النص المفهرس

صفحات 101-120

١٠١
سورة الإسراء : الآية ١٠١
وقال آخرون نحوًا من ذلك ، إلا أنَّهم جعَلوا اثنَتَيْنِ مِنْهنَّ؛ إحداهما ، السنين ،
والأُخْرى، النقصَ من الثمراتِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال : ثنا الحسينُ بنُ واقدٍ ، عن
يزيدَ النحوىِّ، عن عكرمةَ ومطرٍ الورَّاقِ فى قوله: ﴿تِسْعَ ءَايَتٍ﴾. قالا :
الطوفانُ، والجرادُ، والقُمَّلُ، والضفادعُ، والدمُ، والعصَا، واليدُ، والسنونَ،
ونقصٌ مِن الثمراتِ(١).
حدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، عن مغيرةَ، عن الشعبىِّ فى قوله: ﴿ تِسْعَ
◌َيَتٍ بَيْنَتٍ﴾ . قال : الطوفانِ ، والجرادِ ، والقُمَّلِ ، والضفادع، والدمٍ، والسنينَ،
ونقص من الثمرات ، وعصاه، ویدِه (١) .
/ حدّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسینُ، قال : ثنی حجاج، عن ابن جريج، قال :
سُئل عطاءُ بنُ أبى رباح عن قولِه : ﴿ وَلَقَدْ ءَانَيْنَا مُوسَى نِسْعَ مَايَتٍ بَيْنَتٍ﴾ . ما
هى؟ قال: الطوفانُ، والجرادُ، والقُمَّلُ، [٢٧٣/٢ ] والضفادعُ، والدَّمُ، وعصا
موسى ، ويدُه. قال ابنُ جريج: وقال مجاهدٌ مثلَ قولٍ عطاءٍ، وزاد: ﴿أَخَذْنَاَ ءَالَ
فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّنَ الثَّمَرَتِ﴾ [الأعراف: ١٣٠]. قال: هما التاسعتان،
ويقولون : التاسعتان ؛ السنين، وذَهابٍ عُجْمةٍ لسانٍ موسى (١) .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى ، قال : أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال : أخبرنا معمرٌ، عن
(١) أخرجه أحمد بن منيع - كما فى المطالب العالية (٤٠٣٣) - من طريق إسماعيل بن أبى خالد، عن
عكرمة وأبى صالح.
(٢) أخرجه مسدد - كما فى المطالب العالية (٤٠٣٢) - عن أبى عوانة ، عن مغيرة به .
(٣) ينظر التبيان ٥٢٧/٦، وتفسير القرطبى ١٣٣/٥.

١٠٢
سورة الإسراء : الآية ١٠١
قتادةَ، عن ابنِ عباسٍ فى قوله: ﴿تِسْعَ ءَايَتٍ بَيْنَتٍ ﴾ : وهى متتابعاتٌ ، وهى فى
سورةِ ((الأعرافِ)): ﴿ وَلَقَدْ أَخَذْنَآ ءَالَ فِرْعَوْنَ بِالسّنِينَ وَنَقْصٍ مِّنَ الثَّمَرَتِ﴾ .
قال: ﴿ بِالسّنِينَ﴾ فى أَهلِ البوادِى، ﴿ وَنَقْصِ مِّنَ الثَّمَرَتِ﴾، لأهلِ القُرى،
فهاتان آيتانِ . والطوفانُ، والجرادُ ، والقُمَّلُ، والضفادعُ، والدمُ، هذه خمسٌ، ويدُ
موسى إذ أخرَجها بيضاءَ النَّاظِرِين من غيرِ سوءٍ - البرصُ - وعصاه إذ ألقاها فإذا هىَ
(١)
ثعبانٌ مبیٌ(١).
حدَّثنا بشرٌ، قال : ثنا يزيدُ ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه :
﴿ وَلَقَدْ ءَانَيْنَا مُوسَى تِسْعَ ءَايَتٍ بَيِّنَتٍ﴾ . قال: يدِ موسى ، وعصاه، والطوفانِ ،
والجرادِ ، والقُمَّلِ، والضفادِعِ، والدَّمِ، والسنين، ونقصٍ من الثمراتِ.
وقال آخرون نحوًا من ذلك؛ إلا أنَّهم جعَلوا السنينَ والنقصَ من الثمراتِ آيةٌ
واحدةً ، وجعَلوا التاسعةَ تَلَقُّفَ العصا ما يأفِكُون .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى ، قال : أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال : أخبرنا معمرٌ، قال :
قال الحسنُ فى قولِهِ: ﴿تِسْعَ ءَايَتٍ بَيْنَتٍ﴾، ﴿ وَلَقَدْ أَخَذْفَآ ءَالَ فِرْعَوْنَ بِلِسِنِينَ
وَنَقْصٍ مِّنَ الثَّمَرَتِ﴾. قال: هذه آيةٌ واحدةٌ ، والطوفانُ، والجرادُ ، والقملُ،
والضفادعُ، والدمُ، ويدُ موسى، وعصاه إذ أَلْقاها فإذا هى ثعبانٌ مبينٌ، وإذ أَلْقاها
فإذا هى تَلقَفُ ما يأفِكُون(٢) .
(١) تفسير عبد الرزاق ٣٩٠/١، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠٤/٤ إلى سعيد بن منصور وابن المنذر
وابن أبى حاتم .
(٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٩١.

