النص المفهرس
صفحات 141-160
١٤١
سورة الكهف : الآية ١ ، ٢
على عبدِه قيِّمًا .
حُدِّثتُ عن محمدِ بنِ يزيدَ ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ فى قولِه :
﴿ قَبِّمَا﴾. قال: مستقيمًا (٢) .
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا
فَبِّمَا﴾. أى: معتدلاً لا اختلافَ فيه(٣).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن
قتادةَ فى قولِه: ﴿ وَلَمْ يَجْعَل لَُّ عِوَجًا ﴿ قَبِّمًا﴾. قال: أَنزَل اللَّهُ الكتابَ قيمًا ،
ولم يَجعَلْ له عِوَجًا(٤).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ فى قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ
قَبِّمَا﴾ . قال : وفى بعضٍ
الَّذِىّ أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِشَبَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَاً
القراءةٍ(٥): (ولَكِنْ جَعَلَه قَيِّمًا)(٢).
والصوابُ من القولِ فى ذلك عندَنا ما قاله ابنُ عباسٍ ومَن قال بقولِه فى ذلك ؛
لدلالةِ قولِه: ﴿ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجًا﴾. فأخبرَ جلَّ ثناؤه أنه أنزل الكتابَ الذى أُنزَله
إلى محمدٍ مَ الِ قَيِّمًا مستقيمًا لا اختلافَ فيه ولا تفاوتَ، بل بعضُه يُصَدِّقُ بعضًا ،
وبعضُه يَشهَدُ لبعضٍ، لا يعِوَجَ فيه، ولا ميلَ عن الحقِّ .
(١) فى م، ت ١، ت ٢، ف: ((زيد)).
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢١١/٤ إلى ابن المنذر.
(٣) سيرة ابن هشام ٣٠٢/١.
(٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٩٦.
(٥) فى م: ((القراءات)).
(٦) ذكره الطوسى فى التبيان ٧/ ٤. وقال أبو حيان فى البحر المحيط ٦/ ٩٦: ويحمل ذلك على تفسير المعني،
لا أنها قراءة .
١٤٢
سورة الكهف : الآيتان ١، ٢
وكُسِرتَ العينُ من قولِه: ﴿عِوَجًا﴾؛ لأن العربَ كذلك تقولُ فى كلِّ
اعوِجاجٍ كان فى دينٍ، أو فيما لا يُرَى شخصُه قائمًاً) فيُدْرَكَ عِيانًا منتصبًا ،
كالعِوَجُ فى الدينِ، ولذلك كُسِرتِ / العينُ فى هذا الموضع، وكذلك العِوَجُ فى
الطريقِ ؛ لأنه ليس بالشخْصِ المتْتَصِبِ . فأما ما كان من عَوَج فى الأشخاصِ المنتصبةِ
قيامًا ، فإن عينَها تُفْتَحُ، كالعَوَج فى القناةِ والخشبةِ ونحوِها .
١٩١/١٥
وكان ابنُ عباسٍ يقولُ فى معنى قوله: ﴿وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا ﴾ قَيِّمَا ﴾:
ولم يَجْعَلْ له مُلْتَسًا .
ذكرُ مَن قال ذلك
م
حدَّثنا عليٍّ ، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنى معاویةُ ، عن على ، عن ابنِ عباسٍ :
﴿ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجًا ﴾ قَبِّمًا﴾: ولم يَجعَلْ له ملتبسًا (٣).
ولا اختلافَ أيضًا بينَ أهلِ العربيةِ فى أنَّ معنى قوله ﴿قَيِّمًا﴾ - وإن كان
مؤخّرًا - التقديمُ إلى جنبٍ ﴿اَلْكِنَبَ﴾ .
وقيل : إنما افتتَح جلّ ثناؤه هذه السورةَ بذكرِ نفسِه بما هو له أهلٌ ، وبالخبرِ عن
إنزالِ الكتابِ على رسولِه؛ إخبارًا منه للمشر كين من أهل مكةً بأن محمدًا رسولُه
عَلَه، وذلك أن المشركين كانوا سألوا رسولَ اللَّهِ بِ لِ عن أشياءَ عَلَّمَهمُوها اليهودُ
من قريظةً والنضيرِ، وأَمَروهم بمسألتِهموها(٤) ، وقالوا : إِنْ أخبرَ كم بها فهو نبيِّ ، وإن
(١) بعده فى ص: (( فيه)) .
(٢) فى م: (( كالعاج)).
(٣) تقدم تخريجه فى ص ١٤٠ .
(٤) فى ت ١، ت ٢، م: ((بمسألتهموه عنها)).
١٤٣
سورة الكهف : الآيتان ١، ٢
لم يُخْبِرْكم بها فهو مُتقوِّلٌ. فوعَدهم رسولُ اللَّهِ مَّلَمِ الجوابَ عنها موعدًا، فأبطَأ
الوحى عنه بعضَ الإبطاءِ، وتأخّر مجىءُ جبريلَ عليه السلامُ عنه عن ميعادِه ( القومَ،
فتحدَّث ١) المشركون بأنه أخلَفهم موعده، وأنه مُتَقوِّلٌ، فأنزل اللَّهُ هذه السورةَ جوابًا
عن مسائلِهم، وافتتح أولَها بذكره، وتكذيبٍ المشر کین فی أُحدوثَتِهم التى قد
تحدَّثوها(٢) بينَهم.
