النص المفهرس

صفحات 321-340

٣٢١
سورة الكهف : الآيتان ٦٤، ٦٥
وقولُه: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَآ ءَانَيْنَهُ رَحْمَةٌ مِن عِندِنَا﴾. (١ يقولُ:
فوجَد موسى وفتاه عند الصخرةِ حين رجَعا إليها ﴿عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا﴾. ذُكِر أنه
الخضِرُ، ﴿ءَانَيْنَهُ رَحْمَةٌ مِّنْ عِندِنَا﴾(١). يقولُ: وهَبنا له رحمةً من عندِنا،
وَعَلَّمْنَهُ مِن لَُّنَا عِلْمًا﴾. يقولُ: وعلَّمناه من عندِنا أيضًا علمًا.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَعَلَّمْنَهُ مِن
لَّدُنَّا عِلْمًا﴾. أى: من عندِنا علمًا .
وكان سببَ سفرٍ موسى وفتاه، ولقائِه هذا العالِمَ الذى ذكره اللَّهُ فى هذا
الموضع، فيما ذُكِر ، أن موسى سُئِل: هل فى الأرضِ أحدٌ أعلمُ منك؟ فقال: لا . أو
حدَّثته نفسُه بذلك، فكُرِه ذلك له، فأراد اللَّهُ تعريفَه أن من [٧/٣٤ و] عبادِه فى الأرضِ
من هو أعلمُ منه ، وأنه لم يكنْ له أن يَخْتِمَ على مالا علمَ له به ، ولكن كان ينبغى له أن
یکِلَ ذلك إلى عالمه .
وقال آخرون : بل كان سببَ ذلك أنه سأَل اللَّهَ جلَّ ثناؤه أن يَدُلَّه على عالم
يزدادُ من علمِه إلى علمٍ نفسِه .
/ذكرُ مَن قال ذلك
٢٧٧/١٥
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال : ثنا يعقوبُ ، عن هارونَ بنِ عنترةَ ، عن أبيه ، عن ابنِ
عباسٍ ، قال : سأل موسى ربَّه ، فقال: ربِّ، أىُّ عبادِك أحبُّ إليكَ ؟ قال : الذى
يذكُرُنى ولا ينسَانى. قالَ: فأيُّ عبادِك أُقضَى ؟ قال : الذى يقضِى بالحقِّ ولا يَتَّبُ
الهوى. قال: أى ربِّ، أىُّ عبادك أعلمُ؟ قال: الذى يبتغِى علمَ الناسِ إلى
(١ - ١) سقط من: م، فى .
( تفسير الطبرى ٢١/١٥ )

٣٢٢
سورة الكهف : الآيتان ٦٤، ٦٥
علمه ) ، عسى أن يُصِیب کلمةً تهدیه إلی مدی ، أو تُدُّه عنرَدی . قال : ربِّ ، فهل
فى الأرضِ أحدٌ(١)؟ قال: نعم. قال: ربِّ، فمَن هو؟ قال: الخَضِرُ. قال: وأين
أطلُبُه؟ قال: على الساحلِ عندَ الصخرةِ التى يَنْفَلِتُ عندَها الحوثُ. قال: فخرَج
موسى يطلُه، حتى كان ما ذكَر اللَّهُ، وانتهى موسى إليه عندَ الصخرةِ، فسلَّم كلُّ
واحدٍ منهما على صاحبِه، فقال له موسى: إنى أُرِيدُ أن تَستصحِبَنى. قال: إنك لن
تُطِيقَ صُحبَتى. قال: بلى. قال: فإن صحِبتَى ﴿فَلَا تَسْتَلْنِى عَن شَىْءٍ حَتَّىَ أُحْدِثَ لَكَ
فَأَنْطَلَقَا حَتَّىَ إِذَا رَكِبَا فِ السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْنَهَا لِنُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ
مِنْهُ ذِكْرًا (٦)
جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا ﴿ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنََّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا (٨) قَالَ لَا نُؤَاخِذْنِ بِمَا
نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقِ مِنْ أَمْرِى عُسْرًا (® فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَمًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا
زَكِيَّةٌ بِغَيْرِ نَفْسِ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا تُكْرًا ﴿٢﴾ [٧/٣٤ظ] إلى قوله: ﴿ لَنَّخَذْتَ عَلَيْهِ
أَجْرًا ﴾ . قال : فكان قولُ موسی فی الجدار لنفسِه ، ولطلبٍ شیءٍ من الدنيا ، و كان
قولُه فى السفينةِ وفى الغلام للَّهِ، ﴿قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِ وَيَبْنِكَ سَأُنِتُكَ بِنَأْوِيِلِ مَا لَمْ
تَسْتَطِعِ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾. فأخْبَره بما قال اللَّهُ: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ﴾، ﴿ وَأَمَّا الْغُلَهُ﴾ ،
﴿ وَأَمَّا الجدار ﴾ . قال : فسار به فى البحرِ حتى انتهى إلى مجمع البحور ، وليس فى
الأرضِ مكانٌ أكثرُ ماءً منه. قال: وبعَث ربُّك الخُطّافَ( ) فجعَل يستقِى منه بمنقارِه .
فقال لموسى : كم ترَى هذا الخطافَ رَزَأُ) من هذا الماءِ؟ قال: ما أقلَّ ما رَزَأ . قال : يا
موسى ، فإن علمى وعلمَك فى علم اللَّهِ كقدرٍ ما استقَى هذا الخطافُ من هذا الماءِ.
وكان موسى قد حدَّث نفسه أنه ليس أحدٌ أعلمَ منه، أو تكلّم به، فمِن ثَمَّ أَمِرَ أن يأتِىَ
(١) فى ص، م، ت ١، ف: ((علم نفسه)).
(٢) فى م: ((أحدا))، وبعده فى التاريخ: ((قال أبو جعفر أظنه قال: أعلم منى)).
(٣) الخطاف : طائر أسود، وهو العصفور الذى تدعوه العامة . عصفور الجنة . التاج ( خ ط ف ) .
(٤) رزأ : أصاب . التاج ( رزأً) .

