النص المفهرس
صفحات 361-380
٣٦١
سورة الكهف : الآيتان ٨٠، ٨١
وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾: أرحمَ به منهما بالذى قتَل الخَضِرُ(١).
وكان بعضُ أهلِ العربيةِ يَتَأَوَّلُ ذلك(٢): وأقربَ أن (" يُؤْحَما به٢) . والرُّحْمُ
مصدرٌ رَحِمْتُ ، يقالُ: رَحِمتُهُ رَحْمةً ورُحْمًا .
وكان بعضُ البَصْرِيين يقولُ(٤): من الرَّحِم والقرابةِ. وقال(٥): يقالُ: رُحْمٌ
ورَحْمٌ، مثلَ: "عُمْرٌ وعَمْرُ)، وهُلْكُ وهَلْكٌ. واستَشَهد لقولِه ذلك ببيتٍ
(٧)
العَجّاج () :
ولَمْ تَعَوَّجْ رُحْمَ مَن تَعَوَّجا(٨)
ولا وجهَ للرَّحِم فى هذا الموضع؛ [٢٤/٣٤ظ] لأن المقتولَ كان و(٦) الذى
أبدَل اللَّهُ منه والِدَيه ولدًا لأَبَوَى (١٠) المقتولِ، فقرابتُهما من والِدَيه وقربُهما منه فى
الرَّحِمِ سواءٌ. وإنما معنى ذلك: وأقربَ من المقتولِ أن يَرْحَمَ والِدَيه فيَرَّهما، كما / ٥/١٦
قال قتادةُ. وقد يَتَوَجَّهُ الكلامُ إلى أن يكونَ معناه: وأقربَ أن (" يُؤْحَمَا به٢). غيرَ أنه
(١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١٨١/٥.
(٢) هو قول الفراء فى معانى القرآن ١٥٧/٢.
(٣ - ٣) فى م: ((يرحماه)).
(٤) هو قول أبى عبيدة فى مجاز القرآن ٤١٣/١.
(٥) فى ص، م، ت١، ت٢، ف: ((قد)).
(٦ - ٦) فى م: ((عُشْر وعُشُر)).
(٧) ديوانه ص ٣٨١ . وفيه: ((ولم تَعَرَّجْ رُخْم مَن تَعَرَّجا))، وبحاشية أصل الديوان كما عندنا.
(٨) الضمير يعود إلى الحرب ، فهى لا تحيد عن من كرهها وحاد عنها بل تمضى على وجهها ، أى لم ترحم
أحدا . ينظر الديوان ص ٣٨٢ .
(٩) سقط من : م .
(١٠) فى الأصل، ص، م، ت١، ت٢، ف: ((لأبى)).
٣٦٢
سورة الكهف : الآيتان ٨٢،٨١
قائلَ من أهل التأويل تأوَّلَه كذلك، فإذا لم يَكُنْ قال به" قائلٌ، فالصوابُ فيه ما
قلنا ؛ لِمَا بَيَّنَّا .
القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَمَيْنِ يَتِيْمَيْنِ فِى
الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْرٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوُهُمَا صَلِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَآ أَشُدَهُمَا
وَيَسْتَخْرِجَا كَنَزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكْ وَمَا فَعَلَئُهُ عَنْ أَمْرِىَّ ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعِ عَّلَيْهِ
صَبْرًا
٨٢
يقولُ تعالى ذكرُه مخبِرًا عن قولٍ صاحبٍ موسى: وأمّا الحائطُ الذى أَقَمْتُه،
فإنه كان لغُلامَين يَتِيمَين فى المدينةِ، وكان تحتَه كَثْرٌ لهما .
اختلف أهلُ التأويلِ فى ذلك الكَثْرِ؛ فقال بعضُهم: كان صُحُفًا فيها عِلْمٌ
مدفونةً .
ذکرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى، قال: ثنى عَمِّى ، قال: ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَّهُمَا﴾. قال: كان تحتَه كَثْرُ علمٍ(٢).
[٢٥/٣٤و] حدَّثنا يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخبرنا محُصَيْنٌ، عن سعيدِ
ابنِ جُبَيْرٍ: ﴿ وَكَانَ تَحْتَهُ كَثْرٌ لَّهُمَا﴾. قال: علمٌ().
حدَّثنى محمدُ بنُ الْمُثَنَّى، قال: ثنا أبو داودَ ، قال: ثنا شُعْبةُ ، عن أبى حُصَينٍ،
عن سعيدِ بنِ جبيرٍ: ﴿ وَكَانَ تَحْتَلُ كَثْرٌ لَّهُمَا﴾. قال: علمٌ .
(١ - ١) فى ص، م، ت١، ت٢، ف: ((فيه)).
(٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١٨٢/٥.
(٣) تفسير الثورى ص ١٧٨ عن أبى حصين ، عن سعيد .
٣٦٣
سورة الكهف : الآية ٨٢
(١ حدَّثنا ابنُ بَشّارٍ، قال: نا عبدُ الرحمنِ، قال: نا سفيانُ ، عن ابنِ أبى نَجِيح،
عن مجاهدٍ: ﴿وَكَنَ تَحْتَهُ كَنْرٌ لَّهُمَا﴾. قال: علمٌّ(١٢).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ ، قال: ثنا ورَقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبى نَجِيح ، عن مجاهدٍ ،
قولَه: ﴿ وَكَانَ تَحْتَدٍُ كَنْ لَّهُمَا﴾. قال: صحفٌ لغلامين فيها علمّ".
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن
مجاهدٍ ، قال : صحفُ علمٍ .
حدَّثنى أحمدُ بنُ حازمِ الغِفَارِىُّ، قال: ثنا هَّادَةُ ابنةُ مالكِ الشَّيْبَانِيةُ، قالت :
سَمِعتُ صاحبِى حمادَ بنَ الوليدِ الثَّقَفيَّ ، يقولُ : سَمِعتُ جعفرَ بنَ محمدٍ ، يقولُ
فى قولِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ: ﴿ وَكَانَ تَحْتَهٍُ كَفَرٌ لَّهُمَا﴾. قال: سطران ونصفٌ، لم يَتِمَّ
الثالثُ! عَجِبتُ(٤) للمُوقِنِ بالرزقِ كيف يَتْعَبُ! وعَجِبتُ (٢) للمُوقِنِ بالحسابِ كيف
يَغْفَلُ! وعَجِبتُ(٤) للمُوقِنِ بالموتِ كيف يَفْرَحُ! وقد قال: ﴿وَإِن كَانَ مِثْقَالَ
حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَنْيَّنَا / بِهَا وَكَفَى بِنَا حَسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧]. قالت: وذُكِر ٦/١٦
أنهما محُفظا بصلاح أبيهما، ولم يُذْكَرْ منهما صلاحٌ، وكان بينَهما [٢٥/٣٤ظ] وبينَ
الأبِ الذى حُفِظا به سبعةُ آباءٍ، وكان نَّاجًا (٥).
حدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا الحسنُ بنُ حبيبٍ بنِ نَدَبةَ، قال: ثنا مَسْلَمةُ(١) بنُ
(١ - ١) سقط من: ص، م، ت١، ف .
(٢) تفسیر الثوری ص١٧٨
(٣) تفسير مجاهد ص ٤٥٠ .
(٤) فى الأصل: ((عجب)).
(٥) فى الأصل: ((سيّاحا)). والأثر ذكره ابن كثير فى تفسيره ١٨٣/١.
(٦) فى ص، م، ت١، ف: ((سلمة)). تنظر ترجمته فى تهذيب الكمال ٥٧٣/٢٧ .
٣٦٤
سورة الكهف : الآية ٨٢
محمدٍ ، عن نُعَيْم العَنْبَرِىِّ، وكان من جُلساءِ الحسنِ، قال: سَمِعتُ الحسنَ يقولُ فى
قوله: ﴿وَكَنَ تَحْتَهُ كَنْزُ لَّهُمَا﴾. قال: لوحٌ من ذهبٍ مكتوبٌ فيه: بسم اللَّهِ
الرحمنِ الرحيم، عَجَبٌ (١) لمن يُؤْمِنُ بالقَدَرٍ (١) كيف يَحْزَنُ! وعَجَبٌ (١) لمن يُوقِنُ
بالموتِ كيف يَفْرَعُ! وعَجَبٌ(١) لمن يَغْرِفُ الدنيا وتَقَلُّتَها بأهلِها كيف يَطْمَئِنُّ إليها!
لا إلهَ إلا اللَّهُ، محمدٌ رسولُ اللَّهِ(٣) .
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ ، قال : ثنى ابنُ إسحاقَ ، عن الحسنِ بنِ
عُمَارةَ، عن الحكم، عن سعيدِ بنِ مُبَيرٍ ، عن ابنِ عباسٍ ؛ أنه كان يقولُ: ما كان
(٤)
الكَثْرُ إِلا عِلْمًا (٤).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى ، قال : أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا ابنُ عُبَيْنةَ، عن
حميدٍ، عن مجاهدٍ فى قوله: ﴿ وَكَانَ تَحْتَهُ كَفْ لَّهُمَا﴾. قال: صُحُفٌ من
(٥)
علمٍ).
حدَّثنى يونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال : أخبرنى عبدُ اللهِ بنُ عَيَاشِ ، عن
عمرَ مولى غُفْرةَ ، قال : إن الكَثْرَ الذى قال اللَّهُ فى السورةِ التى يُذْكَرُ فيها الكهفُ :
﴿ وَكَانَ تَحْتَهُ كَفْ لَّهُمَا﴾. قال: كان لوحًا من ذهبٍ مُصْمَتٍ ، مكتوبٌ فيه :
بسم اللَّهِ الرحمنِ الرحيم، عَجَبٌ ممن عرف الموتَ ثم ضَحِك! عَجَبٌ ممن أَيْقَنّ
بالقدرِ ثم نَصِبَ ، عَجَبٌّ ممن أَيْقَن بالموتِ ثم أَمِن، أَشْهَدُ أن لا إلهَ إلا اللَّهُ، وأن
(١) فى م، ت١، ت٢: ((عجبت)).
(٢) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ف .
(٣) أخرجه اللالكائى فى الاعتقاد (١٢٤٩) من طريق يعقوب به. وسقطت منه عبارة: قال: سمعت الحسن.
وذكره ابن کثیر فی تفسیرہ ١٨٢/٥.
(٤) أخرجه المصنف فى تاريخه ٣٧٥/١ مطولا .
(٥) تفسير عبد الرزاق ٤٠٧/١ .
٣٦٥
سورة الكهف : الآية ٨٢
محمدًا عبدُه ورسولُه(١).
وقال آخرون: بل كان مالًا مکنوزًا .
[٢٦/٣٤و] ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخبرنا حُصَيْنٌ، عن عكرمةَ:
﴿ وَكَانَ تَحْتَهُ كَفْ لَّهُمَا﴾. قال: كَثْزُ مالٍ(١).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ ، قال : ثنا عبدُ الرحمنِ ، قال : ثنا سفيانُ، عن أبى محُصَيْنْ ، عن
عكرمةَ مثلَه(٢) .
حدَّثْنا ابنُ المُنَّى ، قال: ثنا أبو داودَ ، عن شعبةَ ، قال : أخبرنى أبو محُصَينٍ ، عن
عكرمةً مثلَه. قال شعبةُ: ولم يَسْمَعْهُ(١) منه .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن
قتادةَ: ﴿ وَكَانَ تَحْتَدٍُ كَنْزُ لَّهُمَا﴾. قال: مالٌ لهما. قال قتادةُ: أُحِلَّ الكَتْرُ لمن
كان قَبْلَنا، وحُرِّم علينا ( وحُرِّمَت الغنيمةُ على من كان قبلنا وأُحِلَّت لنا (٥).
حدثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْرٌ
لَّهُمَا﴾ الآية . فلا يُعْجِبُنى الرجلُ يقولُ: ما شأنُ الكَثْرِ؟ أُحِلَّ لمن كان قبلَنا وحُرِّم
علينا)! فإن اللَّهَ يُحِلُّ من أمرِه ما يشاءُ ويُحَرِّمُ، وهى السننُ والفرائضُ، ويُحِلُّ لأمَّةٍ
ويُحَرِّمُ على أخرَى، ولكنَّ اللَّهَ لا يَقْبَلُ من أحدٍ مضى إلا الإخلاصَ والتوحيدَ له .
(١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١٨٢/٥ .
(٢) تفسیر الثوری ص ١٧٨ .
(٣) فى م: ((نسمعه)). وقوله: لم يسمعه منه. أى: لم يسمعه أبو حصين من عكرمة .
(٤ - ٤) سقط من : ص، م، ت١ ، ف .
(٥) تفسير عبد الرزاق ٤٠٧/١ .
