النص المفهرس

صفحات 61-80

٦١
سورة الإسراء : الآية ٨١
١٥٢/١٥
/ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَقُلْ جَ
اُلْحَقُّ﴾. قال: الحقُّ القرآنُ، ﴿ وَزَهَقَ الْبَطِلُّ إِنَّ الْبَطِلَ كَنَ زَهُوقًا﴾ .
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعْلى ، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ ، عن معمرٍ ، عن قتادةً:
﴿ وَقُلْ جَآءَ الْحَقُّ﴾. قال: القرآنُ، ﴿ وَزَهَقَ الْبَطِلُّ﴾. قال : هلَك الباطلُ، وهو
الشيطانُ(١) .
وقال آخرون : بل عنَى بالحقِّ جهادَ المشركين، وبالباطلِ الشركَ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثُنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريج قولَه :
﴿ وَقُلْ جَآءَ الْحَقُّ﴾. قال: دَنا القتالُ، ﴿ وَزَهَقَ الْبَطِلُّ﴾. قال: الشركَ وما هم
(٢)
فیه (٢) .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال : أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا الثورىُّ، عن
ابنِ أبى تَجيح، عن مجاهدٍ ، عن أبى معمرٍ، عن ابنٍ مسعودٍ ، قال: دخَل رسولُ اللَّهِ
سَ الِ مِكَةً وحولَ البيتِ ثلاثمائةٍ وستُّون صنمًا، فجعَل يطعنُها ويقولُ: ﴿ جَاءَ الْحَقُّ
وَزَهَقَ الْبَطِلُّ إِنَّ الْبَطِلَ كَنَ زَهُوقًا ﴾(٢).
(١) تفسير عبد الرزاق ٣٨٩/١ عن معمر به .
(٢) ذكره أبو حيان فى البحر المحيط ٧٤/٦ بمعناه.
(٣) تفسير عبد الرزاق ٣٨٨/١، ومن طريقه مسلم (١٧٨١)، وأخرجه ابن أبى شيبة ٤٨٨/١٤، والبخارى
(٢٤٧٨، ٤٢٨٧، ٤٧٢٠)، ومسلم (١٧٨١)، والترمذى (٣١٣٨)، والنسائى فى الكبرى
(١١٢٩٧، ١١٤٢٨)، وفى تفسيره (٣١٧، ٤٤٨)، والبغوى فى تفسيره ١٢٢/٥، ١٢٣، من طريق
ابن أبى نجيح به وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٩٩/٤ إلى ابن المنذر وابن مردويه .

٦٢
سورة الإسراء : الآيتان ٨١، ٨٢
وأولى الأقوالِ فى ذلك بالصوابِ أن يقالَ : أَمَر اللَّهُ تبارك وتعالى نبيّه عليه
الصلاةُ والسلامُ أن يُخبِرَ المشركين أن الحقَّ قد جاء، وهو كلُّ ما كان للَّهِ فيه رضًا
وطاعةٌ ، وأن الباطلَ قد زهَق. يقولُ: وذهَب كلُّ ما كان لا رضًا للَّهِ فيه ولا طاعةً ،
مما هو له معصيةٌ وللشيطانِ طاعةٌ ، وذلك أنَّ الحقَّ هو كلُّ ما خالَف طاعةً إبليسَ ،
وأنَّ الباطلَ هو كلُّ ما وافَق طاعته، ولم يَخْصُصِ اللَّهُ عزّ ذكرُه بالخبرِ عن بعضٍ
طاعاتِه ، ولا ذَهابٍ بعضٍ معاصِيه، بل عمَّ الخبرَ عن مجىءٍ جميعِ الحقِّ، وذَهابٍ
جميعِ الباطلِ، وبذلك جاء القرآنُ والتنزيلُ، وعلى ذلك قاتَل رسولُ اللّهِ مَّهِ أهلَ
الشركِ باللَّهِ ، أعنِى على إقامةٍ جميعِ الحقِّ، وإبطالٍ جميعِ الباطلِ .
وأما قولُه عزَّ وجلَّ: ﴿ وَزَهَقَ الْبَطِلُّ﴾. فإِنَّ معناه: وذهَب الباطلُ. من
قولِهم: زَهَقت نفسُه. إذا خرَجت، وأزهقتُها أنا. ومن قولِهم: أزهَق السهمَ ، إذا
جاوَزِ الغَرَضَ فاستمرّ على جِهتِهِ. يقالُ منه: زهَق الباطلُ، يزهَقُ زُهوقًا، وأزْهقه
اللَّهُ . أى : أذهبَه .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك ، قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدّثنا علىّ ، قال : ثنا عبدُ اللهِ ، قال : ثنی معاویةُ ، عن على ، عن ابنِ عباسٍٍ :
إِنَّ الْبَطِلَ كَانَ زَهُوقًا ﴾. يقولُ: ذاهبً(١).
وقولُه جلّ وعزّ: ﴿ وَنُفَزِّلُ مِنَ الْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾. يقولُ
تعالى ذكره: ونُنزِّلُ عليك يا محمدُ من القرآن ما هو شفاءٌ يُسْتَشْفَى به من الجهلِ ؛
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٩٩/٤ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبى حاتم.
(٢) بعده فى ص، ت ١، ف: (( به)).

