النص المفهرس

صفحات 1-20

تفسِيُ الطَّيْرَى
جَامِعُ الْبَيَّانِ عَنْ تَأْوِيلِ آَ الْقُرَآنِ
لأَنِّ جَعْفَر محمّد بن جَرِيِالطَّبَرِيّ
(٢٢٤هـ - ٣١٠ هـ )
تحقيق
الدكتور / عد الفَر بن عبدالحسن التركي
بالتعاون مع
مركز البحوث والدراسات العربية والإسلامية
بدار هجر
N
الدكتور عبدالسنة حسن ياء
:
الجزء الخامس عشر
هجر
للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان

حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى
القاهرة ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠١ م
مركز البحوث والدراسات العربية والإسلامية
بدار هجر
الدكتور عبد السند حسن يمامة
مكتب : ٤ ش ترعة الزمر - المهندسين - جيزة
ت : ٣٢٥١٠٢٧
مطبعة : ٣٢٥٢٥٧٩ - فاكس : ٣٢٥١٧٥٦
ابي

تَفَيُ الطَّبرى
جَامِعُ البَيَانِ عَنْ تَأْوِيلِ آَ القُرآنِ

٥
سورة الإسراء : الآية ٧٠
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِيّ ءَادَمَ وَحَلْنَهُمْ فِى الْبَرِّ وَاَلْبَحْرِ
٧٠
وَرَزَقْتَهُم مِّنَ الَّتِبَتِ وَفَضَّلَهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا
[٢٦٠/٢] يقولُ تعالى ذكره: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِىّ ءَادَمَ﴾: بتَسْلِيطِنا إياهم
على غيرِهم مِن الخَلْقِ، وتَشْخيرِ نا سائرَ الخلقِ لهم ، ﴿ وَلْنَهُ فِ الْبَرِّ ﴾ على ظُهُورِ
الدَّوابُ والَرَاكِبِ ، وفى ﴿ اٌلْبَحْرِ﴾ فى الفُلْكِ التى سَخَّرْناها لهم، ﴿وَرَزَقْنَهُم
مِنَ الطَّيِّبَتِ﴾. يقولُ: مِن طَيِّبَاتِ المَطَاعِم والمشارِبِ ، وهى حَلالُها ولَذِيذاتُها ،
﴿وَفَضَّلْنَهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾. ذُكِرَ لنا (١) أن ذلك تَمَكِّثُهم مِن
العملِ بأَيْدِيهِم(١) ، وأخذِ الأطعمةِ والأَشْرِيَةِ بها، ورَفْعِها بها إلى أفواهِهم، وذلك
غيرُ مُتَسِّرٍ لغيرِهم مِن الخَلْقِ .
/ كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنی حجاج، عن ابن جريج ١٢٦/١٥
قولَه: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِيّ ءَادَمَ﴾ الآية. قال: ﴿وَفَضَّلْنَهُمْ﴾ فى الْيَدَيْنِ يَأْكُلُ
بهما ، ويَعْمَلُ بهما، وما سوى الإنْسِ يأكُلُ بغيرِ ذلك .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرَّزّاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن
زيدِ بنِ أسلمَ فى قولِه: ﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِىّ ءَدَمَ﴾ . قال: قالت الملائكةُ : يا ربَّنا ،
إنك أَعْطَيْتَ بنى آدمَ الدنيا يَأْكُلون منها ، ويَنَعَّمون ، ولم تُغْطِنا ذلك، فأَعْطِناه فى
(١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف .

٦
سورة الإسراء : الآيتان ٧٠ ، ٧١
الآخرة. فقال: وعِرَّتِى لا أَجْعَلُ ذُرِّيَّةَ مَن خَلَقْتُ بِيَدَىَّ، كمَنْ قلتُ له: كُنْ.
فكان .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍِ ◌ِإِمَنِهِمٍ فَمَنْ أُوَِّ
كِتَبَهُ بِيَمِينِهِ، فَأُوْلَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَبَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا
٧١
اخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى معنى «الإمامِ)) الذى ذكر اللَّهُ جلَّ ثناؤه أنه يَدْعو كلَّ
◌ُناسٍ به ؛ فقال بعضُهم: هو نِه ومن كان يَقْتَدِی به فى الدنیا ویْتُمُ به .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى يحيى بنُ طلحةَ اليَرْبوعىُّ ، قال : ثنا فُضيلٌ ، عن ليث ، عن مجاهدٍ :
﴿يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُناسٍ بِمَِّهِمٍ﴾. قال: بنبيِّهم(١).
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال: ثنا حَكّامٌ، عن عَنْتَسَةَ، عن محمدِ بنِ عبدِ الرحمنِ،
عن القاسم بن أبي بَزَّةَ، عن مجاهدٍ: ﴿ يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍِ بِإِمَمِهِمْ﴾ . قال :
بنبيِّهم .
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال : ثنا أبو عاصم، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبى
تَجِيحِ، عن مجاهدٍ: ﴿يإِمَمِهِمْ﴾. قال: بنبيّهم.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ تجريجٍ، عن
مجاهدٍ مثلَه .
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿كُلَّ ◌ُنَاسٍ
بِإِمَمِعٌ﴾. قال: بنبيّهم(١).
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٩٤/٤ إلى المصنف وابن المنذر.
(٢) تفسير عبد الرزاق ٣٨٢/١ عن معمر به بلفظ : بأنبيائهم.

٧
سورة الإسراء : الآية ٧١
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ ، قال: ثنا سعيدٌ ، عن قتادةَ مثلَه .
وقال آخرون: بل معنى ذلك أنه (يَدْعُو بهم) بكُتُبِ أعمالِهم التى عَمِلوها فى
الدنيا .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال: ثنى أبى ، قال : ثنى عمى ، قال : ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ فى قوله: ﴿يَوْمَ نَدْعُواْ كُلّ أُنَاسٍ بِإِمَِهِمْ﴾. قال: الإمامُ،
ما عَمِل وأمْلَى، فَكُتِب عليه، فمن بُعِث مُتَّقِيًا للَّهِ جُعِل كتابُه بيمينِهِ، فَقَرَأه
واسْتَبْشَر، ولم يُظْلَمْ فَتِيلًا، وهو مثلُ قولِه: ﴿ وَإِنَّهُمَا لِبِإِمَامٍ مُّبِينٍ﴾ [الحجر: ٧٩]:
والإِمامُ ما أَمْلَى وعَمِل(٢) .
/حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة، عن الحسنِ: ﴿يَوْمَ ١٢٧/١٥
نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍِ بِمَنِهٍ﴾ . قال : بأعمالِهم.
حدَّثنا محمدٌ ، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ ، قال : قال
الحسنُ: بكتابِهم الذى فيه أعمالُهم(٣) .
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سَمِعتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: ثنا عُبَيدٌ ، قال : سَمِعتُ
الضَّحّاكَ يقولُ فى قوله: ﴿يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍِ بِإِمَمِهِمْ﴾. يقولُ: بكتابِهم(٤).
حدَّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن أبى جعفرٍ، عن
(١ - ١) فى م، ت١: ((يدعوهم)).
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٩٤/٤ إلى المصنف مختصرا بلفظ: بكتاب أعمالهم .
(٣) تفسير عبد الرزاق ٣٨٢/١ عن معمر به .
(٤) ذكره البغوى فى تفسيره ١٠٩/٥ .

٨
سورة الإسراء : الآية ٧١
الرَّبيعِ، عن أبى العاليةِ ، قال: بأعمالِهم(١).
وقال آخرون: بل مَعْناه: يومَ نَدْعُو كلَّ أُناسٍ بكتابِهم الذى أنْزَلْتُ عليهم
بأمری() ونَهْیی .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنی يونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهب ، قال : سَمِعتُ - يَعْنى(٢) - ابنَ زيدٍ فى
قولِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ: ﴿يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍِ بِإِمَمِعِمْ﴾ . قال : بكتابِهم الذى أُنزِل
عليهم فيه أمرُ اللَّه ونَهْيُه وفَرائِضُه، والذى عليه يُحاسَبون. وقَرَأ: ﴿لِكُلٍ جَعَلْنَا
مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجَأَ﴾ [المائدة: ٤٨]. قال: الشِّرْعَةُ الدِّينُ، والمنهاجُ السُّنَّةُ. وقَرَأ :
﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَضَّى بِهِ، نُوحًا﴾ [الشورى: ١٣]. قال: فنوعٌ أَوَّلُهم ، وأنت
(٤)
آخِرُهم(٤).
حدَّثنى الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقَاءُ، عن ابنِ أبِى تَجِيحٍ، عن
مجاهدٍ: ﴿ يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍِ يإِمَنِهِمْ﴾: بِكُبِهِمْ(٥).
وأَوْلَى هذه الأقوالِ عندَنا بالصوابِ قولُ مَّن قال: معنى ذلك: يومَ ندعو كلّ
أناس بإمامِهم الذى كانوا يَقْتَدون به، ويَأْتُمُّون به فى الدنيا؛ لأن الأغْلَبَ مِن
استعمالِ العربِ ((الإمامَ)) فيما ائْتُمَّ واقْتُدِىَ به، وتوجيهُ معانى كلام اللَّهِ إِلى الأَشْهَرِ
أُوْلَى، ما لم تَثْبُتْ حُجَّةٌ بخلافِه يَجِبُ التسليمُ لها .
(١) ذكره البغوى فى تفسيره ١٠٩/٥ .
(٢) فى م: (( فيه أمرى)).
(٣) فى م، ت ١، ت ٢، ف: (( يحيى)).
(٤) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٩٦/٥ عن ابن زيد مقتصرا على أوله .
(٥) فى م: ((بكتابهم)). والأثر فى تفسير مجاهد ص ٤٣٩.