٣٢٣
سورة الكهف : الآيتان ٦٤، ٦٥
(١)
الخَضِرَ.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى ، قال : أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال : أخبرنا معمرٌ، عن أبى
إسحاقَ ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال : خطَب موسى بنى إسرائيلَ ،
فقال: ما أحدٌ أعلمَ باللَّهِ وبأمرِه منى. (فَأَمِر أن يلقَى) هذا الرجلَ(٢).
حدَّثنا الحسنُ ، قال : أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال : أخبرنا معمرٌ، عن قتادةً أنه قِیل
له : إِن آيةَ لُقِيِّك إياه أن تنسَى بعضَ متاعِك. فخرَج هو وفتاه يوشعُ بنُ نونٍ ،
وتزوَّدوا(٩) حوتًا مملوحًا، حتى إذا كانا حيث شاء اللَّهُ، ردَّ اللَّهُ إلى الحوتِ رُوحَه،
فسرَّب فى البحرِ، فاتخَذ الحوتُ طريقَه سَرَبًا فى البحرِ، فسَرَب فيه، ﴿فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ
لِفَتَنْهُ ءَائِنَا غَدَاءَنَا﴾ حتى / بلَغْ قوله: [١٨/٣٤] ﴿ وَأَّخَذَ سَبِيلَهُ فِىِ الْبَحْرِ عَجَبَا﴾، ٢٧٨/١٥
فكان موسى اتخَذٍ سبيلَه فى البحرِ عجبًا، فكان يَعْجَبُ من سَرَبِ الحوتِ ().
حدَّثنا الحسنُ ، قال : أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال : أخبرنا معمرٌ، عن أبى إسحاقَ ،
عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال : لما اقتصَّ موسى أثرَ الحوتِ انتهَى إلى
رجلٍ راقدٍ قد سجَّى عليه ثوبَه، فسلّم عليه موسى ، فكشَف الرجلُ عن وجهِه ،
فردًّ(١) عليه السلامَ وقال: مَن أنتَ؟ قال: موسى . قال: صاحبُ بنى إسرائيلَ؟ قال :
نعم. قال : أوَما كان لك فى بنى إسرائيلَ شغلٌ؟ قال: بلى ، ولكنى أُمِرتُ أن آتِيَكَ
(١) أخرجه المصنف فى تاريخه ٣٧١/١، ٣٧٢، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٣٤/٤ إلى ابن المنذر وابن
أبى حاتم والخطيب .
(٢ - ٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((فأمر أن يأتى))، وفى م: ((فأوحى الله إليه أن يأتى)).
(٣) تفسير عبد الرزاق ٤٠٥/١.
(٤) فى الأصل، م: ((تزودا)).
(٥) تفسير عبد الرزاق ٤٠٥/١ .
(٦) فى ص، م، ت ١، ف: ((الثوب ورد)).

٣٢٤
سورة الكهف : الآيتان ٦٤، ٦٥
وَأَصْحِبَك. قال: ﴿ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا﴾. كما قصَّ اللَّهُ، حتى بلَغْ(١):
﴿رَكِبَا فِ السَّفِينَةِ خَرَقَهَا﴾ صاحبُ موسى، ﴿ قَالَ أَخَرَقْنَهَا لِنُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ
جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾. يقولُ: نُكْرًّا. ﴿ قَالَ لَا نُؤَاخِذْنِ بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِى مِنْ
فَأَنْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَمًا فَقَنَلَهُ قَالَ أَقَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةَ﴾(١) بِغَيْرِ
(٣)
نَفْسِ﴾(١).
أَمْرِى عُشْرًا (®َّ
حدَّثنا أبو كريبٍ ، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، قال: ثنا سفيانُ بنُ عيينةَ، عن
عمرو بن دينارٍ ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ ، قال : قلتُ لابنِ عباسٍ: إن نوفًا يزعُمُ أن الخضِرَ
ليس بصاحبٍ موسى. فقال: كذَب عدوُ اللَّهِ، حدَّثنا أبىُ بنُ كعبٍ، عن النبىِّ
عٍَّ قال: ((إن موسى قام فى بنى إسرائيلَ خطيبًا، فقيل: أىُّ الناسِ أعلمُ؟ قال:
أنا . (٤ فعتَب اللَّهُ عليه حينَ لم يَرُدَّ العلمَ إليه، فقال: بلى، عبدٌ لى عندَ مجمعٍ
البحرين. فقال: يا ربِّ، كيف به؟ فقيل: تأخُذُ حوتًا فتجعله فى مِكْتَلِ، ( فحيث
تفقِدُه فهو هناك. [٨/٣٤ظ] قال: فأخَذ حوتًا فجعله فى مِكتل . ثم قال لفتاه : إذا
فَقَدتَ هذا الحوتَ فأخبرنى . فانطلَقا يمشِيان على ساحلِ البحرِ حتى أتيا صخرةٌ ، فرقَد
موسى ، فاضطرَب الحوثُ فى المِكْتَلِ، فخرَج فوقَع فى البحرِ، فأمسَك اللَّهُ عنه جِرْيَةً
الماءِ، فصار مثلَ الطَّاقِ، فصار للحوتِ سَرَبًّا، وكان لهما عجبًا ، ثم انطلقا، فلما كان
حين الغَداءٍ(١)، قال موسى لفتاه: ﴿ مَائِنَا غَدَآءَنَا لَقَدْ لَفِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ .
قال: ولم يَجِدْ موسى النَّصَبَ حتى جاوَز حيث أَمَرِه اللَّهُ. قال: فقال: ﴿أَرَءَيْتَ إِذْ
(١) بعده فى النسخ: ((فلما)). والمثبت صواب التلاوة، وهو كذلك فى مصدر التخريج .
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((زاكية)). وهما قراءتان كما سيأتى فى ص ٣٤٠.
(٣) تفسير عبد الرزاق ٤٠٦/١ .
(٤ - ٤) فى الأصل، ت ٢: ((فعِيبٌ)).
(٥ - ٥) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ف .
(٦) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ف: ((الغد)).

٣٢٥
سورة الكهف : الآيتان ٦٤، ٦٥
أَوَيِّنَآ إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّ نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَآ أَنْسَئِنِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَأَتَّخَذَ سَبِيلَهُ
فِي الْبَحْرِ عَجَبً﴾. قال: فقال: ﴿ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغَ فَأَرْتَدًا عَلَ ءَاثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ .
قال : يَقُصَّان آثارَهما . قال: فَأَتَيَا الصخرةَ، فإذا رجلٌ نائمٌ مُسَجَّى بثوبِهِ، فسلِّم
عليه موسى ، فقال: وأَنَّى بأرضِنا السلامُ! فقال: أنا موسى. فقال: موسى(١) بنى
إسرائيلَ؟ قال: نعم. قال: يا موسى، إنى على علمٍ من علم اللَّهِ، علَّمنيه اللَّهُ لا
تعلَّمُه، وأنت(٢) على علم من علمِه علَّمكه اللَّهُ(١) لا أعلَمُه. قال: فإنى ﴿ أَتَّبِعُكَ عَلَى
أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشِدًا﴾. قال: ﴿فَإِنِ أَتَّبَعْتَنِ فَلَا تَسْئَلْنِى عَن شَىْءٍ حَتَّىَ أُحْدِثَ
لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾. فانطلَقا يمشِيان على الساحلِ، فعُرِف الخضِرُ، فحُمِل بغيرِ نَوْلٍ ،
فجاء عصفورٌ، فوقَع على حرفِها فنقَر - أو: فنقَد - فى الماءِ ، فقال الخضِرُ لموسى :
ما ينتقصُ(٤) / عِلْمِى وعلمُك من علم اللّهِ إلا مقدارَ ما نقَر - أو نقَص - هذا العصفورُ ٢٧٩/١٥
من البحرِ)) - أبو جعفرٍ يشكُّ، وهو فى كتابه: نقَر - قال: ((فبينما (° هم فى السفينة)
إذ لم يُفْجَأْ [٣٤/ ٩و] موسى إلا وهو يتِدُ وَتِدًا أو ينزعُ تَخْتًا منها ، فقال له موسى :
حُمِلْنا بغيرِ نَوْلٍ وتخرِقُها لتُغرِقَ أهلَها؟ ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾. قال: ﴿ أَلَمْ أَقُلْ
إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا (®﴾ قَالَ لَا نُؤَاخِذْنِ بِمَا نَسِيتُ﴾. قال: وكانت
الأولى من موسى نِشيانًا . قال: ثم خرَجَا فانْطَلَقا يَمِشِيان ، فأبْصَرا غلامًا يلعَبُ مع
الغِلْمانِ، فأخَذ برأسِه فقَتَله، فقال له موسى : (أَقَلْتَ نفْسًا زاكِيَةٌ بغيرِ نفْسٍ لقد
جِئتَ شيئًا نُكْرًا). قال: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَّكَ إِنََّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا ﴿ قَالَ إِن
(١) بعده فى الأصل: ((نبى)).
(٢) فى الأصل، ص، ت٢: ((إنك)).
(٣) ليس فى : ص ، م، ت ١، ف .
(٤) فى م: ((نقص)).
(٥ - ٥) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ف: ((هو)).