٦٣
سورة الإسراء : الآيتان ٨٣،٨٢
من الضلالةِ، ويُبَصَّرُ به من العَمى - للمؤمنين(١) ، ورحمةٌ لهم دونَ الكافرين به ؛
لأَنَّ المؤمنين يَعْمَلون بما فيه مِن فرائضِ اللَّهِ ، ويُحلَّون حَلالَه، ويُحرِّمون حرامَه،
/ فيُدْخِلُهم بذلك الجنةَ، ويُنْجيهم من عذابِهِ، فهو لهم رحمةٌ ونعمةٌ من اللَّهِ أنعم بها
عليهم ، ﴿ وَلَا يَزِيدُ الَّلِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾. يقولُ: ولا يزيدُ هذا الذى نُنَزِّلُ عليك
من القرآن الكافِرِين به ﴿إِلَّا خَسَارًا﴾. يقولُ: إهلاكًا؛ لأنهم كلَّما نزَل فيه أمرٌ
من اللَّهِ بشىءٍ، أو نهىٌّ عن شىءٍ، كفَروا به، فلم يأتمروا لأمرِه، ولم ينتهُوا عما
نَهاهم عنه ، فزادَهم ذلك خَسارًا إلى ما كانوا فيه قبلَ ذلك من الخَسارِ، ورِجسًا إلى
رجسِهم قبلُ .
١٥٣/١٥
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَنُنَزِّلُ
مِنَ الْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾: إذا سمِعه المؤمنُ انتفَع به وحفظه
ووَعاه، ﴿ وَلَا يَزِيدُ الظَّلِينَ() إِلَّا خَسَارًا﴾، أنه لا ينتفِعُ به ولا يَحْفظُه ولا يَعِيه ،
وإِنَّ اللَّهَ جعَل هذا القرآنَ شفاءً ورحمةً للمؤمنين(١) .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنِسَنِ أَعْرَضَ وَنَا بِجَانِهِ، وَإِذَا
مَسَّهُ الشَّتُ كَانَ يَُسًا
٨٣
يقول تبارك وتعالى : وإذا أُنْعَمْنا على الإنسانِ فنجيناه من کوبٍ ما هو فيه فی
البحرِ، وهولٍ (٢) ما قد أشرَّف فيه عليه مِن الهلاكِ، بعُصوفِ الريح عليه ، إلى البرِّ،
(١) فى ص، ت ١، ت ٢: ((المؤمنين)).
(٢) بعده فى م، ت ١، ت ٢: (( به)).
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٩٩/٤ إلى المصنف وعبد الرزاق وابن المنذر وابن أبى حاتم، وتقدم
تخريجه عند عبد الرزاق فى ص ٦١ من طريق معمر، عن قتادة مختصرا .
(٤) فى م، ف: ((هو)).

٦٤
سورة الإسراء : الآية ٨٣
وغير ذلك من نعمِنا ، أعرض عن ذكرنا ، وقد كان بنا مُستغیئًا دونَ كلِّ أحدٍ سوانا
فى حالِ الشِّدَّةِ التى كان فيها، ﴿ وَنَا بِجَانِيةٌ﴾. يقولُ: وبعد منا بجانبه ، يعنى :
بنفسِه، كأنْ لم يَدْعُنا إلى ضرّ مَسَّه قبلَ ذلك.
كما حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال : ثنا أبو عاصم، قال: ثناعيسى ، وحدَّثنی
الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن مجاهدٍ [ ٢٦٨/٢ و] فى قوله :
وَثَا بِجَانٍِ﴾. قال: تباعَدَ منا(١).
حدَّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريج ، عن
مجاهدٍ مثلَه .
والقرّأةُ) على تصييرِ الهمزةِ فى: ﴿وَنَا﴾ قبلَ الألفِ، وهى اللغةُ
الفصيحةُ ، وبها نقراً .
وكان بعضُ أهلِ المدينةِ يقرأ ذلك: (وَناءَ). فيُصِيّرُ الهمزةَ بعدَ الألفِ(١).
وذلك وإن كان لغةً جائزةً قد جاءت عن العربِ بتقديمهم فى نظائرِ ذلك الهمزَ
فى موضعٍ هو (٤) فيه مؤخّرٌ، وتأخير هموه فى موضعٍ هو مقدَّمٌ، كما قال الشاعرُ(٥):
("أغلامٌ مُعَلَّلٌ) رَاءَ رُؤْيا فَهْوَ يَهْذِى بما رأى فِى الَنَامِ
(١) تفسير مجاهد ص ٤٤١. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٩٩/٤ إلى المصنف وابن أبى شيبة وابن المنذر
وابن أبى حاتم .
(٢) فى م: ((القراءة)).
(٣) قراءة متواترة، قرأ بها أبو جعفر المدنى - من العشرة - وابن ذكوان عن ابن عامر الدمشقى - من السبعة.
النشر ٢/ ٢٣١.
(٤) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.
(٥) ذكره الطوسى فى التبيان ٥١٤/٦ قال: وأنشد المبرد حاكيا عن أبى عبيد.
: (٦ - ٦) فى النسخ: ((أعلام يقلل)). والمثبت من التبيان.

٦٥
سورة الإسراء : الآيتان ٨٤،٨٣
وكما قال: آبارٌ. وهى أباّرٌ. فقدَّموا الهمزةَ. فليس ذلك هو اللغةَ الجُودَى،
بل الأُخْرى هى الفصيحةُ .
وقولُه عزَّ وجلَّ: ﴿ وَإِذَا مَسَّهُ الشَُّر كَانَ يَئُوسًا﴾. يقولُ: وإذا مشَه الشرّ
والشدَّةُ كان قَنوطًا مِن الفرَجِ والرَّوْحِ.
/ وبنحوِ الذى قلنا فى ((اليئوسِ)) قال أهلُ التأويلِ.
١٥٤/١٥
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا علىُ بنُ داودَ ، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ ، قال: ثنى معاويةُ ، عن علىٍّ ، عن ابنِ
عباسٍ قولَه: ﴿ وَإِذَا مَسَّهُ الشَُّ كَانَ يَتُوسًا﴾. يقولُ: قَنُوطًا (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُ كَانَ
يُوسًا﴾. يقولُ: إذا مشَه الشرُ أَيِس وَقَتَط .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ كُلُّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ، فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ
أَهْدَى سَبِيلًا
٨٤
يقولُ عزّ وجلّ لنبيِّه محمدٍ عَ له: قلْ يا محمدُ للناسِ: كلكم يعملُ ﴿عَلَى
شَاكِلَتِهِ﴾: على ناحيتِه وطريقتِه، ﴿فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ﴾ منكم ﴿أَهْدَى
سَبِيلًا﴾. يقولُ: وربُّكم أعلمُ بمن هو منكم أهدَى طريقًا إلى الحقِّ من غيرِه.
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((قنطا)).
والأثر عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٩٩/٤ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبى حاتم . -
( تفسير الطبرى ٥/١٥ )

٦٦
سورة الإسراء : الآيتان ٨٤، ٨٥
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا علىّ ، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ ، قال: ثنى معاویةُ ، عن على ، عن ابنِ عباسٍ
قولَه: ﴿قُلْ كُلُّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾. يقولُ: على ناحيتِه (١) .
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ
قوله: ﴿عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾. قال: على ناحيته(٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريجٍ، عن
مجاهدٍ: ﴿قُلْ كُلُّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾. قال: على طبيعتِهِ، على حِدَتِهُ(١) .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿قُلْ كُلُّ يَعْمَلُ عَلَى
شَاكِلَتِهِ﴾. يقولُ: على ناحيتِه وعلى ما يَنْوى(٤).
وقال آخرون : الشاكلةُ الدینُ .
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: ﴿قُلّ
كُلُ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾. قال: على دينه، الشاكلةُ الدينُ(٥).
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحُ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِِّ وَمَّآ
(١) تقدم تخريجه فى الصفحة السابقة .
(٢) تفسير مجاهد ص ٤٤١.
(٣) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١١١/٥.
(٤) ينظر تفسير البغوى ١٢٤/٥.
(٥) ينظر تفسير ابن كثير ١١١/٥.