ذكرُ "الرواية بذلك"
حدّثنا أبو کریبٍ ، قال : ثنا یونسُ بنُ بُکیرٍ ، عن محمدِ بنِ إسحاق ، قال : ثنی
شيخٌ من أهلِ مصرَ، قدِم منذُ بضع وأربعين سنةً، عن عكرمةَ، عن ابنٍ
عباسٍ - "قال أبو جعفرٍ: فيما أرَى أناُ) - قال: بعَثت قريشٌ النضْرَ بنَ الحارثِ
وُقبةَ بنَ أبى مُعَيْطٍ إلى أحبارِ يهودَ بالمدينةِ، فقالوا لهم: سَلُوهم عن محمدٍ، وصِفُوا
لهم صِفَتَه ، وأخبِرُوهم بقوله؛ فإنهم أهلُ الكتابِ الأولِ ، وعندَهم علمُ ما ليس عندنا
من علم الأنبياءِ. فخرَجا حتى قدِما المدينةَ، فسألُوا أحبارَ يهودَ عن رسولِ اللَّهِ عَهِ،
ووصَفُوا لهم أمرَه وبعضَ قولِه ، وقالا : إنكم أهلُ التوراةٍ ، وقد جِئْناكم لتُخْبِرُونا عن
صاحبنا هذا. قال: فقالت لهم أحبارُ يهودَ : سَلُوه عن ثلاثٍ نأمُرُكم بهنَّ، فإن
أخبرَ كم بهنَّ فهو نبيٌّ مرسَلٌ ، وإن لم يَفْعَلْ فالرجلُ متقوِّلٌ ، فَرَوْا فيه رأيكم ؛ سَلُوه
عن فتيةٍ ذهَبُوا فى الدهرِ الأُولِ، ما كان من أمرِهم؟ فإنه قد كان لهم حديثٌ
عجيبٌ، وسَلُوه عن رجلٍ طوَّافٍ بلَغ مشارقَ الأرضِ ومغاربها ، ما كان نبؤُه؟
(١ - ١) فى ص: ((فتحدث القوم)).
(٢) فی ص: ((تحدثوا)).
(٣ - ٣) فى م: ((من قال ذلك)).
(٤ - ٤) فى م، ت ١، ت ٢، ف: ((فيما يروى أبو جعفر الطبرى)).
١٤٤
سورة الكهف : الآيات ١ - ٣
١٩٢/١٥ أحبارُ يهودَ أن نسألَه عن أمورٍ. فأخبَرُوهم بها، فجاءُوا رسولَ اللَّهِ عَلَهِ / فقالوا:
وسَلُوه عن الرُّوح ما هو؟ فإن أخبرَ كم بذلك فإنه نبيٌّ فاتَّبِعُوه، وإن هو لم يُخْبِرْكم
فهو رجلٌ متقوَّلٌ ، فاصنَعُوا فى أمرِه (١) ما بَدا لكم. فأقْبَل النضْرُ وعقبةُ حتى قَدِما مكةً
على قريشٍ، فقالا: يا معشر قريشٍ ، قد جئناكم بفصلٍ ما بينكم وبينَ محمدٍ ، قد أُمَرَنا
يا محمدُ، أخبِرْنا. فسألُوه(٢) عما أمَرُوهم به، فقال لهم رسولُ اللَّهِ وَّهِ: ((أُخْبِرُكم
غدًا بما سألْثُم عنه)). ولم يَسْتَثْنِ. فانصَرَفُوا عنه، فمَكَث رسولُ اللَّهِ مَِّ خمسٌ
عشرةَ ليلةٌ لا يُحْدِثُ اللَّهُ إليه فى ذلك وحيًا، ولا يأْتِيه جبريلُ عليه السلامُ، حتى
أرجّف أهلُ مكةَ وقالوا: وعَدنا محمدٌ غدًا، واليومُ خمسَ عشرةَ قد أصبحنا فيها لا
يُخْبِرُنا بشىءٍ مما سألناه عنه. وحتى أحزَن رسولَ اللّهِ عَ لَهِ مُكْثُ الوحى عنه، وشَقّ
عليه ما يَتكلَّمُ به أهلُ مكةَ. ثم جاءّه جبريل عليه السلامُ من اللَّهِ عزَّ وجلَّ بسورةٍ
أصحاب الكهفِ ، فيها معاتبتُه إياه على حزنه عليهم، وخبرُ ما سألُوه عنه من أمرٍ
الفتيةِ ، والرجلِ الطوَّافِ ، وقولِ اللَّهِ عزَّ وجل: ﴿ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحُ قُلِ الرُّوحُ مِنْ
أَمْرِ رَبِّ وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]. قال ابنُ إسحاقَ: فبلَغنى
أن رسولَ اللّهِ مَّهِ افتتَح السورةَ فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِىّ أَنَزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِنَبَ﴾.
يعنى محمدًا ، إنك رسولى فى تحقيقٍ ما سألوا عنه من نبؤَّتِه، ﴿ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ
عِوَجَاٌ ﴿ قَبِّمًا﴾. أى: معتدلا، لا اختلافَ فيه(٣) .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لُِّنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِّن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ
الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّلِحَتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا * مَكِنِينَ فِيهِ أَبَدًّا
(١) فى ص: ((أمركم)).
(٢) فى م: ((فسألوهم)).
(٣) سيرة ابن هشام ٣٠٢/١.
١٤٥
سورة الكهف : الآية ٢
يقولُ تعالى ذكره: أَنزَل على عبدِه القرآنَ معتدِلًا مستقيمًا لا ◌ِوَجَ فيه،
ليُنذِرَكم أيها الناسُ بأسًا من اللَّهِ شديدًا. وعنَى بـ ((البأسِ)) العذابَ العاجلَ،
والنَّكالَ الحاضرَ ، والسطوةَ .