٣٢٦
سورة الكهف : الآيتان ٦٥،٦٤
سَأَلْتُكَ عَنْ شَىْءٍ بَعْدَهَا فَلاَ تُصَحِبْنِى قَدْ بَغْتَ مِن لَّدُنِ عُذْرًا﴾. قال: ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّىَ إِذَاآَ
أَنْيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ أَسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا﴾. فلم يجِدا أحدًا يُطْعِمُهم ولا يَسْقِيهم، ﴿فَوَجَدَا
فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَن يَنْقَضَّ فَأَقَامَتُ ﴾ بيده ، قال : مسحه بيده، فقال له موسى : لم
يُضَيِّفُونا ولم يُنْزِلُونا، ﴿ لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ(١) عَلَيْهِ أَجْرًا﴾. قال: ﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِى
وَبَيْنِكَّ﴾)). قال: فقال رسولُ اللَّهِ ◌ِّهِ: «لَوَدِدتُ أنَّه كان صبر حتى يَقُصَّ عَلَيْنا
قَصصهم )) .
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سلَمةُ، قال: حدَّثنى ابنُ إسحاقَ ، عن الحسنِ بنِ
عُمارةَ، عن الحكم بن ◌ُتيبةَ ، عن سعيد بن جبيرٍ، قال : جلستُ عندَ(٢) ابنِ عباسٍ
وعندَه نفرٌ من أهلِ الكتابِ ، فقال بعضُهم: يا أبا العباسِ، إن نوفًا ابنَ امرأةٍ كعبٍ يزعُمُ
عن كعبٍ، أن موسى النبىَّ الذى طلَب العالمَ إنّما هو موسى بنُ مَنْسَا®) . قال
سعيدٌ : قال ابنُ عباس : أنَوْفٌ يقولُ هذا؟ قال سعيدٌ : فقلتُ له نعم ، أنا سمِعتُ نوفًا
[٣٤/ ٩ظ] يقولُ ذلك. قال: أنتَ سمِعتَه يا سعيدُ؟ قال: قلتُ: نعم. قال: كذَب
نوفٌ. ثم قال ابنُ عباسٍ: حدَّثنى أَبِىُّ بن كعبٍ عن رسولِ اللَّهِ بِ لِ أَنَّ موسی نبیُّ
بنى إسرائيلَ سأل ربَّه فقال: أيْ ربِّ، إن كان فى عبادِك أحدٌ هو أعلمُ مِنِّى فادْلُلْنِى
علیه. فقال له : نعم فی عبادِی مَن هو أعلمُ مِنكَ . ثم نعت له مكانَه، وأُذِن له فى
لُقِيِّه ، فخَرَج موسى ومعه فتاه ومعه حوتٌ مليخ ، قد قيل له : إذا حَيِىَ هذا الحوثُ فى
مكانٍ فصاحِبُك هنالك، وقد أدرَكْتَ حاجتَك. فخرَج موسى ومعه فتاه، ومعه
(١) فى ص: ((لتخذت)). وهما قراءتان وسيذكرهما المصنف فى ص ٣٥١، ٣٥٢.
(٢) أخرجه المصنف فى تاريخه ٣٦٦/١ - ٣٦٨، وأخرجه البخارى (١٢٢، ٣٢٧٨، ٣٤٠١، ٤٧٢٥،
٦٦٧٢)، ومسلم (١٧٠/٢٣٨٠) من طريق سفيان به.
(٣) فى م: ((فأسند)).
(٤) فى م، ت ١، ف: ((ميشا))، وغير منقوطة فى: ص، ت ٢، وفى التاريخ: ((منشا)).

٣٢٧
سورة الكهف : الآيتان ٦٤، ٦٥
ذلك الحوتُ يَحْمِلانِه، فسار حتى جَهَدَه السَّيرُ، وانْتَهَى إلى الصَّخرةِ وإلى ذلك
الماءِ، وذلك الماءُ ماءُ الحياةِ، من شرِب منه خُلِّد، ولا يقارِبُه شَىْءٌ مَيِّتٌ إلا حَيِىَ،
فلمَّا نزَلا ومسَّ الحوتُ الماءَ حيِىَ ﴿ فَأَتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِ الْبَحْرِ سَرَبًا﴾. فانْطَلَقا، فلمَّا جاوَزا
بمَنْقَلةٍ(٢) قال موسى لفتاه: ﴿ ◌َئِنَا غَدَآءَنَا لَقَدْ لَفِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾. قال
الفَتَى وذكَر: ﴿ أَرَءَيْتَ إِذْ أَوَيِنَآ إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِ نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَآ أَنْسَئِنِيهُ إِلَّا
الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَأَتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِى الْبَحْرِ عَبً﴾ . قال ابنُ عباسٍ : فظَهر موسى
على الصخرةِ حين انْتَهَيا إليها ، فإذا رجلٌ مُتَلفِّفٌ فى كساءٍ له، فسَلَّم موسى ، فردَّ
عليه العالمُ، ثم قال له: / " ومن أنت؟ فقال: أنا موسى بن عمرانَ. قال: صاحبُ ٢٨٠/١٥
بنى إسرائيلَ؟ قال: نعم. قال): وما جاء بك؟ إن كان لك فى قومِك لشغلٌ ؟ قال
[٣٤/ ١٠ و] له موسى: جئتُكَ لتُعَلِّمَنى مما عُلِّمتَ رُشْدًا. ﴿ قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ
صَبْرًا﴾ - وكان رجلًا (٢) يَعْمَلُ علىّ) الغَيْبِ قد عُلِّم ذلك - فقال موسى: بلى.
قال: ﴿ وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَ تُحِطَّ بِهِ، خبرً﴾. أى: إنما تعرِفُ ظاهرَ ما تَرَى من
العَدْلِ، ولم تُحطْ من علم الغيبِ بما أعلمُ. ﴿قَالَ سَتَجِدُنِىِّ إِن شَآءَ اللَّهُ صَابِرًا
وَلَّ أَعْضِى لَكَ أَمْرًا﴾. وإن رأيتُ ما يُخالِفُنى. ﴿ قَالَ فَإِنِ أَتََّعْتَنِى فَلَا تَسْتَلْنِى عَن
شَىْءٍ حَتَّىَ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾. أى: فلا تسألنى عن شىءٍ وإن أَنْكرتَه ﴿حَتَّ
أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾. أى: خَبرًا) . فانْطلَقا يمشيان على ساحلِ البحرِ ، يتعرَّضان
الناسَ، يَلْتمِسان مَن يحمِلُهما، حتى مرّت بهما سفينةٌ جديدٌ وثيقةٌ لم يمرّ بهما من
(١ - ١) سقط من : م .
(٢) فى م: ((منقلبه)). والمنقلة: المرحلة من مراحل السفر. اللسان (ن ق ل ).
(٣ - ٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ف .
(٤ - ٤) فى ص، م، ت١، ت٢، ف: ((يعلم علم)).
(٥ - ٥) فى ص، م، ت ١، ت٢، ف: ((وإن أنكرته حتى أحدث لك منه ذكرا)).