٦٧
سورة الإسراء : الآية ٨٥
٨٥
أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا
/ يقولُ تعالى ذكرُه لنبيّه محمدٍ عَّهِ: ويسألُك الكفارُ باللَّهِ مِن أهلِ الكتابِ ١٥٥/١٥
عن الرُّوحِ ما هى؟ قلْ لهم: الرُّوحُ مِن أمرِ ربى، وما أُوتِيتُم أنتم وجميعُ الناسِ من
العلمِ إلَّ قليلًا .
وذُكِر أن الذين سألُوا رسولَ اللَّهِ عَ لَّهِ عن الرُّوحِ فنزلت هذه الآيةُ بمسألتِهم إيّاه
عنها کانوا قومًا مِن اليهودِ .
ذكرُ الروايةِ بذلك
حدَّثنا أبو هشام، قال: ثنا وكيعٌ، قال: ثنا الأعمشُ، عن إبراهيمَ ، عن
علقمةَ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: كنتُ مع النبيِّ عَلَّ فى حرثٍ (١) بالمدينةِ، ومعه
عَسِيبٌ(٢) يتوّأُ عليه، فمرّ بقومٍ من اليهودٍ، فقال بعضُهم: سَلُوه عن الرُّوحِ . وقال
بعضُهم : لا تسألُوه . فقام متوكِّئًا على عَسيِهِ ، فقمتُ خلفَه، فظنَنتُ أنه يُوحَى إليه،
فقال: ((﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الرُّوحُ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِىِ وَمَّ أُوِتِلِتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَا
(®)﴾)). فقال بعضُهم لبعضٍ: ألم نقلْ لكم: لا تسألُوهُ(٢) ؟
قَلِيلًا
(١) فى ف: ((حرب)). قال النووى فى شرح مسلم ١٣٧/١٧: اتفقت نسخ صحيح مسلم على أنه حرث
بالثاء المثلثة ، وكذا رواه البخارى فى مواضع، ورواه فى أول الكتاب فى باب ( وما أوتيتم من العلم إلا قليلا) :
خرب . بالباء الموحدة والخاء، المعجمة ، جمع خراب ، قال العلماء: الأول أصوب، وللآخر وجه ، ويجوز أن
يكون الموضع فيه الوصفان .
(٢) عسيب : جريدة من النخل، وهى السعفة مما لا ينبت عليه الخوص. النهاية ٣/ ٢٣٤.
(٣) أخرجه أحمد ٢١٤/٦ (٣٦٨٨)، والبخارى (٧٤٥٦)، ومسلم (٣٣/٢٧٩٤)، وأبو يعلى
(٥٣٩٠)، من طريق وكيع به. وأخرجه البخارى (١٢٥، ٤٧٢١، ٧٢٩٧، ٧٤٦٢)، ومسلم
(٣٢/٢٧٩٤)، والترمذى (٣١٤١)، والنسائى فى الكبرى (١١٢٩٩)، وفى تفسيره (٣١٩)، وابن
حبان (٩٨)، والواحدى فى أسباب النزول ص ٢٢٠ من طرق عن الأعمش به، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ١٩٩/٤ إلى ابن المنذر وابن مردويه وأبى نعيم والبيهقى معًا فى الدلائل.

٦٨
سورة الإسراء : الآية ٨٥
حدَّثنا يحيى بنُ إبراهيمَ المسعودىُّ، قال: ثنا أبى، عن أبيه ، عن جدِّه، عن
الأعمشِ، عن إبراهيمَ ، عن علقمةً، عن عبدِ اللَّهِ ، قال: بينا أنا أمشى مع رسولِ اللهِ
عَ ◌ّهِ فِى حَرَّةٍ بالمدينةِ، إذ مَرَرْنا على يهودَ، فقال بعضُهم: سَلُوه عن الرُّوحِ. فقالوا:
ما أرَبُكم إلى أن تَشْمعُوا ما تكْرَهون ؟ فقاموا إليه فسألُوه ، فقام ، فعرَفْتُ أنه یوخَی
إليه، فقمتُ مكانى، ثم قرأ: ((﴿ وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الرُّوجَّ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِ وَمَّآ
أُوِيْتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ )). فقالوا: ألم نَنْهَكم أن تسألُوه؟.
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنَّى ، قال: ثنا ابنُ عبدِ الأعلَى، قال: ثنا داودُ ، عن عكرمةَ ،
قال: سأل أهلُ الكتابِ رسولَ اللّهِ مَّهِ عن الرُّوحِ، فَأَنزَل اللَّهُ: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ
الرُّوحِّ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِى وَمَا أُوْقِلِتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾. (١ فقالوا: أترْعُمُ أَنَّا لم
نُؤْتَ مِن العلم إلَّا قليلًا١)، وقد أُوتينا التوراةَ، وهى الحكمةُ، ومن يُؤْتَ الحكمةَ فقد
أَوْتِىَ خيرًا كثيرًا. قال: فنزَلت: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِىِ الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَهٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ
مِنْ بَعْدِهِ، سَبْعَةُ أَبْجُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَتُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٢٧]. قال: (( ما أُوتِيتُم من
علم فنجّاكم اللَّهُ به من النارِ، فهو كثيرٌ طيِّبٌ، وهو فى علم اللَّهِ قليلٌ))(٢).
حدَّثنى إسماعيلُ بنُ(٣) المتوكلِ(٤) الأشجعىُّ أبو هاشم(٥) الحِمْصىُّ، قال: ثنا
(١- ١) سقط من: ت ١، ت ٢، ف.
(٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١١٢/٥ عن المصنف، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٦٨/٥ إلى المصنف
دون آخره، وأخرجه أحمد ١٥٤/٤ (٢٣٠٩)، والترمذى (٣١٤٠)، والنسائى فى الكبرى (١١٣١٤)،
وأبو يعلى (٢٥٠١)، وابن حبان (٩٩)، والحاكم ٥٣١/٢، والبيهقى فى الدلائل ٢٦٩/٢ من طريق داود ،
عن عكرمة ، عن ابن عباس، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٩٩/٤ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ فى العظمة
وابن مردويه وأبى نعيم فى الدلائل ، وفى هذه المصادر الاستشهاد بالآية ١٠٩ من سورة الكهف بدلا من آية
سورة لقمان ، وليس عندهم الزيادة بعد الآية .
(٣) بعده فى م: ((أبى)). وتقدم على الصواب فى ١٢/ ٤٦٣.
(٤) بعده فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((قال))، وفى م: ((قال: ثنا)).
(٥) فى م: ((عاصم)).

