النص المفهرس

صفحات 41-60

٤١
سورة الإسراء : الآية ٧٩
وقال آخرون : بل قيل ذلك له عليه السلامُ ؛ لأنَّه لم يكنْ فعلُه ذلك يُكفُّ به عنه
شىءٌ من الذنوبِ ؛ لأن الله تعالى ذكرُه كان قد غفَر له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخّر ،
[٢٦٥/٢و] فكان له نافلةَ فضل، فأمَّا غيرُه فهو له كفارةٌ، وليس له هو نافلةٌ .
١٤٣/١٥
/ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريجٍ، عن
عبدِ اللهِ بنِ كَثِيرٍ، عن مجاهدٍ، قال: النافلةُ للنبيِّ عَ ◌ِّ خاصَّةٌ، من أجلِ أنه قد غُفِر
له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخّر ، فما عمِل مِن عمَلٍ سوى المكتوبةِ فهو نافِلةٌ من أجلِ أنَّه
لا يعمَلُ ذلك فى كفارةِ الذنوبِ، فهى نوافلُ وزيادةٌ ، والناسُ يعملون ما سوى
المكتوبةِ لذنوبهم فى كفَّارتِها، فليست للناسِ نوافلَ (١).
وأولى القولين بالصوابِ فى ذلك القولُ الذى ذكّرنا عن ابنِ عباسٍ ؛ وذلك أن
رسولَ اللَّهِ ◌ِِّمِ كان اللَّهُ تعالى ذكرُه قد خصَّه بما فرَض عليه من قيامِ اللَّلِ دونَ سائرٍ
أَمَّتِه. فأمّا ما ذُكِر عن مجاهدٍ فى ذلك، فقولٌ لا معنَى له؛ لأن رسولَ اللَّهِ عَه
كان، فيما ذُكِر عنه ، أكثرَ ما كان استغفارًا لذنوبِه بعد نزولٍ قولِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ عليه :
لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْيِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ﴾ [الفتح: ٢]. وذلك أن هذه السورةَ
أُنزِلت عليه بعدَ مُنْصَرَفِه من الحديبيةِ، وأُنزِل عليه: ﴿ إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ
وَاَلْفَتْحُ﴾. عامَ قُبِضَ، وقيل له فيها: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدٍ رَبِّكَ وَأَسْتَغْفِرَهُ إِنَّهُ
كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر: ١، ٣]، فكان يُعدُّ له ◌ِلَه فى المجلسِ الواحدِ استغفارٌ مائةً
(١) أخرجه البيهقى فى الدلائل ٤٨٧/٥ من طريق عبد الله بن كثير به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
١٩٦/٤ إلى ابن المنذر ومحمد بن نصر، وذكره الحافظ فى الفتح ٣/٣ وقال: روى معنى ذلك الطبرى وابن
أبی حاتم عن مجاهد پاسناد حسن .

٤٢
سورة الإسراء : الآية ٧٩
مرَّةٍ(١) ، ومعلومٌ أن اللَّهَ لم يأمُرْه أن يستغفِرَه إلا لِمَا يغفِرُه له باستغفارِه ذلك ، فبَيِّنٌ إذن
وجهُ فسادٍ ما قاله مجاهدٌ .
٠
حدَّثنا ابنُّ وكيعٍ، قال : ثنا أبى، عن الأعمشِ، عن شِعْرِ بنِ(١) عطيةً، عن
شهرٍ، عن أبى أُمامةَ، قال: إنما كانت النافلةٌ للنبيِّ معٍَّ خاصةً(١).
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى ، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ ، عن قتادةً: ﴿ نَافِلَةٌ
لَّكَ ﴾. قال: تطوُّعًا وفضِيلةً لك(٤).
وقولُه: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا فَّحْمُودًا﴾. و((عسى)) من اللَّهِ واجبةٌ ،
وإنَّما وجْهُ قولِ أهلِ العلم: ((عسى)) من اللَّهِ واجبةٌ؛ لعلم المؤمنين أن اللَّهَ لا يدَعُ أن
يفعلَ بعبادِه ما أطمَعهم فيه من الجزاءِ على أعمالِهم والعِوضِ على طاعتهم إيَّه؛ إِذْ )
ليس من صفتِه الغرورُ، ولا شك أنه قد أطمَع من قال ذلك له فى نفعِه ، إذا هو تعاهَده
ولزِمَه ، فإن لزِم المقولُ ذلك له وتعاهَدَه ثم لم ينفَعْه ، ولا سببَ يحولُ بينَه وبينَ نفعِه
إيَّه، مع الإطماع الذى تقدَّم منه لصاحِبِهِ على تعاهُدِه إِيَّاه ولزُومِه ، فإنَّه لصاحبه غارٌّ
بما كان من إخلافِه إِيَّه فيما كان أطمَعه فيه بقوله الذى قال له. وإذا كان ذلك
(١) أخرجه ابن أبى شيبة ٢٩٧/١٠، ٢٩٨، وأحمد ٣٥٠/٨ (٤٧٢٦)، والبخارى فى الأدب المفرد
(٦١٨)، وعبد بن حميد (٧٨٦) وأبو داود (١٥١٦)، وابن ماجه (٣٨١٤)، والترمذى (٣٤٣٤)، وابن
حبان (٩٢٧) من حديث ابن عمر.
(٢) فى النسخ: ((عن)). وتقدم.
(٣) أخرجه أحمد ٢٥٦/٥، والطبرانى (٧٥٦١) من طريق وكيع به، وأخرجه الطيالسى (١٢٣١)، وأحمد
٢٥٥/٥، والبيهقى فى الشعب (٢٧٧٩)، والخطيب ٤٥٢/٨ من طريق أبي غالب، عن أبى أمامة . وعزاه
السیوطی فی الدر المنثور إلى ابن نصر وابن مردويه .
(٤) تفسير عبد الرزاق ٣٨٦/١ عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٩٦/٤ إلى ابن المنذر وابن أبى
حاتم ومحمد بن نصر .
(٥) زيادة يستقيم بها السياق .