٣٢٨
سورة الكهف : الآيتان ٦٤، ٦٥
السفنِ شىءٌ أحسنُ ولا أجملُ ولا أوثقُ منها، فسأَلا أهلَها أن يحمِلوهما،
فحمَلوهما ، فلما اطمأنًّا فيها، ولَجَّجَتْ(١) بهما مع أهلِها، أخرَج مِنْقَارًا له ومِطْرَقةٌ ، ثم
عمَد إلى ناحيةٍ منها فضرَب فيها بالمِنْقارِ حتى خرَقها ، ثم أخَذ لوحًا فطبّقه عليها ، ثم
جَلَس عليها يَرْقَعُها. قال له موسى - (٢ ورأَى أمرًا أَفْظِع به٢) -: ﴿أَخَرَقْنَهَا لِنُغْرِقَ
أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾: حمَلونا وآوَونا إلى سفينتهم، وليس فى البحرِ سفينةٌ
مثلُها، فِلِمَ خِرَقتها لتغرِقَ أهلَها؟ لقد جئتَ شيئًا إمرّا)، ﴿ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ
تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا ﴿٨ قَالَ لَا نُؤَاخِذْنِ بِمَا نَسِيتُ﴾. أى: بما ترَكتُ من عهدِك ،
وَلَا تُرْهِقْنِى مِنْ أَمْرِى [٠/٣٤ ١ ظ] عُسْرًا﴾. ثم خرَجا من السفينةِ، فانطلَقًا حتى أتّيًا
أهلَ قريةٍ ، فإذا غِلْمَانٌ يلعَبُون ◌َخَلْفَها، فيهم غلامٌ ليس فى الغلمانِ غلامٌ أظرفُ ولا
آثری(٤) ولا أَوْضَأُ منه ، فأخذ(٥) بيده، وأخذ حجرًا . قال : فضرب به رأسه حتى دمَعه
فقتلَه. قال: فرأَى موسى أمرًا فظيعًا لا صبرَ عليه، صبىٌّ صغيرٌ قتَله(١) لا ذنبَ له،
﴿ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَّكِيَّةٌ" (١)﴾. أى: صغيرةٌ ﴿بِغَيْرِ نَفْسِ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا تُكْرًا
قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا (®] قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَىءٍ بَعْدَهَا فَلاَ
تُصَحِبْنِّى قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِ عُذْرًا﴾. أى: قد أَعذِرْتَ فى شأنى. ﴿فَأَنْطَلَقَا حَتَّى إِذَا
أَنْيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ أَسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوَاْ أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ
(١) فى م: ((لجت)). ولَجَّجت السفينة، أى: خاضت اللُّجة. اللسان (ل ج ج).
(٢ - ٢) فى م، ت ١، ت ٢، ف، ونسخة من تاريخ المصنف: ((ورأى أمرا فظع به))، وفى نسخ منه:
((فأى أمر أفظع من هذا)) .
(٣ - ٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ف .
(٤) فى الأصل: ((أنزى))، وفى ف: ((أبرا))، وفى التاريخ: ((أنزف)).
(٥) فى ص، م، ت ١، ف: ((فأخذه)).
(٦) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ف .
(٧) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ف: ((زاكية)).

٣٢٩
سورة الكهف : الآيتان ٦٤، ٦٥
يَنْقَضَّ﴾ فهدَمه، ثم قعَد يَيْنِيه، فضجِر موسى مما رآه يصنَعُ من التكلُّفِ(١) لما ليس
عليه صبرٌ، فقال: ﴿ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَتَخَذْتَ(٢) عَلَيْهِ أَجْرًا﴾. أى: قد استطعَمناهم
فلم يُطْعِمُونا، وضِفْناهم فلم يُضيِّفُونا، ثم قعَدتَ تعمَلُ(٢) فِى غيرٍ ضَيْعةٍ(٤)، ولو
شِئْتَ لأَعْطِيتَ عليه أجرًا فى عملِه! ﴿ قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِ وَيَنْنِكَ سَأُنِبِتُكَ بِنَّأْوِيلِ مَا لَمْ
تَسْتَطِعِ عَلَيْهِ صَبْرًا (٢٨) أَمَا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَِكِينَ يَعْمَلُونَ فِىِ الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِبَهَا
وَكَانَ وَرَآءَهُم مَّلِكُ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ (١) غَصْبًا﴾ - وفى قراءةٍ أَبىّ بنِ كعبٍ: ( كلَّ
سَفِينَةٍ صَالِحَةٍ)(١) - وإنما عبِّتُها لأَرُدَّه عنها، فسَلِمَتْ منه حينَ رأَى العيبَ الذى
صنَعتُ بها، ﴿ وَأَمَّا الْغُلَمُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَآ أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَنًا وَكُفْرًا
فَأَرَدْنَآ أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَتُهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَّكَوَةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا ﴿ وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ
٨٠
لِغُلَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِىِ الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَفْرٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَلِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ
يَبْلُغَآَ أَشُدَهُمَا وَيَسْتَخْرِحَا كَنزَهُمَا رَحْمَةٌ مِّن رَّيِّكْ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِىَّ﴾ . أى: ما
فعَلتُه عن نفسى ، ﴿ ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعِ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ . فكان ابنُ عباسٍ يقولُ :
ما كان الكنزُ إلا علمًا(٧).
/حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سلَمةُ، قال: ثنى ابنُ إسحاقَ، عن الحسنِ بنِ ٢٨١/١٥
عُمارةَ ، عن أبيه ، عن عكرمةَ ، قال : قيل لابن عباسٍ : لم نَسمَعْ لفتى موسى بذ کرٍ
من حديثٍ ، وقد كان معه ؟ فقال ابنُ عباسٍ - فيما يَذْكُرُ من حديثٍ الفتى - قال :
(١) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ف: ((التكليف)).
(٢) فى ص: ((لتخذت)). وهما قراءتان، وسيذكرهما المصنف فى ص ٣٥١ .
(٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ف .
(٤) فى م، ونسخة من التاريخ: ((صنيعة)). والضيعة: الحرفة. اللسان ( ض ی ع).
(٥) بعده فى الأصل: ((صالحة)).
(٦) هذه القراءة شاذة لمخالفتها رسم المصحف .
(٧) أخرجه المصنف فى تاريخه ٣٧٢/١ - ٣٧٥ .