١٠٣
سورة الإسراء : الآية ١٠١
وقال آخرون فى ذلك ما حدَّثنى محمدُ بنُ المثنى ، قال : ثنى محمدُ بنُ جعفرٍ،
قال: ثنا شعبةُ ، عن عمرو بنِ مرَّةً ، قال: سمِعتُ عبدَ اللهِ بنَ سلِمةَ، يحدِّثُ عن
صفوانَ بنِ عسَالٍ ، قال: قال يهودىٌّ لصاحبِه: اذهبْ بنا إلى النبيِّ حتى نسألَه عن
هذه الآيةِ: ﴿ وَلَقَدْ ءَانَيْنَا مُوسَى تِسْعَ ءَبَتٍ بَيْنَتٍ ﴾. قال: لا تقلْ له: نبىٌّ. فإِنَّه إن
سمِعك صارت له أربعةُ(١) أعينٍ، قال: فسألا، فقال النبىُّ عَله: (( لا تُشْرِكوا باللّهِ
شَيْئًا، ولَا تَشْرِقُوا، ولَا تَزْنُوا، ولَا تَقْتُلُوا النَّفسَ التى حرَّمَ اللَّهُ إلَّ بالحَقِّ، ولا
تَسْحَرُوا، ولا تأْكُلُوا الرِّبا، ولا تَمْشُوا بتَرِىءٍ إلى ذى سُلْطانٍ لِيَقْتُلَه، ولا تَقْذِفُوا
مُحْصَنَةٌ)). أو (١) قال: (( لا تَفِرُّوا مِن الزَّحْفِ)) - شعبةُ الشاكَّ - ((وَأَنْتُم یا يَهُودُ ،
عَلَيْكُم خاصَّةً، لا تَعْدُوا فى السَّبْتِ )). فقبّلا يدَه ورجلَه، وقالا: نشهَدُ أَنَّك نبيِّ.
قال: ((فما ◌َمِنَعُكما أنْ تُسلِمَا))؟ قالا: إِن داودَ دَعا ألا يزالَ مِن ذرِّيتِه نبيِّ ، وإنا نخشى
أن تقتلنا يهودُ (٣).
(١) كذا فى النسخ وبعض مصادر التخريج، وقال المباركفورى فى تحفة الأحوذي ٣٩٩/٣: ((هكذا وقع فى
النسخ الموجودة، ووقع فى المشكاة : أربع أعين. بغير التاء وهو الظاهر)). ثم فسره بقوله: (( يعنى يسر بقولك :
هذا النبى . سرورا يمد الباصرة فيزداد به نورا على نور، كذى عينين أصبح ببصر بأربع، فإن الفرح يمد الباصرة ،
كما أن الهم والحزن يخل بها ، ولذا يقال لمن أحاطت به الهموم: أظلمت عليه الدنيا)).
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((و)).
(٣) أخرجه ابن أبى شيبة ٢٨٩/١٤، وأحمد ١٢/٣٠ (١٨٠٩٢)، وابن ماجه (٣٧٠٥) - مختصرا جدا -
وابن أبى عاصم فى الآحاد والمثانى (٢٤٦٦)، والحاكم ٩/١ من طريق محمد بن جعفر به، وأخرجه الطيالسى
(١٢٦٠)، وأحمد ٢١/٣٠ (١٨٠٩٦)، والترمذى (٣١٤٤)، وابن أبى عاصم فى الآحاد والمثانى
(٢٤٦٥)، وفى الجهاد (٢٧٥)، والطحاوى فى شرح المعانى ٣/ ٢١٥، وفى المشكل (٦٣، ٦٥)، والعقيلى
فى الضعفاء ٢/ ٢٦١، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٨٥١/٩ (١٦١٦١)، وابن قانع فى معجمه ١١/٢،
والطبرانى (٧٣٩٦)، وأبو نعيم فى الحلية ٩٧/٥، والحاكم ٩/١، والبيهقى ١٦٦/٨، والخطيب فى
الموضح ٣٢٨/١، والبغوى فى تفسيره ١٣٣/٥ من طرق عن شعبة به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠٤/٤
إلى سعيد بن منصور وأبى يعلى وابن المنذر وابن مردويه. وقال ابن كثير فى تفسيره ١٢٤/٥: وهو حديث
مشكل، وعبد الله بن سلمة فى حفظه شىء، وقد تكلموا فيه، ولعله اشتبه عليه التسع الآيات =

١٠٤
سورة الإسراء : الآية ١٠١
١٧٣/١٥
/ حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا سهلُ بنُ يوسفَ وأبو داودَ وعبدُ الرحمنِ بنُ
مَهدىٍّ، عن شعبةً(١) ، عن عمرٍو، قال: سمِعتُ عبدَ اللهِ بنَ سلِمةَ، يحدِّثُ عن
صفوانَ بنِ عسَّالِ المُرادِىِّ(٢)، عن النبيِّ ◌َّهِ بنحوِهِ، إِلَّا أَنَّ ابنَ مهدئٍّ قال: ((لَا
تَمَشُوا إلى ذى سُلطانٍ )). وقال ابنُ مَهدِىٌّ: أراه قال: (( بِبَرِىءٍ)) .
حدَّثنا أبو كريبٍ ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ إدريسَ وأبو أسامةً بنحوِهِ، عن شعبةً بنِ
الحجاجِ، عن عمرٍو بنِ مرَّةً، عن عبدِ اللهِ بنِ سلِمةً، عن صفوانَ بنِ عسَّالٍ ، قال :
قال يهودىٌّ لصاحبِهِ : اذهبْ بنا إلى هذا النبيِّ. فقال صاحبُه: لا تقلْ: نبىٌّ. إنَّه لو
سمِعك كان له أربعُ(٣) أعينِ. قال: فأتيا رسولَ اللَّهِ عَّهِ يسألانِه عن ﴿نِسْعَ ءَايَتِ
بَيِنَاتٍ﴾. فقال: ((هنَّ: ولَا تُشْرِكُوا بِاللَّه شَيْئًا، ولَا تَشْرِقُوا، ولَا تَزْنُوا، ولا تَقْتُلُوا
النَّفسَ التى حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّ بِالحَقِّ، وَلَا تَقْذِفُوا المحْصَنَةَ، ولا تَوَلَّوْا يَوْمَ الزحفِ، وعَلَيكم
خاصَّةٌ يهودُ ، أَلَّا تَعْدُوا فى السَّبْتِ)). قال: فقبَّلوا يديه ورجليه، وقالوا: نشهَدُ أَنَّك
نبىٌّ. قال: ((فَمَا يمنَعُكم أن تتَّبِعُونی)»؟ . قالوا : إن داودَ دعا ألا یزالَ من ذرِّیتِه نبی ،
وإنَّا نخافُ إن اتتَغْناك أنْ تقتُلَنا يهودُ(٤) .
حدَّثنا مجاهدُ بنُ موسى ، قال : ثنا يزيدُ ، قال : ثنا شعبةُ بنُ الحجاج ، عن عمرٍو
= بالعشر الكلمات ، فإنها وصايا فى التوراة لا تعلق لها بقيام الحجة على فرعون ، والله أعلم . وينظر البداية
والنهاية ٩ / ٩٦.
(١) فى النسخ: ((سعيد)). والمثبت من مصادر التخريج.
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((الرازى)). وينظر الإصابة ٤٣٦/٣.
(٣) فى ف: ((أربعة)).
(٤) أخرجه الترمذى (٢٧٣٣) عن أبى كريب به، وأخرجه النسائى (٤٠٨٩)، وفى الكبرى (٣٥٤١،
٨٦٥٦)، والطحاوى فى المشكل (٦٤) عن أبى كريب ، عن عبد الله بن إدريس وحده به ، وأخرجه ابن أبى
شيبة ١٤/ ٢٨٩، وابن أبى عاصم فى الآحاد والمثانى (٢٤٦٦) عن عبد الله بن إدريس وأبى أسامة به .