٤٣
سورة الإسراء : الآية ٧٩
كذلك، وكان غيرَ جائزٍ أن يكونَ جلِّ ثناؤه من صفتِه الغرورُ لعبادِهِ صحَّ ووجَب أن
كلَّ ما أطمَعَهم فيه من طمَعٍ على طاعته، أو على فعلٍ من الأفعالِ ، أو أمرٍ أو نهي،
أمرهم به أو نهاهم عنه ، فإنَّه موفُ لهم به ، وإنه منه كالعِدَةِ التى لا يُخْلفُ الوفاءُ بها ،
قالوا: ((عسى)) و ((لعلَّ)) من اللَّهِ واجبةٌ .
وتأويلُ الكلامِ: أقم الصلاةَ المفروضةَ يا محمدُ فى هذه الأوقاتِ التى أمَرَتُك
بإقامتِها فيها ، ومن الليل فتهَجَّدْ فرضًا فرَضتُه عليك ، لعلّ ربَّك أن يبعَثَك يومَ القيامةِ
مقامًا تقومُ فيه محمودًا تُحمَدُه، وتُغبطُ فيه .
ثم اختلف أهلُ التأويلِ فى معنى ذلك المَقَامِ المحمودِ ؛ فقال أكثرُ أهلِ العلمِ :
ذلك هو المَقَامُ الذى هو / يقومُه ◌ِ لَّه يومَ القيامةِ للشَّفاعةِ للناسِ ليُرِيحَهم ربُّهم من ١٤٤/١٥
عظيم ما هم فيه مِن شدَّةِ ذلك اليومٍ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبى
إسحاقَ، عن صِلةَ بنِ زُفَرَ، عن حذيفةَ، قال: يُجمَعُ الناسُ فى صعيدٍ واحدٍ ،
فيسمِعُهم الدَّاعِى ، وينفُذُهم البصرُ، حُفاة عراةً كما خُلِقوا، قيامًا لا تَكَلَّمُ نفسٌ إِلّ
بإذنِه، ينادَى: يا محمدُ. فيقولُ: ((لبيَّكَ وسعدَيك، والخيرُ فى يَديك، والشرّليس
إليك ، والمَهدِىُّ من هَدَيت ، عبدُك بينَ يدَيْك ، وبك وإليك، لا ملْجَأَ ولا منجا مِنكَ
إلا إليك، تبارَكتَّ وتعالَيْت، سبحانَك ربَّ البيتِ)). فهذا المَقَامُ المحمودُ الذى
ذكَره اللَّهُ(١).
(١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١٠١/٥ عن المصنف.

٤٤
سورة الإسراء : الآية ٧٩
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ ، عن أبى
إسحاقَ ، عن صلةَ بنِ زُفَرَ، عن حُذيفةَ ، قال: يُجْمَعُ الناسُ فى صعيدٍ واحدٍ ، فلا
تَكَلَّمُ نفسٌ، فأوّلُ مَدْعُوٌّ (١) محمدٌ النبيُّ عَلَه، فيقومُ محمدٌ النبيُّ عَلَه فيقولُ:
(( لَبَّيك)). ثم ذكَر مثلَه(٢) .
حدَّثنا سليمانُ بنُ عمرَ بنِ خالدِ الرَّقىُّ، قال: ثنا عيسى بنُ يونسَ، عن رِشْدِينَ
ابنِ كريبٍ، عن أبيه، عن ابنِ عباس قولَه: ﴿عَسَ أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا تَحْمُودًا﴾.
قال: المَقَامُ المحمودُ مَقامُ الشفاعةِ .
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن سلَمةَ بنِ
كُهَيلِ ، قال : ثنا أبو الزعراءِ، عن عبدِ اللَّهِ ، فى قصَّةٍ ذكرها، قال: ثم يَأْمرُ بالصراطِ
فيُضرَبُ على جسرٍ جَهنَّمَ ، فيمرُّ الناسُ بِقَدْرِ أعمالِهم ؛ يمرُّ أوَّلُهم كالبرقٍ، وكمرٌ
الرِّيحِ، وكمرّ الطيرِ، وكأسرَع البهائم، ثم كذلك حتى يمرّ الرجلُ سعيًا، ثم مشْيًا،
حتى يجىءَ آخِرُهم يتلبَطُ (٥) على بطنِه، فيقولُ: ربِّ لِما بطَّأْتَ بى. فيقولُ: إنى لم
أُبَطَُّّ بك، إنما أَبْطأ بك عمَلُك. قال: ثم يأذنُ [٢٦٥/٢ظ] اللَّهُ فى الشفاعةِ ، فيكونُ
أولَ شافعِ يومَ القيامةِ جبريلُ عليهِ السلامُ، رُوحُ القُدُسِ، ثم إبراهيم خليلُ الرحمنِ ، ثم
(١) فى م، ت ١، ت ٢، ف: ((يدعو)).
(٢) أخرجه البزار (٢٩٢٦) من طريق محمد بن جعفر به، وأخرجه الطيالسى (٤١٤) - ومن طريقه أبو نعيم
فى الحلية ٢٧٨/١ - والنسائى فى الكبرى (١١٢٩٤)، من طريق شعبة به ، وأخرجه ابن أبى شيبة فى مصنفه
٤٨٤/١١، ٣٧٨/١٣، والحاكم ٣٦٣/٢ من طريق أبى إسحاق به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٩٧/٤
إلى ابن المنذر وابن أبى حاتم وابن مردويه والبيهقى فى البعث والخطيب فى المتفق والمفترق .
(٣) فى النسخ: ((عمرو)). وتقدم فی ٧٢٤/٨.
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٩٧/٤ إلى المصنف والطبرانى وابن مردويه.
(٥) يتلبُّط: يتمَّغ. ينظر النهاية ٢٢٦/٤.

٤٥
سورة الإسراء : الآية ٧٩
موسى ، أو عيسى - قال أبو الزعراءِ: لا أدرى أيُّهما قال - قال : ثم يقومُ نبيُكم عليه
السلامُ رابِعًا، فلا يشفعُ أحدٌ بعدَه فيما يشفَعُ فيه، وهو المَقَامُ المحمودُ الذى ذكَر اللَّهُ:
عَسَىّ أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا تَحْمُودًا﴾ (١).
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى عدىٍّ، عن عوفٍ، عن الحسنٍ فى
قولِ اللَّهِ: ﴿وَمِنَ الَّيَّلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ، نَافِلَةُ لَّكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا
◌َّحْمُودًا﴾. قال: المَقَامُ المحمودُ مَقَامُ الشفاعةِ يومَ القيامةِ(٢).
حدَّثنا محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ ، قال : ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد
فى قولِ اللَّهِ: ﴿ مَقَامًا تَحْمُودًا﴾ . قال: شفاعةُ محمدٍ يومَ القيامةِ .
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن
مجاهدٍ مثله .
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال : ثنا أبو معاويةً ، عن عاصم الأحولِ ، عن
أبى عثمانَ، عن سلمانَ، قال: هو الشفاعةُ، يشفِّعُه اللَّهُ فى أمَّتِه، فهو المَقَامُ
المحمودُ(٤).
/حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿عَسَى أَن ١٤٥/١٥
(١) أخرجه الطيالسى (٣٨٩)، والنسائى فى الكبرى (١١٢٩٦)، وفى تفسيره (٣١٦)، والطبرانى
(٩٧٦٠) من طريق سلمة به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٩٨/٤ إلى ابن أبى حاتم وابن مردويه، وتقدم
تخريجه مطولاً فى ٣٤/٣، وسيأتى فى ١٢٢/١٧.
(٢) ينظر تفسير ابن كثير ١٠١/٥ .
(٣) تفسير مجاهد ص ٤٤١، وأخرجه الخطيب فى المتفق والمفترق (١٠٤٦) من طريق أبى عاصم به .
(٤) أخرجه ابن أبى شيبة فى مصنفه ٣١/١١، ٣٢ - ومن طريقه الطبرانى (٦١١٧) - عن أبى معاوية به مطولًا .