٩
سورة الإسراء : الآيتان ٧١، ٧٢
وقولُه: ﴿ فَمَنْ أُوْقِيَ كِتَبَهُ بِيَمِنِهِ﴾. يقولُ: فمَن أَعْطِىَ كتابَ عملِه
بيمينِه، ﴿فَأُوْلَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَبَهُمْ﴾ ذلك حتى يَعْرِفوا جميعَ ما فيه، ﴿ وَلَا
يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولا يَظْلِمُهم اللَّهُ مِن جزاءِ أعمالِهم
﴿فَتِيلًا﴾ وهو المُقَتِلُ الذى فى شَقِّ بطنِ النَّوَاةِ .
وقد مضَى البيانُ عن ((الفَتيلِ)) بما أغْنَى عن إعادته فى هذا الموضعِ(١).
حدَّثنا الحسنُ [٢٦١/٢ و] بنُّ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرَّزَّاقِ ، قال : أخبرنا
معمرٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾. قال: الذى فى شَقِّ النَّواةِ(١).
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ فِ هَذِهِ: أَعْمَى فَهُوَ فِ الْآَخِرَةِ أَعْمَى
وَضَلُّ سَبِيلاً
اخْتَلَف أهلُ التأويل فى المعنى الذى أُشِيرَ إليه بقوله: ﴿هَذِهِ﴾؛ فقال
بعضُهم: أَشِير بذلك إلى النِّعَم التى / عَدَّدَها تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿﴾ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا ١٢٨/١٥
بَنِيّ ◌َدَمَ وَحَلْنَهُمْ فِى الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَهُم مِّنَ الطَّيِّبَتِ وَفَضَّلْنَهُمْ عَلَى كَثِيرٍ
(٣)
﴾﴾. فقال: ومَن كان فى هذه النِّعَمِ(١) أعْمَى فهو فى نِعَمِ
مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (
الآخِرةِ أعْمَى وأَضَلُّ سبيلًا .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن محمدِ بنِ
أبى موسى، قال: سُئِل عن هذه الآية: ﴿وَمَن كَانَ فِ هَذِهِةٍ أَعْمَى فَهُوَ فِ الْآَخِرَةِ
(١) تقدم فى ١٢٩/٧ وما بعدها .
(٢) تقدم تخريجه فى ١٣٢/٧.
(٣) سقط من: م، ت١، ت ٢، ف .

١٠
سورة الإسراء : الآية ٧٢
﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِيّ ◌َدَمَ وَعَلْنَهُمْ فِى الْبَرِّ
أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾. فقال: قال : .
وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَهُم مِّنَ الطَّيِّبَتِ وَفَضَّلْنَهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾. قال:
مَن عَمِىَ عن شُكْرِ هذه النعم فى الدنيا، فهو فى الآخرةِ أعمَى وأَضَلُّ سَبِيلًا .
وقال آخرون : بل معنى ذلك : ومَن كان فى هذه الدنيا أعمَى عن قُدْرَةِ اللَّهِ فيها
وحُجَجِهِ، فهو فى الآخرةِ أعمَى .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى علىُّ بنُ داودَ ، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ ، قال: ثنى معاويةُ، عن علىِّ ، عن ابنِ
عباسٍ قوله: ﴿وَمَن كَانَ فِ هَذِهِ أَعْمَى﴾. يقولُ: مَن عَمِىَ عن قُدرةِ اللَّهِ فِى
الدُّنيا، ﴿فَهُوَ فِ الْآَخِرَةِ أَعْمَى﴾(١).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ، قال : ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبى نجيح، عن مجاهدٍ :
﴿فِى هَذِهِةٍ أَعْمَى﴾. قال: الدُّنيا(٢).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ وَمَن كَانَ فِى
هَذِهِةٍ أَعْمَى فَهُوَ فِ اٌلْآَخِرَةِ أَعْمَى﴾. يقولُ: مَن كان فى هذه الدنيا أعمَى عما
عايَنَ فيها مِن نعم اللَّهِ وخلقِه وعجائبِه (٢)، ﴿فَهُوَ فِ الْآَخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾:
فيما يَغِيبُ عنه مِن أمرِ الآخرةِ أعمَى .
حدَّثنا محمدٌ ، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ ، عن معمر ، عن قتادةً : ﴿ وَمَن كَانَ فِی
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٩٤/٤ إلى المصنف وابن المنذر.
(٢) تفسير مجاهد ص ٤٣٩ .
(٣) فى ص: ((عمابيه))، وفى ت ١، ت ٢، ف: ((عمايته)).