٣٣٠
سورة الكهف : الآيتان ٦٤، ٦٥
شرِب الفتى من الماءِ فخُلِّد، فأخَذه العالِمُ فطابَق به سفينةً ، ثم أرسَله فى البحرِ ، فإنها
لتموجُ به إلى يومِ القيامةِ ، وذلك أنه لم يَكُنْ له أن يشرَبَ منه فشرِب (١) .
حدّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی أبی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی أیی ، عن
أبيه ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَنُهُ لَآ أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ
اَلْبَحْرَيْنِ﴾ الآية . قال: لما ظهَر موسى وقومُه على مصرَ، أنزَل قومَه مصرَ ، فلما
استقرَّت بهم الدارُ أَنزَل اللَّهُ عليه، أن ذكِّرْهم بأيّام اللّهِ . فخطب قومه، فذكر ما
آتاهم اللهُ من الخيرِ والنعمةِ، وذكَّرَهم إذ أنجاهم اللَّهُ من آلٍ فرعونَ، وذكَّرَهم هلاكَ
عدوّهم، وما استخلَفهم اللَّهُ فى الأرضِ، وقال: كلَّم اللَّهُ نبئكم [١١/٣٤ظ]
تكليمًا ، واصطفَانى لنفسِه، وأَنزَل علىَّ محبةٌ منه، وآتا كم اللَّهُ من كلِّ ما سألتموه ،
فنيُكم أفضلُ أهلِ الأرضِ ، وأنتم تقرَُّون التوراةَ . فلم يتركْ نعمةٌ أنعمَها اللَّهُ عليهم
إلَّا ذكّرها، وعرّفها إياهم . فقال له رجلٌ من بنى إسرائيلَ: هو كذلك يا نبيَّ اللَّهِ، قد
عرفنا الذى تقولُ ، فهل على الأرضِ أحدٌ أعلمُ منك يا نبيَّ اللَّه؟ فقال: لا . فبعث
اللَّهُ جبريلَ إلى موسى عليهما السلامُ، فقال: إن اللَّهَ يقولُ: وما يُدْرِيكَ أين أَضَعُ
عِلْمى؟ بلى ، إن على شطِّ البحرِ رجلا أعلمَ منكَ . فقال ابنُ عباسٍ : هو الخَضِرُ.
فسأَل موسى ربَّه أن يُرِيَه إياه ، فأوحَى اللَّهُ إليه أن انْتِ البحرَ، فإنك تجِدُ على شطِّ
البحرِ حُونًا ، فخُذْه فادفَعْه إلى فتَاك، ثم الزَمْ شطّ البحرِ، فإذا نسِيتَ الحوتَ وهَلَك
منكَ ، فَثَمَّ تَجِدُ العبدَ الصالحَ الذى تطلُبُ . فلما طال سفرُ موسى نبيّ اللَّهِ عليه
السلامُ، ونَصِب فيه، سأَل فتاه عن الحوتِ، فقال له فتاه، وهو غلامُه: ﴿أَرَءَيْتَ إِذْ
أَوَّنَآ إِلَى الصَخْرَةِ فَإِنِّ نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَآ أَنْسَئِنِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذَّكْرَهُ﴾ لك. قال
ج
الفتى : لقد رأيتُ الحوتَ حينَ اتَّخَذ سبيلَه فى البحرِ سَرَبًا . فأعجب ذلك موسى ،
(١) أخرجه المصنف فى تاريخه ٣٧٥/١.

٣٣١
سورة الكهف : الآيتان ٦٤، ٦٥
فرجَع حتى أتَى الصخرةَ، فوجَد الحوتَ، ( فجعَل الحوثُ يضرِبُ فى البحرِ،
ويتْبَعُه موسى، وجعَل موسى يُقدِّمُ عصاه يَفرُجُ بها عنه (١ الماءَ يَنْبَعُ الحوتَ، وجعَل
الحوثُ لا يمسُّ شيئًا من البحرِ إلا بِس حتى يكونَ صخرةً ، فجعَل نبىُّ اللَّهِ عليه السلامُ
يَعْجَبُ من ذلك حتى انتهى به الحوثُ إلى جزيرةٍ من جزائرِ البحرِ، [١٢/٣٤ و] فلقِی
الخَضِرَ بها فسلّم عليه، فقال الخضرُ: وعليك السلامُ، وأنى يكونُ هذا السلامُ بهذه
الأرضِ! ومَن أنتَ؟ قال : أنا موسى. فقال له الخضرُ: أصاحبُ بنى إسرائيلَ؟
قال: نعم. فرَّب به ، وقال: ما جاء بك؟ قال: جئتُكَ على أن تُعَلِّمَنى مما عُلِّمتَ
رُشْدًا . قال: ﴿ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا﴾ . يقولُ : لا تُطِيقُ ذلك . قال موسى :
سَتَجِدُنِىِّ إِن شَآءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِى لَكَ أَمْرًا﴾. قال: فانطلق به وقال له : لا
تسألنى عن شىءٍ أُصنَعُه حتى أُبَيِّنَ لك شأنه . فذلك قوله: ﴿ حَتَّ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ
ذِكْرًا﴾. فرَكبا فى السفينةِ يُرِيدان البرّ، فقام الخضرُ فخرَق السفينةَ، فقال له
موسى: ﴿ أَخَرَقْنَهَا لِنُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾(١).
/حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَلَمَّا بَلَغَا ٢٨٢/١٥
◌َجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾: ذُكِر لنا أن نبىَّ اللَّهِ موسى صلى اللَّهُ عليه لما قطَع
البحرَ وأنجاه اللَّهُ من آلٍ فرعونَ، جَمَع بنى إسرائيلَ، فخطَبهم فقال: أنتم خيرُ أهلِ
الأرضِ وأعلمُه، قد أهلَك اللَّهُ عدوَّكم، وأقطعكم البحرَ، وأَنْزَل عليكم التوراةً .
قال: فقيل له : إن ههنا رجلًا هو أعلمُ منك. قال: فانطلق هو وفتاه يوشعُ بنُ نوٍ
(١ - ١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ف.
(٢) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ف: ((عن)).
(٣) فى ت ٢: ((فقال)).
(٤) أخرجه المصنف فى تاريخه ٣٦٩/١، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٣٣/٤ إلى المصنف وابن أبى
حاتم .

٣٣٢
سورة الكهف : الآيتان ٦٤، ٦٥
يطلُبانِهِ ، فتزوَّدوا(١) مملوحةً فى مِكْتَل لهما، وقيل لهما: إذا نسيتما ما معكما لقِيتما
رجلاً عالماً يقالُ له: الخَضِرُ. فلما أتيا ذلك المكانَ، ردَّ اللَّهُ إِلى الحوتِ روحه، فسرّب له
من الجُدِّ(٢) حتى أَفْضَى إلى البحرِ، ثم سلَك، فجعَل لا يسلُكُ فيه طريقًا إلا صار ماءً
جامدًا. قال: ومضى [١٢/٣٤ظ] موسى وفتاه. يقولُ اللَّهُ عزَّ وجلَّ: ﴿فَلَمَّا جَاوَزَا
قَالَ لِفَتَنُهُ ءَائِنَا غَدَآءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا ﴿ قَالَ أَرَبَيْتَ إِذْ أَوَيْنَآ إِلَى
الصَّخْرَةِ فَإِنِّ نَسِيتُ الْحُوتَ﴾. ثم تلا إلى قولِه: ﴿وَعَلَّمْنَهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا﴾. فلقيا
رجلًا عالمً يقالُ له: الخضرُ، فذُكِر لنا أن نبىَّ اللَّهِ عَ لِ قال: ((إنما سُمِّ الْخَضِرُ
خضِرًا؛ لأنه قعَد على فَروةٍ (٣) بيضاءَ فاهتَزَّت به خضراءَ)) (٤).
حدثنى العباسُ بنُ الوليدِ ، قال: أخبرنى أبى، قال: حدثنى الأوزاعىُ ، قال :
حدثنى الزهرىُّ، عن عبيدِ اللَّهِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عتبةَ بنِ مسعودٍ ، عن ابنِ عباسٍ ، أنه
تمارَى هو والحُ بنُ قيس بنِ حِصْنِ الفزارىُّ فى صاحب موسى، فقال ابنُ عباسٍ : هو
خضِرٌ. فمرَّ بهما أبىُّ بنُ كعبٍ ، فدعاه ابنُ عباسٍ، فقال : إنى تمارَيتُ أنا وصاحبى
هذا فى صاحبٍ موسى الذى سأل السبيلَ إلى لُقِيِّه، فهل(٥) سمِعتَ رسولَ اللَّهِ يذكُرُ
شأنَه؟ قال: نعم(١)، سمِعتُ رسولَ اللّهِ وَلَّهِ يقولُ: ((بيْنَا موسى فى ملاًّ من بنى
إسرائيلَ إذ جاءه رجلٌ فقال: تعلَمُ (٢ مكانَ أحد٢ٍ) أعلمَ منك؟ قال موسى: لا .
(١) فى ص: ((فتزودوا سمكة))، وفى م: ((وتزودا سمكة))، وفى ت ١، ف: ((وتزودوا سمكة)).
(٢) فى م: ((الجسر)). وتقدم تعريف الجد فى ص ٣١٤ .
(٣) الفروة: الأرض اليابسة ، وقيل: الهشيم اليابس من النبات . النهاية ٤٤١/٣ .
(٤) أخرجه المصنف فى تاريخه ٣٧٥/١ .
(٥) فى م: ((فقال)) .
(٦) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ف: ((إنى)).
(٧ - ٧) فى الأصل: ((بمكانٍ أحدا)).
٠