٤٦
سورة الإسراء : الآية ٧٩
يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾: وقد ذُكِر لنا أن نبيَّ اللَّهِ نَِّ خُيِّرِ بينَ أن يكونَ عبدًا
نبيًّا، أو ملِكًا نبيًّا، فأومأ إليه جبريلُ عليهِ السلامُ: أن تَوَاضَعْ. فاختارَ نبىُ اللَّهِ أن
يكونَ عبدًا نبيًّا، فأُعطِى به نبىُّ اللَّهِ (١ ثتين؛ أنه١) أوَّلُ مَن تنشقُّ عنه الأرضُ، وأوّلُ
شافعٍ. وكان أهلُ العلم يَرَوْن أَنَّ المقامُ المحمودُ الذى قال اللَّهُ تبارك وتعالى: ﴿عَسَى أَنْ
يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا تَحْمُودًا﴾: شفاعة يومِ القيامةِ(٢).
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال : ثنا محمدُ بنُ ثورٍ ، عن معمرٍ ، عن قتادةً :
مَقَامًا تَّحْمُودًا﴾. قال: هى الشفاعةُ، يشفِّعُه اللَّهُ فِى أُمَّتِهِ .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا مَعْمرٌ
والثورىُّ، عن أبى إسحاقَ ، عن صلةَ بنِ زُفَرَ، قال : سمِعتُ حُذيفةَ يقولُ فى قولِه :
﴿عَسَّ أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا تَّحْمُودًا﴾. قال: يجمَعُ اللَّهُ الناسَ فى صعيدٍ واحدٍ
حيثُ يُسمِعُهم الدّاعِى ، ويَنفُذُهم البصرُ، حُفاةً عُراةً كما خُلِقوا، سُكوتًا لا تكلّمُ
نفسٌ إلا بإذنِه. قال: فينادَى محمدٌ، فيقولُ: ((لَيك وسَعْديك، والخيرُ فى يدَيك،
والشرّ ليس إليك، والمَهدِىُّ مَن هَدَيت، وعبْدُكُ بينَ يدَيك، ولك وإليك، لا ملْجَأَ
ولا منجًا مِنك إلا إليكَ، تبارَكْت وتعالَيْت، سبحانَك ربَّ البيتِ)). قال: فذلك
المَقامُ المحمودُ الذى ذكَر اللَّهُ: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا فَحْمُودًا﴾(١).
١
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال : ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن أبى
إسحاقَ، عن صلةَ بنِ زُفَرَ ، قال(٤): قال حذيفةُ: يجمَعُ اللَّهُ الناسَ فى صعيدٍ واحدٍ
(١- ١) فى ت ١، ت ٢، ف: ((ثلاثين آية)).
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٩٨/٤ إلى المصنف.
(٣) تفسير عبد الرزاق ٣٨٧/١.
(٤) سقط من: م.

٤٧
سورة الإسراء : الآية ٧٩
حيثُ يَنفُذُهم البصرُ، ويُسمِعُهم الدَّاعِى، حُفَاةً عُراةً كما خُلِقوا أوّلَ مرَّةٍ ، ثم يقومُ
النبىُ مَّمِ فيقولُ: ((لَيك وسعدَيك)). ثم ذكَّر نحوَه، إلا أنَّه قال: هو المقامُ
المحمودُ .
وقال آخرون : بل ذلك المقامُ المحمودُ الذى وعَد اللَّهُ نبيَّه عَظالله أن يبعثه إياه ، هو
أن يُقعِدَه معه على عرشِه .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا عبادُ بنُ يعقوبَ الأسدىُّ ، قال : ثنا ابنُ فُضيلٍ، عن ليث ، عن مجاهدٍ
فى قوله: ﴿عَسَّ أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا فَّحْمُودًا﴾ . قال: يُجلِسُه معه على
(١)
عرشه(١).
وأولى القولين فى ذلك بالصوابِ ما صحَّ به الخبرُ عن رسولِ اللهِ صَلّهِ ، وذلك
ما حدَّثنا به أبو كريبٍ ، قال : ثنا وكيعٌ، عن داودَ بنِ يزيدَ، عن أبيه، عن أبى هريرةَ ،
قال: قال رسولُ اللَّهِ عَلَّهِ: ﴿عَسَوَ أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا فَّحْمُودًا﴾ . سُئِل عنها
قال: ((هِىَ الشَّفَاعَةُ))(٢) .
حدَّثْنا علىُّ بنُ حربٍ، قال: ثنا مَكَىُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا داودُ بنُ یزیدَ
(١) أخرجه ابن أبى شيبة فى مصنفه ١١/ ٤٣٦ - ومن طريقه ابن عبد البر فى التمهيد ١٥٨/٧ - والخلال فى
السنة ٢٤١ - ٢٤٤، ٢٤٦، ٢٦٧، ٢٧٨، ٢٧٩، ٢٨٢، ٢٨٦ - ٢٨٨، من طريق ابن فضيل به،
وأخرجه الخلال ( ٢٩٦، ٢٩٨ - ٣٠١) من طريق أبى يحيى القتات وليث عن مجاهد. قال الذهبى فى
العلو - نقلا عن محقق السنة - : أما قضية قعود نبينا على العرش، فلم يثبت فى ذلك نص، بل فى الباب
حديث واه . وأبطل الواحدى - كما فى البحر المحيط ٦/ ٧٣ - هذا القول من خمسة أوجه ، فانظرها فيه .
(٢) أخرجه ابن أبى شيبة ٤٨٤/١١، وأحمد ٤٥٨/١٥، ١٥٤/١٦، ١٥٥ (٩٧٣٥، ١٠٢٠٠)،
والترمذى (٣١٣٧)، والبيهقى فى الشعب (٢٩٩، ٣٠٢)، والخطيب فى الموضح ٢/ ٧٨، من طريق وكيع
به .