١١
سورة الإسراء : الآية ٧٢
هَذِهِةٍ أَعْمَى﴾: فى الدنيا فيما أَرَاه اللَّهُ مِن آياتِهِ، مِن خلقِ السماواتِ والأرضِ،
والجبالِ والنجوم، ﴿فَهُوَ فِ الْآَخِرَةِ﴾ الغائبةِ التى لم يَرَها ﴿أَعْمَى وَأَضَلُّ
(١)
سَبِيلًا﴾(١).
حدَّثنى يونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ ، وسُئِل عن قولِ اللَّهِ.
تعالى: ﴿ وَمَن كَانَ فِ هَذِهٍِ أَعْمَى فَهُوَ فِ الْأَخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾. فقَرَأ:
﴿إِنَّ فِ(٢) السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ لَتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الجاثية: ٣]. ﴿وَفِيّ أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ
تُصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١]. وقَرَأ: ﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ، أَنْ خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُم
بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾. وقرأ حتى بَلَغ: ﴿وَلَهُ مَنْ فِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِّ كُلٌّ لَّهُ
قَلِنُونَ﴾ [الروم: ٢٠- ٢٦]. قال: كلٍّ له مُطيعون إلّ ابنَ آدمَ. قال: فَمَن كان فى
هذه الآياتِ التى يَعْرِفُ أنها منَّا، ويَشْهَدُ عليها، وهو يَرَى قدرتَنا ونعمتَنا ، أعمَى ،
فهو فى الآخرةِ التى لم يَرَها ، أعمَى وأضَلُّ سبيلاً.
وأولَى الأقوالِ فى ذلك عندَنا بالصوابِ قولُ مَن قال : معنى ذلك : ومن كان
فى هذه الدُّنيا أعمَى / عن حُجَج اللَّهِ، على أنه المُنْفَرِدُ بخَلْقِها وتدبيرِها، وتصريفٍ ما ١٢٩/١٥
فيها ، فهو فى أمرٍ الآخرةِ التى لم يَرَها ولم يُعايِنْها، وفيما هو كائنٌ فيها ﴿ أَعْمَى
وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾. يقولُ: وأَضَلُّ طريقًا منه فى أمرِ الدنيا التى قد عايَنَها ورَّآها .
وإنما قلنا : ذلك أولى تأويلاتِه بالصوابٍ ؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى ذكرُه لم يَخْصُصْ فى
قولِه: ﴿ وَمَن كَانَ فِ هَذِهِةٍ﴾ الدنيا ﴿أَعْمَى ﴾ ، عمَى الكافرِ به عن بعضِ حُجَجِه
علیه فيها دون بعضٍ ، فُوَّه ذلك إلى عَماه عن نِعَمِه بما أنعم به علیه مِن تكريمِه بنی
آدمَ ، وحَمْلِه إياهم فى البرِّ والبحرِ ، وما عَدَّد فى الآیة التی ذکر فیھا نِعَمَه علیھم ، بل
(١) تفسير عبد الرزاق ٣٨٣/١ عن معمر به.
(٢) بعده فى ص، ت ١، ف: ((خلق)).

١٢
سورة الإسراء : الآية ٧٢
عَمَّ بالخبرِ عن عَماه فى الدنيا، فهو (١) كما عَمَّ تعالى ذكرُه .
واخْتَلَفَت القَرَأَةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿فَهُوَ فِ اُلْأَخِرَةِ أَعْمَى﴾؛ فَكَسَرتِ (٢) القَرأةُ
جميعًا الحرفَ الأولَ، أعنى قولَه: (ومَنْ كان فى هذه أَعْمِى)(٣).
وأما قولُه: ﴿فَهُوَ فِ اُلَْخِرَةِ أَعْمَى﴾. فإن عامَّةً قَرَأةِ الكوفيين أمالَتْ أيضًا
قولَه: (فهو فى الآخِرَةِ أَعْمِى ). وأما بعضُ قرأةِ البصرةِ فإنه فتَحه ، وتَأوَّلَه بَعْنَى:
فهو فى الآخرةِ أَشَدُّ عَمَّى. واسْتَشْهَد لصحةٍ قراءته بقولِه: ﴿ وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ .
وهذه القراءةُ هی أَوْلَی القراءتین فی ذلك بالصواب؛ للشاهدِ الذی ذ کونا عن
قارئِه كذلك، وإنما كرِهِ مَن كرِه قراءته كذلك ؛ ظَنَّا منه أن ذلك مقصودٌ به قَصْدَ
عَمَى العينَيْنْ الذى لا يُوصَفُ أحدٌ بأنه أغْمَى مِن آخرَ أَعمَى ؛ إذ كان عمَى البصرِ لا
يَتَفاوَتُ فيكونَ أحدُهما أَزْيَدَ عَمّى مِن آخَرَ ، إلا بإدْخالٍ ((أشَدَّ)) أو ((أبْیَنَ))، فليس
الأمر فى ذلك كذلك.
وإنما قلنا : ذلك مِن عَمَى القلبِ الذى يَقَعُ فيه التَّفاؤُتُ . فإنما عنَى به عمَى
قلوبِ الكفارِ عن حُجَّجِ اللَّه التى عاينَتْها أبصارُهم، فلذلك جاز ذلك وحَسُن .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، [٢٦١/٢ظ] قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال : أخبرنا
(١) فى م: ((فهم )) .
(٢) المراد بقوله: ((كسرت))، أى: أمالت إمالة شديدة.
(٣) ليس الأمر کما ذکر المصنف ، فقد قرأ بفتح الميم فی الموضعین ابن کثیر ونافع وابن عامر وحفص عن
عاصم، وبالكسر فيهما قرأ أبو بكر عن عاصم، وحمزة والكسائى ، وبالكسر فى الموضع الأول قرأ أبو عمرو،
وفتحها فى الموضع الثانى . ينظر السبعة لابن مجاهد ص ٣٨٣ .