وقولُه: ﴿مِّن لَّدُنْهُ﴾. يعنى: من عندِ اللَّهِ.
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كريبٍ ، قال: ثنا يونسُ بنُ بُكيرٍ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ: ﴿لِّهُنذِرَ
بَأْسًا شَدِيدًا﴾(١): عاجِلَ عقوبةٍ فى الدنيا، وعذابًا فى الآخرةِ، ﴿مِّن ◌َّدُنْهُ﴾. أى:
من عندِ ربِّك الذى بعثك رسولاً(٢).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ ، عن ابنٍ إسحاقَ بنحوِهِ(١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿مِّن لَّكُنْهُ ﴾.
أى: من عندِه(٣).
فإن قال قائلٌ: فأين مفعولُ قولِه: ﴿ لِيُنْذِرَ﴾؟ فإِنَّ مفعولَه محذوفٌ ،
اكْتُفِى بدلالةِ ما ظهَر من الكلامِ عليه من ذكرِهِ، وهو مضمرٌ متصلٌ،
بـ ﴿لَيُنذِرَ﴾ قبلَ ((البأسِ))، كأنه قال(٤): ليُنْذِرَكم بأسًا. كما قيل: ﴿يُخَوِّفُ
أَوْلِيَآءَهُ﴾ [آل عمران: ١٧٥]. وإنما هو: يخوِّفُكم أولياءَه .
(١) بعده فی ص: ((من لدنه شديدا)).
(٢) سيرة ابن هشام ١/ ٣٠٢.
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢١١/٤ إلى ابن أبى حاتم .
(٤) فى ص، ت ١، ف، م: ((قيل)).
( تفسير الطبرى ١٠/١٥ )
١٤٦
سورة الكهف : الآيات ٢ - ٥
وقولُه: ﴿وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. يقولُ: ويُشِّرُ المصدِّقين اللَّهَ ورسولَه،
﴿ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّلِحَتِ﴾. وهو العملُ بما أمَر اللَّهُ بالعملِ به، والانتهاءُ عما
نهَى اللَّهُ عنه، ﴿ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا﴾. يقولُ: ثوابًا جزيلًا لهم من اللَّهِ على إيمانِهم
باللّهِ ورسولِه، وعملِهم فى الدنيا الصالحاتِ من الأعمالِ ، وذلك الثوابُ هو الجنةُ
التى وُعِدها المتقون .
وقولُه: ﴿مََّكِتِينَ فِيهِ أَبَدًا﴾. (" يقولُ: لابِثِين فيه أبدًا) خالدين، لا
ينتقِلُون عنه ولا يُنقَلُون .
(٢)
ونصْبُ ﴿مَّكِئِينَ﴾ على الحالِ من قولِه: ﴿ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا ﴾ . فى"
هذه الحالِ ، فى حالٍ مُكّثِهم فى ذلك الأجرِ .
/وبنحوِ الذى قُلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
١٩٣/١٥
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنٍ إسحاقَ: ﴿ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ
الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَِّحَتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا ® ◌َكِنِينَ فِيهِ أَبَدًّا﴾. أى:
فى دارٍ خُلدٍ لا يموتون فيها، الذين صدَّقوك بما جِئْتَ به عن اللَّهِ، وعمِلوا بما
(٣)
أمرْتُهم(٣) .
ما
٤
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿ وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُواْ أَتَّخَذَ اَللَّهُ وَلَدًا
لَهُم بِهِ، مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِأَّبَابِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةٌ تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَهِهِمَّ إِن يَقُولُونَ إِلَّا
(١ - ١) سقط من: م.
(٢) فى ص: ((من)).
(٣) سيرة ابن هشام ١/ ٣٠٢.
١٤٧
سورة الكهف : الآيتان ٤، ٥
گَذِبًا
٥
يقولُ تعالى ذكره: ويحذِّرُ(١) أيضًا محمدٌ القومَ الذين قالوا: اتخَذَ اللَّهُ ولدًا .
من مشرِ كی قومِهِ وغيرِهم ، بأسَ اللَّهِ وعاجلَ نِقِمَتِهِ وَآجلَ عذابِهِ، على قيلهم ذلك .
كما حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿ وَيُنْذِرَ الَّذِينَ
قَالُواْ أَتَّخَذَ اُللَّهُ وَلَدًا﴾: يعنى قريشًا فى قولهم: إنما نعبُدُ الملائكةَ، وهنَّ بناتُ
اللَّهِ(٢) .
وقولُه: ﴿مّا لَهُم بِهِ، مِنْ عِلْمٍ ﴾. يقولُ: ما لقائلى هذا القولِ - يعنى قولَهم:
أُمَّخَذَ اُللَّهُ وَلَدًا﴾ - ﴿بِهِ،﴾ يعنى: باللّهِ، ﴿مِنْ عِلْمٍ﴾.
والهاءُ فى قوله: ﴿بِهِ﴾. مِن ذكْرِ اللَّهِ، وإنما معنَى الكلامِ: ما لهؤلاء
القائلين هذا القولَ باللَّهِ - أنه (١) يجوزُ أن يكونَ له ولدٌ - مِن علم، فلجهلهم باللهِ
وعظمتِه قالوا ذلك .
وقولُه: ﴿ وَلَا لَِّّبَابِهِمْ﴾. يقولُ: ولا لأسلافِهم الذين مضوا قبلَهم على مثلٍ
الذى هم عليه اليومَ، كان لهم باللّهِ وبعظمتِه علمٌ .
وقولُه: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةٌ تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَهِهِمَّ﴾. اختلَفتِ القَرأةُ فى قراءةٍ
ذلك؛ فقرَأتْه عامةُ قرأةِ المدنيين والكوفيين والبصريين: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةٌ﴾.