٤٨
سورة الإسراء : الآية ٧٩
الأُؤْدِىُّ، عن أبيه، عن/ أبى هريرةَ، عن النبيِّ يَ ◌ّله فى قوله: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ
رَبُّكَ مَقَامًا فَّحْمُودًا﴾. قال: ((هو المَقَامُ الذى أشفعُ فيهِ لأمَّتِى))(١).
حدَّثنا أبو عُتبةَ الحِمْصِىُّ أحمدُ بنُ الفرَج، قال: ثنا بقيةُ بنُ الوليدِ ، عن
الزُّبيدِىِّ ، عن الزهرىِّ، عن عبد الرحمنِ بنِ كعبِ بنِ مالكِ، عن كعبِ بنِ مالكٍ،
أن النبيَّ عَ لَّهِ قال: ((يُحْشَرُ الناسُ يومَ القيامةِ، فأكونُ أنا وأمتی علی تَلُ ، فَيَكْشُونی
ربى حُلَةٌ خضراءً ، ثم يُؤْذَنُ لى فأَقُولُ ما شاء اللَّهُ أنْ أقولَ، فذلك المَقَامُ المحمودُ))(١).
حدَّثنى محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الحكم، قال: ثنا شعيبُ بنُ الليثِ ، قال :
ثنى الليثُ، عن(٢) عبيدِ اللَّهِ بنِ أبى جعفرٍ، قال: سمِعتُ حمزةَ بنَ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ
يقولُ: سمِعتُ عبدَ اللهِ بنَ عمرَ يقولُ: قال رسولُ اللَّهِ مَّهِ: ((إنَّ الشمسَ لَتَدْنو حتى
يَتْلُغَ العرقُ [٢٦٦/٢ ] نصفَ الأُذُنِ، فبينما هم كذلك اسْتَغاثوا بآدمَ عليه السلامُ،
فيقولُ: لستُ صاحبَ ذلك)). ثم بموسى عليه السلامُ، فيقولُ كذلك، ثم بمحمدٍ
فِيَشْفَعُ بينَ الخلقِ ، فيَمْشِى حتى يَأْخُذَ بحَلْقَةِ الجنةِ ، فيومَئِذٍ بَيْعَثُّهُ اللَّهُ مَقَامًا
(٤)
مَحمودًا)).
(١) أخرجه أحمد ٤٢٧/١٥، ٤٢٨، ٤٨٩/١٦ (٩٦٨٤، ١٠٨٣٩)، والخطيب فى الموضح ٧٧/٢ من
طريق داود بن يزيد به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٩٧/٤ إلى ابن أبى حاتم وابن مردويه .
(٢) أخرجه البخارى فى التاريخ ٥/ ٣٠٩، وابن أبى عاصم فى السنة (٧٨٥)، والطبرانى ٧٢/١٩
(١٤٢)، وفى الأوسط (٨٧٩٧)، وفى مسند الشاميين (١٧٥٩)، من طريق بقية بن الوليد به ، وأخرجه
B
الطيرانى ٧٢/١٩ (١٤٢) من طريق صدقة بن عبد الله، عن الزبيدى به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٩٧/٤
إلی ابن أبى حاتم وابن مردويه .
(٣) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((بن)).
(٤) أخرجه ابن منده فى الإيمان ٨٣٣/٣ من طريق محمد بن عبد اللَّه بن عبد الحكم. وأخرجه
البخارى (١٤٧٥)، وابن خزيمة فى التوحيد ص ١٩٩، والطبرانى فى الأوسط (٨٧٢٥)، والبغوى فى شرح
السنة ١١٧/٦، من طريق الليث به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٩٧/٤ إلى ابن مردويه.
١٤٦/١٥

٤٩
سورة الإسراء : الآية ٧٩
حدَّثنى أبو زيدٍ عمرُ بنُ شَبَّةً، قال : ثنا موسى بنُ إسماعيلَ ، قال : ثنا سعيدُ بنُ
زيد ، عن علىِّ بنِ الحكم، قال: ثنى عثمانُ ، عن إبراهيمَ ، عن الأسودِ وعلقمةَ ، عن
ابنِ مسعودٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِوَهِ: ((إنى لأَّقُومُ المَقَامَ المحمودَ)). فقال رجلٌ: يا
رسولَ اللَّهِ، وما ذلك المقامُ المحمودُ؟ قال رسولُ اللَّهِ عَ ظَاهِ: ((ذاك إذا جىءَ بكم حُفاةً
◌ُراةً غُوْلًا (١)، فَيَكُونُ أولَ مَن يُكْسَى إبراهيمُ عليه السلامُ، فَيُؤْثَى بِرَيْطَتَيْنِ"
بَيْضَاوَيْنِ، فَلْتَسُهما، ثم يَقْعُدُ مُسْتَقْبِلَ العَرْشِ، ثم أُوتَى بكِسْوتِى فَأَلْبَسُها ، فأقومُ عن
يمِينِهِ مَقامًا لا يقومُه غيرى، يَغْبِطُنى به (١٢) الأولون والآخرون، ثم يُفْتَحُ نَهَرٌ مِن الكؤْثَرِ
إلى الحَوْضِ))(٤).
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن
الزهرىٌّ، عن عليّ بنِ الحسينِ، أن النبيَّ عَّ ◌َهِ قال: ((إذا كان يَوْمُ القِيامَةِ مَدَّ اللَّهُ
الأرْضَ مَدَّ الأَدِيمِ حتى لا يَكُونَ لِيَشَرِ مِنَ النَّاسِ إِلَّ مَوْضِعُ قدَمَيهِ - قال النبيُّ عٍَّ : -
فَأْكُونُ أوَّلَ مَن يُدْعَى وجِبريلُ عن يمينِ الرحمنِ، واللَّهِ ما رآهُ قَبْلَها، فأقولُ: أى
ربِّ ، إنَّ هذَا أْبَرِنِى أَنَّك أَرْسَلْتَهُ إِلىَّ. فيقولُ اللَّهُ عزَّ وجلَّ: صدَق . ثم أَشْفَعُ،
قال: فهو المقامُ المَحْمُودُ)) .
-ے
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال : أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال : أخبرنا معمرٌ، عن
الزهرىّ، عن على بن الحسين، قال: قال النبيُّ عَ له: ((إذا كان يوم القيامة)) . فذكر
: (١) الغرل؛ جمع الأغرل، وهو الأقلف، والغرلة: القلفة. النهاية ٣/ ٣٦٢.
(٢) الريطة : كل ملاءة ليست بلفقين، وقيل: كل ثوب رقيق لين. والجمع: رَيْط ورياط. النهاية ٢٨٩/٢.
(٣) فى م: (( فيه)).
(٤) أخرجه أحمد ٣٢٨/٦ (٣٧٨٧)، والطبرانى (١٠٠١٧)، والبزار (٣٤٧٨ - كشف)، وأبو نعيم فى
الحلية ٤/ ٢٣٨. من طريق سعيد بن زيد به، وليس عند البزار ذكر الأسود، وأخرجه الدارمى ٢/ ٣٢٥، وأبو
نعيم فى الحلية ٢٣٩/٤ من طريق على بن الحكم به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٩٧/٤ إلى ابن المنذر
وابن مردويه .
( تفسير الطبرى ٤/١٥ )