١٣
سورة الإسراء : الآيتان ٧٣،٧٢
سفيانُ، عن ابن أبى نَجيح، عن مجاهدٍ: ﴿فَهُوَ فِ اُلْآَخِرَةِ أَعْمَى﴾. قال : أعمَى
عن حُجَتِه فى الآخرةِ () .
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِىّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ
٧٣
لِنَفْتَرِىَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذَا لَّأَتَّخَذُوَ خَلِيلًا
اخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى ((الفتنةِ)) التى كاد المشركون أن يَفْتِنوا رسولَ اللَّهِ عَ ل
بها عن الذى أَوْحَى اللَّهُ إليه ، إلى غيرِهِ؛ فقال بعضُهم: ذلك الإلمامُ بالآلهةِ ؛ لأن
المشرِكين دَعَوْه إلى ذلك، فهمَّ به رسولُ اللَّهِ مِ المِ .
/ذكرُ مَن قال ذلك
١٣٠/١٥
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال : ثنا يعقوبُ القُمِّىُ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ ، قال: كان
رسولُ اللَّهِ مَّهِ يَسْتلِمُ الحجرَ الأسودَ، فمنَعَتْه قريشٌ، وقالوا: لا نَدَعُكُ(١) حتى
تُلِمَّ(٢) بآلهتنا. فحدَّث نفسَه وقال: ((ما عَلىَّ أَنْ أَلِمَّ بها بعدَ أن يَدَعُونى أُسْتَلِمُ الحَجَرَ،
واللَّهُ يعلمُ أَنِّى لها كارِةٌ)). فأَتَّى اللَّهُ، فَأَنزَل اللَّهُ: ﴿ وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِىّ
أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِنَفْتِىَ عَلَيْنَا غَيْرَةٌ﴾ الآية(٤).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَوْلَا أَنْ
ثَبَّنْشَكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾: ذُكِر لنا أن قريشًا خَلَوْا برسولِ اللَّهِ
(١) تفسير عبد الرزاق ٣٨٣/١ .
(٢) فى م، ت ١، ت ٢، ف: (( ندعه)).
(٣) فى م، ت ١، ت ٢: ((يلم)).
(٤) ذكره البغوى فى تفسيره ١١١/٥ عن سعيد به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٩٤/٤ إلى المصنف
وابن أبى حاتم ، وقال ابن الجوزى فى زاد المسير ٦٧/٥: وهذا باطل، لا يجوز أن يظن برسول اللّه عَئه، ولا ما
ذكر عن عطية من أنه هم أن ينظرهم سنة ، وكل ذلك محال فى حقه وفى حق الصحابة أنهم رووا ذلك .

١٤
سورة الإسراء : الآية ٧٣
عَلَّه ذاتَ ليلةٍ إلى الصُّبح يُكلِّمونَه ويُفخِّمونَه ويُسوِّدونَه ويُقارِبونَه، وكان فى قولهم
أَن قالوا : إِنَّك تأتى بشىءٍ لا يأتى به أحدٌ مِن الناسِ، وأنت سيِّدُنا وابنُ سيدِنا. فما
زالوا يكلِّمونَه حتى كاد أن يُقارِفَهم(١)، ثم مَنَعَه اللَّهُ وعَصَمه مِن ذلك، فقال:
﴿ وَلَوْلَآ أَن تَبَّنْتَكَ لَقَدْ كِدتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ (١).
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ ، عن معمرٍ ، عن قتادةً :
لِنَفْتَرِىَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ﴾. قال: أطافوا به ليلةً، فقالوا: أنت سيّدُنا وابنُ سيدِنا.
فأرادوه على بعضٍ ما يُريدون ، فهَمَّ أن يُقارِبَهم (١) فى بعضٍ ما يُريدُون، ثم عصَمه
اللَّهُ، فذلك قوله: ﴿لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِلًا ﴾ ؛ الذى أرادوا ، فهَمَّ أن
فه (٤)
یُقارِبھم فیهِ .
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريجٍ، عن
مجاهدٍ . قال : قالوا له : ائتِ آلهتَنَا فامْسَشْها. فذلك قوله: ﴿شَيْئًا قَلِلًا﴾
وقال آخرون: إنما كان ذلك أن رسولَ اللَّهِ مَ لِ هَمّ أن يُنْظِرَ قومًا بإسلامِهم إلى
مدةٍ سَأَلُوهِ الإِنْظَارَ إِلَيها .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى ، قال: ثنى عمى ، قال : ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِىّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ
(١) فى ت ١، وتفسير القرطبى: ((يقاربهم))، وفى ت ٢، ف: (( يفارقهم)). وقارَفَه: قاربه، ولا تكون
المقارفة إلا فى الأشياء الدَّنِيَّة . تاج العروس ( ق رف ) .
(٢) ذكره القرطبى فى تفسيره ٢٩٩/١١ عن قتادة .
(٣) فى م: ((يقارفهم))، وفى ت ٢: ((يفارقهم)).
(٤) تفسير عبد الرزاق ٣٨٣/١ عن معمر به .

