النص المفهرس
صفحات 581-600
٥٨١
سورة الإسراء : الآيات ٣١ - ٣٣
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدَّثنى
الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ :
خِطْئًا كَبِيرًا﴾. قال(١): خطيئةً(٢) .
حدَّثْنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريجٍ، عن
مجاهدٍ : ﴿ إِنَّ قَبْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ . قال: خطيئةً .
قال ابنُ جريجٍ: وقال ابنُ عباسٍ: ﴿خِطْئًا﴾: خطيئةٌ(٣).
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَلَا نَقْرَبُواْ الزَِّىْ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةٌ وَسَآءَ
سَبِيلًا
(٣٢
يقولُ تعالى ذكره: وقضَى أيضًا ألَّا تَقْرَبُوا أيها الناسُ الزنى ﴿إِنَّهُ كَانَ
فَاحِشَةٌ﴾. " يقولُ: إن الزِّنى كان فاحشةً)، ﴿ وَسَآءَ سَبِيلًا﴾. يقولُ: وساءَ
طريقُ الزِّنى طريقًا؛ لأنه طريقُ أهلِ معصيةِ اللَّهِ، (والمخالفينْ) أمرَه، فَأَشْوِئُ به
طريقًا يُورِدُ صاحبه نارَ جَهَنَّمَ .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَلَ نَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلََّّ بِالْحَقِّ وَمَنْ
قُئِلَ مَظْلُوْمًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِهِ، سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفِ فِ الْقَتْلِّ إِنَّهُ كَانَ
مَنصُورًا
٣٣
(١) بعده فى م: ((أى)) .
(٢) تفسير مجاهد ص ٤٣٦، من طريقه ورقاء به.
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٧٩/٤ إلى المصنف وابن المنذر.
(٤ - ٤) سقط من: ت ١، ت ٢، ف .
(٥ - ٥) فى ص، ت ١، ت ٢: ((المخالفين)).
:
٥٨٢
سورة الإسراء : الآية ١٣
يقولُ جلَّ ثناؤه: وقضَى أيضًا ألَّا تقتلوا، أَيُّها الناسُ، النفسَ التى حرَّم اللهُ
قتلَها إلا بالحقِّ. وحقُّها أن لا تُقتَلَ إلا بكفرٍ بعد إسلام، أو زنِّى بعد إحصانٍ ، أو قَوَدٍ
بنفسٍ ؛ وإن كانت كافرةً لم يتقدَّمْ كفرَها إِسلامٌ، فأن لا يكونَ تقدَّم قَتْلَها لها عهدٌ
وأمانٌ .
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ وَلَا
نَقْتُلُواْ النَّفْسَ أَلَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقّ﴾: وإنا واللَّهِ ما نعلَمُ يَحِلَّ " دمُ امرِىٌّ مسلم إلا
بإحدى ثلاثٍ ؛ إلا رجلًا قتَل متعمِّدًا فعليه القَوَدُ، أو زَنَى بعد إحصانِه فعليه الرجمُ ،
أو كفَر بعد إسلامِه فعليه القتلُ .
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا ابنُ عُبينةً، عن الزهرىِّ، عن عروةَ - (٢أو غيرِه٢) -
٨١/١٥ قال: قيل لأبى بكرٍ: / أتقتُلُ مَن يرَى ألَّا يُؤَدِّىَ الزكاةَ؟! قال: لو منَعونى شيئًا مما أقَرُوا
به لرسولِ اللَّهِ يَِّ لقائلْتُهم. فقيل لأبى بكرٍ: أليس قال رسولُ اللَّهِ وَّهِ: (( أُمِرتُ أن
أُقاتِل الناسَ حتى يقولوا: لا إله إلا اللَّهُ. فإذا قالوها عصَموا منى دماءَهم (" وأموالهم٣
إلا بحقِّها، وحسابُهم على اللَّهِ))؟ فقال أبو بكرٍ: هذا من حقِّها().
حدَّثنى موسى بنُ سهلٍ ، قال : ثنا عمرُو بنُ هاشم، قال : ثنا سليمانُ بنُ حيانَ ،
عن حميد الطويلِ، عن أنسٍ بنِ مالك قال: قال رسولُ اللَّهِ عَ لَّهِ: ((أُمِرتُ أن أُقاتِل
الناسَ حتى يقولوا: لا إلهَ إلا اللَّهُ. فإذا قالوها عصَموا منى دماءهم وأموالهم إلا
بحقِّها، وحسابُهم على اللَّهِ)). قيل: وما حقُّها؟ قال: ((زنِّى بعدَ إحصانٍ، وكفْرٌ
(١) فى م: ((بحل)).
(٢ - ٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف .
(٣ - ٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.