٥٠
سورة الإسراء : الآية ٧٩
نحوَه، وزاد فيه: ((ثم أَشْفَعُ فأقولُ: يا ربِّ، عبادُك (١) عبدُوكَ فى أطرافِ الأرضِ (١).
وهو المقامُ المحمودُ ))().
حدَّثنا ابنُ بشارٍ ، قال: ثنا أبو عامرٍ، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ طهْمانَ، عن آدمَ بنِ "
علىّ، قال: سمِعتُ ابنَ عمرَ يقولُ: إن الناسَ يصيرون(٥) يومَ القيامةِ مُجُثًا ()، مع كلّ
١٤٧/١٥ نبيِّ أَمَّتُه، ثم يجىءُ رسولُ اللَّهِ عَظِلّهِ فى آخرِ الأمم هو وأمَّتُه، فيَرقَى هو وأمَّتُه على كوم
فوقَ الناسِ، فيقولُ : يا فلانُ اشفَعْ، ويا فلانُ اشفَعْ، ويا فلانُ اشفَعْ. فما زال(٢)
يردّها بعضُهم على بعضٍ حتى (١) يرجِعَ ذلك إليه، وهو المَقَامُ المحمودُ الذى وعَدَهُ(٩) اللَّهُ
(١٠)
إِيَّاه(١٠).
(١) سقط من: ت ١، ت ٢، ف.
(٢) قال ابن كثير فى النهاية ١٩/ ٤٢١: أى: وقوف فى أطراف الأرض. أى الناس مجتمعون فى صعيد
واحد، مؤمنهم وكافرهم .
(٣) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٣٧٨/٨ عن المصنف، والأثر فى تفسير عبد الرزاق ٣٨٧/١، ٣٥٨/٢،
وأخرجه الحاكم ٥٧٠/٤ من طريق الزهرى به. وأخرجه الحاكم ٥٧٠/٤ من طريق الزهرى، عن على بن
الحسين، عن جابر مرفوعا، وأخرجه الحارث بن أبى أسامة - كما فى المطالب (٥١٥٣) - والبيهقى فى
الشعب (٣٠٣) من طريق الزهرى، عن على بن الحسين، عن رجل من أصحاب النبى معَّعٍ، وأخرجه ابن أبى
حاتم - كما فى فتح البارى ٤٢٧/١١- من طريق الزهرى، عن على بن الحسين، عن رجال من أهل العلم .
وينظر فتح البارى ٤٠٠/٨.
(٤) فى النسخ: ((عن)). والمثبت من مصدرى التخريج. وينظر تهذيب الكمال.
(٥) فى م: ((يحشرون)).
(٦) فى النسخ: ((فيجىء)). وقال الحافظ فى الفتح ٨/ ٤٠٠: جُثًا. بضم أوله والتنوين، جمع جثوة،
كخطوة وخطا، وحكى ابن الأثير أنه روى (( مُنِيَ)) بكسر المثلثة وتشديد التحتانية ، جمع جاث، وهو الذى
يجلس على ركبتيه. وقال ابن الجوزى، عن ابن الخشاب: إنما هو ((مُثَّى)) بفتح المثلثة وتشديدها، جمع
جاث، مثل غازٍ وغُزَّى .
(٧) فى ص، ت ١، ت ٢: ((يزال)).
(٨) سقط من: م.
(٩) فى ص، ت ١، ف: ((وعد)).
(١٠) أخرجه البخارى (٤٧١٨)، والنسائى فى الكبرى (١١٢٩٥)، وفى تفسيره (٣١٥) من طريق آدم بن =

٥١
سورة الإسراء : الاية ٧٩
حدّثنا محمدُ بنُ عوفٍ ، قال : ثنا حیْوةُ وربيٹٌ، قالا : ثنا محمدُ بنُ حرپ ، عن
الزُّبَيْدِىِّ، عن الزهرىِّ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ كعبِ بنِ مالكِ ، عن كعبِ بنِ مالكِ،
أن رسولَ اللَّهِ مَ لِ قال: ((يُحْشَرُ الناسُ يومَ القيامةِ، فأكونُ أنا وأمَّتِى على تَلِّ،
فَيَكْشُونِى ربى عزَّ وجلَّ حُلَّةٌ خضراءَ ، ثم يؤذَنُ لى فَأَقُولُ ما شاء اللَّهُ أن أقولَ ، فذلك
المقامُ المحمودُ))(١).
وهذا وإن كان هو الصحيحَ من القولِ فى تأويل قوله: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ
رَبُّكَ مَقَامًا تَّحْمُودًا﴾. لِمَ ذكَرنا من الروايةِ عن رسولِ اللَّهِ عَظِلّه وأصحابه والتابعين،
فإِنَّ ما قالَه مجاهدٌ مِن أنَّ اللَّهَ يُقعِدُ محمدًا عَّمِ على عرشِه، قولٌ غيرُ مدفوعِ
صحَّتُه، لا مِن جهةٍ خبرٍ ولا نظَرٍ؛ وذلك لأنَّه لا خبرَ عن رسولِ اللَّهِ عَ ◌ّهِ ، ولا عن
أحدٍ من أصحابِهِ، ولا عن التابعين ، بإحالةِ ذلك؛ فأمَّا مِن جهةِ النَّظرِ، فإن جمِيعَ
من ينتَحِلُ الإِسلامَ إَّا اختلفوا فى معنَى ذلك على أوجهٍ ثلاثةٍ ؛ فقالت فرقةٌ مِنهم:
اللَّهُ عزَّ وجلَّ بائنٌ من خلقِه، كان قبلَ خلْقِه الأشياءَ، ثم خلَق الأشياءَ فلم يماسَّها ،
وهو كما لم يزَلْ، غيرَ أنَّ الأشياء التى خلَقها، إذ لم يكنْ هو لها مُماسًا، وجَب أن
يكونَ لها مُبايِنًا، إذ لا فعَّال للأشياءِ إلا وهو مماسٍّ للأجسام أو مُباينٌ لها . قالوا : فإذا
كان ذلك كذلك، وكان اللَّهُ عزَّ وجلَّ فاعلَ الأشياءِ، ولم يجُزْ أن يُوصَفَ فى قولهم
بأنَّه مماسّ للأشياءِ، وجَب بزعمِهم أنَّه لها مباينٌ .
فعلى مذهبٍ هؤلاء سواءٌ أقعَدُ(١) محمدًا عَّلِ على عرشِه أو على الأرضِ، إذ
= على به مختصرا، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٩٧/٤ إلى سعيد بن منصور وابن مردويه.
(١) أخرجه أحمد ٦١/٢٥ (١٥٧٨٣)، وابن حبان (٦٤٧٩)، والحاكم ٣٦٣/٢، من طريق محمد بن
حرب به . وينظر ما تقدم فى ص ٤٨ .
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((قعد)).