١٥
سورة الإسراء : الآيتان ٧٣ ، ٧٤
لِنَفْتَرِىَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذَا لَّأَتَّخَذُوَكَ خَلِيلًا﴾: وذلك أن تَقِيفًا كانوا قالوا للنبىِّ
عَلَّهِ: يا رسولَ اللَّهِ، أَجُلْنا سنةً حتى يُهدَى لآلهتِنا، فإذا قبَضْنا الذى يُهدَى لآلهتنا
أَخَذْناه، ثم أَسْلَمْنا وكشَرنا الآلهةَ. فَهَمَّ رسولُ اللَّهِ ◌َّهِ أَن يُعطيَهم وأَن يُؤْجّلَهم،
فقال اللَّهُ: ﴿ وَلَوْلَا أَنْ تَبَّنْشَكَ لَقَدْ كِدتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِلًا﴾(١).
والصوابُ مِن القولِ فى ذلك أن يُقالَ: إن اللَّه تعالى ذكرُه أخبرَ عن نبيّه ◌ٍَّ أن
المشركين كادوا أن يَفْتِنوه عمَّا أوحاه اللَّهُ إليه ليَعْمَلَ بغيرِه، وذلك هو الافتراءُ على
اللَّهِ . وجائزٌ أن يكونَ ذلك كان ما ذكَر عنهم مَن ذكَر أنَّهم دَعَوْه إلى أن يَمَسَّ آلهتَهم
ويُلِمَّ بها . وجائزٌ أن يكونَ كان ذلك ما ذُكِر عن ابنِ عباسٍ مِن أمرٍ ثَقيفٍ ومسألَتِهم
إِيَّه ما سألوه ممّا ذَكَرْنا. وجائزٌ أن يكونَ غيرَ ذلك . ولا بيانَ فى الكتابِ ولا فى خبرٍ
يَقْطَعُ العذرَ أَىُّ ذلك كان ، والاختلافُ فيه موجودٌ على ما ذَكَرْنا ، فلا شىءَ فيه
أصوبُ من الإيمانِ بظاهرِهِ حتى يأتىَ خبرٌ يجبُّ التسليمُ له ببيانِ ما٢٢ عَنِى بذلك
منه .
/وقولُه: ﴿ وَإِذَا لََّتَّخَذُوَكَ خَلِيلًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولو فعَلْتَ ما دَعَوْك ١٣١/١٥
إليه مِن الفتنةِ عن الذى أوحَيْنا إليك، لَا تَّخَذوكَ إذن لأَنفُسِهم خليلاً، وكنتَ لهم
وكانوا لك أولياءً .
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿ وَلَوْلَا أَنْ تَبَّنْشَكَ لَقَدْ كِدتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ
شَيْئًا قَلِيلًا
(٧٤
يقولُ تعالى ذكره: ولولا أن ثبَّتْناك يا محمدُ، بعضْمَتِناك(٣) عمَّا دعاك إليه
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٩٤/٤ إلى المصنف وابن مردويه .
(٢) فى ص، ت ٢، ف: ((مما)).
(٣) فى م، ت ١، ف: ((بعصمتنا إياك)).