بنصبٍ ﴿كَلِمَةٌ﴾. بمعنى: كبُرَت كلِمتُهم التى قالُوها كلِمةً. على
التَّفسيرِ(٤). كما يُقالُ: نعمَ رجلًا عمرٌو، ونعمَ الرجلُ رجلًا قام، ونعمَ رجلًا قام .
(١) فى ت ١، ت ٢، ف: ((يحذر كم)).
(٢) سيرة ابن هشام ٣٠٢/١.
(٣) بعده فى النسخ: ((لا))، والمثبت ما يقتضيه السياق .
(٤) يريد بالتفسير هنا : التمييز. وينظر المصطلح النحوى ص ١٦٤.
١٤٨
سورة الكهف : الآيات ٥ - ٨
وكان بعضُ نحوِّى أهل البصرةِ يقولُ (١) : نُصِبت ﴿كَلِمَةٌ﴾؛ لأنها فى
معنَى: أَكْبِرْ بها كلمةً. كما قال جلَّ ثناؤه: ﴿وَسَآءَتْ مُرْتَفَقًّا﴾ [الكهف: ٢٩].
وقال : هى فى النَّصبِ مثلُ قولِ الشاعرِ():
ولقد عَلِمتِ إذا اللقاحُ تروَّحتْ هَدَجَ الرِّئالِ تكُهنَّ شَمالا
/أى: تَكْثُهنَّ الريامحُ شمالًا. فكأَنَّه قال: كبُرَت تلك الكلمةُ .
١٩٤/١٥
وذُكِر عن بعضِ المكْتِين أنه كان يقرأُ ذلك: (كَبْرَتْ كَلِمَةٌ). رفعًا (٣). كما
يُقالُ: [٢٧٩/٢ و) عَظُم قولُك، و کَثُر شائك. وإذا قُرِئَّذلك کذلك لم یکنْ فی
قوله : (كَبُرتْ كَلِمٌ). مُضمرٌ، وكان صفةً للكلمةِ .
والصوابُ من القراءةِ فى ذلك عندى قراءةُ مَن قَرَأَه: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةُ﴾ .
نصبًا؛ لإجماع الحَُّةِ من القرَأَةِ عليها. فتأويلُ الكلام: عَظُمت الكلمةُ كلمةٌ
تخرُجُ من أفْواهِ هؤلاء القوم الذين قالوا : اتَّخَذَ اللَّهُ ولدًا، والملائكةُ بناتُ اللَّهِ .
كما حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةٌ
تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَمِهِمَّ﴾: قولُهم: إن الملائكةَ بناتُ اللَّهِ(٤) .
وقولُه: ﴿إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِيًا﴾. يقولُ عَزَّ ذكرُه: ما يقولُ هؤلاء
القائلون: أَّخَذ اللَّهُ ولدًا. بقيلِهم ذلك إلا كذبًا وفريةً افتَرَؤْها على اللَّهِ.
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَخِعُ نَّفْسَكَ عَلَ ءَاثَدِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ
(١) هو أبو عبيدة، كما ذكر أبو حيان فى البحر المحيط ٩٧/٦.
(٢) تقدم تخريجه فى ١٤/ ٦٧٠.
(٣) القراءة شاذة، وقرأ بها يحيى بن يعمر والحسن وابن محيصن وابن أبى إسحاق والثقفى والأعرج، بخلاف
عنه، وعمرو ابن عبيد. المحتسب لابن جنى ٢/ ٢٤. وهى أيضًا قراءة مجاهد. تفسير القرطبى ١٠/ ٣٥٣.
(٤) سيرة ابن هشام ٣٠٢/١.
١٤٩
سورة الكهف : الآيات ٦ - ٨
بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا ﴿َ إِنَا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةٌ لَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ
عَمَلًا (﴿ وَإِنَّا لَجَعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُزًا
يعنى تعالى ذكرُه بذلك: فلعلَّك يا محمدُ قاتلٌ نفسَك ومُهلِكُها على آثارِ
قومِك الذين قالوا لك: ﴿لَنْ تُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرُ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا ﴾
[الإسراء: ٩٠]. تمرُّدًا منهم على ربِّهم - إن هم لم يؤمِنوا بهذا الكتابِ الذى أَنزَلتُه
عليك فيُصدِّقوا بأنَّه من عندِ اللَّهِ، حزنًا وتلهُفًا ووجدًا، بإدبارِهم عنك، وإعراضِهم
عمَّا أَتَّيْتَهم به، وتَركِهم الإيمانَ بك. يُقالُ منه: بَخَعَ فلانٌ نفسَه يَخَعُها بَخْعًا
وبُخُوعًا. ومنه قولُ ذى الرّمةٍ (١) :
لِشَىءٍ نَحَتْهُ عَنْ يَدَيهِ الْقَادِرُ
أَا أَيُّهَذَا الباخِعُ الوَجْدُ نَفْسَهُ
يريدُ: نخَته. فخَفَّف .
وبنحوِ الذى قُلنا فى ("تأويلٍ قوله: ﴿بَخِعُ﴾). قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌّ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَلَعَلَّكَ بَخِعٌ
نَّفْسَكَ﴾. يقولُ : قاتلٌ نفسَك.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن
(٣)
قتادةَ مثلَه(٣) .
/وأمَّا قولُه: ﴿أَسَفًا﴾. فإنَّ أهلُ التأويلِ اختلفوا فى تأويلِه؛ فقال بعضهم: ١٩٥/١٥
(١) ديوانه ٢/ ١٠٣٧.