٣٦٦
سورة الكهف : الآية ٨٢
وأَوْلَى التأويلين فى ذلك بالصوابِ القولُ الذى قاله عكرمةُ؛ لأن المعروفَ من
كلامِ العربِ أن الكَْرَ اسمُ لِما يُكْتَزُ من مالٍ، وأن (١) كلَّ ما كُنزِ فقد وقَعُ(١) عليه اسمُ
كَنزٍ ، فإن التأويلَ مصروفٌ إلى الأغلبِ من استعمالِ المخاطَبِين بالتنزيلِ، [٢٦/٣٤ظ]
ما لم يَأْتِ دليلٌ يَجِبُ من أجلِه صرفُه إلى غيرِ ذلك ؛ لعللٍ قد بيَّناها فى غيرِ موضعٍ،
/وقولُه: ﴿وَكَانَ أَبُوُهُمَا صَلِحًا فَأَرَدَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَآ أَشُدَهُمَا﴾. يقولُ : فأراد ربُّك
أن يُدْرِ كا ويَتْلُغا قوَّتَهما وشِدَّتَهما، ﴿ وَيَسْتَخْرِجَا﴾ حينَئِذٍ ﴿كَفَهُمَا ﴾ المكنوزَ
تحتَ الجدارِ الذى أَقَمْتُه ﴿رَحْمَةٌ مِّن رَّيِّكَ﴾ بهما. يقولُ: فعَلتُ فعلى(٣) هذا
بالجدارِ رحمةً من ربِّك لليَتِيمَينْ.
٧/١٦
وكان ابنُ عباسٍ يقولُ فى ذلك ما حدَّثنى به موسى بنُ عبدِ الرحمنِ ، قال : ثنا
أبو أسامةَ ، عن مِشْعَرٍ، عن عبدِ الملكِ بنِ مَيْسَرَةَ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ ، قال : قال ابنُ
عباسٍ فى قوله : ﴿ وَكَانَ أَبُوُهُمَا صَلِحًا﴾. قال: محُفِظا بصلاح أبيهما، وما ذُكِر
منهما صلاحٌ(٤).
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ ، قال: ثنا سفيانُ، عن مِسْعَرٍ، عن عبدِ الملكِ بنِ مَّيْسَرَةَ، عن
سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ بمثلِه (٥).
وقولُه: ﴿ وَمَا فَعَلْنُهُ عَنْ أَمْرِىَّ ﴾ . يقولُ: وما فعَلتُ يا موسى جميعَ الذى
رأيتَنى فعَلتُه عن رأيى ومِن تِلْقَاءِ نفسى، وإنما فعَلتُه عن أمرِ اللَّهِ إِياىَ به.
(١) بعده فى الأصل: ((كان)).
(٢) فى الأصل، ت٢: ((يقع)).
(٣) سقط من : م .
(٤) أخرجه ابن المبارك فى الزهد (٣٣٢) من طريق مسعر به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٣٥/٤ إلى
أحمد فى الزهد وابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٥) أخرجه الحميدى فى مسنده (٣٧٢)، والحاكم ٣٦٩/٢ من طريق سفيان .
٣٦٧
سورة الكهف : الآية ٨٢
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةُ: ﴿ وَمَا فَعَلْنُهُ عَنْ
أَمْرِىَّ﴾، كان عبدًا مأمورًا، فمضَى لأمرِ اللَّهِ(١).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنٍ إسحاقَ: ﴿ وَمَا فَعَلَئُهُ عَنْ
أَمْرِىَّ﴾ ، ما رأيتَ أَجْمَعَ ما فعَلتُه عن نفسى .
وقولُه: ﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعِ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾. يقولُ : هذا الذى ذكَرْتُ
لك من الأسبابِ التى من أجلِها فعَلتُ الأفعالَ التى استَنكَرْتَها مِنِّى
﴿ تَأْوِيلُ﴾. يقولُ: ما تَقُولُ إليه وتَرْجِعُ الأفعالُ التى لم تَسْتَطِعُ(١) على تركِ
مسئلتِك إياىَ [٢٧/٣٤و] عنها وإنكارٍ كها صبرًا.
وهذه القِصصُ التى أخبر اللَّهُ عزَّ وجلَّ نبيَّه محمدًا عَ لِّ بها عن موسى
وصاحبِه ، تأديبٌ منه له ، وتَقَدُّمٌ إِليه بتركِ الاستعجالِ بعقوبةِ المشركين الذين كذبوه
واستَهْزَءوا) بكتابِه ، وإعلامٌ منه له أن أفعالَه بهم وإن جرَتْ فيما ترَى الأعينُ بما قد
يَجْرِى مثلُه أحيانًا لأوليائِه ، فإن تأويلَه صائرٌ بهم إلى أحوالِ أعدائِه فيها ، كما كانت
أفعالُ صاحبٍ موسى واقعةً بخلافِ الصحةِ فى الظاهرِ عندَ موسى ، إذ لم يكنْ عالماً
بعواقبِها ، وهى ماضيةٌ على الصحةِ فى الحقيقةِ ، وآيِلةٌ إلى الصوابِ فى العاقبةِ ، يُنْبِىُّ
عن صحة ذلك قولُه: ﴿ وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُواْ لَعَجَّلَ
لَهُمُ الْعَذَابُّ بَل لَّهُم مَّوْعِدٌ لَّن يَجِدُواْ مِن دُونِهِ، مَوْيِلًا ﴾ [الكهف: ٥٨]. ثم عَقَّب
ذلك بقصةِ موسى وصاحبِه ؛ يُعْلِمُ نبيَّه أَن تَرْكَه جلَّ جلالُه تَعْجِيلَ العذابِ لهؤلاء
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٣٨/٤ إلى ابن أبى حاتم .
(٢) فى ص، م، ت١، ف: ((تسطع)).
(٣) فى ص، م، ت١، ف: ((إنكارك لها)).
(٤) بعده فى م : (( به و)).
٣٦٨
سورة الكهف : الآيات ٨٢ - ٨٥
المشركين لغيرٍ نظَرٍ منه لهم، وإن كان ذلك فيما يَحْسِبُ من لا علمَ له بما اللّهُ مُدَيِّد
فیھم نظرًا منه لهم ؛ لأُن تأويلَ ذلك صائرٌ إلی هلا کھم وَبَوارِهم بالسیفِ فى الدنيا ،
واستحقاقِهم من اللَّهِ فى الآخرةِ الخِزْىَ الدائمَ .
٨/١٦
/القولُ فى تأويل قوله جلَّ ثناؤُه: ﴿ وَيَسْتَلُونَكَ عَن ذِى الْقَرْنَيْنِّ قُلْ سَأَتْلُواْ
عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا ﴿ إِنَّا مَكَّنَا لَهُ فِ الْأَرْضِ وَءَانَيْنَهُ مِن كُلِّ شَىْءٍ سَبَبًّا
٢٨٤
٨٥
[ ٢٧/٣٤ ظ] فَأَنْبَعَ سَبَبًا
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيّه محمدٍ مِّالِمِ: ويسألُك يا محمدُ هؤلاء المشركون عن
ذى القرنَيْنْ ما كان شأنُه، وما كانت قصتُه، فقُلْ لهم: ﴿ سَأَتْلُو عليكم﴾ من خَبِه
﴿ذِكْرًا﴾. يقولُ: سأقُصُّ عليكم منه خبرًا. وقد قيل: إن الذين سألُوا
رسولَ اللَّهِ عَ لَّهِ عن أمرٍ ذى القرنين كانوا قومًا من أهلِ الكتابِ. فأما الخبرُ بأنَّ الذين
سأَلُوه عن ذلك كانوا مشرکی قومِه فقد ذكرناه قبلُ(١).