٥٢
سورة الإسراء : الآية ٧٩
کان من قولهم إن بیتونته من عرشه ویٹنونته من أرضِه بمعنی واحدٍ فی أنه بائنٌ مِنهما
كلَيهما، غيرُ مماسِ لواحدٍ منهما .
وقالت فرقةً أُخرَى: كان اللَّهُ تعالى ذكرُه قبلَ خلْقِه الأشياءَ، لا شىءَ يماسُه،
ولا شىءَ يُياينُهُ(١)، ثم خَلَق الأشياءَ فأقامَها بقُدرتِه، وهو كما لم يزلْ قبلَ خلقِه
الأشياءَ لا شىءَ يماسُّه ولا شىءَ يباينُه .
فعَلَى قولٍ هؤلاء أيضًا سواءٌ أَقعَد محمدًاً عَظله على عرشِه، أو على أرضِه، إذ
كان سواءٌ على قولِهم عربشِه وأرضِه فى أنه لا مماسَّ ولا مباينَ لهذا، كما أنَّه لا مماسَّ
ولا مباينَ لهذه .
۔۔۔
وقالت فرقةٌ أخرَى: كان اللَّهُ عزَّ ذكرُه قبلَ خلْقِه الأشياءَ لا شىءَ يماسُه، ولا
شىءَ بيايتُه، ثم أحدثَ الأشياءَ وخلَقَها، فخلَقَ لنفسِه عرشًا اسْتَوى عليه جالسًا(٢)،
وصار له مماسًا، كما أنَّه قد كان قبلَ خلقِه الأشياءَ لا شىءَ يرزقُه رزقًا، ولا شىءَ
يحرِمُه ذلك، ثم خلَق الأشياءَ فرزَق [٢٦٥/٢ظ] هذا وحرَم هذا، وأعطَى هذا، ومنَع
هذا. قالوا : فكذلك كان قبلَ خلْقِه الأشياءَ ، لا شىءَ يماسُه ولا یباینُه، وخلق
الأشياءَ فماسَّ العرشَ بجلوسِه عليه دونَ سائرٍ خلْقِهِ، فهو مماسٌّ ما شاء مِن خلْقِهِ ،
ومباینٌ ما شاء مِنه .
فعَلَى مذهبٍ هؤلاء أيضًا سواءٌ أَقَعَد محمدًا على عرشِه ، أو أقعَدَه على مِنبَرٍ من
١٤٨/١٥ نورٍ، إذ كان من قولهم: إن / جلوسَ الربِّ عزَّ وجلَّ على عرشِه ليس بجلوسٍ يشغَلُ
جميعَ العرشِ. ولا فى إقعادٍ محمدٍ عَ لَّه موجِبًا له صفةَ الرُّبوبيَّةِ، ولا مُخرِجَه من
(١) بعده فى ص، ت ١، ت ٢، ف: (( ثم يباينه)).
(٢) الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة ، فلا يحل
تأويل الاستواء بالجلوس، فهذا تأويل فاسد، وينظر شرح العقيدة الطحاوية ٣٧٢/٢ وما بعدها .

٥٣
سورة الإسراء : الآية ٧٩
صفةِ العُبوديَّةِ لربِّه، كما أن مباينةَ محمدٍ عَّهِ ما كان مُباينًا له من الأشياءِ غيرُ موجبةٍ
له صفةَ الرُّبوبيَّةِ، ولا مُخرِجتِه ٢١ من صفةِ العُبوديَّةِ لربّه، من أجل أنه موصوفٌ بأنَّه له
مبايِنٌ، كما أن اللَّهَ عزّ وجلّ موصوفٌ على قولٍ قائلِ هذه المقالةِ بأنه مبايِنٌ لها ، هو له
مبايِنٌ. قالوا: فإذا كان معنى مباينٍ ومباينٍ لا يوجِبُ لمحمدٍ عَ لِ الخروجَ من صفةٍ
العُبودَةِ والدخولَ فى معنى الربوبيَّةِ(١) ، فكذلك لا يوجب له ذلك قعوده على عرشِ
الرحمنِ. فقد تبيَّن إذن بما قُلنا أنه غيرُ محالٍ فى قولٍ أحدٍ مَّن ينتَحِلُ الإسلامَ ما قاله
مجاهدٌ من أنَّ اللَّهَ تبارك وتعالى يُقْعِدُ محمدًا مَ لِ على عرشِه .
فإن قال قائلٌ: فإنَّا لا تُنكرُ إقعادَ اللَّهِ محمدًا على عرشِه، وإنما نُنكِرُ(١)
(٤)
إقعادَه(٤) .
- حدَّثنى عباسُ بنُ عبدِ العظيم، قال : ثنا يحيى بنُ كثيرٍ، عن سلم بنِ
جعفر ، عن الجُرَيرِىِّ، عن سَيفِ السَّدُوسيِّ، عن عبدِ اللهِ بنِ سلَامٍ، قال: إن
محمدًا عَ ◌ّهِ يومَ القيامةِ على كرسىٌّ الربِّ بينَ يدي الربِّ تبارك وتعالى(١).
- وإنما نُتْكِرُ إِقْعادَه إِيَّاه معه .
قيل : أفجائزٌ عندَك أن يقعِدَه علَيه لا مَعه؟ فإن أجاز ذلك صار إلى الإقرار بأنَّه
إِمَّا معه، أو إلى أنَّه يقعِدُه ، واللَّهُ للعرشِ مباينٌ، أو لا مماسَّ ولا مباينَ، وبأىِّ ذلك قال
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((مخرجه)).
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((العبودية)).
(٣) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((أنكروا)).
(٤) بعده فى ت ١: ((إياه معه، ويتأويل ذلك قال أهل التأويل، ذكر من قال ذلك)).
(٥ - ٥) سقط من: النسخ، والمثبت من السنة للخلال، وينظر تهذيب الكمال ٢١٤/١١.
(٦) أخرجه الخلال فى السنة (٢٣٦، ٢٨٠، ٣٠٧) من طريق عباس بن عبد العظيم به، وأخرجه (٢٣٧،
٢٣٨، ٣٠٨، ٣٠٩) من طریق یحیی بن كثير به .

٥٤
سورة الإسراء : الآيتان ٧٩، ٨٠
كان منه دخولاً فى بعض ما كان يُنْكِرُه. وإن قال: ذلك غيرُ جائزٍ. كانٌ مِنه
خروجًا من قولٍ جميع الفِرقِ التى حكَيْنا قولَهم ، وذلك فِراقٌ لقولٍ جميع من ينتَحِلُ
الإسلام ، إذ کان لا قول فی ذلك إلا الأقوال الثلاثة التی حکیْناها ، وغیرُ محالٍ فی
قولٍ منها ما قال مجاهدٌ فى ذلك .
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿ وَقُل رٍَّّ أَدْخِلِى مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِى مُخْرَجَ
صِدْقٍ وَأَجْعَل لِ مِن لَّدُنْكَ سُلْطَانًا تَصِيرًا ﴾﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيّه محمدٍ عَّهِ: وقلْ يا محمدُ : يا ربِّ أدخِلْنى مُدخلَ
صدْقٍ .
واختلف أهلُ التأويلِ فى معنَى ((مُدْخلِ الصدقِ)) الذى أمَرِ اللَّهُ نبيَّه ◌ِ الغِ أن
يرغَبَ إِليه فى أن يدْخِلَه إِيَّاه، وفى ((مُخْرج الصدقِ)) الذى أمرَه أن يرغَبَ إليه فى أن
يخرِجَه إِيَّه؛ فقال بعضُهم: عنَى بُمُدْخلِ الصِّدقِ مُدْخَلَ رسولِ اللَّهِ مَّلِ المدينةَ حين
هاجَر إليها ، ومُخرج الصدقِ مُخْرجَه من مكةَ حينَ خرَج منها مهاجرًا إلى المدينةِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ وكيع وابنُ حميدٍ ، قالا : ثنا جريرٌ، عن قابوسَ بنِ أبی ظَبیانَ ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ، قال: كان النبيُّ ◌َّهِ بمكةً، ثم أُمِر بالهجرةِ، فأنزل اللَّهُ تبارَك
١٤٩/١٥ وتعالى اسمُه: ﴿ وَقُل رَّبِّ/ أَدْخِلِ مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِى مُخْرَجَ صِدْقٍ وَأَجْعَل لِ مِنْ
لَّدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾(١).
(١) سقط م: ص، ت ١، ت ٢، ف.
(٢) أخرجه ابن أبى شيبة - كما فى الإتحاف (٥٣٦٣) - وأحمد ٤١٧/٣ (١٩٤٨)، والترمذى (٣١٣٩)،
وابن عدى ٦/ ٢٠٧٢، والحاكم ٣/٣، والبيهقى فى الدلائل ٥١٦/٢ من طريق جرير به. وأخرجه الطبرانى
(١٢٦١٨)، والبيهقى فى الدلائل ٥١٦/٢، ٥١٧ من طريق قابوس به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور =

٥٥
سورة الإسراء : الآية ٨٠
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ بزيع، قال: ثنا بشرُ بنُ المفضَّلِ، عن عوف ، عن
الحسنِ فى قولِ اللَّهِ: ﴿أَدْخِلِ مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِى مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾. قال: كفارُ
أهل مكةَ لَّ ائتمَروا برسولِ اللهِ صَ لِّ ليقتُلُوه أو يطرُدُوه أو يُوثِقُوه، وأراد اللَّهُ قتالَ أهلِ
مكةً، فأمره أن يخرُجَ إلى المدينةِ، فهو الذى قال اللَّهُ: ﴿أَدْخِلِى مُدْخَلَ صِدْقٍ
وَأَخْرِجْنِى مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾(١).
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال : ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن مَعْمرٍ، عن قتادةً:
﴿ مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾. قال: المدينةَ، ﴿مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾. قال: مكةً(٢).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ وَقُل رَّبِّ أَدْخِلِنى
مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِى مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾: أخرَجه اللَّهُ من مكةً إلى الهجرةِ بالمدينةِ().
حدَّثنى يونسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله : ﴿ وَقُل رَّبِّ
أَدْخِلْنِى مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِى مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾. قال: المدينةَ، حين هاجر إليها ،
٫٥٠ (٤)
مخرجَ صِدْقٍ﴾: مكةَ، حين خرَج منها مُخرجَ صدقٍ ، قال ذلك حين خرَج
(٥)
مهاجرًا(٥).
وقال آخرون : بل معنى ذلك : وقلْ ربِّ أمِثْنِى إماتةَ صِدْقٍ ، وأخرِجْنى بعد
المماتِ من قبرِى يومَ القيامةِ مُخرَجَ صدقٍ .
= ١٩٨/٤ إلى ابن المنذر وأبى نعيم فى الدلائل والضياء المقدسى فى المختارة وابن مردويه.
(١) ذكره ابن کثیر فی تفسيره ١٠٨/٥.
(٢) تفسير عبد الرزاق ٣٨٩/١ عن معمر به .
(٣) أخرجه الحاكم ٣/٣- ومن طريقه البيهقى فى الدلائل ٢/ ٥١٧- من طريق شيبان، عن قتادة.
(٤) فى ص، ت ٢، ف: ((مدخل)).
(٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٩٩/٤ إلى الزبير بن بكار فى أخبار المدينة .

٥٦
سورة الإسراء : الآية ٨٠
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال: ثنى أبى ، قال: ثنى عمِّى ، قال : ثنى أبى ، عن
أبيه ، عن ابنِ عباسٍٍ: ﴿ وَقُل رٍَّّ أَدْخِلْنِى [٢٦٧/٢ و] مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ الآية . قال : يعنى
بالإدخالِ الموتَ، والإخراجِ الحياةَ بعدَ المماتِ(١).
وقال آخرون : بل عنَى بذلك : أدخِلْنى فى أمْرِك الذى أُرسَلْتنى به مِن النبوّةِ
مُدْخِلَ صدقٍ ، وأخرِ جْنى منه مُخْرَجَ صدقٍ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًاً) عن ابن أبى نجيحٍ، عن
مجاهدٍ: ﴿أَدْخِلِ مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾. قال: فيما أرسَلْتنى به مِن أَمْرِك، ﴿وَأَخْرِجْنِى
مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾. قال: كذلك أيضًا(٣) .
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريجٍ، عن
مجاهدٍ بنحوه .
وقال آخرون: بل معنَى ذلك: ﴿أَدْخِلْنِى مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾: الجنةَ، ﴿ وَأَخْرِجْنِى
مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾: من مكةَ إلى المدينةِ .
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٩٩/٤ إلى المصنف وابن أبى حاتم.
(٢) سقط من: م.
(٣) تفسير مجاهد ص ٤٤١.

٥٧
سورة الإسراء : الآية ٨٠
١٥٠/١٥
/ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال : أخبرنا معمرٌ، عن
قتادةَ ، قال: قال الحسنُ: ﴿أَدْخِلْنِى مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾: الجنةَ، و﴿ مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾:
من مكةً إلى المدينةِ(١).
وقال آخرون : بل معنَى ذلك : أدخِلْنى فى الإسلام مُدْخلَ صدقٍ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا سهلُ بنُ موسى الرازىُّ، قال : ثنا ابنُ ثُميرٍ ، عن إسماعيلَ بنِ أبى خالدٍ ،
عن أبى صالحٍ فى قوله : ﴿رٍَّّ أَدْخِلِ مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾. قال: أدخِلْنى فى الإسلام
مُدْخَلَ صدقٍ ، وأخْرِجْنى منه مُخرَجَ صِدْقٍ .
وقال آخرون: بل معنَى ذلك: أدخِلْنى مكةَ آمنًا، وأخرِجْنى منها آمنًا .
ذكرُ مَن قال ذلك
حُدِّثتُ عن الحسين ، قال : سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ : ثنا عبيدُ بنُّ سليمانَ ، قال :
سمِعتُ الضحاكَ قال فى قوله: ﴿رَبِّ أَدْخِلِ مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِى مُخْرَجَ
صِدْقٍ﴾: يعنى مكةَ، دخَل فيها (١) آمنًا، وخرج منها آمنًاً ).
وأشبهُ هذه الأقوالِ بالصوابِ فى تأويلِ ذلك قولُ مَن قال: معنَى ذلك :
وأدخِلْنى المدينةَ مُدخلَ صدقٍ، وأخرِجْنى(٤) من مكةَ مُخرَجَ صدقٍ .
(١) تفسير عبد الرزاق ٣٨٦/١ بدون ذكر قتادة.
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((منها)).
(٣) ذكره البغوى فى تفسيره ١٢٢/٥.
(٤) بعده فى ص، ت ٢، ف: ((مخرج)).