٦٩
سورة الإسراء : الآية ٨٥
إسحاقُ بنُ عيسى أبو يعقوبَ، [٢٦٨/٢ظ] قال: ثنا القاسمُ بنُ مَعْنٍ، عن الأعمشِ،
عن إبراهيمَ، عن علقمةً، عن عبدِ اللَّهِ، قال: إنِّى لمع النبىِّ عَّهِ فِى حَرْثٍ (١ بالمدينةِ،
إذ أتاه يهودىٌّ، فقال: يا أبا القاسم: ما الرُّوحُ؟ فسكت النبيُّ عَّهِ، وأنزل اللَّهُ عزَّ
وجلَّ: ﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الرُِّحُ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِ﴾(٢).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ
الرُّوحُ﴾: لَقِيَتِ اليهودُ نبىَّ اللّهِ وَهِ، فَتَغَشَّوْه وسألُوه، وقالوا: إن كان نبيًّا عُلِّم،
فسيَعْلمُ ذلك. فسألُوه عن الرُّوح، وعن أصحابِ الكهفِ ، وعن ذى القَرْنين ، فأَنزَل
اللَّهُ فى كتابِهِ ذلك كلَّه: ﴿ وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الرُّوحُ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِ وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ
اَلْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾: يعنى اليهودَ(١).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، / قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبى نجيح، عن مجاهدٍ ١٥٦/١٥
قولَه: ﴿ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحُ﴾. قال: يهودُ تسألُ عنه (٤) .
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريجٍ، عن
مجاهدٍ: ﴿ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحُ﴾ . قال: يهودُ تسألُه .
حدّثنا محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: قل: ﴿ وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الرُّوحُ﴾. الآية: وذلك(١) أنَّ اليهودَ
(١) فى ص، ت ٢، ف: ((حرب)).
(٢) أخرجه الطبرانى فى الصغير ٨٦/٢ عن المصنف به .
(٣) تفسير مجاهد ص ٤٤٢، من طريق خليد، عن قتادة .
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٩٩/٤ إلى المصنف وابن أبى شيبة وابن المنذر وابن أبى حاتم.
(٥) بعده فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((قوله)).

٧٠
سورة الإسراء : الآية ٨٥
قالوا للنبيّ عَله: أخبِرْنا ما الرُّوحُ، وكيف تعذَّبُ الرُّوحُ التى فى الجسدِ، وأَّما الرُّوحُ
مِن اللَّه عزَّ وجلَّ؟ ولم يكنْ نزَل عليه فيه شىءٌ، فلم يُحِرْ إليهم شيئًا ، فأتاه جِبريلُ
عليه السلامُ ، فقال له: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّى وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾.
فأخبرَهم النبيُّ عَِّ بذلك، قالوا له: مَن جاءَك بهذا؟ فقال لهم النبيُّ
عَلَّهِ: ((جاءنى بِه ◌ِبريلُ مِن عندِ اللَّهِ)). فقالوا: واللَّهِ ما قالَه لك إلَّ عدوٌّ لنا.
فأنزل اللَّهُ تبارَك اسمُه: ﴿قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ﴾ الآيَةَ(١)
[ البقرة : ٩٧] .
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةً، عن إبراهيمَ، عن عبدِ اللهِ ، قال:
كنتُ أمشى مع النبىِّ عَ لَّهِ ذاتَ يومٍ، فمرَرْنا بأُناسٍ من اليهودِ، فقالوا : يا أبا
القاسم، ما الرُّوحُ(٣)؟ فأُسْكِتَ، فرأيتُ أنه يُوحَى إليه، قال: فتنَّيْتُ عنه إلى
سُباطَةٍ(٤) ، فنزَلت عليه: ﴿ وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ الآية . فقالتِ اليهودُ : هكذا نجِدُه
عندنا .
واخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى ((الرُّوح)) الذى ذُكِر فى هذا الموضع ما هى؟ فقال:
بعضُهم : هى جبريلُ عليه السلامُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال : ثنا محمدُ بنُّ ثورٍ ، عن معمرٍ ، عن قتادةَ :
(١- ١) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((جاء).
(٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١١٢/٥ عن العوفى به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠٠/٤ إلى ابن مردويه.
(٣) بعده فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((ما الروح)).
(٤) السباطة: الموضع الذى يرمى فيه التراب والأوساخ وما يكنس من المنازل، وقيل: هى الكناسة نفسها.
النهاية ٣٣٥/٢.

