلُ العربيةِ فى وجهِ نصبٍ ﴿نَذْكِرَةً ﴾؛ فكان بعضُ نحوِّی البصرةِ يقولُ(٢): ﴿إِلَّا نَذْكِرَةَ﴾. بدلاً مِن قوله: ﴿لِتَشْقَىَ﴾. فجعَلَه: ما أنزلنا عليك القرآنَ إلا تذكرةً . وكان بعضُ نحوِّى الكوفةِ (٤) يقولُ: نُصِبت على قوله: ما أنزلناه(٥) إلا تذكرةً. وكان بعضُهم يُنكرِّ قولَ القائلِ: نُصِبتْ بدلًا مِن قوله: ﴿لِتَشْفَقَ﴾. ويقولُ: ذلك غيرُ جائزٍ؛ لأن: ﴿لِتَشْفَقَّ﴾. فى الجَخْدِ، و: ﴿إِلَّا نَذْكِرَةُ﴾ . فی التحقیقٍ ، ولكنَّه تکریر. وكان بعضُهم يقولُ: معنى الكلام: ما أنزلنا عليك القرآنَ إِلا تذكِرةً لمن يَخْشَى ، لا لِتَشْقَى . القولُ فى تأويل قوله جلَّ ثناؤُه: ﴿ تَنْزِيلًا مِّمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَوَتِ الْعُلَى ٥ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ أَسْتَوَى ٤ (١) تمام الأثر المتقدم فى الصفحة السابقة . (٢) بعده فى ص، ت ١، ت ٢، ت٣، ف: ((الذى)). (٣) بعده فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت٣، ف: ((قال)). (٤) هو الفراء فى معانى القرآن ١٧٤/٢ . (٥) فى الأصل: ((أنزلنا)). ٠١١ سورة طه : الآيات ٤ - ٦ يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ عَ لِ: هذا القرآنُ تنزيلٌ مِن الرَّبِّ الذى خلَق الأرضَ [٤٤/٣٥ظ] والسماواتِ العُلَى. والعُلَى: جمعُ عُلْيًا. واختلف أهلُ العربيةِ فى وجهِ نصبٍ قوله : ﴿ تَِزِيلًا﴾ ؛ فقال بعضُ نحوِّی البصرةِ : نُصِبَ ذلك بمعنَى: أَنزَل اللَّهُ ذلك تنزيلاً . وقال بعضُ مَن أنكَر ذلك مِن قيله : هذا مِن كلامَين، ولكن المعنَى : هو تنزيلٌ. ثم أَسْقَط ((هو))، واتَّصَل بالكلامِ الذى قبلَه ، فخرَج مِنه ، ولم يكُنْ مِن لفظِه. والقولانِ جميعًا عندى غيرُ خطأً . وقولُه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: الرحمنُ على عرشِه ارتفع وعلا . وقد بيَّنا معنى ((الاستواءِ)) بشواهدِه فيما مضى، وذكَّرنا اختلافَ المختلِفين فيه، فأغنَى ذلك عن إعادتِه فى هذا الموضعِ (١) . وللرفع فى ﴿الرَّحْمَنُ﴾ وجهانِ؛ أحدُهما، بمعنَى قوله: ﴿ تَنزِيلًا﴾ . فيكونُ معنى الكلام: نزَّله مَن خلَق الأرضَ والسماواتِ ، نزَّله الرحمنُ الذى على العرشِ استوى. والآخرُ، بقولِه: ﴿عَلَى الْعَرْشِ أُسْتَوَى﴾؛ لأن فى قوله: ﴿ أَسْتَوَى﴾ . ذِكرًا مِن ((الرحمنِ)). القولُ فى تأويل قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿لَهُ مَا فِى السَّمَوَاتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضِ وَمَا بَنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثََّى يقولُ تعالى ذكرُه: للَّهِ ﴿مَا فِىِ السَّمَوَتِ وَمَا فِ الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَرَى﴾ مِلْكًا له، وهو مُدِّرُ ذلك كلِّه، ومُصرِّفُ جميعِه. (١) ينظر ما تقدم فى ٤٥٤/١ . ١٢ سورة طه : الآيات ٦ - ٨ ويَعِنِى بِالثَّرَى النَّدَى، يُقالُ للترابِ الرَّطِبِ المبتلِّ: ثرّى؛ مَنْقوصٌ (١)، يُقالُ مِنه : ثرِيَتِ الأَرضُ تَثَى ثِرَّى ؛ مَنْقوصٌ، والثَّرَى مصدرٌ. وبنحوِ الذى قُلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ. / ذكرُ مَن قال ذلك ١٣٩/١٦ حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةً قوله: ﴿ وَمَا تَحْتَ الثََّى﴾: والثّرَى كلُّ شىءٍ مبتلِّ (٢). وحُدِّثتُ عن الحسينِ بنِ الفرج، قال : سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عبيدٌ ، قال : سمِعتُ الضَّحاكَ يقولُ فى قوله: ﴿ وَمَا تَحْتَ الثََّى﴾: ما حُفِر مِن التراب = (٣) مُبْتلَّا(٣) . وإنما عنَى بذلك: وما تحتَ الأَرَضِين السبع. كالذى حدَّثنى محمدُ بنُ إبراهيم السَّلِيميُّ(٢) ، المعروفُ بابنٍ صُدْرانَ، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا محمدُ بنُ رفاعةً، عن محمدِ بنِ كعبٍ: ﴿ وَمَا تَحْتَ الثََّى﴾. قال: الثَّرَى سبعُ أَرَضِينَ(١). القولُ فى تأويلٍ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَإِنِ تَجْهَرْ بِلْتَوَلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ اَلِزَّ وَأَخْفَى ٧ ٨ اَللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَّ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يقولُ تعالى ذكرُه: [٤٥/٣٥ و] وإن تَجَهَرْ يا محمدُ بالقولِ، أو تُخفِ به، فسواءٌ عندَ ربِّك الذى له ما فى السماواتِ وما فى الأرضِ؛ ﴿ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَ ﴾. يقولُ: (١) يعنى بالمنقوص: الاسم المقصور فى مصطلح البصريين. وينظر المصطلح النحوى ص ١٤٤، ١٤٥. (٢) تمام الأثر المتقدم فى ص ٩، ١٠ . (٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٨٩/٤ إلى ابن أبى حاتم . (٤) فى الأصل، ص، ت ١، ف: ((السلمى)). وينظر تهذيب الكمال ٣١٦/٢٤. ١٣ سورة طه : الآية ٧ فإنه لا يَخْفَى عليه ما استَشْررتَه فى نفسِك، فلم تُبدِهِ بجوارحِك ولم تتكلّمْ بلسانِك، ولم تَنطِقْ به، ﴿وَأَخْفَى﴾. ثم اختلف أهلُ التأويلِ فى الْمَغَنِىِّ بقولِه: ﴿ وَأَخْفَى﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: وأخفَى مِن السرِّ. قال: والذى هو أخفَى مِن السرِّ ما حدَّث به المرءُ نفسَه ولم يَعمَلْه. ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا حكّام ، عن عمرٍو، عن عطاءٍ، عن سعيد بن جبيرٍ ، عن ابنِ عبّاسٍ: ﴿يَعْلَمُ التِّرَّ وَأَخْفَى﴾. قال: السرّ ما عَلِمتَه(١) أنتَ، ﴿ وَأَخْفَى﴾. ما قذَف اللَّهُ فى قلبك مما لم تعلَتْه(٢). وحدّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمِّی ، قال : ثنی ابی ، عن أبيه، عن ابنِ عبَّاسٍ قولَه: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾. يَعنِى بـ ((أخفَى))، ما لم يَعْمَلْهُ(٣) وهو عاملُه، وأما ((السرّ))، فيعنى ما أُسرّ فى نفسِه. وحدَّثنى علىّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عبَّاسٍ قولَه: ﴿يَعْلَمُ السَِّ وَأَخْفَى﴾. قال: السرُّ ما أُسرَّابنُ آدمَ فى نفسِه، ﴿ وَأَخْفَى﴾. قال: ما أُخفَى ابنُ آدَمَ مما هو فاعلُه قبل أن يَعْمَلَهُ(٤)، فاللَّهُ يعلَمُ ذلك، فعلْمُهُ(٥) فيما مضَى من ذلك وما بَقِى علمٌ واحدٌ ، وجميعُ الخلائقِ عندَه فى ذلك كنفسٍ واحدةٍ ، (١) فى م، ف: ((عملته)). (٢) فى م: (( تعمله )). والأثر أخرجه الحاكم ٣٧٨/٢ من طريق عمرو بن أبى قيس به، وأخرجه أبو الشيخ فى العظمة (١٧٢) من طريق عطاء به . (٣) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((يعلمه)). (٤) فى ف: (( يعلمه )) . (٥) فى ت ١: ((فعمله)). ١٤ سورة طه : الآية ٧ وهو قولُه: ﴿مَا خَلْفُكُمْ وَلَا بَعْتُكُمْ إِلَّا كَنَفْسِ وَحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨]. وحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، قال : قال ابنُ جريجٍ : قال سعيدُ بنُ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: السُّ ما أسرَّ الإنسانُ فى نفسِه، ﴿ وَأَخْفَى﴾ . ما لم(٢) يَعْلَمِ الإنسانُ مما هو كائنٌ. وحدَّثنی زكريا بنُ يحيى بن أبى زائدةَ ومحمدُ بنُ عمرو، قالا : ثنا أبو عاصمِ، عن عيسى ، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قَولِ اللَّهِ: ﴿يَعْلَمُ اَلِسِرَّ وَأَخْفَى﴾. قال: أخفى: الوسوسةُ . زاد ابنُ عمرو والحارثُ فى حديثَيْهما: والسّرُ: العملُ الذى يُسِرُون مِن الناسِ". /وحدَّثنى القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريجٍ، عن مجاهدٍ : ﴿ وَأَخْفَى﴾. قال: الوسوسةُ . ١٤٠/١٦ حدَّثنا هنَّادٌ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن سماكِ، عن عكرمةَ فى قولِهِ: ﴿ يَعْلَمُ اُلْسِرَّ وَأَخْفَى﴾ قال : أخفى: حدِيثُ نفسِك(٤) . حدَّثنا ابنُ (°سنانِ القزازُ)، [٤٥/٣٥ظ] قال: ثنا الحسينُ بنُ الحسنِ الأشقرُ، قال: ثنا أبو كُدَينةً ، عن عطاءٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ فى قوله : ﴿ يَعْلَمُ (١) أخرجه البيهقى فى الأسماء والصفات (٧٣) من طريق عبد الله بن صالح به . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٩٠/٤ إلى ابن المنذر وابن أبى حاتم . (٢) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ف: ((لا)). (٣) تفسير مجاهد ص ٤٦٠، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٩٠/٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم . (٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٩٠/٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر. (٥ - ٥) فى ص، م، ت ١، ف: ((بشار)). ١٥ سورة طه : الآية ٧ اَلْسِرَ وَأَخْفَى﴾. قال: السرّ: ما يكونُ فى نفسِك اليومَ(١)، وأخفَى: ما يكونُ فى غدٍ وبعدَ غدٍ ، لا يعلمُه إلا اللَّهُ . وقال آخرون : بل معناه: وأخفَى مِن السرِّ ما لم تُحدِّثْ به نفسَك. ذکرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الفضلُ بنُ الصَّباح، قال : ثنا ابنُ فُضیلٍ ، عن عطاءٍ، عن سعیدِ بنِ جبیرٍ فى قوله: ﴿ يَعْلَمُ اَلْسِّرَ وَأَخْفَى﴾. قال: السرّ: ما أُسرَرتَ فى نفسِك، وأخفَى مِن ذلك: ما لم تُحدِّثْ به نفسَك(٢) . حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ وَإِن تَجْهَرْ بِالْقَوَّلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾: كنا نُحدَّثُ أن السرَّ ما حدَّثتَ به نفسَك، وأن أُخفَى مِن السرِّ ما هو كائنٌ مما لم تُحدِّثْ به نفسَك. حدَّثنا محمدُ بنُ بِشَّارٍ ، قال : ثنا سليمانُ بنُ حربٍ ، قال : ثنا أبو هلالٍ ، قال : ثنا قتادةٌ() فى قولِ اللَّهِ: ﴿يَعْلَمُ السِّرَ وَأَخْفَى﴾. قال: يعلمُ ما أسرَرتَ فى نفسِك، وأخفَی : ما لم يكنْ وهو كائنٌ. حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةً فى قوله : ﴿ يَعْلَمُ اَلْسِرَّ وَأَخْفَى﴾. قال: أخفَى مِن السرِّ: ما حدَّثتَ به نفسَك، وما لم تُحدِّثْ به نفسَك أيضًا مما هو كائنٌ(). (١) سقط من : الأصل . (٢) تفسير مجاهد ص ٤٦٠ من طريق عطاء به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٩٠/٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر . (٣) فى ص، م، ت ١، ف: ((أبو قتادة)). (٤) تفسير عبد الرزاق ١٥/٢، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٩٠/٤ إلى عبد بن حميد. ١٦ سورة طه : الآية ٧ ومحدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ ، قال: ثنا عبيدٌ ، قال: سمِعتُ الضَّحاكَ يقولُ فى قوله: ﴿يَعْلَمُ اَلِزَّ وَأَخْفَى﴾: أمَّا السرّ: فما أسرَرتَ فى نفسِك، وأما أخفَى مِن السرِّ: فما لم تعلَمْه(١) وأنتَ عاملُه، يعلمُ اللَّهُ ذلك كلَّه(٢). وقال آخرون : بل معنَى ذلك : إنه يعلمُ سرَّ العبادِ ، وأخفَى سرَّ نفسِه ، فلم يُطْلِع عليه أحدًا . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى يونسُ ، قال: أخبرنا ابنُّ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ يَعْلَمُ السِّرٌ وَأَخْفَى﴾. قال: يعلمُ أسرارَ العبادِ، وأخفَى سرَّه فلا يُعلَمُ(٣). وكأن الذين وجهوا تأويلَ ذلك إلى أن السّرّ هو ما حدَّث به الإنسانُ غيرَه سرًّا ، وأن أخفَى، معناه ما حدَّث به نفسَه - وجهوا تأويلَ ((أخفَى)) إلى الخفيّ. وقال [٤٦/٣٥ و] بعضُهم: قد توضَعُ ((أفعَلُ)) موضِعَ ((الفاعلِ)). واستشهدوا لقولهم" ذلك بقولِ الشاعرٍ(*) : فتلك سبيلٌ(١) لستُ فيها بأوحدٍ /تَمَنَّى رِجالٌ أَنْ أَموتَ وإِنْ أُمُتْ ١٤١/١٦ والصوابُ مِن القول فى ذلك قولُ مَن قال: معناه (١): يَعلَمُ السّرَّ وأخفَى مِن (١) فى م: ((تعمله)). (٢) تفسير سفيان ص ١٩٢ عن أبى داود، عن الضحاك، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٩٠/٤ إلى عبدبن حميد. (٣) التبيان ١٤٢/٧. (٤) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ف: ((لقيلهم)). (٥) نسبه الأخفش فى الاختيارين ص ١٦١ إلى مالك بن القين الخزرجى ، وهو فى ديوان عبيد بن الأبرص ص ٥٦ ، وفيه: تمنى مُرَىْءُ القيس موتى . (٦) فى م: ((طريق)). (٧) ليس فى الأصل . ١٧ سورة طه : الآيتان ٧، ٨ السرّ؛ لأن ذلك هو الظاهرُ مِن الكلام، ولو كان معنَى ذلك على (١) ما تأؤله ابنُ زيدٍ لكان الكلامُ: وأخفَى اللَّهُ سرَّه؛ لأن «أخفَى)) فِعلٌ واقِعُ مُتعدٍّ، إذا كان بمعنَى ((فَعَل)) على ما تأوَّله ابنُ زيدٍ ، وفى انفرادِ ((أخفَى)) مِن مفعولِه والذى يَعمَلُ فيه لو كان بمعنَى ((فَعَل)) - الدليلُ الواضحُ على أنه بمعنى ((أفعلَ))، وأن تأويلَ الكلام: فإنه يَعْلَمُ السرَّ وأُخفَى مِنه. فإذا كان ذلك تأويلَه، فالصوابُ مِن القولِ فى معنَى أخفَى مِن السرِّ أن يُقالَ: هو ما علِمِ اللَّهُ ممَا حَفِىَ (٢) عن العبادِ ولم يعلَموه مما هو كائنٌ ولما يُكُنْ؛ لأن ما ظهَر وكان، فغيرُ سِرّ، وأن ما لم يكنْ وهو غيرُ كائنٍ، فلا شىءَ، وأن ما لم يَكُنْ وهو كائنٌ، فهو أخْفى مِن السِّرِّ، لأن ذلك لا يَعلَمُه إلا اللَّهُ، ثم مَن أَعلَمه ذلك مِن عبادِه. وأما قوله تعالى ذكره: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَّ﴾. فإنه يعنى بذلك: المعبودُ الذى لا تَصْلُحُ العبادةُ إِلَّا له ﴿ اَللَّهُ﴾(٢) . يقولُ: فإِيَّه فاعبدُوا أَيُّهَا النَّاسُ دونَ ما سِواه مِن الآلهةِ والأوثانِ، ﴿لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾. يقولُ جلُّ ثناؤه: لمعبودِكم أيُّها الناسُ الأسماءُ الحسْنَى. فقال تعالى ذكره: ﴿اَلْحُسْنَى﴾. فوخَد، وهو نعتٌ لـ((الأسماءِ))، ولم يَقُلْ: الأُحاسنُ. لأن الأسماءَ تَقَعُ عليها (هذه))، فيُقالُ: هذه أسماءٌ. و((هذه)) فى لفظٍ (٤) واحدَةٍ(٥). ومِنه قولُ الأعشَى(١): وسوف يُعْقِبُنِيه إنَّ ظَفِرْتُ بِه ربّ غفورٌ وبيضٌ ذاتُ أطهارٍ فوخَّد ((ذات)) وهى نعتّ لـ ((البيضِ))؛ لأنه يَقَعُ عليها ((هذه))، كما (١) سقط من: م، ت ١ ، ف . (٢) فى م، ت ١، ت ٢، ت٣، ف: ((أخفى)). (٣) سقط من : م . (٤) فى م: ((لفظة)). (٥) فى ص، ت١، ت٢، ت٣: ((واحد). (٦) ديوانه ص ١٨١. (٧) فى م: ((هو)). ( تفسير الطبرى ٢/١٦ ) ١٨ سورة طه : الآيات ٨ - ١٠ قال: ﴿حَذَابِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾ [النمل: ٦٠]. ومِنه قولُه جلّ ثناؤه: ﴿ مَثَارِبُ أُخْرَى﴾ [ طه: ١٨]. فوحَّدَ ﴿أُخْرَى﴾، وهى نعتٌ ل﴿ مَثَارِبُ﴾، و((المآربُ)) جمعٌ، واحدتُها مَأْرَبَةٌ ، ولم يَقُلْ: أُخَرَ. لما وصَفنا، ولو قِيل: أُخرُ. لكان صوابًا. ٩ القولُ فى تأويل قوله جلّ ثناؤُه: [٤٦/٣٥ظ] ﴿ وَهَلْ أَتَنْكَ حَدِيثُ مُوسَى إِذْ رَءَا نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِ أَمْكُنُواْ إِنِّ ءَانَسْتُ نَارًا لَّعَلِّ ◌َانِيَكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدَّى يقولُ تعالى ذكرُه لنبيّه محمدٍ عَمِ مُسلِّه عما يلقَى فيه (١) مِن الشِّدَّةِ مِن مُشرِكى قومِه، ومُعَرِّفَه ما إليه صائرٌ أمرُه وأمرُهم ، وأنه مُعْلِيه عليهم ، وموهِنُ كيدِ ١٤٢/١٦ الكافرين، ويَحُثُّه على الجِدِّ فى أمرِه، والصَّبرِ / على عبادَتِهِ، وأن يَتَذَكَّرَ فيما يَنُوبُه(٢) فيه مِن أعدائِه من مُشرٍ كى قومِه وغيرِهم ، وفيما يزاولُ مِن الاجتهادِ فى طاعتِه - ما نال(٣) أخاه موسى بن عمرانَ عليه السلامُ مِن عدوّه فرعونَ(٤)، ثم مِن قومِه(٥) مِن بنى إسرائيلَ، وما لَقِى فيه(٢) مِن البلاءِ والشدَّةِ طفلًا صغيرًا، ثم يافعًا مُتَرَعرِعًا ، ثم رجلاً كاملاً، ﴿وَهَلْ أَتَنَكَ﴾ يا محمدُ ﴿ حَدِيثُ مُوسَى﴾ بنِ عِمرانَ ﴿إِذْ رَءَ نَارًا﴾ . ذُكِر أن ذلك كان فى الشتاءِ ليلاً ، وأن موسى كان أضَلَّ الطريقَ ، فلما رأى ضوءَ النارِ قال لأهلِه ما قال . (١) سقط من : م ، ت ٢. (٢) فى ت٢، ت٣ : (( ينويه)). (٣) فى ص، م، ت ١، ف: ((ناب)). (٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت٣، ف. ٠ (٥) بعده فى م: (( و)). (٦) فى ص، ت ١ : ((منه)). ١٩ سورة طه : الآية ١٠ ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا موسى بنُ هارونَ ، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباطُ ، عن السدىِّ ، عن أبى مالكٍ ، وعن أبى صالح، عن ابنِ عباسٍ ، قال: لما قضَى موسى الأجلَ سار بأهلِه فضَلَّ الطريقَ . قال عبدُ اللَّهِ بنُ عباسٍ: كان فى الشتاءِ، ورُفِعَتْ لهم نارٌ، فلمَّا رآها ظنَّ أنها نارٌ، وكانتْ مِن نورِ اللَّهِ، ﴿فَقَالَ لِأَهْلِهِ أَمْكُوْاْ إِنّ ◌َانَسْتُ (١) نَارًا﴾ (١). حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنٍ إسحاقَ، عن وهبٍ بِنِ منْبِّهِ اليمانيّ، قال: لما قضَى موسى الأجلَ، خرج ومعه غنمٌ له ، ومعه زَنْدٌ (١) له، وعصاه فى يدِه يَهُشُّ بها على غنِه نهارًا، فإذا أُمسَى اقتدَح بزَنْدِه نارًا ، فبات عليها هو وأهلُه وغنمُه ، فإذا أُصبَح غدًا بغنمِه وأهلِه، يتوكّأُ(١) على عصَاه، فلما كانت الليلةُ التى أراد اللَّهُ بموسى كرامته، وابتداءَه فيها بنبوَّتِه وكلامِه، أخطَأ فيها الطريقَ حتى لا يَدرِىَ أينَ يَتَوجَّهُ، فَأُخرَج زَنْدَه ليقتدِحَ نارًا لأهلِه؛ لَيْبِيتُوا عليها حتى يُصْبِحَ، ويعلمَ وَجْهَ سبيله، فأَصلَد زَنْدُه فلا يُورِى له نارًا، فقدَح حتى إذا (١) أعيَاه لاحَت النارُ فرآها فقَالَ لأَهلِهِ: ﴿أَمْكُنُوْاْ إِنَّيْ ءَانَسْتُ نَارًا لَّعَلِى ءَائِيَكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ (٥) هُدى﴾(٢). (١) جزء من أثر طويل أخرجه المصنف فى تاريخه ٤٠٠/١ عن السدى بإسناده المعروف. وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٨٤٢/٩، ٢٨٤٣ من طريق عمرو بن حماد ، عن أسباط ، عن السدى ، عن ابن عباس . (٢) الزَّنْد والزَّندة: خشيتان يستقدح بهما ، فالسفلى زندة ، والأعلى زند. اللسان (زن د). (٣) فى م: ((فتوكأ)) . (٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ف . (٥) أخرجه المصنف فى تاريخه ٤٠١/١، ٤٠٢. ٢٠ سورة طه : الآية ١٠ « حدَّثنى يونسُ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبى سعدٍ، عن عكرمةً، قال: قال ابنُ عباس: كانوا شاتين، فلما رأى [٤٧/٣٥ و] النارَ قال: لعلِّى آتِيكم منها بخبرٍ). وعَنَى بقولِه: ﴿ مَانَسْتُ نَارًا﴾: وَجَدتُ . ومِن أمثالِ العربِ: بعدَ اطّلاع إيناسٌ. ويقالُ أيضًا: بعدَ طلوعٍ إيناسٌ(٢). وهو مأخوذٌ مِن ((الأُنْسِ)). وقولُه: ﴿لَّعَلِّ ءَائِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ﴾. يقولُ: لعلِّى أجيتُكم مِن النارِ التى آنستُ بِشُعْلةٍ . والقبَسُ هو النارُ فى طرّفِ العودِ أو القصَبةِ ، يقولُ القائلُ لصاحبِهِ : أقبِشْنِى نارًا . فيُعْطِيه إِيَّها فى طرفٍ عودٍ أو قصبَةٍ . وأَّما أراد موسى عليه السلامُ بقوله لأهلِه: ﴿لَعَلَّ ءَانِيَكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ﴾: لعلَّى آتيكُم بذلك لتصْطَلُوا به . كما حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن وهبِ بنِ منبِّهِ : ﴿أَّعَلِّ ءَإِيَكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ﴾. قال: بقبسٍ تَصطَلُون(٣) ... وقولُه: ﴿أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدَى﴾. " يقولُ: أو أُجِدُ على النارِ) دلالةٌ تدُلَّ على الطريقِ الذى أضلَلْناه، إمَّا مِن خبرِ هادٍ يَهدِينا إليه، وإمَّ مِن بَيَانٍ وَعَلَم نتبيَّنُه به ونعرِفُه . (١ - ١) سقط من: ص، م، ت ١، ف. والأثر أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٩٧٢/٩ من طريق سفيان به ، وذكره ابن كثير فى تفسيره ٢٧٠/٥ عن الثوری به . (٢) مجمع الأمثال ١٨٦/١، وقائله قيس بن زهير، ومعناه: إنما يحصل اليقين بعد النظر. (٣) تقدم أوله فى الصفحة السابقة ، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٨٤٣/٩ (١٦١١٩) من طريق سلمة ، عن ابن إسحاق قوله . (٤ - ٤) سقط من: ص ، م ، ت ١، ف .