١٠٥
سورة الإسراء : الآية ١٠١
ابنِ مرَّةَ، عن عبدِ اللهِ بنِ سلِمةَ، عن صفوانَ بنِ عسَّالٍ، عن النبيِّ(عَلَّمِ بنحوِه " .
وأما قولُه: ﴿فَسْشَلْ بَنِىّ إِسْرَِّيلَ إِذْ جَاءَهُمْ﴾. فإن عامَّةً قَرَأةِ الإسلامِ على
قراءتِه على وجْهِ الأُمْرِ، بمعنى : فاسألْ يا محمدُ بنى إسرائيلَ إذ جاءَهم موسى .
ورُوِى عن الحسنِ البصرىِّ فى تأويلِه ما حدَّثنى به الحارثُ ، قال: ثنا القاسمُ،
قال: ثنا حجاجٌ، عن هارونَ، عن إسماعيلَ، عن الحسنِ: ﴿فَسْئَلْ بَنِيّ
إِسْرَِّيلَ﴾. قال: سؤالُك إِيَّاهم نظرُك فى القرآنِ(١).
ورُوِى عن ابنِ عباسٍ أنَّه كان [٢٧٣/٢ظ] يقرأُ ذلك: (فسَألَ). بمعنى: فسألَ
موسى فرعونَ بنى إسرائيلَ أنْ يُرسِلَهم معه . على وجْهِ الخبرِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أحمدُ بنُ يوسفَ ، قال: ثنا القاسمُ ، قال: ثنا حجاجٌ، عن هارونَ ، عن
حنظلةَ السَّدُوسىِّ ، عن شهرٍ بن حوشبٍ ، عن ابنِ عباسٍ أنه قرأها : (فَسَأل بنى
إسرائيلَ إِذْ جاءَهم). يعنى: أنَّ موسى سأل فرعونَ بنى إسرائيلَ أن يُرسِلَهم معه (١) .
والقراءةُ التى لا أستجيزُ أن يُقْرَأْ بغيرِها، هى القراءةُ التى عليها قرَأَةُ الأُمصارِ؛
الإجماع الحجةِ مِن القرأةِ على تصويبها ، ورغبتهم عمَّا خالَفها .
(١) أخرجه أحمد ١٢/٣٠ (١٨٠٩٢)، والترمذى (٣١٤٤)، والبيهقى فى الدلائل ٢٦٨/٦ من طريق يزيد
به .
(٢) ذكره أبو حيان فى البحر المحيط ٨٥/٦ عن الحسن، وذكره الطوسى فى التبيان ٥٢٧/٦ عن الحسن، عن
ابن عباس .
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠٥/٤ إلى المصنف وسعيد بن منصور وأحمد فى الزهد وابن المنذر وابن
أبى حاتم وابن مردويه ، وقراءة ابن عباس هذه قراءة شاذة .

١٠٦
سورة الإسراء: الآيتان ١٠٢،١٠١
وقولُه: ﴿فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُكَ يَمُوسَى مَسْحُورًا﴾ . يقولُ: فقال
لموسى فرعونُ: إنى لأُظنُّك يا موسى مُعاطَى(١) علمَ السّحرِ، فهذه العجائبُ التى
١٧٤/١٥ تفعلُها من سحرك. وقد يجوزُ أن يكونَ مرادًا به: / إنِّى لأظُنُك يا موسى ساحرًا .
فوُضِع ((مفعولٌ)) موضعَ ((فاعلٍ))، كما قيل: إنَّك مشئومٌ علينا وميمونٌ . وإنما هو
شائمٌ ويامنٌ. وقد تأوَّل بعضُهم ﴿ حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ [الإسراء: ٤٥]. بمعنى : حجابًا
ساتِرًا. والعربُ قد تُخرِجُ ((فاعلًا)) بلفظِ ((مفعولٍ)) كثيرًا .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَوَتِ
وَاْأَرْضِ بَصَابِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُكَ يَنِفِرْعَوْنُ مَثْبُورًا
٠٢
اختلَفتِ القرَأةُ فى قراءة قولِه: ﴿ لَقَدْ عَلِمْتَ﴾ ؛ فقرَأَ ذلك عامةُ قرأةِ الأمصارِ :
﴿ لَقَدْ عَلِمْتَ﴾. بفتح التاءِ، على وجْهِ الخطابِ مِن موسى لفرعونَ(٣) .
ورُوِى عن علىّ بن أبى طالبٍ رضوانُ اللَّهِ عليه، فى ذلك أنَّه قرَأ: (لَقَدْ
عَلِمْتُ ). بضمِّ التاءُ ، على وجْهِ الخبرِ من موسى عن نفسِه. ومَن قرَأْ ذلك على
هذه القراءةِ، فإنَّه ينبغى أن يكونَ على مذهبِه تأويلُ قولِه: ﴿إِنِّ لَأَظُتُكَ يَمُوسَى
مَسْحُورًا ﴾ : إنى لأظُنُك قد سُحِرت ، فترَى أَنَّك تتكلمُ بصوابٍ وليس بصوابٍ .
وهذا وجة من التأويل، غيرَ أنَّ القراءةَ التى عليها قرَأَةُ الأمصارِ خلافُها ، وغيرُ
(١) فى م: ((تتعاطى)).
(٢) وهى قراءة نافع وابن كثير وعاصم وأبى عمرو وحمزة وابن عامر. ينظر السبعة لابن مجاهد ص ٣٨٦.
(٣) وبها قرأ الكسائى وهى متواترة. السابق ص ٣٨٥.
وأثر علىَّ أخرجه الفراء فى معانى القرآن ١٣٢/٢ بإسناده عن على، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠٥/٤
إلى سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبى حاتم .
وقال البغوى فى تفسيره ٥/ ١٣٤: ولا يثبت عن على رفع التاء؛ لأنه روى عن رجل من مراد ، عن على،
وذلك أن الرجل مجهول. وكذا قال أبو حيان فى البحر المحيط ٨٦/٦ وسمى الرجل كلثوما .