٥٨
سورة الإسراء : الآية ٨٠
وإنما قلنا : ذلك أولى بتأويل الآيةِ؛ لأنّ ذلك عَقِيبَ قوله: ﴿ وَإِن كَادُواْ
لَيَسْتَفِزُونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذَا لَّا يَلْبَثُونَ خِلَفَكَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ . وقد
دلَّلنا فيما مضى - على أنّه عنَى بذلك أهل مكةَ(١) . فإذا كان ذلك عَقِيبَ خبرِ اللَّهِ
عمَّا كان المشركون أرادوا من استِفْزازِهم رسولَ اللَّهِ وَ لَه ليخرِ جُوه عن مكةً، كان
بيّنًا، إذ كان اللَّهُ قد أخرَجَه منها، أن قولَه له (١): ﴿ وَقُل رَّبِّ أَدْخِلِ مُدْخَلَ صِدْقٍ
وَأَخْرِجْنِى مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾. أمرٌ منه لَه بالرغبةِ إليه فى أن يُخرِجَه من البَلْدةِ التى هَمَّ
المشركون بإخراجِه منها (" وأخْرَجَه اللَّهُ منها) مُخرَجَ صِدقٍ، وأن يدخِلَه البلدةَ التى
نقَله(٤) اللَّهُ إليها مُدخَلَ صِدقٍ .
وقولُه: ﴿وَأَجْعَل لِ مِن لَُّنْكَ سُلْطَانًا تَصِيرًا﴾. اختلف أهلُ التأويلِ فى
تأويلٍ ذلك ؛ فقال بعضُهم: معنَى ذلك : واجعلْ لِى مُلْكًا ناصرًا ينصُرُنى على من
ناوأنى، وعِزَّا أقيمُ به دينَك ، وأدفَعُ به عنه مَن أراده بسوءٍ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ بزيع، قال: ثنا بشرُ بنُ المفضَّلِ ، عن عوف ، عن
الحسنِ فى قولِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ: ﴿ وَأَجْعَل لِيِ مِن لَّدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾: يُوعِدُه
لَيْزِعَنَّ مُلكَ فارسَ وِزَّ فارسَ، ولَيجعَلَنَّه له، وعِزَّ الرُّومِ ومُلكَ الرومِ، وَلَيْعَلَنَّه
له(٥) .
(١) تقدم فى ص ١٩، ٢٠ .
(٢) سقط من: م.
(٣ - ٣) سقط من: م.
(٤) فى ص، ت ٢، ف: ((قبله)).
(٥) ذكره القرطبى فى تفسيره ٣١٣/١٠، والبغوى فى تفسيره ١٢٢/٥، وابن كثير فى تفسيره ١٠٩/٥.

٥٩
سورة الإسراء : الآية ٨٠
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ فى قولِه: ﴿ وَأَجْعَل لِی
مِن لَّدُنَكَ / سُلْطَنَا نَصِيرًا﴾: وإنَّ نبىَّ اللَّهِ عِلِم ألا طاقةً له بهذا الأمرِ إلّا بسلطانٍ، ١٥١/١٥
فسأل سلطانًا نصيرًا لكتابِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ، وَحُدودِ اللَّهِ ، ولفرائضِ اللَّهِ ، ولإقامةِ دينٍ
اللَّهِ ، وإنَّ السلطانَ رحمةٌ من اللَّهِ جعَلها بينَ أظهرِ عبادِه ، لولا ذلك لأغار بعضُهم
على بعضٍ، فأكَّل شديدُهم ضعيفَهم(١).
وقال آخرون : بل عنى بذلك حُجةٌ بينةً .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ، قال : ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح ، عن مجاهد
فى قولِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ: ﴿سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾. قال: حُجةً بينةً(١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريج، عن
مجاهدٍ مثله .
وأولَى الأقوالِ فى ذلك بالصوابِ قولُ من قال : ذلك أمرٌ مِن اللَّهِ عز وجلَّ نبيَّه
بالرغْبةِ إليه فى أن يؤْتيَه سلطانًا ناصِرًا(١) له على من بَغاه وكادَه، وحاول منْعَه من
إقامتِهِ فرائضَ اللَّهِ فى نفسِه وعبادِه .
وأَّما قلتُ: ذلك أولى بالصوابِ؛ لأنَّ ذلك عَقيبَ خبرِ اللَّهِ عما كان
المشركون همُوا به من إخراجِه من مكةَ ، فَأَعْلَمه اللَّهُ عزَّ وجلَّ أنَّهم لو فعلوا ذلك
(١) تقدم تخريجه فى ص ٤٥، ٤٦ .
(٢) تقدم تخريجه فى ص ٥٦ .
(٣) فى م: ((نصيرا)).

٦٠
سورة الإسراء : الآيات ٨٠ - ٨٢
عُوجِلوا بالعذابِ عن قريبٍ ، ثم أمره بالرغبةِ إليه فى إخراجِه مِن بين أظهرِهم إخراجَ
صِدْقٍ يُحاولُه له(١) عليهم، ويُدْخِلُه بلدةً غيرَها بُدخَلِ صِدقٍ يُحاولُه عليهم ولأهلِها
فى دخولِه إليها ، وأن يجعَلَ له سلطانًا نصيرًا على أهلِ البلدةِ التى أُخرَجه أهلُها منها ،
وعلى كلِّ من كان لهم شبيهًا . وإذا أُوتى ذلك، فقد أُوتى - لا شكَّ - حجةً بينةً.
وأما قولُه: ﴿ تَصِيرًا﴾ . فإنَّ ابنَ زيدٍ كان يقولُ فيه نحوَ قولِنا الذى قلنا فيه .
حدَّثنى يونُسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَأَجْعَل
لِي [٢٦٧/٢ ظ] مِن لَّدُنكَ سُلْطَانًا تَصِيرًا﴾. قال: يَنْصُرُنى، وقال لموسى: ﴿سَنَشُدُّ
عَضُدَكَ بِأَخِيَكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلاَ يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِثَايَِنَآَ﴾ [ القصص:
٣٥]. هذا مقدَّمٌ ومؤخٌّ، إنّما هو سلطانٌ بآياتِنا فلا يَصِلون إليكما .
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿ وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَطِلُّ إِنَّ الْبَطِلَ كَانَ
زَهُوقًا ﴿ وَنُغَزِّلُ مِنَ الْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الََّلِينَ إِلَّا خَسَارًا
(٨٢)
يقولُ تعالى ذكره: وقلْ يا محمدُ لهؤلاء المشرِكين الذين كادُوا أن يستفِزُّوكَ
من الأرضِ لِيُخْرِ جوك منها: ﴿جَآءَ اُلْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَطِلُّ﴾.
واختلف أهلُ التأويلِ فى معنى ((الحقِّ)) الذى أَمَرِ اللَّهُ نبيَّه عَّ ◌َِّ أَن يُعْلِمَ
المشرِكين أنه قد جاء، و ((الباطلِ)) الذى "أمَرِه أن يُعْلِمَهم) أنه قد زَهَق ؛ فقال
بعضُهم : الحقُّ هو القرآنُ فى هذا الموضع، والباطلُ هو الشيطانُ .
(١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ف.
(٢- ٢) فى ص، ف: ((أمرهم أن يعلمه)).