١٦
سورة الإسراء : الآيتان ٧٤ ، ٧٥
هؤلاء المشركون من الفتنةِ، ﴿ لَقَدْ كِدتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾. يقولُ: لقد
كِدتَ تميلُ إليهم وتَطْمَئِنُّ شيئًا قليلًا، وذلك ما كان عَِّ همَّ به مِن أن يَفعَلَ بعضَ
الذى كانوا سَأَلُوهِ فِعلَه، فقال رسولُ اللَّهِ مََّلَّهِ فيما ذُكِر، حينَ نَزَلت هذه الآيةُ ما
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا سليمانُ ، قال: ثنا أبو هلالٍ ، عن قتادةً فى قولِه :
﴿ وَلَوْلَآ أَن تَبَّنَْكَ لَقَدْ كِدتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾. فقال رسولُ اللَّهِ
مَله: ((لا تَكِلْنِى إلى نَفْسى طَرْفَةَ عينٍ))(١).
[٢/ ٢٦٢ و] القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿إِذَا لََّذَقْتَكَ ضِعْفَ الْحَيَوَةِ
وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا.
يقولُ تعالى ذكره : لو رَكَنْتَ إلى هؤلاء المشركين يا محمدُ ، شيئًا قليلًا فيما
سألوك، إذَنْ لأُذَقْناك ضعفَ عذابِ الحياةِ وضعفَ عذابِ المماتِ .
وبنحوِ الذى قُلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی امی ، قال : ثنی عمِّی ، قال : ثنی أنی ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿إِذَا لَّأَذَقْتَكَ ضِعْفَ الْحَيَوْةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾:
يَعْنى ضعفَ عذابِ الدنيا والآخرةِ (١) .
حدَّثنی محمدُ بنُ عمرو، قال : ثنا أبو عاصم، قال : ثنا عیسی ، عن ابنِ أنی
(١) ذكره البغوى فى تفسيره ١١٢/٥، وذكره الثعلبى - كما فى تخريج أحاديث الكشاف ٢٧٩/٢ ،
وأخرجه أحمد ٤٢/٥ (٢٠٤٤٦ - الميمنية)، والبخارى فى الأدب المفرد (٧٠١)، وأبو داود (٥٠٩٠)،
والنسائى فى الكبرى (١٠٤٨٧) موصولاً من حديث أبى بكرة .
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٩٤/٤، ١٩٥ إلى المصنف.

١٧
سورة الإسراء : الآية ٧٥
تَجيح، عن مجاهدٍ فى قولِ اللَّهِ: ﴿ضِعْفَ الْحَيَوَةِ﴾. قال: عذابَها، ﴿ وَضِعْفَ
اُلْمَمَاتِ﴾. قال : عذاب الآخرةِ .
حدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن
مجاهدٍ مثله(١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريجٍ، عن
مجاهدٍ مثله .
حدَّثنا بشرٌّ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِذَا لَّأَذَقْتَكَ
ضِعْفَ الْحَيَوَةِ وَضِعْفَ اٌلْمَمَاتِ﴾. أى عذابَ الدنيا والآخرةِ.
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةً: ﴿ضِعْفَ
الْخَيَوْةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾. قال: عذابَ الدنيا وعذابَ الآخرةِ(٢).
/حُدِّثتُ عن الحسين، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرَنا عُبيدٌ، قال: ١٣٢/١٥
سمِعتُ الضَّحّاكَ يقولُ فى قولِه: ﴿ضِعْفَ الْحَيَوْةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ﴾: يعنى
عذاب الدنيا وعذابَ الآخرةِ(١) .
وكان بعضُ أهلِ العربيةِ من أهلِ البصرةِ يقولُ(٤) فى قوله: ﴿إِذَا لَّأَذَقْتَكَ
ضِعْفَ الْحَيَوةِ﴾: مُختَصَرٌ، كقولِك: ضعفَ عذابِ الحياةِ وضعفَ (*) المماتِ.
(١) تفسير مجاهد ص ٤٤٠ .
(٢) تفسير عبد الرزاق ٣٨٣/١ عن معمر به.
(٣) ذكره أبو حيان فى البحر المحيط ٦٥/٦.
(٤) هو أبو عبيدة فى مجاز القرآن ٣٨٦/١.
(٥) فى مجاز القرآن: ((عذاب)).
( تفسير الطبرى ٢/١٥ )

١٨
سورة الإسراء : الآيتان ٧٥ ، ٧٦
فهُما عذابان ؛ عذابُ المماتِ به ضُوعِف عذابُ الحياةِ .
وقولُه: ﴿ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا﴾. يقولُ: ثم لا تجدُ لك يا محمدُ - إن
نحن أذَقْناك لرُكونِك إلى هؤلاء المشركين، لو رَكَنْتَ إليهم ، عذابَ الحياةِ وعذابَ
المماتِ - عَلَينا نَصِيرًا ينصُرُك عَلَينا، فيَمْنَعُك مِن عذابِك، ويُنقِذُكُ ممَّ نالكَ منّا مِن
عقوبةٍ .
القولُ فى تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزَّوَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوَ
مِنْهَا وَإِذَا لَّا يَلْبَثُونَ خِلَفَكَ() إِلَّا قَلِلًا
Vi
يقولُ عزَّ وجلَّ: وإن كاد هؤلاء القومُ ﴿ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ﴾. يقولُ:
لَيَسْتَخِفُونَك مِن الأرضِ التى أَنتَ بها ليُخرِجوكَ مِنها، ﴿وَإِذَا لَّا يَلْبَثُونَ
◌ِلَفَكَ (١) إِلَّا قَلِيلًا﴾. يقولُ: ولو أُخرَجوك منها لم يلبثوا بعدَك فيها إلَّا قليلًا حتى
أُهلِگهم بعذابٍ عاجلٍ .
واختلف أهلُ التأويلِ فى الذين كادوا أن يستفِزُّوا رسولَ اللَّهِ مَ لِ ليُخرِجوه مِن
الأرضِ، وفى الأرضِ التى أرادُوا أن يخرِجوه مِنها؛ فقال بعضُهم: الذين كادوا أن
يستفزُّوا رسولَ اللَّهِ عَ لِ مِن ذلك اليهودُ، والأرضُ التى أرادوا أن يخرِجُوه منها
المدينةُ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعْتَمرُ بنُ سليمانَ ، عن أبيه ، قال :
زعَم حَضْرَمِيٌّ أَنَّه بلَغه أن بعضَ اليهودِ قال للنبىِّ عَلَّهِ: إن أرضَ الأنبياءِ أرضُ الشامِ،
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((خلفك))، وهى قراءة، وسيشير المصنف إليها فى ص ٢١.