١٠٧
سورة الإسراء : الآية ١٠٢
جائزٍ عندَنا خلافُ الحجةِ فيما جاءت به من القراءةِ مجمِعةً عليه .
وبعدُ ، فإِنَّ اللَّهَ تعالى ذكرُه قد أخبَر عن فرعونَ وقومِه أنهم جحدوا ما جاءهم به
موسى من الآياتِ التسع، مع علمِهم بأنَّها من عندِ اللَّهِ بقولِه: ﴿ وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِ
جَيْبِكَ تَخْرُجُ بَيَضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٌ فِ نِسْع ◌َيْتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمٍِّ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمًا فَاسِقِينَ
١٢
فَلَمَّا جَاءَ تْهُمْ ءَتُنَا مُبْصِرَةً قَالُواْ هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ ﴿ وَحَحَدُواْ بِهَا وَأَسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ
ج
ظُلْمًا وَعُلُوّ﴾ [النمل: ١٢- ١٤]. فأخبرَ جلَّ ثناؤُه أنهم قالوا: هى سحرٌ . مع علمِهم
واستِيقانِ أنفسِهم بأنَّها من عندِ اللَّهِ، فكذلك قولُه: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ﴾(١). إنما هو خبرٌ
من موسى لفرعونَ بأنَّه عالمٌ بأنَّها آياتٌ مِن عندِ اللَّهِ .
وقد ذُكِر عن ابنِ عباسٍ أنَّه احتَجَّ فى ذلك بمثلِ الذى ذكَرْنا من الحُجةِ .
قال : حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال : ثنا هشيمٌ ، قال : أخبرنا أبو بشرٍ،
عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ أنه كان يقرأُ: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ﴾: يا فرعونُ .
بالنصبِ ، ﴿ مَآ أَنْزَلَ هَؤُلَاءٍ إِلَّا رَبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾. ثم تلا: ﴿وَحَحَدُواْ بِهَا
وَأَسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلَمًا وَعُوَّمْ﴾(٢).
فإِذا كان ذلك كذلك، فتأويلُ الكلام : قال موسى لفرعونَ: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ
يا فرعونُ ﴿ مَآ أَنزَلَ هَؤُلَاءٍ﴾ الآياتِ التسعَ البيناتِ التى أريتُكها ، حجةً لى على (٢)
حقيقةِ ما أَدْعُوك إليه، وشاهدةً لى على صدقى (٢) وصحَّةٍ قولى: إنى للَّهِ رسولٌ(*)
(١) ضبطت هذه الكلمة فى ص، ت ٢ بضم التاء، وصواب السياق قبله وبعده أن تكون بفتح التاء كما أثبتناه.
(٢) أخرجه الفراء فى معانى القرآن ١٣٢/٢ عن هشيم به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠٥/٤ إلى
المصنف وابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف .
(٤) فى م، ت ١، ت ٢، ف: ((صدق)).
(٥) بعده فى م: ((ما)).

١٠٨
سورة الإسراء : الآية ١٠٢
بعَثنى إِليك - ﴿ إِلَّا رَبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ لأن ذلك لا يقدِرُ عليه ولا على
أمثالِه أحدٌ سواه، ﴿ بَصَابِرَ﴾ يعنى بـ ((البصائرِ)) الآياتِ أنهنَّ بصائرُ لمن استبصر
بهنَّ، وهدّى لَمن اهتدى بهنَّ، يعرِفُ بهنَّ مَن رَآهُنَّ / أن مَن جاء بهنَّ فمُحِقٌّ،
وأنهنَّ من عندِ اللَّهِ لا مِن عندٍ غيرِهِ، إذ كُنَّ معجِزاتٍ لا يقدِرُ عليهنَّ ولا على شىءٍ
مِنهنَّ سوى ربِّ السماواتِ والأرضِ.
١٧٥/١٥
وهو جمعُ بصيرةٍ .
وقولُه: ﴿وَإِنِّي لَأَظْتُكَ يَفِرْعَوْثُ مَثْبُورًا﴾. يقولُ: إنى لأُظُنُك يا فرعونُ
ملعونًا ممنوعًا من الخيرِ .
والعربُ تقولُ: ما ثَبَرَك عن هذا الأمرِ؟ أى: ما منَعك منه، وما صَرَفَك(١)
عنه؟ وثَرَه اللَّهُ فهو يَثْرُه ويُثْبِرُه. لغتانٍ. ورجلٌ مثبورٌ: محبوسٌ عن الخيراتِ
هالكٌ. ومنه قولُ الشاعرِ(٢) :
ومَن مالَ مَيْلَهُ مَثْبُورُ
إذ أُجارِى الشَّيطانَ فى سَنَنِ الغَيِّ
وبنحوِ الذى قُلْنا فى تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ عبدِ اللَّهِ الكِلابِىُّ، قال: ثنا أبو خالدِ الأحمرُ، قال: ثنا عمرُ
ابنُ عبدِ اللهِ ، عن المِنْهالِ بنِ عمرٍو، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ فى قولِه :
﴿ إِنِّي لَأَظُنُكَ يَدِفِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾. قال: ملعونًا(١) .
(١) فى م: ((صدك))، وفى ت ١، ف: ((صدفك))، وفى ت ٢: ((صدقك)). وينظر معانى القرآن للفراء ٢/ ١٣٢.
(٢) هو عبد الله بن الزِّبَعْرَى، والبيت فى سيرة ابن هشام ٢/ ٤١٩، وسيأتى فى ٤١٢/١٧ .
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠٥/٤ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبى حاتم .