٣٣٣
سورة الكهف : الآيات ٦٤ - ٦٧
فَأَوْحَى اللَّه إلى موسى: بلى، عبدُنا(١) خضِرٌ. فسأل موسى السبيلَ إلى لُقِيُّه، فجعَل
اللَّهُ له الحوتَ آيةٌ ، وقيل له : إذا افتقدتَ (١) الحوتَ فارجِعْ فإنك ستلقاه . فكان موسی
يتبعُ أثرَ الحوتِ فى البحرِ، فقال فتى موسى لموسى: ﴿ أَرَءَيْتَ إِذْ أَوَيْنَآ إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّ
◌َسِيتُ الْحُوتَ﴾. قال موسى: ﴿ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغَ فَأَرْتَدًا عَلَىَّ ءَاثَارِهِمَا قَصَصًا
(٦٤
فَوَجَدَا عَبْدًا﴾(١٢)؛ خَضِرًا، وكان من شأنهما ما قصَّ اللَّهُ فى كتابِهِ))(٤).
حدَّثنى محمدُ بنُ مرزوقٍ ، قال : ثنا الحجاجُ بنُ المنهالِ ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ
[١٣/٣٤ و] بنُ عمرَ النُّميرىُّ، عن يونسَ بنِ يزيدَ ، قال: سمِعتُ الزهرىَّ يحدِّثُ ،
قال : أخبرنى عبيدُ اللَّهِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عتبةَ بنِ مسعودٍ ، عن ابنِ عباسٍ ، أنه تمارَى هو
والحرُّ بنُ قيسٍ بنِ حصنٍ الفَزاریُ فی صاحبٍ موسی. ثم ذكر نحوَ حدیثٍ
العباس ، عن أبيه(٢) .
/ القولُ فى تأويلٍ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿ قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىَ أَن تُعَلِّمَنِ (٦).
٦٧
قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا
مِمَّا عُلِّمْتَ رُشِدًا (٦)
٢٨٣/١٥
يقولُ تعالى ذكرُه: قال موسى للعالم: هل أتَّبِعُك على أن تُعلِّمَنى من العلم
الذى علَّمك اللَّهُ، ما هو رشادٌ إلى الحقِّ ودليلٌ على هدى؟ قال: ﴿إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ
مَعِىَ صَبْرًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قال العالمُ: إِنَّك لن تُطِيقَ الصبرَ معى؛ وذلك أنِّى
(١) فى الأصل: ((عندنا)).
(٢) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ف: ((فقدت).
(٣) فى ص، م، ت ١، ف: ((عبدنا)).
(٤) أخرجه المصنف فى تاريخه ٣٦٨/١، وأخرجه البخارى (٧٤٧٨)، والنسائى فى الكبرى (١١٣٠٩) من
طريق الأوزاعى به .
(٥) فى النسخ: ((أبى بن كعب، عن النبى معَّه)). والمثبت من تاريخ المصنف.
والأثر أخرجه المصنف فى تاريخه ٣٦٩/١، وأخرجه مسلم ١٧٤/٢٣٨٠ من طريق يونس به .
(٦) فى الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ف: ((تعلمنى)). وهى قراءة ابن كثير ونافع وأبى عمرو وصلًا، =

٣٣٤
سورة الكهف : الآيات ٦٦ - ٧٠
أعمَلُ بباطنِ علمٍ عَلَّمَنيهِ اللَّهُ، ولا عِلمَ لك إِلَّ بالظاهرِ من الأُمورِ ، فلا تَصِرُ على ما
تَرى منّى(١) من الأفعالِ. كما ذكرنا مِن الخبرِ عن ابنِ عباسٍ قبلُ مِن أَنَّه كان رجلاً
يعمَلُ على الغيبِ ، قد عُلِّم ذلك(٢) .
القولُ فى تأويل قوله جلّ ثناؤُه: ﴿ وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ، خُبْرَ ﴿٨َ قَالَ
سَتَجِدُنِىّ إِن شَآءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِى لَكَ أَمْرًّا
٦٩
يقولُ [١٣/٣٤ظ] تعالى ذكرُه مُخْبِرًا عن قولِ العالم لموسى: وكيف تَصْبِرُ یا
موسى على ما تَرى مثِّى من الأفعالِ التى لا علْمَ لك بوجوهِ صوابِها، وتُقيمُ معی
عليها ، وأنت إنما تحكُمُ على صوابِ المُصيبِ، وخَطأ المخطئِّ، بالظاهرِ الذى عندَك،
وبمبلغٍ علمِك، وأفعالى تَقَّعُ بغيرِ دليلٍ ظاهرٍ لرأي عينك على صوابِها؛ لأنَّها تُبْتَدَأُ
لأسبابٍ تحدُثُ آجلةً غيرَ عاجلةٍ ، لا علمَ لك بالحادثِ عنها؛ لأنَّه (٢) غَيْبٌ، و(٤لم
تُحِطْءٌ) بعلم الغيبِ ﴿خُبْرً﴾. يقولُ: علمًا. ﴿قَالَ سَتَجِدُنِيِّ إِن شَآءَ اللَّهُ
صَابِرًا﴾. يقولُ: قال موسى للعالم: ستجِدُنى إن شاء اللَّهُ صابرًا) على ما أرَى
منك، وإن كان خلافًا لما هو عندِى صوابٌ، ﴿وَلَآّ أَعْصِى لَكَ أَمْرًا﴾. يقولُ:
وأنتهى إلى ما تأمُرُنى وإن لم يكنْ مُوافِقًا هوایَ .
القولُ فى تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿ قَالَ فَإِنِ أَتَّبَعْتَنِى فَلَا تَسْتَلْنِى عَن شَىْءٍ حَتَّ
= ووقفوا بغير ياء ، ووصلها الباقون ووقفوا بغير ياء . السبعة لابن مجاهد ص ٤٠٣ .
(١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ف .
(٢) تقدم تخريجه فى ص ٣٢٩ .
(٣) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ف: ((لأنها)).
(٤ - ٤) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ف: ((لا تحيط)).
(٥ - ٥) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ف .