١٩
سورة الإسراء : الآية ٧٦
وإن هذه ليست بأرض الأنبياءِ. فَأَنزَل اللَّهُ: ﴿ وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُونَكَ مِنَ الْأَرْضِ
لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا﴾(١).
وقال آخرون: بل كان القومُ الذين فعلوا ذلك قريشًا، والأرضُ مكةً .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِن كَادُواْ
لَيَسْتَفِرُونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذَا لَّا يَلْبَثُونَ خِلَفَكَ() إِلَّا قَلِلًا﴾:
وقد هَمَّ أَهلُ مكةَ بإخراج النبيِّ ◌َّمِ من مكةً، ولو فعلوا ذلك لَمَا تَوَطّوا، ولكنَّ اللَّهَ
كفَّهم عن إخراجِه حتى أُمَرَه، ولَقلَّما مع ذلك لَِّثُوا بعدَ خروج نبيِّ اللَّهِ عَلَِّ من
مكةَ ، حتى بعَث اللَّهُ عليهم القتلَ يومَ بدرٍ(٢).
حدَّثنى محمدُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال : ثنا محمدُ بنُّ ثورٍ ، عن معمرٍ ، عن قتادةً :
لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ﴾. قال: قد فعَلوا بعدَ ذلك، فأهلَکھم اللهُ یومَ بدرٍ ، ولم
يَلْبَثُوا بعدَه إلا قليلاً حتى أَهْلَكهم اللَّهُ يومَ بدرٍ ، وكذلك كانت سُنَُّ اللَّهِ فِى الُسلِ إذا
فَعَل بهم قومُهم مثلَ ذلك(٤) .
/ حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى ١٣٣/١٥
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبى نجيح، عن مجاهدٍ :
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٩٥/٤ إلى المصنف.
(٢) فى ت ١، ت ٢، ف: ((خلفك)).
(٣) ينظر تفسير القرطبى ٣٠١/١٠ .
(٤) تفسير عبد الرزاق ٣٨٣/١، ٣٨٤ عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٩٥/٤ إلى ابن المنذر
وابن أبى حاتم .

٢٠
سورة الإسراء : الآية ٧٦
◌ِلَفَكَ (١) إِلَّا قَلِيلًا﴾. قال: لو أخرَجتْ قريشٌ محمدًا لعُذِّبوا بذلك(٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريجٍ، عن
مجاهدٍ مثلَه .
وأوْلَى القولين فى ذلك عندِى بالصوابِ قولُ قتادةَ ومجاهدٍ ؛ وذلك أنَّ قولَه :
﴿وَإِنِ كَادُواْ لَيَسْتَفِرُونَكَ مِنَ الْأَرْضِ﴾. فى سياقٍ خبرِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ عن قريشٍ
وذِكْرِه إِيَّهم، ولم يَجْرِ لليهودِ قبلَ ذلك ذكرٌ، فَتَوَجَّهُ(١) قوله: ﴿وَإِن كَادُواْ﴾ .
إلى أنَّه خبرٌ عنهم، فهو [٢٦٢/٢ظ] بأن يكونَ خبرًا عمَّن جرَى له ذكرٌ أَوْلَى مِن
غيره ..
وأمَّا القليلُ الذى استَثْناه اللَّهُ جلَّ ذكرُه فى قوله: ﴿ وَإِذَا لَّا يَلْبَثُونَ خِلَفَكَ
إِلَّا قَلِيلًا﴾. فإِنَّه - فيما قِيل - ما بينَ خروجِ رسولِ اللهِ عَ لَه مِن مكةً إلى أنْ قتَل
اللَّهُ مَن قتَل مِن مشر کیهم ببدرٍ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثْنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمِّى، قال: ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَإِذَا لَّا يَلْبَثُونَ خِلَفَكَ ( إِلَّا قَلِيلًا﴾: يَعْنى بالقليلِ
يومَ أخذَهم بيدٍ، فكان ذلك هو القليلَ الذى لِثوا بعدَهُ(٥).
(١) فى ف: ((خلفك)).
(٢) تفسير مجاهد ص ٤٤٠ .
(٣) فى م: (( فيوجه)) .
(٤) فى م، ت ١، ت ٢، ف: ((خلفك)).
(٥) فى م: ((بعد)). والأثر عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٩٥/٤ إلى المصنف وابن أبى حاتم.