وأما الخبر بأن الذين سألُوه كانوا قومًا من أهل الكتابِ ، فحدَّثَنا به أبو كريبٍ ،
قال : ثنازيدُ بنُ حبابٍ ، عن ابنِ لهيعةَ، قال : ثنى عبدُ الرحمنِ بنُ زيادِ بنِ أَنْعُمٍ(٣)،
عن شيخَينْ من تُجِيبَ (٤)، قال أحدُهما لصاحبِه: انطلِقْ بنا إلى عقبةَ بنِ عامٍ
نتحدَّثْ. قالا: فأتَيناه(٥). فقالا: جِئْنا لتُحَدِّثَنَا. فقال: كنتُ يومًا أخدِمُ رسولَ اللَّهِ
عَ ظِلّه ، فخرَجتُ من عندِه، فلقِيَتى قومٌ من أهلِ الكتابِ، فقالوا: نُرِيدُ أن نسأَلَ
(١) فى ص، م، ف: ((بغير)).
(٢) تقدم فى ص ١٤٢ - ١٤٤ .
(٣) بعده فى مصادر التخريج: ((سعد بن مسعود).
(٤) تجيب: اسم قبيلة من كندة ، لهم خِطة - وهو ما يختطه الإنسان لنفسه من الأرض ونحوها - بمصر
سميت بهم . معجم البلدان ٨٣٧/١ .
(٥) فى م: ((فآتياه)).
٣٦٩
سورة الكهف : الآيات ٨٣ - ٨٥
رسولَ اللَّهِ صَ الِ، فاسْتَأذِنْ لنا عليه. فدخَلتُ عليه فأخبَرْتُه، فقال: ((مالی و(١) لهم،
ما لى علمٌ إلا ما عَلَّمَنى اللَّهُ)). ثم قال: ((اسْكُبْ لى ماءً)). فتوضَّأ ثم صلَّى. قال:
فما فرَغْ حتى عرَفتُ السرورَ فى وجهِه، ثم قال: ((أدخِلْهم علىَّ ومَن رأَيتَ من
أصحابى)). فدخَلُوا فقاموا بينَ يديه ، فقال: ((إن شِئْتُم سألْتُم فأخبرتُكم عما تجِدُونه
فى كتابِكم مكتوبًا، وإن شِئْتُم أخبرتُكم)). قالوا: بل١) أخْبِرْنا. قال: (( جِئْتُم
تسألُونى عن ذى القرنين، وما تجِدُونه [ ٢٨/٣٤ و] فى كتابِكم؛ كان شابًّا من الرومِ ،
فجاء فبنَى مدينةَ مصرَ ، الإسكندريةَ ، فلما فرَغ جاءه مَلَكٌ فعلا به فى السماءِ ، فقال
له: ما ترى؟ فقال: أَرَى مدينَتَى (١) ومدائنَ. ثم علا به، فقال: ما ترَى ؟ فقال :
أَرَى مدينَتَى(٤). ثم علا به فقال: ما ترَى؟ قال: أَرَى الأرضَ. قال: فهذا اليُّ
محيطٌ بالدنيا ، إن اللَّهَ بعثَنى إليك تُعلِّمُ الجاهلَ، وتُثَبْتُ العالِمَ. فَأَتَّى به السدّ(٥) ،
وهما(١) جبلان ليّنان يَزْلُقُ عنهما(٢) كلُّ شىءٍ. ثم مضَى به حتى جاوَزَ يأجوجَ
ومأجوجَ، ثم مضَى به إلى أُمَّةٍ أُخرى، وجوهُهم وجوهُ الكلابِ، يُقاتِلُون يأجوجَ
ومأجوجَ، ثم مضَى به حتى قطَع به أمةٌ أُخرى يقاتِلُون هؤلاء الذين وجوهُهم وجوهُ
الكلاب ، ثم مضى حتى قطَع به هؤلاء إلى أمةٍ أخرى قد سمَّاهم)) (١).
(١) بعده فى ص، م، ت ١، ت ٢، ف: ((ما)).
(٢) فى م، ص، ت ١، ت ٢: ((بلى)).
(٣) فى الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ف: ((مدينتين).
(٤) فى الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ف: ((مدينة)).
(٥) كذا فى النسخ، ودلائل النبوة، وتاريخ ابن عساكر، وفى فتوح مصر، والعظمة، والدر المنثور: ((السدين)).
(٦) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ف: ((هو)).
(٧) فى الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ف: ((عليهما)).
(٨) أخرجه ابن عبد الحكم فى فتوح مصر ص ٣٨، وأبو الشيخ فى العظمة (٩٧٥)، والبيهقى فى دلائل النبوة
٢٩٥/٦، ٢٩٦- ومن طريقه ابن عساكر فى تاريخ دمشق ٣٣٨/١٧ - من طريق عبد الرحمن بن زياد
بنحوه . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٤١/٤، ٢٤٢ إلى ابن أبى حاتم .
( تفسير الطبرى ٢٤/١٥ )
٣٧٠
سورة الكهف : الآيات ٨٣ - ٨٥
واختلَف أهلُ العلم فى المعنى الذى من أجلِه قيل لذى القرنين : ذو القرنين؛
فقال بعضُهم : قيل ذلك من أجلٍ أنه ضُرِب على قَرْنِه فهلَك ، ثم أُحْيِى فضُرِب على
القرنِ الآخرِ فهلَك .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا حَكّامٌ، عن عَنْبَسَةً، عن عُبيدِ المُكْتِبِ ، عن أبى
الطُّفَيْلِ، قال : سأَل ابنُ الكوَّاءِ عليًّا عن ذى القرنين، فقال: هو عبدٌ أحبَّ اللَّهَ
فأحبَّه ، وناصَح اللَّهَ فنصَحه، فأمَرهم بتقوى اللهِ ، فضربوه على قزْنِه فقتَلُوه ، ثم بعثه
اللَّهُ، فضرَبُوه على [٢٨/٣٤ظ] قرنِه فمات .