(٢ - ٢) فى ص: ((ذلك)).
(٣) تفسير عبد الرزاق ٣٩٦/١، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢١١/٤ إلى ابن المنذر وابن أبى حاتم.
١٥٠
سورة الكهف : الآية ٦
معناه : فلعلَّك باخِعٌ نفسَك إن لم يؤمِنوا بهذا الحديثِ غضَبًا .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَذَا
الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ . أى: غضَبًا .
وقال آخرون : جَزَعًا .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ، قال : ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ
فى قولِ اللَّهِ: ﴿أَسَفًا﴾. قال: جزَعًا(١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريجٍ، عن
مجاهدٍ مثله .
وقال آخرون : معناه : حُزْنًا عليهم .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال : أخبرنا معمرٌ، عن
قتادةَ فى قوله: ﴿أَسَفًّا﴾. قال: حُزْنًا عليهم(١).
وقد بيَّنا معنَى ((الأسفِ)) فيما مضى من كتابنا هذا بما أغنى عن إعادتِه فى هذا
(١) تفسير مجاهد ص ٤٤٥، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢١١/٤ إلى عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبى
حاتم .
(٢) تفسير عبد الرزاق ٣٩٦/١، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢١١/٤ إلى ابن المنذر وابن أبى حاتم .
١٥١
سورة الكهف : الآيتان ٦، ٧
الموضع(١).
وهذه معاتبةٌ من الله رسوله(١) علی وجدِه بمباعدة قومِه إيّاه فیما دعاهم إليه من
الإيمانِ باللَّهِ ، والبراءةِ من الآلهةِ والأندادِ ، وكان بهم رحيمًا .
وبنحوِ الذى قُلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنٍ إسحاقَ: ﴿فَلَعَلَّكَ بَخِعُ نَّفْسَكَ
عَلَىْ ءَاثَرِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾: يُعاتبُه على خُزنِه عليهم حينَ فاتَّه
ما كان يرجو منهم، أى: لا تفعَلْ(١).
وقولُه: ﴿ إِنَا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةٌ لََّا﴾. يقولُ عَّ ذكرُه: إنا جعلنا ما
على الأرضِ زينةٌ للأرضِ، ﴿ لِنَبْلُوَهُمْ أَيُهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾. يقولُ: لنختپِرَ عبادَنا
أيُّهم أترَكُ لها، وأتبعُ لأمرِنا ونهيِنا ، وأعملُ فيها بطاعتِنا .
وبنحوِ الذى قُلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح ، عن مجاهدٍ :
(١) تقدم فى ٢٩٣/١٣ - ٢٩٥.
(٢) فى م، ت ٢، ف: ((عز ذكره))، وفى ت ١: ((جل ثناؤه)).
(٣) سيرة ابن هشام ٣٠٢/١.
١٥٢
سورة الكهف : الآية ٧
﴿ مَا عَلَى الْأَرْضِ زِيْنَةٌ لَمَا﴾. قال: ما عليها مِن شىءٍ.
/حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن
مجاهدٍ مثله .
١٩٦/١٥
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا
عَلَى الْأَرْضِ زِينَةٌ لَمَا﴾: ذُكِر لنا أن نبيَّ اللَّهِ وَلِ كان يقولُ: ((إِنَّ الدُّنْيا خَضِرَةٌ
حُلوَةٌ ، وإِنَّ اللَّهَ مُسْتَحْلِفُكم فيها، فتَاظِرٌ كيف تَعْمَلونَ، فاتَّقوا الدُّنيا، واتَّقُوا
(٢)
النِّساءَ))(٢) .
وأما قولُه: ﴿لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾. فإنّ أهلَ التأويلِ قالوا فى تأويله
نحوَ قولِنا فيه .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو عصامٍ(١) العسقلانىُ، قال:
لِسَبْلُوَهُمْ أَهُمْ ٤) أَحْسَنُ عَمَلًا﴾. قال: أترَكُ لها(٥).
(٤
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنٍ إسحاقَ: ﴿ إِنَا جَعَلْنَا مَا عَلَى
(١) تفسير مجاهد ص ٤٤٥، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢١١/٤ إلى المصنف وابن أبى شيبة وابن المنذر
وابن أبى حاتم .
(٢) قوله: ((إن الدنيا خضرة حلوة ... )) أخرجه أحمد (١١١٨٥)، وعبد بن حميد (٨٦٥)، ومسلم
(٢٧٤٢)، والنسائى فى الكبرى (٩٢٦٩)، وابن خزيمة (١٦٩٩)، والطحاوى فى المشكل (٤٣٢٦)،
وابن حبان (٣٢٢١)، والرامهرمزى فى الأمثال ص ٤٧، والبيهقى ٧/ ٩١، والبغوى فى شرح السنة
(٢٢٤٣) من حديث أبى سعيد، وينظر مسند الطيالسى (٢٢٧٠).
(٣) فى م، ت ١، ت ٢، ف: ((عاصم)). وينظر تهذيب الكمال ٢٢٧/٩.
(٤ - ٤) فى ص، ف: ((ليبلوكم أيكم)). وهى الآية ١٢ من سورة هود، والآية ٢ من سورة الملك.
(٥) ذكره القرطبى فى تفسيره ١٠/ ٣٥٥.
١٥٣
سورة الكهف : الآيتان ٧ ، ٨
الْأَرْضِ زِينَةٌ لََّا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾: اختبارًا لهم أيُّهم أتبعُ لأَمْرِى وأعملُ
(١)
بطاعتِی(١).