٧١
سورة الإسراء : الآية ٨٥
﴿ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحُ﴾. قال: هو جبريلُ. قال قتادةُ: وكان ابنُ عباسٍ
يَكْتُمُه(١).
وقال آخرون: هى مَلَكٌ من الملائكةِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى علىّ، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ ، قال : ثنى معاويةُ ، عن علىٍّ ، عن ابنِ عباسٍ
قولَه: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحُ﴾. قال: الرُّوحُ ملَكٌ(٢).
حدَّثنى علىٍّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالح، قال: ثنى أبو هِزّانَ(١) يزيدُ بنُ سَمُرةَ
صاحبُ قَيْسارِيَّةَ، عمن حدَّثه، عن علىّ بن أبى طالبٍ أنه قال فى قوله: ﴿ وَيَسْتَلُونَكَ
عَنِ الرُّوحِ﴾ . قال : هو ملكٌ من الملائكة له سبعون ألف وجهٍ ، لكلِّ وجهٍ منها سبعون
ألفَ لسانٍ ، لكلِّ لسانٍ منها سبعون ألفَ لغةٍ ، يُسبِّعُ اللَّهَ عزَّ وجلَّ بتلك اللغاتِ
كلِّها، يُخْلَقُ (٤من كلِّ تسبيحةٍ ملَكٌ) يطيرُ مع الملائكةِ إلى يومِ القيامةِ(٥).
وقد بيَّا معنى ((الرُّوحِ)) فى غيرِ هذا الموضعِ من كتابِنا بما أغنَى عن إعادتِه (١) .
/وأما قولُه: ﴿مِنْ أَمْرِ رَبِّ﴾. فإنه يعنى أنه مِن الأمرِ الذى يعلَمُه اللَّهُ عَزَّ ١٥٧/١٥
(١) تفسير عبد الرزاق ٣٨٨/١ عن معمر عن قتادة والحسن.
(٢) أخرجه البيهقى فى الأسماء والصفات (٧٨٠) من طريق عبد الله بن صالح به .
(٣) فى ص: ((مران))، وفى م، ت ١، ت ٢، ف: ((مروان))، وفى تفسير ابن كثير: ((نمران)). والمثبت من
مصادر التخريج. وينظر التاريخ الكبير ٣٣٧/٨، والجرح والتعديل ٩/ ٢٦٨.
(٤- ٤) فى م، ف، وتفسير ابن كثير: ((اللَّه من كل تسبيحة ملكا)).
(٥) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١١٣/٥ عن المصنف، وأخرجه ابن الأنبارى فى الأضداد ص ٤٢٣، وأبو
الشيخ فى العظمة (٤١٠)، والبيهقى فى الأسماء والصفات (٧٨١) من طريق أبى صالح به . وعزاه السيوطى
فى الدر المنثور ٢٠٠/٤ إلى ابن المنذر وابن أبى حاتم، وقال ابن كثير: هذا أثر غريب عجيب.
(٦) تقدم فى ٢ / ٢٢١ - ٢٢٤.

٧٢
سورة الإسراء : الآية ٨٥
وجلَّ دونَكم(١) فلا تعلَمونه، ويعلَمُ ما هو .
وأما قولُه: ﴿ وَمَآ أُوْتِيْتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ . فإنَّ أهلَ التأويلِ اختلفوا فى
المعنىِّ بقولِه: ﴿ وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾؛ فقال بعضُهم: عنَى بذلك:
الذين سأَلُّوا رسولَ اللَّهِ عَ طَهِ عن الرُّوحِ، وجميعَ الناسِ غيرَهم، ولكن لما ضمَّ غيرَ
المخاطَبِ إلى المخاطَبِ(١) خرَجَ الكلامُ على المخاطَبةِ؛ لأنَّ العربَ كذلك تفعلُ إذا
اجتمَع فى الكلامِ مخبرٌ عنه غائِبٌ ومخاطَبٌ ، أخرَجوا الكلامَ خطابًا للجمعِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ ، عن بعضٍ
أصحابِهِ، عن عطاءِ بنِ يَسارٍ، قال: نزلت بمكةً: ﴿ وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا
قَلِيلًا﴾. فلما هاجرَ رسولُ اللَّهِ عَّهِ إلى المدينةِ أتاه أحبارُ يهودَ، فقالوا : يا محمدُ ،
ألم يَتْلُغْنا أنك تقولُ: ﴿ وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ أفعَنَتَنَا أم قومَك؟ قال:
((كُلَّا قد عَنَيْثُ)). قالوا: فإِنَّك تَثْلُو أَنَّا أُوتِينا التوراةَ، وفيها تِبيانُ كلِّ شيءٍ؟ فقال
رسولُ اللَّهِ عَلَّهِ: ((هى فى علم اللَّهِ قليلٌ، وقد آتاكم ما إنْ عمِلْتُم(٢) به انتَفَعْتُم)).
فأنْزَّلَ اللَّهُ: ﴿ وَلَوْ أَنَّمَا فِ الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةِ أَقْلَهٌ﴾ إلى قولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ سميع
(٤)
﴾ [ لقمان: ٢٨].
بصير
(١) فى ص، ف: ((وبكم))، وفى ت ١: ((وأنتم)).
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢: ((المخاطبة)).
(٣) فى ص، ت ٢، ف: ((علمتم)).
(٤) فى ص، ت ١، ت ٢: ((عليم)).
والأثر ذكره ابن كثير فى تفسيره ١١٢/٥ عن ابن إسحاق به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠٠/٤ إلى
المصنف وابن إسحاق، وعزاه فى ١٦٧/٥ إلى ابن أبى حاتم، والاستشهاد فى هذه المصادر بالآية ٢٧ من
سورة لقمان دون الآية بعدها .

٧٣
سورة الإسراء : الآيتان ٨٥، ٨٦
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ، قال : ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريجٍ قولَه عزَّ
وجلَّ: ﴿وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾. قال: يا محمدُ والناسُ أجمعون(١).
وقال آخرون: بل عَنَى بذلك الذين سألوا رسولَ اللَّهِ مِ لِّ عن الروح خاصةً دونَ
غيرهم .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: [٢٦٩/٢و] ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَمَا أُوتِيتُم
مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾: يعنى اليهودَ(٢).
وأولى الأقوالِ فى ذلك بالصوابِ أن يقالَ: خرَج الكلامُ(٢) خطابًا لمن خُوطِب
به ، والمرادُ به جميعُ الخلقِ ؛ لأنَّ علمَ كلِّ أحدٍ سوى اللَّهِ - وإن كثُر - فى علم اللَّهِ
قليلٌ . وإنما معنى الكلام: وما أوتيتُم أيها الناسُ من العلم إلا قليلاً من كثيرٍ مما يَعْلَمُ
اللَّهُ .
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿ وَلَيِنِ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِىّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ ثُمَّ لَا
(٨٦
تَجِدُ لَكَ بِهِ، عَلَيْنَا وَكِيلًا
يقولُ تعالى ذكرُه : ولئن شِئْنَا لتَذْهَبِنَّ بالذى آتَيْنَاك من العلم بالذى أَوْحَينا إليك
من هذا القرآنِ ، لتَذْهَبن به فلا تَعْلَمُه، ثم لا تَجِدُ لنفسِك بما نفعَلُ بك من ذلك
﴿وَكِيلًا﴾. يعنى: قيمًا يقومُ لك فيمْنَعَنا من فعلِ ذلك بك، ولا ناصرًا يَنْصُرُك
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠٠/٤ إلى المصنف وابن المنذر.
(٢) تقدم تخريجه بتمامه فى ص ٦٩، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠٠/٤ إلى المصنف مقتصرا على هذا
اللفظ .
(٣) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((بالكلام)).