٩/١٦
/حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال : ثنا یحیی، عن سفيان ، عن حبیبٍ بنِ أبی
ثابتٍ، عن أبى الطَّفَيْلِ، قال: سُئِل علىّ عن ذى القرنين، فقال: كان عبدًا
ناصَح اللَّهَ فناصَحه، فدعَا قومَه إلى اللَّهِ ، فضُرب على قرنِهِ فمات، فأحيَاه اللَّهُ ،
فدعَا قومَه إلى اللَّهِ، فضرَبوه على قرنِه فمات، فشُمِّى ذا القرنين(١).
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى ، قال : ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ ، قال : ثنا شعبةُ ، عن القاسم
ابنِ أبى بَزَّةَ، عن أبى الطفيلِ، قال: سمِعتُ عليًّا وسألوه عن ذى القرنين: أنبيًّا
كان؟ قال: كان عبدًا صالحًا، أحبَّ اللَّهَ فأحبَه، وناصَح اللَّهَ فنصحه، فبعثه اللَّهُ إلى
قومِه ، فضرَبوه ضربتين فى رأسِه، فُمِّى ذا القرنين، وفيكم اليومَ مثلُهُ(١).
وقال آخرون فى ذلك بما حدَّثنى به محمدُ بنُ سهلِ البخارىُّ، قال : ثنا
(١) أخرجه ابن أبى شيبة ٥٦٣/١١، من طريق يحيى بن سعيد به، وابن عبد الحكم فى فتوح مصر ص ٣٩،
٤٠ من طريق أبى الطفيل به .
(٢) أخرجه ابن عساكر فى تاريخه ٣٣٤/١٧ من طريق القاسم بن أبى بزة به .
٣٧١
سورة الكهف : الآيات ٨٣ - ٨٥
إسماعيلُ بنُ عبدِ الكريم ، قال : ثنى عبدُ الصمدِ بنُ مَعْقِلٍ، قال : قال وهبُ بنُ
مُنَبِّهِ: كان ذو القرنين مَلِكًا . فقيل له : فلِمَ سُمِّى ذا القرنين؟ قال: اختلف فيه أهلُ
الكتابِ؛ فقال بعضُهم: ملك الرومَ وفارسَ. وقال بعضُهم: كان فى رأسِه شبهُ
(١)
القرنين(١).
وقال آخرون: إنما سُمِّى بذلك لأن صَفْحَتى رأسِه كانتا من نُحاسٍ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ ، قال : ثنى ابنُ إسحاقَ ، قال : ثنى مَن لا
أَتَّهِمُ، عن وهبٍ بنِ مُنَبِّهِ اليمانيّ، قال: إنما سُمِّ ذا القرنين [٢٩/٣٤ و] أن صَفْحَتى
رأسِه كانتا من نُحاسٍٍ (٣).
وقولُه: ﴿ إِنَّا مَكَّا لَهُ فِى الْأَرْضِ وَءَانَيْنَهُ مِن كُلِّ شَىْءٍ سَبًا ﴿1﴾. يقولُ: إنا
وطّأْنَا له فِى الأرضِ، ﴿ وَءَانَيْنَهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾. يقولُ: وآتيناه من كلِّ شىءٍ،
يعنى : ما يَتَسَبَّبُ له(١) إليه، وهو العلمُ به .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى علىّ ، قال : ثنا عبدُ اللهِ ، قال : ثنی معاویةُ ، عن على ، عن ابنِ عباسٍ،
قولَه: ﴿ وَءَانَيْنَهُ مِن كُلِّ شَىْءٍ سَيَبًا﴾. يقولُ: علمًا (٤).
(١) أخرجه أبو الشيخ فى العظمة (٩٦٢)، من طريق إسماعيل بن عبد الكريم به.
(٢) أخرجه أبو الشيخ فى العظمة (٩٧٢)، من طريق سلمة بن الفضل به مطولاً.
(٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ف.
(٤) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١٨٦/٥، وفى البداية والنهاية ٥٤٤/٢، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٤٧/٤
إلى ابن المنذر وابن أبى حاتم .
٣٧٢
سورة الكهف : الآيات ٨٣ - ٨٥
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَءَانَيْنَهُ مِنْ كُلِّ
شَىْءٍ سَبِيًا﴾. أى: علمًا (١) .
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَءَانَيْنَهُ
مِن كُلِّ شَىْءٍ سَيِّبًا﴾. قال: من كلِّ شيءٍ علمًا(٢) .
حدَّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريج قولَه :
وَءَانَيْتَهُ مِنْ كُلِّ شَىْءٍ سَبَبًا﴾. قال: عِلْمَ كلِّ شىءٍ.
حدّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ایی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ وَءَانَيْنَهُ مِن كُلِّ شَىْءٍ سَيَبًا﴾: علمًاً)).
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال : سمِعتُ أبا معاذٍ ، يقولُ : ثنا عبيدٌ ، قال : سمِعتُ
الضحاكَ يقولُ فى قولِهِ: ﴿ وَءَانَيْنَهُ مِن كُلِّ شَىْءٍ سَبَبًا﴾. يقولُ: علمًا (٣).
١٠/١٦
/ وقولُه: ﴿فَأَنْعَ سَبَبًّا﴾. اختلَفت القرأةُ فى قراءةِ ذلك؛ فقرَأَته عامةُ قرأةٍ
المدينةِ والبصرةِ: (فاتَّبعَ) بوصلِ الألفِ وتشديدِ التاءِ() ، بمعنى : سلَك وسار، من
قولِ القائلِ: اتَبعتُ [٢٩/٣٤ظ] أثرَ فلانٍ. إذا قفوتَه وسِرْتَ وراءَه. وقرَأ ذلك عامةُ
قرأةِ الكوفةِ: ﴿فَنْعَ سَبَبًا﴾ بهمزِ الألفِ وتخفيفِ التاءِ(٥) ، بمعنى: لَقَ .
وأولى القراءتين فى ذلك بالصوابٍ(١) قراءةُ مَن قرأه: (فَاتَّبَعَ) بوصلِ الألفِ
(١) أخرجه ابن عساكر فى تاريخ دمشق ٣٣٩/١٧ من طريق سعيد عن قتادة عن الحسن مطولًا.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٤٧/٤ إلى ابن أبى حاتم .
(٣) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١٨٦/٥، وفى البداية والنهاية ٥٤٤/٢.
(٤) وهى قراءة ابن كثير ونافع وأبى عمرو. السبعة ص ٣٩٧، والكشف عن وجوه القراءات السبع
٧٢/٢، ٧٣.
(٥) وهى قراءة عاصم وابن عامر وحمزة والكسائى. السبعة ص ٣٩٨، والكشف عن وجوه القراءات السبع
٧٢/٢، ٧٣.
(٦) القراءتان كلتاهما صواب .