وقولُه: ﴿ وَإِنَّا لَجَِعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾. يقولُ عزَّ ذِكرُه: وإِنَّا تُرّبوها
بعدَ عمارتِناها، بما جعَلْنا عليها من الزِّينَةِ، فَمُصَيِّرُوها ﴿صَعِيدًا جُزًا﴾. يعنى
بـ((الصعيدِ) ظهرَ الأرضِ، وبقولِه: ﴿جُزًا﴾(١) لا نباتَ عليها ولا زرعَ ولا غرْسَ.
وقد قيل: إنه أُرِيد بـ ((الصَّعيدِ))، فى هذا الموضعِ، المُستَوِى بوجهِ الأرضِ.
وذلك هو [٢٧٩/٢ظ] شبيةٌ بمعنَى قولِنا فى ذلك.
وبنحوِ الذى قُلنا فى ذلك وبمعنَى ((الجُرُزِ)) قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمّی ، قال: ثنی أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَإِنَّا لَجَعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُزًا﴾. يقولُ : يَهلِكُ(٣)
كلُّ شيءٍ عليها ويَبِيدُ(٤).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهدٍ :
﴿ صَعِيدًا جُرُزًا﴾. قال: بَلْقَعًا (٥).
(١) سيرة ابن هشام ٣٠٣/١.
(٢ - ٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ف.
(٣) فى ص، ت ٢، ف: ((نهلك)).
(٤) فى ص، ت ٢، ف: ((نبيد))، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢١١/٤ إلى المصنف.
(٥) تفسیر مجاهد ص ٤٤٥.
١٥٤
سورة الكهف : الآية ٨
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريج، عن
مجاهدٍ مثله .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿ وَإِنَّا لَجَعِلُونَ مَا
عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾: والصَّعيدُ الأرضُ التى ليس فيها شجرٌ ولا نباتٌ (١).
حدَّثنا ابنُّ حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿ وَإِنَّا لَجَعِلُونَ مَا عَلَيْهَا
صَعِيدًا جُزًا﴾: يعنى الأرضَ، إِنَّ ما عليها لفانٍ وبائدٌ، وإنَّ المرجِعَ لإلىَّ، فلا
(٢ تأسَ، ولا٢) يحزُّنْك ما تسمعُ وتَرَى فيها(٣) .
حدَّثنا يونسُ، قال : أخبرنا ابنُ وهب ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ صَعِيدًا
جُزًا﴾. قال: الجُرُزُ الأرضُ التى ليس فيها شىءٌ، ألا ترَى أَنَّه يقولُ: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْأ
أَنَّا نَسُوقُ الْمَآءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَتُخْرِجُ بِهِ، زَرْعًا﴾ [السجدة: ٢٧]. قال: والجُرُزُ
لا شيءَ فيها؛ لا نباتَ ولا منفعةً. والصَّعيدُ المُستوِى. وقرأ: ﴿لَّا تَرَى فِيهَا عِوَجًا
وَلَّ أَمْتًا﴾ [طه: ١٠٧]. قال: مُسْتوِيةٌ(٤).
يقالُ: بجرِزتِ الأرضُ فهى مَجْروزةٌ. وجَرَزَها الجرادُ/ والنَّعمُ. وأَرَضون
أَجْرازٌ، إذا كانت لا شىءَ فيها. ويقال للسّنةِ المجدبةِ: جَرَزٌ، وسنونَ أَجْرازٌ.
لجدوبِها ويُيْسِها وقلَّةِ أمطارِها. قال الراجزُ(٥).
١٩٧/١٥
قد جَرَفَتْهُنَّ السّنونَ الأجْرازْ »
(١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٥/ ١٣٤، وينظر ما تقدم فى ٧ / ٨١.
(٢ - ٢) سقط من: ص.
(٣) سيرة ابن هشام ٣٠٣/١.
(٤) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٥/ ١٣٤، وسيأتى فى تفسير سورة السجدة.
(٥) مجاز القرآن لامی عبيدة ٣٩٤/١، والصحاح (ج ر ز).
١٥٥
سورة الكهف : الآيتان ٨، ٩
يُقالُ: أجْرَز القومُ . إذا صارت أرضُهم جُرُزًا، وجَرَزوا هم أرضَهم ، إذا أكَلوا
= (١)
نباتَها كلَّه(١).
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَبَ الْكَهْفِ وَالَرَّقِيمِ كَانُواْ
مِنْ ءَايَتِنَا ◌َجَبًا
يقول تعالى ذكرُه لنبيّه محمدٍ له: أم حسِبتَ يا محمدُ أنَّ أصحاب الكهفِ
والرَّقيمِ كانوا من آياتِنا عَجَبًا، فإن ما خلَقتُ من السماواتِ والأرضِ وماً ) فيهنَّ مِن
العجائبِ أعجبُ مِن أمْرٍ أصحابِ الكهفِ، وحَُّتى بكلٌ ذلك ثابتةٌ(١) على هؤلاء
المشر کین بی' من قومك وغيرهم من سائرِ عبادِی .
وبنحوِ الذى قُلنا ("قال بعضُْ) أهلِ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
الحارثُ، قال : ثنا الحسنُ قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبى نجيح، عن مجاهدٍ :
﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَبَ الْكَهْفِ وَاَلَّقِيمِ كَانُواْ مِنْ ءَايَلِنَا ◌َجَبًا﴾. قال محمدُ
ابنُ عمرٍو فى حديثه : قال : ليسوا عجبًا بأعجبِ آياتِنا . وقال الحارثُ فى حديثه :
بقولهم : أعجبُ آياتِنا : ليسوا أعجبَ آيَاتِنا (٦).
(١) فى ت ٢، ف: (( كلها)).