٧٤
سورة الإسراء : الآية ٨٦
فِيَحُولَ بينَنا وبينَ ما تُرِيدُ بك .
قال : وكان عبدُ اللَّهِ بنُ مسعودٍ يتأوَّلُ معنی ذهابِ اللهِ عزَّ وجلَّ به رفعه من
صدورِ قارئيه .
١٥٨/١٥
/ذكر الروايةِ بذلك
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ بنُ عياشٍ، عن عبدِ العزيزِ بنِ رُفَيعِ،
عن "شدادِ بنِ) مَعْقِلٍ، قال: قلتُ لعبدِ اللَّهِ - وذكر أنه يُشْرَى على القرآنِ - : كيف
وقد أثبتناه فى صدورِنا ومصاحفِنا؟ قال : يُشْرَى عليه ليلًا ، فلا يَتْقَی منه فى مصحف
ولا فى صدرِ رجلٍ. ثم قَرَأ عبدُ اللَّهِ: ﴿وَلَيْنِ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِىّ أَوْحَيْنَاً
(٢)
إِلَيْكَ﴾(١).
حدَّثنا يونسُ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: ثنا(٢) إسحاقُ بنُ يحيى، عن
المسيَّبِ بنِ رافع، عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ ، قال : تَطْرُقُ الناسَ ريحُ حمراءُ من نحوِ
الشامِ ، فلا يَتْقَى فى مصحفِ رجلٍ ولا قلبِهِ آيَةٌ. قال رجلٌ: يا أبا عبدِ الرحمنِ، إنى
قد جمَعتُ القرآنَ. قال: لا يَتْقَى فى صدرِك منه شىءٌ. ثم قرَأ ابنُ مسعودٍ: ﴿ وَلَيْنِ
شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِىّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ (٥).
(١- ١) فى النسخ: ((بندار عن)). والمثبت من مصادر التخريج، وينظر تهذيب الكمال ٤٠٣/١٢.
(٢) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٥٩٨٠، ٥٩٨١) - ومن طريقه الطبرانى (٨٦٩٨، ٨٧٠٠) -
ونعيم فى الفتن (١٦٦٩)، وابن أبى شيبة ١٠/ ٥٣٤، ١٧٥/١٥، ١٧٦، والبخارى فى خلق أفعال العباد
(٢٨٢)، والحاكم ٥٠٤/٤، والبيهقى فى الشعب (٢٠٢٧) من طريق عبد العزيز بن رفيع به. وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ٢٠١/٤ إلى سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبى حاتم وابن مردويه .
(٣) بعده فى م: ((وابن)). وينظر تهذيب الكمال ٤٨٩/٢.
(٤- ٤) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((عبد اللَّه)).
(٥) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١١٤/٥ دون آخره .
.

٧٥
سورة الإسراء : الآيتان ٨٨،٨٧
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِلَّا رَحْمَةٌ مِّن رَّيِّكَّ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ
كَبِيرًا له
يقولُ عزَّ وجلَّ : ولئن شئنا لنذهبنَّ يا محمدُ بالذى أوحينا إليك ، ولكنه لا
يشاءُ ذلك، رحمةً من ربِّك وتفضُّلاً منه عليك، ﴿إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ
كَبِيرًا﴾ باصطفائِه إياك لرسالته ، وإنزالِه عليك كتابَه، وسائرِ نعمِه عليك التى لا
تُحْصَى .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ قُل لَِّنِ اجْتَمَعَتِ الْإِسُ وَاَلْجِنُّ عَلَّ أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ
هَذَا الْقُرْنَانِ لَا يَأْتُنَ بِمِثْلِهِ، وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا
٨٨
٥
يقولُ جلَّ ثناؤه : قلْ يا محمدُ للذين قالوا لك: إنا نأتِى بمثل هذا القرآنِ: لئن
اجتمعتِ الإنسُ والجنُّ على أن يأتُوا بمثلِه، لا يأتُون أبدًا بمثلِه، ولو كان بعضُهم
لبعضٍ عونًا وظهيرًا .
وذُكِر أن هذه الآيةَ نزَلت على رسولِ اللهِ عَظِهِ بسببٍ قوم من اليهودِ جادَلُوه فی
القرآنِ، وسأُلُوه أن يَأْتِيَهم بآيةٍ غيرِهُ(١) شاهدةٍ له على نبوَّتِه؛ لأن(١) مثلَ هذا القرآنِ
بهم قدرةٌ علی أن یأتُوا به .
ذكرُ الرواية بذلك
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُّ بُكيرٍ ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ ، قال :
ثنا محمدُ بنُ أبي محمدٍ مولَی زیدِ بنِ ثابتٍ ، قال: ثنى سعيدُ بنُ جبيرٍ، أو عكرمةُ ،
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((غيرها)).
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((لا)).