٣٧٣
سورة الكهف : الآيات ٨٣ - ٨٥
وتشديدِ التاءِ؛ لأنَّ ذلك خبرٌ من اللَّهِ عن مسيرٍ ذى القرنين فى الأرضِ التى
مكَّن اللَّهُ(١) له فيها، لا عن لِحَقِهِ السببَ، وبذلك جاء تأويلُ أهلِ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمى ، قال : ثنى أبى ، عن
أبيه ، عن ابنِ عباسٍ : (فَتَبَعَ سَبَبًا). يعنى بالسببِ: المنَّزِلَ(١).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ
قولَه: ﴿سَبَبًا﴾. قال: مَنْزِلًا وطريقًا ما بينَ المشرقِ والمغربِ (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريجٍ، عن
مجاهدٍ نحوه .
حدَّثنى محمدُ بنُ عُمارةَ الأَسَدُّ، قال: ثنا عبيدُ اللَّهِ بنُ موسى، قال:
أخبرنا إسرائيلُ، عن أبى يحيى، عن مجاهدٍ: (فَاتَّبَعَ سَبَبا). قال: طَرَفى(٤)
الأرضِ(٥).
حدَّثنا بشرٌ، قال : ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: (فَأَبَعَ سَبَبا) : أى(١)
(١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ف .
(٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١٨٧/٥، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٤٧/٤ إلى المصنف ابن أبى حاتم .
(٣) تفسير مجاهد ص ٤٥٠، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٤٧/٤ إلى ابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٤) فى م: (( طريقا)).
(٥) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١٨٧/٥، وغيره ناشرو المطبوعة ، كما كان فى المطبوعة عندنا .
(٦) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ف .
٣٧٤
سورة الكهف : الآيتان ٨٥، ٨٦
اتَّبَعَ منازلَ الأرضِ ومعالمَها(١).
حدَّثنى يونسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى [٣٠/٣٤ و] قولِه :
(فَاتَّبَعَ سَبَبًا). قال: هذه الآن سببُ الطرقِ)، كما قال فرعونُ: ﴿يَهَمَنُ أَبْنِ لِ
صَرْحًا لَّعَلّىَ أَبْلُغُ الْأَسْبَبَ ®َ أَسْبَبَ السَّمَوَتِ﴾ [غافر: ٣٦، ٣٧]. قال: طرقَ
السماواتِ(٢).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن
قتادةَ فى قولِه: (فاتََّعَ سَيَبا). قال : منازلَ الأرضِ(6) .
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ ، يقولُ: حدثنا عُبِيدٌ ، قال:
سمِعتُ الضحاكَ يقولُ فى قولِه: (فاتَّبَعَ سَبَبًا). قال: المنازلَ(٥).
القولُ فى تأويل قوله جلَّ ثناؤه: ﴿حَّىَ إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِى
عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْمَاْ قُلْنَا يَذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّ أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّآ أَن نَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا
٨٦
١١/١٦
/ يقولُ تعالى ذكره: ﴿حَّى إِذَا بَلَغَ﴾ ذو القرنين ﴿مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ
فِى عَيْنٍ حَمِنَةٍ (١)﴾. فاختلفتِ القرأةُ فى قراءةِ ذلك ؛ فقرأه بعضُ قرأةِ أَهلِ المدينةِ
والبصرةِ ﴿فِى عَيْنٍ حَمنَةٍ﴾. بمعنى: أنها تغرُبُ فى عينِ ماءِ ذاتِ حَمْأَةٍ(). وقرأته
(١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١٨٧/٥، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٤٧/٤ إلى ابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٢) كذا فى النسخ، وفى الدر المنثور: ((لأن الطريق))، والأنسب أن تكون: ((لأن السبب الطريق)).
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٤٧/٤ إلى ابن أبى حاتم .
(٤) تفسير عبد الرزاق ٤٠٧/١ .
(٥) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١٨٧/٥ .
(٦) فى الأصل: ((حامية)).
(٧) وهی قراءة ابن کثیر ونافع وأیی عمرو وعاصم فى رواية حفص. السبعة ص ٣٩٨، والكشف عن وجوه =
٣٧٥
سورة الكهف : الآية ٨٦
جماعةٌ من قرأةِ المدينةِ ، وعامةُ قرأةِ الكوفةِ : (فِى عَيْ حامِيَةٍ ). بمعنى : أنها تغرُبُ
فى عينِ ماءٍ حارّةٍ(١) .
واختلف أهلُ التأويلِ فى تأويلِهم ذلك على نحوِ اختلافِ القرأةِ فى قراءته .
[٣٠/٣٤ظ] ذكرُ مَن قال: ﴿تَغْرُبُ فِى عَيْنٍ حَمِثَةٍ﴾ .
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى ، قال : ثنا ابنُ أبى عدىٍّ، عن داودَ ، عن عكرمةَ ، عن
ابنِ عباسٍ: ﴿وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِىِ عَيْنٍ حَمِنَةٍ﴾. قال: فى طينٍ أسودَ(٢) .
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن عكرمةَ ، عن ابنٍ
عباسٍ، أنَّه كان يقرّأَ: ﴿فِى عَيْنٍ حَمِنَةٍ﴾. قال: ذاتٍ(٢) حَمْأَةٍ .
حدَّثنا الحسنُ(٤) بنُ الجُنيدِ، قال: ثنا سعيدُ بنُ مَسلمةَ، قال : ثنا إسماعيلُ ابنُ
عُلَيَّةً ) ، عن عثمانَ بنِ حاضرٍ ، قال: سمِعتُ عبدَ اللَّهِ بنَ عباسٍ يقولُ: قرأ معاويةُ هذه
الآيةَ، فقال: (عَيْنْ حامِيَةٍ). فقال ابنُ عباسٍ: إنها: ﴿عَيْنٍ حَمِثَةٍ﴾. قال:
فجعَلا بينَهما كعبًا ، قال: فأرسلا إلى كعب الأحبارِ ، فسألاه، فقال كعبٌ : أما
الشمسُ فإنها تغِيبُ فى ثَأْطٍ. فكانت على ما قال ابنُ عباسٍ(١) . والتأْطُ : الطيُ.
= القراءات السبع ٧٤،٧٣/٢.
(١) وهى قراءة ابن عامر وحمزة والكسائى وعاصم فى رواية أبى بكر. السبعة ص ٣٩٨، والكشف عن وجوه
القراءات السبع ٧٣/٢، ٧٤ .
(٢) أخرجه المصنف فى تاريخه ٦٦/١، وأبو الشيخ فى العظمة (٦٤٧) من طريق عكرمة به مطولًا.
(٣) سقط من : الأصل .
(٤) فى م: ((الحسين)). وينظر تهذيب الكمال ٣٥٦/٦.