١٠٩
سورة الإسراء : الآية ١٠٢
حدَّثنا أبو كريبٍ ، قال: ثنا مروانُ بنُ معاويةَ ، قال: أخبرنا عمرُ بنُ عبدِ اللَّهِ
الثقفىُ، عن المِنْهالِ ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ مثلَه .
حدَّثنی علىٌّ ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ ، قال : ثنا معاویةُ، عن على ، عن ابنِ عباسٍ
قولَه: ﴿ إِ لَأَظُنُكَ يَفِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾. يقولُ: مْعونًا(١).
وقال آخرون : بل معناه : إنى لأظنُّك يا فرعونُ مغلوبًا .
ذكرُ مَن قال ذلك
[٢٧٤/٢ و] حدّثنی محمدُ بنُ سعد ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمى ، قال : ثنی
أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: قولَه: ﴿ إِ لَأَظُنُكَ يَنِفِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ . قال :
(٢)
مغلوبًا (٢) .
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال : سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ ، قال: سمِعتُ
الضحاكَ يقولُ فى قوله: ﴿ إِنِّ لَأَظُنُكَ يَفِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾. يقولُ: مغلوبًا(٢).
وقال بعضُهم : معنى ذلك : إنى لأظنُك يا فرعونُ هالِكًا .
/ ذكرُ مَن قال ذلك
١٧٦/١٥
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبى نجيحٍ، عن
مجاهدٍ: ﴿مَثْبُورًا﴾. أى: هالكًا٣) .
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠٥/٤ إلى المصنف.
(٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١٢٤/٥.
(٣ - ٣) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((مثله)).
والأثر فى تفسير مجاهد ص ٤٤٢ بلفظ : مُهْلَكا .

١١٠
سورة الإسراء : الآية ١٠٢
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا حجاجٌ، عن ابنٍ جريج، عن
مجاهدٍ مثله .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَإِنِّي لَأَظْتُكَ
يَفِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾. (أى: مُهْلَكًا. قولُه: ﴿ مَثْبُورًا﴾(١). أى: هالِكًا.
" حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن
مجاهدٍ مثله) .
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ
(٣)
بنحوه (٣).
وقال آخرون : معناه: إنى لأظُنُك مبدّلًا مُغيّرًا .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كريبٍ ، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ موسى ، عن عيسى بن موسى ، عن
عطيةً: ﴿ إِنِّي لَأَظُنُكَ يَنِفِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾. قال: مبدّلًا(٤).
وقال آخرون : معناه : مخبولاً لا عقلَ له .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى يونسُ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله : ﴿ وَإِنِّ
(١ - ١) سقط من: م.
(٢- ٢) كذا فى النسخ، وهو تكرار للإسناد قبل السابق.
(٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٩١.
(٤) ذكره الطوسى فى التبيان ٦/ ٥٢٨.

١١١
سورة الإسراء : الآيات ١٠٢ - ١٠٤
لَأَظُنُكَ يَفِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾. قال: الإنسانُ إذا لم يكنْ له عقلٌ فما ينفَعُه؟ ( يعنى:
إذا لم يكنْ له عقلٌ ينتَفِعُ به فى دينه ومعاشِه دعَتْه العربُ مَثْبورًا . قال: أظنُّك ليس لك
عقلٌ يا فرعونُ. قال: بَيْنا هو يخافُه: ﴿ وَلَا يَنْطَلِقُ(١) لِسَانِىِ﴾ أن أقولَ هذا لفرعونَ.
فَلَمَّا شرَح اللَّهُ صدرَه اجتَرَأْ أن يقولَ له فوقَ ما أمرَه اللَّهُ(١) .
وقد بيّا الذى هو أولَى بالصوابِ فى ذلك قبلُ(٤).
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿فَأَرَادَ أَن يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَهُ وَمَن مَّعَهُ
جَمِيعًا ﴿ وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ، لِبَنِىّ إِسْرَِّلَ اسْكُنُواْ الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ اُلْآَخِرَةِ جِثْنَا بِكُمْ
لَفِيفًا وَّ
يقولُ تعالى ذكرُه : فأراد فرعونُ أن يسْتِفِزَّ موسى وبنى إسرائيلَ مِن الأرضِ،
فَأَغْرَقْنَهُ﴾ فى البحرِ، ﴿ وَمَن مَّعَهُ ﴾ مِن ◌ُندِه، ﴿ جَمِيعًا﴾ ، ونجينا موسى
وبنى إسرائيلَ، وقُلْنا لهم مِن بعدِ هلاكِ فرعونَ: ﴿ أَسْكُنُواْ الْأَرْضَ﴾: أرضَ الشامِ،
﴿فَإِذَا جَ وَعْدُ اٌلْآَخِرَةِ جِثْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾ . يقولُ: فإذا جاءتِ الساعةُ ، وهى وعدُ
الآخرةِ، ﴿ ◌ِثْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾. يقولُ: حشَرْناكم مِن قبورِ كم إلى موقفِ القيامةِ
﴿ لَفِيفًا﴾. أى: مختلِطين، قد التفَّ / بعضُكم على بعضٍ، لا تتعارَفون، ولا ١٧٧/١٥
ينحازُ أحدٌ منكم إلى قبيلتِه وحيِّه . مِن قولِك(٥) : لَفَفْتُ الجيوشَ، إذا ضرَبتَ بعضَها
ببعضِ، فاختَلَطَ الجميعُ. وكذلك كلُّ شىءٍ خُلِط بشىءٍ فقد لُفَّ به .
(١- ١) فى ص، ت ٢، ف: ((وعقل))، وفى ت ١: ((و)).
(٢) فى م: (( ينطق)).
(٣) ينظر التبيان ٦/ ٥٢٨.
(٤) تقدم فى ص ١٠٨.
(٥) فى ص: ((قول))، وفى ت ١، ت ٢، ف: ((قوله)).

١١٢
سورة الإسراء : الآية ١٠٤
وقد اختلَف أهلُ التأويلِ فى تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم نحوَ الذى قُلْنا فيه .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ ، قال : ثنا عبدُ الرحمنِ، قال : ثنا سفيانُ ، عن منصورٍ ،
عن(١) أبى رَزينٍ: ﴿ِثْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾ . قال: مِن كلِّ قومٍ .
وقال آخرون: بل معناه: جِئْنا بكم جميعًا .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى، قال : ثنى عمى ، قال: ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ِثْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾. قال: جميعًا (٢).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ :
جِثْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾: جميعًا(٣).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريج، عن
مجاهدٍ مثله .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ
اُلْأَخِرَةِ جِثْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾. أى: جميعًا، أوَّلَكم وآخِرَكم(٤).
(١) بعده فى م: ((ابن)).
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠٥/٤ إلى المصنف.
(٣) تفسير مجاهد ص ٤٤٣، وأخرجه ابن أبى الدنيا فى الأهوال (٢٩٢) من طريق أبى يحيى ، عن مجاهد.
(٤) أخرجه ابن أبى الدنيا فى الأهوال (٢٩٣) من طريق سعيد به .

١١٣
سورة الإسراء : الآية ١٠٤ - ١٠٦
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال : أخبرنا معمرٌ، عن
قتادةَ فى قوله: ﴿جِثْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾. قال: جميعًا (١).
محُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ : ثنا عبيدٌ ، قال: سمِعتُ
الضحاكَ يقولُ فى قوله: ﴿ِثْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾. يعنى: جميعًا (٢).
ووحَّد ((اللفيفَ) وهو خبرٌ عن الجميع؛ لأنه بمعنى المصدرِ ، كقولِ القائلِ:
لَفِفْتُه لفًّا ولَفيفًا .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَبِالْحَقِّ أَنزَلْتَهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلْ وَمَآ أَرْسَلْتَكَ إِلَّا مُبَشِرًا
وَقُرْءَانًا فَقْنَهُ لِنَقْرَمُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَهُ نَزِيلًا
وَنَذِيرًا
يقولُ تعالى ذكره : وبالحقِّ أَنزَلْنا هذا القرآنَ . يقولُ : أَنزَلْناه نأمرُ فيه بالعدلِ
والإِنصافِ والأخلاقِ الجميلةِ ، والأُمورِ المُسْتَحسَنةِ الحميدَةِ، ونَنْهى فيه عن الظُّلم
والأمورِ القبيحة ، والأخلاقِ الرديةِ، والأفعالِ الذَّميمةِ، ﴿وَبِالْحَقِّ نَزَلْ﴾. يقولُ:
وَ
وبذلك نزَل مِن عندِ اللَّهِ على نبيّه محمدٍ عَّهِ.
وقولُه: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْتَكَ إِلَّا مُبَشِّرًاً وَنَذِيرًا﴾ . يقول تعالى ذكرُه لنبيُّه محمدٍ
عَ له: وما أرسَلْناك / يا محمدُ إلى من أرسَلْناك إليه من عبادِنا، إلا مبشِّرًا بالجنَّةِ من ١٧٨/١٥
أطاعَنا، فانتهَى إلى أمْرِنا ونَهْينا، ومنذرًا من عصانا وخالَفَ أَمْرَنا ونَهْيَنا .
﴿ وَقُرْءَنَا فَرَقْتَهُ لِنَقْرَهُ ﴾. اختلَفتِ القرَأَةُ فى قراءةِ ذلك؛ فقرَأَته عامةُ قرأةٍ
الأمصارِ: ﴿ فَقْتَهُ﴾. بتخفيفِ الراءِ من ﴿فَقْتَهُ﴾. بمعنى: أحْكَمناه وفصَّلْناه
[٢ /٢٧٤ و] وبيَّناه .
(١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٩١.
(٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١٢٥/٥.
( تفسير الطبرى ٨/١٥ )

١١٤
سورة الإسراء : الآية ١٠٦
وذُكِر عن ابنِ عباس أنه كان يقرَؤُه بتشديدِ الراءِ: (فَرَقْناه)(١). بمعنى: نزَّلناه
شيئًا بعدَ شىءٍ ، آيةً بعدَ آيةٍ ، وقصةً بعدَ قصةٍ .
وأولى القراءتين بالصوابِ عندَنا القراءةُ الأولى؛ لأنَّها القراءةُ التى علَيها الحُجَّةُ
مُجمِعةٌ، ولا يجوزُ خلافُها فيما كانت عليه (٢) مجمِعَةٌ مِن أمرِ الدينِ والقرآنِ .
فإذ كان ذلك أولى القراءَتَين بالصوابِ ، فتأويلُ الكلام: وما أرسَلْناك إلا مبشرًا
ونذيرًا، وفصَّلْناه قرآنًا(٢)، وبيَّه وأخْكَمناه لتقرأه على الناسِ على مَكْثٍ.
وبنحوِ الذى قُلْنا فى ذلك مِن التأويلِ قال جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنی علىّ ، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ ، قال : ثنی معاویةُ، عن على ، عن ابنِ عباسٍ
قولَه: ﴿وَقُرْءَانًا فَرَقْتَهُ﴾. يقولُ: فضَّلْناهُ(٤) .
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن أبى جعفرٍ، عن(٥)
الرّبيعِ، عن أبى العاليةِ، عن أُبىّ بنِ كعبٍ أَنَّه قرأ: ﴿وَقُرْءَانًا فَرَقْتَهُ﴾. مخفَّفًا، يعنى:
- (٦)
بيَّنَاهُ .
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال : ثنى حجاجٌ، عن ابن جريج، قال :
قال ابنُ عباسٍ: ﴿وَقُرْءَنَا فَرَقْتَهُ﴾. قال: فصَّلْناه .
(١) هى قراءة شاذة .
(٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.
(٣) فى ص: ((قرأناه)).
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠٥/٤ إلى المصنف وابن المنذر.
(٥) بعده فى م: ((أبى)).
(٦) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠٥/٤ إلى المصنف وابن أبى شيبة وابن المنذر.

١١٥
سورة الإسراء : الآية ١٠٦
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا بَدَلُ بنُ المُحبَّرِ، قال: ثنا عبادٌ ، يعنى ابنَ راشدٍ،
عن داودَ، عن الحسنِ أَنَّه قرَأ: ﴿وَقُرْءَانًا فَرَقْتَهُ﴾. خفَّفها: فَرَق اللّهُ به (١) بينَ الحقّ
(٢)
والباطلٍ(١) .
وأما الذين قرءوا القراءةَ الأُخرَى، فإنَّهم تأوَّلوا ما قد ذكرتُ من التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ما حكَيْتُ من التأويلِ عن قارئ ذلك كذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن أبى جعفرٍ، عن
الربيع، عن أبى العاليةِ، قال: كان ابنُ عباسٍ يقرَؤُها: (وقُرْآنًا فَقْناه). مثقَّلَةٌ ،
يقولُ : أَنْزِل آيَةً آيَةً(٣) .
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ ، قال: أخبرنا داودُ، عن عكرمةً ،
عن ابنِ عباسٍ، قال، قال: أَنزِل القرآنُ جملةً واحدةً إلى السماءِ الدنيا فى ليلةٍ
القدْرِ ، ثم أَنزِل بعدَ ذلك فى عشرين سنةً، قال: ﴿ وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلََّّ ◌ِتْنَكَ
بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٣]. (وقُرْآنَا فَرَّقْنَاه لِتَقْرأَه على النَّاسِ على مُكْثٍ
ونَزَّلْنَاه تَنْزِيلاً)(٤).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال : أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن
قتادةَ فى قولِه: (وَقُرْآنًا فَقْناه). (°قال: أُنزِل مُفَرَّقًا)، لم ينزلْ جميعًا، وكان بينَ
(١) سقط من: م .
(٢) ذكره البغوى فى تفسيره ١٣٥/٥، والقرطبى فى تفسيره ٣٣٩/١٠.
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠٥/٤ إلى المصنف وابن أبى شيبة وابن المنذر.
(٤) أخرجه البيهقى فى الدلائل ٧/ ١٣١، ١٣٢ من طريق يزيد بن هارون به ، وأخرجه النسائى فى الكبرى
(٧٩٨٩، ٧٩٩٠)، والحاكم ٣٦٨/٢ من طرق عن داود بن أبى هند به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠٥/٤
إلی ابن أبى حاتم وابن مردويه .
(٥ - ٥) فى م، ت ١، ت ٢، ف: ((لتقرأه على الناس)).