(٢) ليست في : ص.
(٣) فى ص: ((باينة)).
(٤) ليست فى م، ت١، ت٢، ف .
(٥ - ٥) فى م، ت ١، ت ٢، ف: ((فى ذلك قال)).
(٦) تفسير مجاهد ص ٤٤٥، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢١٢/٤ إلى ابن أبى نجيح.
١٥٦
سورة الكهف : الآية ٩
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريجٍ، عن
مجاهدٍ قوله: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَبَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوْ مِنْ ءَايَتِنَا
عَجَبًا﴾ : كانوا يقولون : هم عجبٌ .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا (١ يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَمْ حَسِبْتَ
أَنَّ أَصْحَبَ الگھْفِ والرّقیمِ گانُواْمِن ،ایتِنَا عَجبًا ﴾ . يقولُ : قد كان من آیاتِنا ما هو
أعجبُ مِن ذلك(٢) .
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ
أَصْحَبَ الْكَهْفِ وَالرَّقِ كَانُواْ مِنْ ءَئِنَا ◌َبًا﴾. أى: وما (" قد رَأَوْا من قُدْرتِى٣ّ
فيما صنَعتُ مِن أمرِ الخلائقِ، وما وضَعتُ على العبادِ من محُجّجِى ما هو أعظُم مِن
(٤)
ذلك
.
وقال آخرون : بل معنَى ذلك : أم حسِبتَ يا محمدُ أن أصحاب الكهفِ
والرقيم كانوا من آياتِنا عَجَبًا، فإن الذى آتَيْتُك من العلم والحكمةِ أفضلُ
منه .
١٩٨/١٥
/ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی أبی ، عن
أبيه، عن ابنِ عباس قولَه: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَبَ اُلْكَهْفِ وَالرَّقِيِ كَانُواْ مِنْ
ءَايَتِنَا عَجَبًا﴾. يقولُ: الذى آتَيْتُكَ من العلم والسُّنةِ والكتابِ أفضلُ من شأنٍ
(١ - ١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ف.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢١٢/٤ إلى ابن أبى حاتم.
(٣ - ٣) فى م: ((قدروا من قدر)).
(٤) سيرة ابن هشام ٣٠٣/١.
١٥٧
سورة الكهف : الآية ٩
أصحاب الكهفِ والرَّقيمِ(١).
وإنما قُلنا : إِنَّ القولَ الأوَّلَ أولى بتأويلِ الآيةِ ؛ لأنَّ اللَّهَ عزَّ وجلَّ أَنزَل قصةَ
أصحاب الكهف علی نبّه احتجاجًا بها على المشر کین من قومِه، على ما ذكرنا فى
الرواية عن ابنِ عباسٍ ، إذ سألوه عنها اختبارًا منهم له بالجوابِ عنها صِدْقَه، فكان
تقريعُهم بتكذييهم بما هو أؤكدُ عليهم فى الحَُّةِ مما سألُوا عنه(٢)، وزعموا أنهم
يؤمنون عندَ الإجابة عنه - أشبهَ من الخبرِ عمَّا أنعمَ اللَّهُ على رسولِه من النِّعمِ.
وأمّا ((الكهفُ))، فإنّه كهفُ الجبلِ الذى أوَى إليه القومُ الذين قصَّ اللَّهُ شأنَهم
فى هذه السورة .
وأما ((الرَّقِيمُ ))، فإنَّ أهلَ التأويلِ اختلفوا فى المعنىّ به؛ فقال بعضُهم: هو
اسمُ(٢) قريةٍ أو وادٍ . على اختلافٍ بينَهم فى ذلك .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى وعبدُ الرحمنِ، قالاً" : ثنا سفيانُ ، عن
الشَّيبانيٌّ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: يزعُمُ كعبّ أن الرّقيمَ القريةُ .
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی ابی ، عن
أبيه ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَبَ اَلْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ﴾. قال : الرَّقِيمُ
(١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١٣٥/٥ عن العوفى، عن ابن عباس، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢١٢/٤
إلى ابن أبى حاتم .
(٢) فى م، ت ١، ت ٢، ف: ((عنهم).
(٣) بعده في ص: ((لموضع)).
(٤ - ٤) في ص: ((يحيى بن عبد الأعلى قال)). وفى م: ((يحيى بن عبد الأعلى وعبد الرحمن قالا)).
١٥٨
سورة الكهف : الآية ٩
وادٍ بين عُسْفانَ وأَيْلَةَ دونَ فلسطينَ، وهو قريبٌ من أَثِلةً(١).
حدَّثنا أبو كريبٍ ، قال : ثنا ابنُ إدريسَ، قال: سمِعتُ أبى، عن عطيةَ، قال :
(٢)
الرّقيمُ وادٍ(٢) .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ
أَصْحَبَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ ﴾: كنَّا نُحَدَّثُ أَنَّ الرقيمَ الوادى الذى فيه أصحابُ
الکھف(٢).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال : أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال : أخبرنا الثورىُّ، عن
سِماكِ بنِ حربٍ ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ فى قولِه: ﴿ اُلرَّقِيمِ﴾. قال: يزعُمُ
كعبٌ أنها القريةُ(٣) .
حدّثنا الحسنُ بنُ یحیی ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن ابنِ
أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قوله: ﴿الَرَّقِيمِ﴾. قال: [٢٨٠/٢ و] يقولُ بعضُهم:
الرَّقيمُ كتابُ تبيانِهم. ويقولُ بعضُهم: هو الوادى الذى فيه كهفُهم(٢).