(٥) فى الأصل: ((أمية)). وينظر تهذيب الكمال ٤٥/٣.
(٦) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٤١١/١، من طريق إسماعيل به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٤٨/٤
إلى سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبى حاتم .
٣٧٦
سورة الكهف : الآية ٨٦
حدَّثنی يونسُ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال : ثنى نافعُ بنُ أبى نُعيمٍ ، قال :
سمِعتُ عبدَ الرحمنِ الأعرجَ يقولُ: كان ابنُ عباسٍ يقولُ: ﴿فِ عَيْنٍ حَمِثَةٍ﴾.
ثم فسّرها : ذاتٍ حَمْأَةٍ . قال: نافعٌ: وسُئِل عنها كعبٌ ، فقال: أنتم أعلمُ بالقرآنِ
منى ، ولكنى أجِدُها فى الكتابِ تَغِيبُ فى طينةٍ سوداءَ (١).
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ایی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِى عَيْنٍ حَمِثَةٍ﴾. قال: هى الحَمْأَّةُ .
حدّثنی محمدُ بنُ عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم، قال : ثنا عیسی ، عن ابنِ أبی
نجيح، عن مجاهدٍ [٣١/٣٤و] فى قولِ اللهِ: ﴿حَمِثَةٍ﴾. قال: ثَأْطٍ .
٢ حدَّثنى الحارثُ، قال: حدَّثنا الحسنُ، قال: نا ورقاءُ، عن ابنٍ أبى نجيحٍ،
عن مجاهدٍ: ﴿فِ عَيْنٍ حَمِثَةٍ﴾: طينةٍ سوداءَ ثأطٍ (١)(٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسینُ، قال : ثنی حجاجٌ، عن ابنٍ جريجٍ، عن
مجاهدٍ فى قولِ اللَّهِ: ﴿تَغْرُّبُ فِ عَيْنٍ حَمِنَةٍ﴾. قال: ثَأْطَةٍ .
قال : وأخبرنى عمرُو بنُ دينارٍ ، عن عطاء بن أبى رباحٍ ، عن ابن عباسٍ ، قال :
قَرَأْتُ: ﴿فِ عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾، وقرأ عمرُو بنُ العاصِ: (فِى عَيْ حامِيَةٍ). فأُرسَلْنا
إلى كعبٍ، فقال : إنها تغرُبُ فى حَمْأَةٍ طينةٍ سوداءَ(٤) .
(١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٤١١/١، من طريق آخر عن ابن عباس بمعناه . وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٢٤٨/٤ إلى المصنف .
(٢ - ٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ف .
(٣) تفسير مجاهد ص ٤٥٠، من طريق ورقاء به .
(٤) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٤١٢/١، عن ابن عباس. ووقع فيه: ((ابن عمر)) بدل: (( عمرو بن
العاص)). قال الترمذى عقب حديث (٢٩٣٤) ويروى أن ابن عباس وعمرو بن العاص اختلفا فى قراءة هذه
الآية ، وارتفعا إلى كعب الأحبار فى ذلك ... اهـ .
=
٣٧٧
سورة الكهف : الآية ٨٦
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةً: ﴿ تَغْرُبُ فِى عَیْنٍ
حَمِثَةٍ﴾. والحمِئَةُ: الحَمْأَةُ السوداءُ.
حدَّثنا (١ محمدُ بنُ عبدِ الأعلى١)، قال: ثنا مَرْوانُ بنُ معاويةً، عن ورقاءَ، قال:
سمِعتُ سعيدَ بنَ جبيرٍ ، قال : كان ابنُ عباسٍ يقرأ هذا الحرفَ: ﴿فِ عَيْنٍ حَمِثَةٍ﴾ .
ويقولُ: حَمْأَةٌ سوداءُ تغرُبُ فيها الشمسُ .
/ وقال آخرون: بل هى تَغِيبُ فى عين حارَّةٍ .
١٢/١٦
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى علىٍّ ، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ ، قال : ثنى معاويةُ ، عن علىٍّ ، عن ابنِ عباسٍ :
( وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِى عَيْ حامِيَةٍ). يقولُ: عينٍ حارَّةٍ(٣) .
حدَّثنا يعقوبُ ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةً ، عن أبى رجاءٍ، قال: سمِعتُ الحسنَ يقولُ :
(فِى عَينْ حامِيَةٍ ). قال: حارَّةٍ ().
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن الحسنِ فى
قوله : (فِى عَيْنٍ حامِيَةٍ ). قال: حارّةٍ. وكذلك قرأها [٣١/٣٤ظ] الحسنُ(٥).
والصوابُ من القولِ فى ذلك عندى أن يقالَ: إنهما قراءتَان مَعْروفَتَان (٢)
= وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٤٨/٤ إلى سعيد بن منصور وابن المنذر.
(١ - ١) فى الأصل، ت ١، ت ٢: ((عمرو بن عبد الحميد))، وفى ص، ف: ((عمرو بن عبد الأعلى))،
وينظر تهذيب الكمال ٢٥/ ٥٨١.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٤٨/٤ إلى سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبى حاتم.
(٣) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١٨٨/٥، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٤٨/٤، إلى ابن أبى حاتم.
(٤) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١٨٨/٥.
(٥) تفسير عبد الرزاق ٤١٠/١ .
(٦) ليست فى: ص، م، ت ١، ت ٢، ف.
٣٧٨
سورة الكهف : الآية ٨٦
مُسْتَفِيضَتان فى قرأةِ الأمصارِ ، ولكلٍّ واحدةٍ منهما وجةٌ صحيحٌ ومعنَّى مفهومٌ،
وكلا وجهَيْه غيرُ مُفْسِدٍ أحدُهما صاحبه؛ وذلك أنَّه جائزٌ أن تكونَ الشمسُ تغرُبُ
فى عينٍ حارَّةٍ ذاتِ حَمْأَةٍ وطينٍ، فيكونُ القارئُّ: (فى عَيْ حَامِيَّةٍ) واصفَها(١)
بصفَتِها التى هى لها ، وهى الحرارةُ؛ ويكونُ القارئُّ: ﴿فِى عَيْنٍ حَمِثَةٍ﴾ واصِفَها
بصفتِها التى هى بها ، وهى أنها ذاتُ حَمْأَةٍ وطينٍ . وقد رُوِى بكلتى صفتَيْها اللتين
قلتُ : إنهما من صفتِها(٣) أخبارٌ.
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: أخبرَنا العوَّامُ ، قال :
ثنى مولّى لعبدِ اللَّهِ بنِ عمرٍو، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو، قال: نظَر رسولُ اللَّهِ عَّه إلى
الشمسِ حينَ غابت ، فقال: (( فى نارِ اللَّهِ الحاميةِ، فى نارِ اللَّهِ الحاميةِ ، لولا ما يَزَعُها
من أمرٍ(٤) اللَّهِ لأَحْرَقَتْ ما على الأرضِ)) ().