١١٦
سورة الإسراء : الآية ١٠٦
أوَّلِهِ وآخرِه نحوٌ مِن عشرين سنةً(١).
حدَّثنى يونسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ( وقُوْآنًا
١٧٩/١٥ فَقْناه). قال: / فرَّقه، لم ينزِّلْه جميعًا(٢). وقرَأ: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوَّلَا نُزِلَ عَلَيْهِ
اُلْقُرْءَانُ جُمْلَةٌ وَجِدَةً ﴾. حتى بلَغ: ﴿وَأَحْسَنَ تَفْسِيْرًا﴾ [الفرقان: ٣٢، ٣٣]: يَنْقُضُ
عليهم ما يأْتُون به(٣).
وكان بعضُ أهلِ العربيةِ من أهلِ الكوفةِ يقولُ(٤): نُصِب قولُه: ﴿ وَقُرْءَانًا﴾.
بمعنى : ورحمةٌ . ويتأوَّلُ ذلك: وما أرْسَلْناك إلَّا مُبَشِّرًا ونَذيرًا ورحمةً. ويقولُ : جاز
ذلك لأن القرآن رحمةٌ .
ونصْبُه(٥) على الوجْهِ الذى قُلناه أولى، وذلك كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿وَاُلْقَمَرَ
قَدَّرْنَهُ مَنَازِلَ﴾ [يس: ٣٩].
وقولُه: ﴿ لِنَقْرَأَمُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾. يقولُ: لتقرَأَه على الناسِ على تُؤَدّةٍ،
فتُرتِّلَه وتبيّنَه ، ولا تعجَلْ فى تلاوتِه فلا يُفْهَمَ عنك .
وبنحوِ الذى قُلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال : ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن عُبيدٍ
(١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٩١.
(٢) فی م: ( جمیعه)).
(٣) ينظر التبيان ٦/ ٥٣٠.
(٤) هو الفراء فى معانى القرآن ١٣٢/٢.
(٥) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((نصب)).

١١٧
سورة الإسراء : الآية ١٠٦
المُكْتِبِ، قال: قلتُ لمجاهدٍ: رجلٌ قرَأ ((البقرةَ)) و((آلَ(١) عمرانَ))، وآخرُ قرَأ
((البقرةَ))، وركُوعُهما وسجودُهما واحدٌ، أيُّهما أفضَلُ؟ قال: الذى قرَأَ (البقرةَ)).
وقرأْ: ﴿ وَقُرْءَنَا فَقْتَهُ لِنَقْرَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْتٍ﴾(١).
حدَّثنى علىٌّ ، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنی معاویةُ ، عن على ، عن ابنِ عباسٍ
قوله: ﴿لِنَقْرَمُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْتٍ﴾. يقولُ: على تأييدٍ(٣) .
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ
قولَه: ﴿عَلَى مُكْثٍ﴾. قال: على تَرَسْلٍ (٤).
حدَّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريجُ قولَه :
﴿ لِيَقْرَمُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾. قال: فى تَّرَسُلٍ(٢).
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: ﴿ لِنَقْرَأَمُ
عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾. قال: التفسيرُ الذى قال اللَّهُ: ﴿ وَرَتِّلِ الْقُرْءَانَ تَرْتِيلًا﴾
(١) فى ص، ت ١، ت ٢: ((آخر))، وفى ف: ((آخر آل)).
(٢) أخرجه أبو عبيد فى فضائله ص ٧٥ عن عبد الرحمن به، وأخرجه ابن أبى شيبة ٢/ ٥٢١، ٥٢٦/١٠ من
طريق سفيان به ، وأخرجه عبد الرزاق فى مصنفه (٤١٨٨) عن معمر أن رجلا سأل مجاهدا . فذكره بزيادة فى
آخره وستأتی .
(٣) فى ت ١: ((تأبد))، وفى ت ٢: ((تأبيد))، وفى الدر المنثور: (( بأمد)).
والأثر عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠٥/٤ إلى المصنف وابن المنذر.
(٤) فى م: (( ترتيل)).
والأثر فى تفسير مجاهد ص ٤٤٣، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠٥/٤ إلى المصنف وابن أبى شيبة وابن
المنذر وابن أبى حاتم .
(٥) بعده فى ت ٢: ((عن مجاهد)).
(٦) فى م: ((ترتيل)).