٣٣٥
سورة الكهف : الآيتان ٧٠، ٧١
أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا
٧٠
يقولُ تعالى ذكرُه : قال العالمُ لموسى: فإن اتَّبَعتنى الآنَ فلا تَسْألنى عن شىءٍ
أعمَلُه مما تَسْتَنكِرُه ؛ فإِنِّى قد أَعْلَمْتُك أنِّى أَعمَلُ العملَ على الغيبِ الذى لا تُحِيطُ به
علمًا، ﴿ حَتَّىَ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾. يقولُ: حتى أُحْدِثَ أنا لك ذِكْرًا (١) مما تَرِى
من الأفعالِ التى أفعلُها التى تَستَنكِرُها، أذْكُرُه لك، وأَبَيِّنُ لك شأنَه، وأَبْتدِتُك
بالخبرِ عنه ) .
كما حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، [٣٤/ ١٤ و] قال: ثنى أبى، قال : ثنى عمى،
قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿فَلَا تَسْتَلْنِى عَن شَىْءٍ حَتََّ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ
ذِكْرًا﴾: عن شىءٍ أصنعُه حتى أُبِّنَ لك شأنَه(٣).
/القولُ فى تأويلٍ قولِه جل ثناؤه: ﴿فَانْطَلَقَا حَقَّ إِذَا رَكِبَا فِ السَّفِينَةِ خَرَقَهَا
٧١
قَالَ أَخَرَقْنَهَا لِنُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا (
٢٨٤/١٥
يقولُ تعالى ذكرُه: فانطلَق موسى والعالمُ يَسِيران يطلُبان سَفِينَةً يَرْكَبانِها ،
حتى إذا أصاباها رَكِبا فى السَّفينةِ ، فلمَّا رَ كِباها خرَق العالمُ السَّفينةَ ، قال له موسى :
أَخَرَقْتَها بعدَما قد ◌َجَّجْنا فى البَحرِ ؛ لِتُغْرِفَ أَهْلَها؟ ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾.
يقولُ : لقد جئتَ (٢)بشىءٍ عظيم) ، وفعَلتَ فِعْلًا مُنكَرًا .
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قولَه: ﴿لَقَدْ
(١) سقط من: م، وفى ت ١: ((منه ذكرا)).
(٢ - ٢) فى م: ((أذكرها لك وأبين لك شأنها وأبتدئك بالخبر عنه)).
(٣) تقدم تخريجه فى ص ٣١٥ .
(٤ - ٤) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ف: ((شيئًا عظيمًا)).

٣٣٦
سورة الكهف : الآية ٧١
جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾. أى: عَجَبًا(١)؛ أن قومًا لَجَّجُوا سفينتَهم فى البحرِ فخُرِقَتْ ()
كأَخوج ما يكونون (٣) إليها! ولكنْ عَلِمٍ مِن ذلك ما لم يعلَمْ نبىُّ اللَّهِ موسى(٤) من علمٍ
اللَّهِ الذى آتاه، وقد (٥) قال لنبىّ اللَّهِ موسى عليه السلامُ: ﴿فَإِنِ آَتََّعْتَنِى فَلَا تَسْتَلْنِى عَنْ
شَىْءٍ حَتَّ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن
قتادةَ: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾. يقولُ: نُكْرًا .
حدَّثنا محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ
قولَه: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾. قال: مُنكَرًا(٩).
حدَّثنا [٣٤/ ٤ ١ظ] القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ
جريج، عن مجاهدٍ مثله(٧) .
والإِمْرُ فى كلامِ العربِ الداهيةُ، ومنه قولُ الراجزِ(٨):
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره - كما فى الفتح ٤١٩/٨ - من طريق خالد بن قيس ، عن قتادة ، وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ٢٣٦/٤ إلى عبد الله بن أحمد فى زوائد الزهد .
(٢ - ٢) فى ص: ((فخرقت))، وفى م، ف: ((فخرقتها)).
(٣) فى ص، م، ت ١، ف: ((نكون))، وفى ت ٢: ((يكون)).
(٤) بعده فى ص، م، ت ٢، ف: ((ذلك)).
(٥) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((قال)).
(٦) تفسير مجاهد ص ٤٥٠، وعزاه الحافظ فى الفتح ٤١٩/٨ إلى عبد بن حميد، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٢٣٦/٤ إلى ابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٧) ذكره الحافظ فى الفتح ٤١٩/٨، وقال: هو من رواية ابن جريج عن مجاهد ، وقيل: لم يسمع منه .
(٨) البيتان فى مجاز القرآن ٤٠٩/١، والتبيان ٦٥/٧، ١٣٤، وفيه فى الموضع الثانى: ((الأعداء)) بدل
((الأقران)) ، واللسان (أم ر).

٣٣٧
سورة الكهف : الآية ٧١
قد لَقِىَ الأَقْرَانُ مِنْكَ (١) نُكْرًا
داهِيةٌ دَهياءَ إِذًا إِمْرَا
وكان بعضُ أهلِ العلم بكلام العربِ يقولُ : أضْلُه كلَّ شىءٍ شديدٍ كثيرٍ .
ويقولُ: منه قيل للقوم: قد أَمِروا. إذا كثُروا واشتدَّ أَمْرُهم. قال: والمصدرُ منه:
الأَمَرُ، والاسمُ : الإمْرُ.
واختلفتِ القرَأةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿ لِنُغْرِقَ أَهْلَهَا﴾. فقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ المدينةِ
والبصرةِ وبعضِ الكوفيِّين: ﴿ لِنُغْرِقَ أَهْلَهَا﴾. بالتاءِ فى ﴿ لِنُغْرِقَ﴾ ، ونصْبٍ
((الأهلِ)) (١) ، بمعنى: لتُغرِقَ أَنتَ أيُّها الرجلُ أهلَ السَّفينةِ بالخَوْقِ الذى خَرَقْتَ فيها .
وقرأه عامةُ قرأةِ الكوفةِ: ( لِيَغْرَقَ) بالياءِ (أهلُها) بالرفعِ(٣)، على أن ((الأهلَ))
هم الذين يَغْرَقون .
/والصوابُ من القولٍ فى ذلك عندى أن يُقالَ: إنَّهما قراءتان معروفَتان ٢٨٥/١٥
مُسْتفيضَتان فى قرَأَةِ الأمصارِ ، متَّفِقَتا المعنى وإن اختَلَفت ألفاظُهما، فبأىِّ ذلك قرَأ
القارئُ فمصيبٌ .
وإنما قُلنا: هما متَّفِقتا المعنى؛ لأنه معلومٌ أن إنكارَ موسى على العالِمِ خَرْقَ
السّفينةِ إنما كان ؛ لأَنَّه كان عندَه أن ذلك سببٌ لغَرَقِ أهلِها إذا أَحْدِث(٤) فيها ، فلا
خفاءَ على أحدٍ معنى ذلك، قُرِئ بالتاءِ ونَصْبِ ((الأهلِ))، أو بالياءِ ورَفْعِ((الأهلِ)).
(١) فى م، والمصادر: ((منى)).
(٢) وهى قراءة ابن كثير وأبى عمرو ونافع وابن عامر وعاصم . السبعة لابن مجاهد ص ٣٩٥.
(٣) وهى قراءة حمزة والكسائى . المصدر السابق .
(٤) بعده فى ص، م، ت١، ت٢: ((مثل ذلك الحدث)).
( تفسير الطبرى ٢٢/١٥ )