حُدِّثتُ عن الحسينِ بنِ الفرج، قال : سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدُ بنُ
سليمانَ ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ: أما الكهفُ فهو غارُ الوادِى، والرَّقيمُ اسمُ
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢١٢/٤ إلى المصنف وابن أبى حاتم .
(٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١٣٥/٥.
(٣) تفسير سفيان ص ١٧٧، وتفسير عبد الرزاق ١/ ٣٩٧، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢١٢/٤ إلى
سعيد بن منصور والفريابى وابن المنذر وابن أبى حاتم والزجاجى فى أماليه وابن مردويه، وهو فى الأمالى ص٦
من غير إسناد .
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢١٢/٤ إلى ابن أبى شيبة وابن المنذر، وهو فى تفسير عبد الرزاق ٣٩٦/١،
٣٩٧ عن معمر، عن ابن أبى نجيح، ليس فيه: عن مجاهد. وذكره ابن كثير فى تفسيره ١٣٥/٥ عن
مجاهد، وفيه : كان بنيانهم. بدلا من: كتاب تبيانهم .
١٥٩
سورة الكهف : الآية ٩
(١)
.
الوادِی
وقال آخرون : الرّقيمُ الكتابُ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا علىّ ، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ ، قال : ثنی معاویةُ ، عن على ، عن ابنِ عباسٍ فى
قولِه: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَبَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ﴾. يقولُ: الكتابُ(٢).
/ حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: ثنا أبى، عن ابنٍ قيسٍ، عن ١٩٩/١٥
سعیدِ بنِ جبيرٍ ، قال : الرّقیمُ لوخ من حجارةٍ کتبوا فیه قصص أصحابِ الکھفِ ، ثم
وضعوه على بابِ الكهف(٢).
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال : قال ابنُ زيدٍ : الرَّقيمُ كتابٌ،
ولذلك الكتابِ خبرٌ، فلم يُخْبِرِ اللَّهُ عن ذلك الكتابِ وعمَّا فيه. وقرأ: ﴿ وَمَآ أَدْرَئِكَ
مَا عِلَيُّونَ
يَشْهَدُهُ الْقُرَّبُونَ﴾ [ المطففين: ١٩ - ٢١]. ﴿ وَمَآ أَذَرَنِكَ
كِنَبُ تَرْقُوم
١٩
(٤)
كِتَبُ قَرْقُومُ ﴾
مَا سِينٌ
[ المطففين: ٨، ٩] .
وقال آخرون : بل هو اسمُ جبلٍ أصحاب الكهفِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ، قال : ثنى حجاج، عن ابنٍ جريج، قال : قال
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢١١/٤ إلى ابن أبى حاتم مقتصرا على أوله، وذكره ابن كثير فى تفسيره
١٣٥/٥ بتمامه .
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢١١/٤ إلى ابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٣) عزاه السيوطي فى الدر المنثور ٢١٢/٤ إلى ابن أبى شيبة وابن المنذر وابن أبى حاتم.
(٤) ذكره القرطبى فى تفسيره ١٠/ ٣٥٧، وابن كثير فى تفسيره ١٣٥/٥.
١٦٠
+
سورة الكهف : الآية ٩
ابنُ عباسٍ : الرقيمُ الجبلُ الذى فيه الكهفُ(١).
قال أبو جعفرٍ : وقد قيل : إن اسمَ ذلك الجبلِ بنجلوسُ .
حدَّثُنا بذلك ابنُ حميدٍ ، قال : ثنا سلمةُ ، عن ابنٍ إِسحاقَ ، عن عبدِ اللهِ بنِ أبی
نجيحٍ، عن مجاهدٍ ، عن ابنِ عباسٍ(٢).
وقيل : إن اسمّه بناجلوسُ .
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنی حجاجٌ، عن ابنٍ جريجٍ، قال :
أخبرنى وهبُ بنُ سليمان ، عن شُعَیب الجبائى(٢) ، أن اسم جبلِ الکھفِ بناجلوسُ ،
واسمَ الكهفِ حيزمُ ، والكلبِ حُمرانٌ (٤) .
وقد رُوِى عن ابنِ عباسٍ فى الرَّقيم ما حدَّثنا به الحسنُ، قال : أخبرنا عبدُ
الرزاقٍ ، قال : أخبرنا إسرائيلُ، عن سماكِ، عن عكرِمةً، عن ابنِ عباسٍ، قال : كلّ
القرآنِ أعلمُه إلا حنانًا(٥)، والأوَاةَ(٦)، والرّقِيمَ(١) .
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسینُ، قال : ثنی حجاج، عن ابن جريجٍ، قال :
أخبرنى عمرُو بنُ دينارٍ ، أنه سمِع عكرِمةً يقولُ : قال ابنُ عباسٍ: ما أدرِى ما الرَّقِيمُ،
أكتابٌ أم بُنْيانٌ(٨) ؟
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢١٢/٤ إلى المصنف.
(٢) ذكره ابن کثیر فی تفسيره ١٣٥/٥ عن ابن إسحاق به .
(٣) فى م: ((الجبثى)).
(٤) أخرجه أحمد فى العلل برواية عبد الله ١٠٠/١ (٤٠٥) عن حجاج به .
(٥) فى ص، ت ١، ت ٢: ((حنان))، ويعنى قوله تعالى: ﴿وحنانًا من لدنا﴾ [مريم: ١٣].
(٦) يعنى قوله تعالى: ﴿إِن إبراهيم لأواه﴾ [التوبة: ١١٤]، وقوله: ﴿إن إبراهيم لحليم أواه﴾ [هود: ٧٥].
(٧) تفسير عبد الرزاق ٣٩٧/١.
(٨) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢١٢/٤ إلى المصنف.