١١٨
سورة الإسراء : الآية ١٠٦
[ المزمل: ٤ ] : تفسيرُه .
حدّثنا الحسنُ ، قال : أخبرنا عبد الرزاقِ ، قال : أخبرنا الثورىُّ ، عن عبيدٍ ، عن
مجاهدٍ قولَه: ﴿ لِنَقْرَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾: على تُؤَدةٍ(١).
وفى ((المُكْثِ)) للعربِ لغاتٌ: مُكْثٌ، ومَكْثٌ، ومِكْتٌ، ومِكِّيَتَى
مقصورٌ، ومُمكّثانًا ، والقراءةُ بضمّ الميمِ .
وقولُه: ﴿ وَنَزَّلْنَهُ نَزِيلًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فَقنا تنزيلَه، وأَنزَلناه شيئًا بعدَ
شىءٍ .
كما حدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، قال: حُدِّثْنا عن أبى رجاءٍ ، قال:
تلا الحسنُ: ﴿ وَقُرْءَانَا فَقْتَهُ لِنَقْرَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَهُ نَزِيلًا﴾. قال: كان
اللَّهُ تبارك وتعالى ينزِّلُ هذا القرآنَ بعضَه قبلَ بعضٍ، لِمَاَ عِلِم أنَّه سيكونُ ويحدُثُ فى
الناسِ ، لقد ذُكِر لنا أنَّه كان بينَ أوّلِه وآخرِه ثمانىَ عشْرةَ سنةً . قال: فسألتُه يومًا على
سُخطةٍ ، فقلتُ : يا أبا سعيدٍ: (وقُرآنًا فَرَقْناه). فثقَّلَها أبو رجاءٍ، فقال الحسنُ:
ليس (فَتَّقْناه) ولكن ﴿فَرَقْتَهُ﴾. فقرَأ الحسنُ مخفَّفةً. قلتُ: مَن يُحدِّثُك هذا يا أبا
سعيدٍ؟ أصحابُ محمدٍ ؟ قال: فمَنْ يُحدِّثُنيه؟! قال: أَنْزِل عليه بمكةً قبلَ أن يُهاجرَ
إلى المدينةِ ثمانىَ سنين، وبالمدينةِ عشْرَ سنين .
١٨٠/١٥
/ حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ وَقُرْءَانًا فَرَقْتَهُ
لِيَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَهُ نَزِيلًا﴾ : لم ينزَّلْ فى ليلةٍ ولا ليلتين ، ولا شهرٍ ولا
شَهرين ، ولا سنةٍ ولا سنتين، ولكنْ كان بين أوَّلِه وآخِرِه عشرون سنةً، وما شاء اللَّهُ
(٢)
مِن ذلك(٢) .
(١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٩١.
(٢) أخرجه ابن الضریس فی فضائله (١٢٥) من طريق يزيد به .

١١٩
سورة الإسراء : الآيات ١٠٦، ١٠٨
حدَّثنا بشرّ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ، قال :
كان يقولُ(١): أَنزِل على نبيّ اللَّهِ القرآنُ ثمانىَ سنين، وعشرًا بعدما هاجَر. وكان قتادةُ
يقولُ: عشرًا بمكةً، وعشرًا بالمدينةٍ(١) .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ ءَامِنُواْ بِةٍ أَوْ لَا تُؤْمِنُواْ إِنَّ الَّذِينَ أُوْنُواْ الْعِلْمَ مِن
قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِزُونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا
وَيَقُولُونَ سُبْحَنَ رَبَِّا إِن كَانَ وَعْدُ رَيْنَا
(١٠٨
لَمَفْعُولًا
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيّه محمدٍ عَلَّهِ: قلْ يا محمدُ لهؤلاءِ القائلين لك: ﴿لَنْ
تُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرُ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠]: آمِنوا بهذا القرآنِ الذى
لو اجتمعت الإِنسُ والجنّ على أن يأْتُوا بمثلِه، لم يأَتُّوا به ولو كان بعضُهم لبعضٍ
ظهيرًا، أو لا تؤمِنوا به ، فإن إيمانَكم به لن يزيدَ فى خزائنٍ رحمةِ اللَّهِ ، ولا تزكَكم
الإِيمانَ به ينقُصُ ذلك ، وإن تكفُروا به ، فإن الذين أوتوا العلم باللّهِ وآياتِهِ مِن قبل نزولِه
من مؤمنى أهلِ الكتابين، إذا يُتْلَى عليهم هذا القرآنُ يَخِرُون ؛ تعظيمًا له وتكريمًا ،
وعلمًا منهم بأنَّه مِن عندِ اللَّهِ، لأذقانِهم سُجَّدًا بالأرضِ.
واختلَف أهلُ التأويلِ فى الذى عنَى اللَّهُ بقولِه: ﴿يَخِرُونَ لِلْأَذْقَانِ ﴾؛ فقال
بعضُهم : عنَى به الوجوه .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى علىّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنی معاویةُ، عن على ، عن ابنِ عباسٍ
(١) فى فضائل ابن الضريس: ((يقال)).
(٢) أخرجه ابن الضريس فى فضائله (١٢٦) من طريق يزيد به .

١٢٠
سورة الإسراء : الآيتان ١٠٧، ١٠٨
قولَه : ﴿يَخِرُونَ لِلْأَذْقَنِ سُجَّدًا﴾. يقولُ: للوجوهِ(١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ يَخِرُونَ لِلْأَذْقَانِ
سُجَّدًا﴾. أى: للوجوهِ .
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ مثلَهُ(١) .
وقال آخرون : بل عنَى بذلك اللِّحَى .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، قال : قال الحسنُ
فى: ﴿ يَخِرُونَ لِلْأَذْقَانِ﴾. قال: للِّحَى(٣) ..
وقولُه: ﴿ وَيَقُولُونَ سُبْحَنَ رَبِنَآَ إِن كَنَ وَعْدُ رَبِنَا لَمَفْعُولًا﴾. يقولُ جلَّ ثناؤه:
ويقولُ هؤلاء الذين أُوتُوا العلمَ مِن قبلِ نزولٍ هذا القرآنِ ، إذا خرُّوا للأذقانِ سُجودًا
عندَ سَماعِهِم القرآنَ يُتْلَى عليهم: تنزِيهًا لربِّنا وتَيْرِئةً له مما يُضيفُ إليه المشركون به ،
١٨١/١٥ ما كان وعدُ ربِّنا من ثوابٍ وعقابٍ، إلا مفعولًا حقًّا يقينًا؛ إيمانٌ / بالقرآنِ وتصديقٌ
به .
والأُذقانُ فى كلامِ العربِ: جمعُ ذَقَنٍ، وهو مَجمَعُ اللَّحْيَينْ. وإذ كان ذلك
كذلك، فالذى قال الحسنُ فى ذلك أشبهُ بظاهرِ التنزيلِ .
وبنحوِ الذى قُلْنا فى تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ ، على اختلافٍ منهم فى
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠٥/٤ إلى المصنف وابن المنذر.
(٢) تفسير عبد الرزاق ٣٩٢/١.
(٣) تفسير عبد الرزاق ٣٩٢/١.