٣٣٨
سورة الكهف : الآيتان ٧٣،٧٢
[١٥/٣٤ و] القولُ فى تأويل قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿ قَالَ أَلَمَّ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ
مَعِىَ صَبْرًا ﴿٣) قَالَ لَا نُؤَاخِذْنِ بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِى مِنْ أَمْرِى عُسْرًا
يقولُ تعالى ذكرُه : قال العالمُ لموسى إذ قال له ما قال : ألم أقلْ : إِنَّك لن تُطِيقَ
معىَ صْرًّا على ما ترَى من أفعالِى ؛ لأنَّك ترَى ما لم تُحِطْ به خُبْرًا . قال له موسى :
﴿لَا نُؤَاخِذْنِ بِمَا نَسِيتُ﴾ .
فاختلَف أهلُ التأويلِ فى معنى ذلك؛ فقال بعضُهم: كان هذا الكلامُ من
موسى عليه السلامُ للعالِم معارضةً ، لا أنَّه كان نَسِىَ عهدَه، وما كان تقدَّم فيه إليه(١)
حينَ استَصْحَبه بقولِه : ﴿ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِىِ فَلَا تَسْتَلْنِى عَن شَىْءٍ حَتََّ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ
ذِكْرًا﴾ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حُدِّثتُ عن يحيى بنِ زيادٍ ، قال : ثنى يحيى بنُ المُهَلِّبِ، عن رجلٍ، عن
المنِهالِ (١) ، عن سعيدٍ بن جبيرٍ، عن أبيّ بن كعبِ الأنصارىِّ فى قوله: ﴿لَا نُؤَاخِذْنِ
بِمَا نَسِيتُ﴾. قال: لم يَنْسَ، ولكنَّها من معارِيضِ الكلامِ (١) .
وقال آخرون: بل معنَى ذلك: لا تُؤَاخِذْنِى بتَوْكِى عهدَك. ووجَّةَ(٤) معنى
النِّسيانِ إلى (٥) التَّكِ .
(١) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ف .
(٢ - ٢) سقط من النسخ، والمثبت من معانى القرآن للفراء .
(٣) معانى القرآن ١٥٥/٢، وقال الحافظ فى الفتح ٤١٩/٨: وإسناده ضعيف ... ولو كان هذا ثابتا لاعتذر
موسى عن الثانية وعن الثالثة بنحو ذلك .
(٤) بعده فى م: (( أن)).
(٥) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ف .

٣٣٩
سورة الكهف : الآيتان ٧٣، ٧٤
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ ، قال : ثنى ابنُ إسحاقَ ، عن الحسنِ بنِ
عُمارةَ، [١٥/٣٤ظ] عن الحكم، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿قَالَ لَا
نُؤَاخِذْنِ بِمَا نَسِيتُ﴾. أى: بما ترَكتُ من عهدِكَ(١) .
والصوابُ مِن القولِ فى ذلك أن يُقالَ: إِنَّ موسى سألَ صاحبه ألَّ يُؤَاخِذَه بما
نَسِى فيه عهده من سؤالِه إِيَّاه عن (١) وجْهِ ما فعَل وسببِه، لا بما سألَه عنه وهو لعهدِه
ذاكرٌ؛ للصحيح عن رسولِ اللَّهِ بِ هِ بأن ذلك معناه، مِن الخبرِ.
وذلك ما حدَّثنا به أبو كريبٍ ، قال : ثنا يحيى بنُ آدمَ ، قال: ثنا ابنُ عيينةً، عن
عمرو بن دينارٍ ، عن سعيد بن جبيرٍ ، عن ابن عباسٍ ، عن أُبىّ بنِ كعبٍ ، عن رسولِ
اللَّهِ عَلَهِ: ﴿لَا نُؤَاخِذْنِ بِمَا نَسِيثٌ﴾. قال: (( كانتِ الأولى مِن موسى
(٣)
نِشْيانًا))(١).
وقولُه: ﴿ وَلَا تُرْهِقْنِ مِنْ أَمْرِى عُسْرًا﴾. يقولُ: لا تُغْشِنى ﴿مِنْ أَمْرِى
عُسْرًا﴾. يقولُ: لا ("يَضِيقُ عليك) أمْرِى معك، وصُحْبَتِى إِيَّاك.
/القولُ فى تأويل قولِه جلّ ثناؤه: ﴿فَنْطَلَقَا حَتَّىَ إِذَا لَقِيَا غُلَمَا فَقَلَهُ قَالَ أَقَلْتَ ٢٨٦/١٥
٧٤
نَفْسًا زَكِيَّةُ(٥) بِغَيّرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا تُكْرًّاً
يقولُ تعالى ذكرُه : فانطلَقا حتى إذا لَقِيا غلامًا قتَله العالمُ ، فقال له موسى :
(١) تقدم تخريجه فى ص ٣٢٩ .
(٢) فى ص، م، ت١، ف: ((على)).
(٣) تقدم تخريجه فى ص ٣٢٦ .
(٤ - ٤) فى ص، م، ت١، ت٢، ف: ((تضيق على)).
(٥) فى ص، ت١، ت٢، ف: ((زاكية)). وهما قراءتان كما سيذكر المصنف.

٣٤٠
سورة الكهف : الآية ٧٤
﴿ أَقَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةٌ
واختلفتِ القرّأةُ فى قراءةِ ذلك؛ [١٦/٣٤و] فقرَأَتْه عامَّةُ قرَأةِ الحجازِ والبصرةِ :
(أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَاكِيَةٌ) (١) . وقالوا: معنى ذلك: المُطَهَّرَةُ التى لا ذنبَ لها، ولم تُذْنِبْ
قطّ لصِغَرِها.
وقَرَأْ ذلك عامَّةُ قَرَأَةِ أهلِ الكوفةِ: ﴿نَفْسًا زَكِيَّةٌ﴾. بمعنى التائبةِ المغفور لها
ذنوبُها .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى ، قال : ثنى عمى ، قال : ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿أَقَلْتَ نَفْسًا زَّكِيَّةٌ﴾. قال: فالزكيةُ التائبةُ(٣).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: (قال أَقَتَلْتَ نَفْسًا
زاكيَةٌ ) قال : الزاكيةُ التائبةُ .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ: (أقَتَلْتَ
نَفْسًا زَاكِيَةٌ). قال: قال الحسنُ: تائبةً(٤).
هكذا "قرَأ فى الحديثِ بشرّ والحسنُْ): (زاكيةٌ).
(١) وهى قراءة ابن كثير ونافع وأبى عمرو. السبعة لابن مجاهد ص ٣٩٥ .
(٢) وهى قراءة عاصم وابن عامر وحمزة والكسائى . المصدر السابق .
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٣٦/٤ إلى المصنف.
(٤) فى الأصل: (( التائبة)).
والأثر فى تفسير عبد الرزاق ٤٠٦/١ .
(٥ - ٥) فى ص، م، ت١، ت٢، ف: ((فى حديث الحسن وشهر)).