٧٦
سورة الإسراء : الآية ٨٨
عن ابنِ عباسٍ، قال: أتَى رسولَ اللَّهِ عَ لَمِ محمودُ بنُ سَيحانَ ونُعْمَانُ(١) بنُ أضَا(٢)
وبَحْرِىُّ بنُ عمرٍو، وعُزيزُ(١) بنُ أَبِى عُزيزٍ(١) ، وسلّامُ بنُ مِشْكم، فقالوا : أخبِرْنا
يا محمدُ بهذا الذى جئت(٤) به، حقٍّ من عندِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ؟ فإنا لا نراه مُتَنَاسِقًا
كما تَنَاسَقُ التوراةُ. فقال لهم رسولُ اللَّهِ عَ لَّهِ: ((أما واللَّهِ إنكم لتعرِفون أنه من
١٥٩/١٥ عِندِ اللَّهِ، / تَجِدُونه مكتوبًا عندَكم، ولو اجتَمَعَت الإنسُ والجنّ على أن يأْتُوا بمثلِه ما
جائموا به)). فقالوا) عندَ ذلك - وهم جميعًا: فِتْحاصُ، وعبدُ اللَّهِ بنُ صُورِيًا،
وكنانةُ بنُ أبى الحُقُّيقِ، وأَشْيَعُ، وكعبُ بنُ أسدٍ(٢)، وشمويلُ(٧) بنُ زيدٍ، وجبلُ بنُ
عمرٍو - : يا محمدُ، ما يُعلمك هذا إنس ولا جانٌّ. فقال رسولُ اللَّهِ بِهِ: ((أما واللَّهِ
إنكم لتَعلَمُون أنه من عندِ اللَّهِ، ( وأنى رسولُ اللَّهُِ)، ◌َجِدُونه مكتوبًا عندَ كم فى التوراةِ
والإنجيلِ)). فقالوا: يا محمدُ ، إن اللَّهَ يَصْنَعُ لرسولِه إذا بعثَه ما شاء، ويَقدِرُ منه على ما
أراد ، فأَنْزِلْ علينا كتابًا نَقْرَؤُهُ ونَعْرِفُه، وإلا جئناك بمثلِ ما تأتى به . فأنزل اللَّهُ عزَّ وجلَّ
فيهم وفيما قالوا: ﴿قُل لَّيِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِسُ وَاَلْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا اُلْقُرْءَانِ لَا
يَأْتُنَ بِمِثْلِهِ، وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِبْرًا﴾(١).
(١) فى النسخ: ((عمر)). والمثبت من سيرة ابن هشام.
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((أصان)).
(٣) فى ت ١، ت ٢، ف، وسيرة ابن هشام ١/ ٥٧٠: ((عزير))، بالراء المهملة آخره، وغير منقوطة فى ص،
والمثبت موافق لما فى سيرة ابن هشام ٥١٤/١، والروض الأنف ٣٠٦/٤.
(٤) فى م: ((جئتنا)).
(٥) فى النسخ: ((فقال)). والمثبت من سيرة ابن هشام.
(٦) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((أسيد)).
(٧) فى م: ((سموءل)).
(٨- ٨) سقط من: م.
(٩) سيرة ابن هشام ١/ ٥٧٠. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠٢/١ إلى ابن المنذر وابن أبى حاتم . وقال ابن
كثير فى تفسيره ١١٥/٥: وفى هذا نظر؛ لأن هذه السورة مكية، وسياقها كله مع قريش، واليهود إنما
اجتمعوا به فى المدينة ، فاللَّهُ أعلم .
١

٧٧
سورة الإسراء : الآيات ٨٨ - ٩٠
حدَّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريج قولَه :
﴿ لَيْنِ اجْتَمَعَتِ الْإِسُ وَالْجِنُّ﴾. إلى قولِه: ﴿ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيْرًا﴾ .
قال: مُعِينًا. قال: يقولُ: لو برَزت الجنَّ وأعانَهم الإنسُ، فتظاهرُوا، لم يأتُوا بمثلٍ
هذا القرآنِ(١).
وقولُه عزَّ وجلَّ: ﴿لَا يَأْتُوُنَ بِمِثْلِهِ، ﴾. رفعٌ، وهو جوابٌ لقوله: ﴿لَّيِنِ﴾؛
لأن العربَ إذا أجابَتْ ((لئن)) بـ ((لا)) رفَعُوا ما بعدَها؛ لأن ((لئن)) كاليمينِ،
وجوابُ اليمينِ بـ ((لا)) مرفوعٌ، وربما جُزِم؛ لأن ((لئن))(٢) ((إن))) التى يُجابُ
بها، زِيدَتْ عليه لام، كما قال الأعشَى(٤):
لئن مُنِيتَ بنا عن غِبِّ مَعركةٍ لا تُلْفِنا مِن دماءِ القومِ نَنْتَفِلُ
مـ (٥)
[٢٦٩/٢ظ] القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿ وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِ هَذَا الْقُرْءَانِ
٨٩
مِن كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَّ أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا
يقولُ تعالى ذكرُه : ولقد بيَّنا للناسِ فى هذا القرآنِ من كلِّ مَثَلٍ ؛ احتجاجًا
بذلك كلِّه عليهم، وتذكيرًا لهم، وتنبيهًا على الحقِّ ليتَّبِعُوه ويَعْمَلُوا به، ﴿فَأَّ أَكْثَرُ
النَّاسِ إِلَّا ككُفُورًا﴾. يقولُ: فأتَى أكثرُ الناسِ إلا جحودًا للحقِّ، وإنكارًا لحجج
اللَّهِ وأدلتِهِ .
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿ وَقَالُواْ لَن تُؤْمِن لَكَ حَتَّى تَفْجُرُ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠٢/٤ إلى المصنف.
(٢ - ٢) سقط من: م.
(٣) سقط من: النسخ، والمثبت من معانى القرآن للفراء ٢/ ١٣٠.
(٤) ديوانه ص ٦٣.
(٥) انتفل من الشىء: انتفى وتبرأ منه. اللسان (ن ف ل).

٧٨
سورة الإسراء : الآية ٩٠
يَنْبُوعًا
٩٠
يقولُ تعالى ذكرُه : وقال يا محمدُ المشركون باللّهِ مِن قومِك لك: لن نُصَدِّقَك
حتى تَفْجُرَ لنا من أرضِنا هذه عَيْنَا تَنْبُعُ لنا بالماءِ .
/وقولُه: ﴿يَتْبُوعًا﴾. ((يَفْعُولٌ))، من قولِ القائلِ: نَبَع الماءُ إذا ظهَر وفار،
يَنْبُ ويَنْبغُ، وهو ما نبع .
١٦٠/١٥
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ حَتَّى
تَفْجُر لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾. أى: حتى تَفْجُرَ لنا من الأرضِ عيونًا، أى: ببلدنا
(١)
هذا (١).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال : أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن
قتادةَ قولَه: ﴿ حَتَّى تَفْجُرُ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾. قال: عيونًا(٢) .
حدَّثنا محمدٌ ، قال : ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ ، عن قتادةَ مثلَه .
حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ :
﴿ يَتْبُوعًا﴾. قال: عيونًا(٣) .
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن
مجاهدٍ مثله .
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠٣/٤ إلى المصنف وابن أبى حاتم .
(٢) تفسير عبد الرزاق ٣٨٩/١.
(٣) تفسير مجاهد ص ٤٤٢. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠٣/٤ إلى المصنف وابن أبى شيبة وابن
المنذر .

٧٩
سورة الإسراء : الآيتان ٩٠، ٩١
واختلفت القرأةُ فى قراءةٍ قوله: ﴿ تَفْجُرُ﴾؛ فرُوِى عن إبراهيمَ النَّخَعيِّ أنه
قرأ: ﴿حَتَّى تَفْجُرُ لَنَا﴾. خفيفةٌ(١)، وقوله: ﴿فَنُفَجِّرَ الْأَنْهَرَ خِلَلَهَا نَفْجِيرًا﴾
بالتشديدِ، وكذلك كانت قرأةُ الكوفيين يقرَؤُونها(٢). فكأنهم ذهَبُوا بتخفيفهم
الأولى إلى معنى: حتى تَفْجُرَ لنا من الأرضِ ماءً مرةً واحدةً . وبتشديدِهم الثانيةَ إلى
أنها تَفْجيرٌ فى أماكنَ شتَّى ، مرةً بعد أَخْرَى، إذ كان ذلك تفجيرَ أنهارٍ لا نهرٍ واحدٍ .
والتخفيفُ فى الأولى والتشديدُ فى الثانيةِ على ما ذكرتُ من قراءة الکوفیین أعجبُ
إليَّ لما ذكرتُ من افتراقٍ معنييهما، وإن لم تَكُنِ الأُخرى(١) مدفوعةً صحتُها .
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن تَّخِلٍ وَعِنَبٍ فَفَجِّرَ
اَلْأَنْهَرَ خِلَلَهَا تَفْچِيرًّا
٩١
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ مَّ المِ: وقال لك يا محمدُ مشركو قومِك : لن
نُصَدِّقَك حتى تَسْتَنْبِطَ لنا عينًا من أرضِنا، تَدَقَّقُ بالماءِ أو تَفُورُ، أو يكونَ لك بستانٌ ،
وهو الجنةُ، من نخيلِ وعِنَبٍ، فتُفَجِّرَ الأنهارَ() بأرضِنا هذه التى نحن بها
◌ِلَلَهَا﴾. يعنى: خلالَ النخيلِ والكرومِ .
ويعنى بقولِه: ﴿خِلَلَهَا تَفْجِيًّا﴾: بينَها فى أُصولِها، تفجيرًا بسبب أَبَنَتِها(٦).
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَوَ تُشْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا﴾ .
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠٣/٤ إلى المصنف.
(٢) وهى قراءة عاصم وحمزة والكسائى. السبعة لابن مجاهد ص ٣٨٥.
(٣) فى م: ((الأولى)). ويقصد بالأخرى قراءة ابن كثير ونافع وأبى عمرو وابن عامر، فقد قرءوا: (حتى
تُفَجِّرَ). بضم التاء وفتح الفاء وتشديد الجيم. ينظر السبعة لابن مجاهد ص ٣٨٤.
(٤) بعده فى م، ت ١، ت ٢، ف: ((خلالها تفجيرا)).
(٥) بعده فى ص، ت ١، ت ٢، ف: (( به).
(٦) فى م: ((أبنيتها))، وفى ت ١، ت ٢: ((أنبتها)). والأبنة: العقدة فى العود أو فى العصا، وجمعها أُبَن.
اللسان ( أ ب ن ).

٨٠
سورة الإسراء : الآية ٩٢
اختلفت القرأةُ فى قراءةٍ قوله: ﴿ كِسَفًا﴾؛ فقرأته عامةُ قرأةِ الكوفةِ والبصرةِ
بسكونِ السينِ(١) . بمعنى: أو تُشْقِطَ السماءَ كما زعَمْتَ علينا كِشْفًا. وذلك أن
الكِشْفَ فى كلامِ العربِ جمعُ كِسْفَةٍ، وهو جمعُ الكثيرِ من العددِ وللجنس"،
كما تُجْمَعُ السِّدْرَةُ ((سدْرٌ))، والتَّعْرَةُ ((تَمْرٌ))، فحُكِى عن العربِ سماعًا: أعطِنى
كِشْفَةٌ من هذا / الثوبِ. أى: قطعةً منه. يقالُ منه: جاءنا بشريدٍ كِسْفٍ . أى:
قِطَعِ ) خُبْرٍ.
١٦١/١٥
وقد يَحْتَمِلُ إذا قُرِئَّ كذلك: ( كِسْفًا). بسكونِ السينِ، أن يكونَ مُرَادًا به
المصدرُ من ((كَسَفَ)). فأما ((الكِسَفُ)) بفتح السينِ، فإنه جمعُ ما بينَ الثلاثِ إلى
العشرِ، يقالُ: كِسْفَةٌ واحدةٌ، وثلاثُ كِسَفٍ. وكذلك إلى العشرِ.
وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ وبعضُ الكوفيين: ﴿ كِسَفَا﴾. بفتح
السينِ(٤) ، بمعنى جمع الكِشْفَةِ الواحدةِ من الثلاثِ إلى العشرِ ، يعنى بذلك قِطَعًا ما
بينَ الثلاثِ إلى العشرِ .
وأولَى القراءتين فى ذلك بالصوابِ عندى (٢) قراءةُ مَن قرأ بسكونِ السينِ ؛ لأن
الذين سألُوا رسولَ اللهِ عَ لَهِ ذلك، لم يَقْصِدُوا فى مسألتِهم إياه ذلك أن يكونَ بحدِّ
معلومٍ من القِطَع ، إنما سأَلُوه أن يُشْقِطَ عليهم السماءَ قِطَعًا. وبذلك جاء التأويلُ أيضًا
(٦) ؛
من(٩) أهلِ التأويلِ .
(١) وهى قراءة ابن كثير وأبى عمرو وحمزة والكسائى. السبعة لابن مجاهد ص ٣٨٥.
(٢- ٢) فى م، ف: ((للجنس))، وفى ت ١، ت ٢: ((والجنس)).
(٣) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((قطيع)).
(٤) وهى قراءة نافع وعاصم وابن عامر. السبعة لابن مجاهد ص ٣٨٥.
(٥) القراءتان كلتاهما صواب .
(٦) فى م: ((عن)).