حدَّثنى الفضلُ بنُ داودَ الواسطىُّ، قال: ثنا أبو داودَ ، قال : ثنا محمدُ بنُ
دينارٍ، عن سعدِ بنِ أوسٍ، عن مِصْدَعٍ، عن ابنِ عباسٍ ، عن أبيّ بنِ كعبٍ ، أن النبىَّ
عَلَّهِ أَقْرَأَه: ﴿حَمْنَةٍ﴾(١).
وقولُه: ﴿ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْمَأْ﴾. ذُكِر أن أولئك القومَ يقالُ لهم : ناسكٌ(٧).
(١) سقط من : م .
(٢) فى م: ((صيغتيها)).
(٣) فى ص، م، ت١، ت ٢، ف: ((صفتيها)).
(٤) سقط من : الأصل .
(٥) أخرجه أحمد ٥٢٦/١١ (٦٩٣٤)، وابن أبى شيبة وأحمد بن منيع وأبو يعلى - كما فى المطالب العالية
(٤٣٨) - من طريق يزيد بن هارون به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٤٨/٤ إلى ابن مردويه.
(٦) أخرجه أبو داود الطيالسى (٥٣٨)، عن محمد بن دينار به، وأبو داود السجستانى (٣٩٨٦)، والترمذى
(٢٩٣٤) ، من طريق محمد بن دينار به .
(٧) ينظر البحر المحيط ١٥٩/٧. وفيه: ((باسك)).
٣٧٩
سورة الكهف : الآيات ٨٦ - ٨٨
وقولُه: ﴿ قُلْنَا يَذَا اُلْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ﴾. يقولُ: إما أن تَقْتُلَهم إن هم لم
يدخُلُوا فى الإقرارِ بتوحيدِ اللَّهِ، ويُذْعِنُوا لك بما تدعُوهم إليه من طاعةِ ربِّهم، ﴿وَإِمَّ
أَنْ تَّخِذَ [٥٣٢/٣٤] فِهِمْ حُسْنًا﴾. يقولُ: وإما أن تأسِرَهم فتُعَلِّمَهم الهُدَى وَتُبَصِّرَهم
الرشادَ .
القولُ فى تأويل قولِه جلَّ ثناؤه : ﴿ قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ،
٨٧
فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا تُكْرًا
يقولُ جلَّ ثناؤُه: ﴿ قَالَ أَمَّا مَن ظَلَرَ فَوْفَ نُعَذِّبُهُ﴾. يقولُ: أما مَن كَفَر
فسوف نَقْتُلُه .
كما حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ،
عن قتادةً فى قوله : ﴿ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَوْفَ نُعَذِّبُهُ﴾. قال: هو القتلُ(١).
وقولُه: ﴿ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ، فَيُعَذِّبُ عَذَابًا شُكْرًا ﴾. يقولُ: ثم يرجِعُ إلى اللَّهِ بعدَ
قتلِه ، فيعذِّبُه عذابًا عظيمًا؛ وهو النُكْرُ، وذلك عذابُ جهنَّمَ .
/ القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿ وَأَمَّا مَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَِحًا فَهُ جَزَآءَ الْحُسْنِّ
١٣/١٦
وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرَّ
يقولُ: وأما مَن صدَّق اللَّهَ منهم ووخَّده، وعمِل بطاعتِه، فله عندَ اللَّهِ
الحسنى ؛ وهى الجنةُ، ﴿جَزَآءَ ﴾ ، يعنى: ثوابًا على إيمانِه، وطاعتِه ربَّه .
وقد اختلَفتِ القرأةُ فى قراءةِ ذلك ؛ فقرَأَتْه عامةُ قرَأةِ أهلِ المدينةِ وبعضُ أهلٍ
البصرة والكوفةِ: (فَلَهُ [٣٢/٣٤و] جَزَاءُ الحُسْنَى) برفع الجزاءِ وإضافتِه إلى
(١) تفسير عبد الرزاق ٤١٢/١، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٤٩/٤ إلى ابن المنذر وابن أبى حاتم.
٣٨٠
سورة الكهف : الآية ٨٨
الحسنى (١) . وإذا قُرِئَّ ذلك كذلك، فله وجهان من التأويل ؛ أحدُهما : أن يُجْعَلَ
الحسنى مرادًا بها إيمانُه وأعمالُه الصالحةُ ، فيكونُ معنى الكلام إذا أُرِيدَ بها ذلك : وأما
مَن آمَن وعمِل صالحاً فله جزاؤُها . يعنى: جزاءً هذه الأفعالِ الحسنةِ .
والوجهُ الثانى: أن يكونَ معنيًّا بالحسنى الجنةُ، وأَضِيف الجزاءُ إليها، كما
قيل: ﴿ وَلَدَارُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ﴾ [ يوسف: ١٠٩]. والدارُ هى الآخرةُ، وكما قال:
﴿ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥]. والدينُ هو القيمُ.
وقرّأْ آخرون: ﴿فَلَهُ جَزَّآءَ الْحُسْنِىّ﴾. بمعنى: فله الجنةُ جزاءً. فيكونُ الجزاءُ
منصوبًا على المصدرِ، بمعنى: يُجازِيهم جزاءً الجنةً(١).
وأولى القراءتين بالصوابِ فى ذلك عندى قراءةُ مَن قَرَأْه: ﴿فَلَهُ جَزَآءً
اُْسْنَى﴾ بنصبِ الجزاءِ وتنوينِه على المعنى الذى وصَفتُ ، من أن لهم الجنةَ جزاءً،
فيكونُ الجزاءُ نصبًا على التفسيرِ .
وقولُه: ﴿وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا﴾. يقولُ: وستُعلِّمُه نحن فى الدنيا ما
تيسّر لنا تعليمُه مما يقرِّبُه إلى اللَّهِ ، ونُلينُ له من القولِ .
وكان مجاهدٌ يقولُ نحوًا مما قلنا فى ذلك.
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح ، عن مجاهدٍ
قولَه: ﴿مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا﴾. قال: معروفًا(٣).
(١) وهى قراءة نافع وأبى عمرو وابن عامر وابن كثير. ينظر السبعة ص ٣٩٨، ٣٩٩، والكشف عن وجوه
القراءات ٧٤/٢، ٧٥.
(٢) وهى قراءة حفص وحمزة والكسائى . ينظر المصدران السابقان.
(٣) تفسير مجاهد ص ٤٥١. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٤٩/٤ إلى ابن أبى شيبة وابن المنذر =