(٤) أخرجه العدنى فى الإيمان ٨٧/١ (٢١) من طريق سفيان عن الزهرى قيل لأبى بكر - الحديث، وينظر
السلسلة الصحيحة (٤٠٧).
٥٨٣
سورة الإسراء : الآية ٣٣
بعدَ إِيمانٍ ، [٢٤٩/٢ر] وقتْلُ نفسٍ فَيُقْتَلُ بها))(١).
وقولُه: ﴿وَمَن قُئِلَ مَظْلُومًا﴾. يقولُ: ومَن قُتِل بغيرِ المعانى التى ذكرنا أنه إذا
قُتِل بها كان قَتْلًا بحقٍّ، ﴿فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ، سُلْطَانًا﴾. يقولُ: فقد جعَلنا لوليّ
المقتولِ ظُلْمًا سلطانًا على قاتل وليّه، فإن شاء استقاد منه فقَتَله بوليِّه، وإن شاء عفا
عنه، وإن شاء أخَذ الدِّيَةَ .
وقد اختلف أهلُ التأويلِ فى معنى السلطانِ الذى جُعِل لوليّ المقتولِ ؛ فقال
بعضُهم فى ذلك نحوَ الذى قُلْنا .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی اُبی ، قال : ثنی عمِّی ، قال : ثنی أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا نَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اَللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَن قُئِلَ
مَظْلُوْمًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ، سُلْطَانًا﴾. قال: بيّةٌ من اللَّهِ عزَّ وجلَّ أَنزَلها ، يَطْلُبُها ولى
المقتولِ ؛ العَقْلَ(٢) أو القَوَدَ، وذلك السلطانُ(٣).
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ ، قال : ثنا عبدُ الرحمنِ ، قال : ثنا سفيان ، عن ◌ُوییٍ ،
عن الضحاكِ بنِ مُزاحِم فى قوله: ﴿فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِّهِ، سُلْطَانًا﴾. قال: إن شاء
عفَا ، وإن شاء أخَذ الدِّيةَ(٤).
(١) أخرجه الطبرانى فى الأوسط (٣٢٢١) من طريق عمرو بن هاشم به ، وقال الطبرانى: لم يرو هذا اللفظ
الذى فى آخر الحديث عن حميد إلا أبو خالد الأحمر، تفرد به عمرو بن هاشم. وأصل الحديث عند البخارى
وأبى داود والنسائى والترمذى وأحمد. انظر المسند الجامع ١/ ١٩٠، ١٩١.
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((بالقتل)).
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٨١/٤ إلى المصنف وابن أبى حاتم.
(٤) ذكره البغوى فى تفسيره ٥/ ٩١، والقرطبى فى تفسيره ١٠/ ٢٥٥.
٥٨٤
سورة الإسراء : الآية ٣٣
وقال آخرون : بل ذلك السلطانُ هو القتلُ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرّ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمَنْ قُئِلَ
مَظْلُوْمًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ، سُلْطَانًا﴾: وهو القَوَدُ الذى جعَله اللَّهُ تعالى (١).
وأولى التأويلين بالصوابِ فى ذلك تأويلُ مَن تأوَّل ذلك : أن السلطانَ الذى
ذكَر اللَّهُ تعالى فى هذا الموضعِ ما قاله ابنُ عباسٍ، من أن لولىِّ القتيلِ القتلَ إن شاء،
وإن شاء أخَذ الديةَ، وإن شاء العفوَ؛ لصحةِ الخبرِ عن رسولِ اللَّهِ وَّلِ أنه قال يومَ فتحٍ
مكةَ: ((ألا ومَن قُتِل له قتيلٌ فهو بخيرِ النَّظَرَيْن؛ بينَ أَن يَقتُلَ أُو يَأْخُذَ الديةَ))(١) . وقد
بيّنا الحكمَ فى ذلك فى كتابنا (( كتابِ الجراحِ)) .
وقولُه: ﴿فَلاَ يُسْرِفِ فِ الْقَتْلِ﴾. اختلَفتِ القِرَأَةُ فى قراءةِ ذلك، فقرَأَتْه
عامةُ قرأةِ الكوفةِ: (فَلا تُشْرِفْ) بمعنى الخطابِ لرسولِ اللَّهِ عَلَّه(١)، والمرادُ به هو
٨٢/١٥ والأئمةُ مِن بعدِه. يقولُ: فلا / تَقْتُلْ بالمقتولِ ظُلْمًا غيرَ قاتِلِه، وذلك أن أهلَ الجاهليةِ
كانوا يفعلون ذلك؛ إذا قتل رجلٌ رجلًا عمَد ولىُّ القتيلِ إلى الشّريفِ من قبيلةِ القاتلِ
فقتله بوليِّه وترَك القاتلَ، فنهَى اللَّهُ عزَّ وجلَّ عن ذلك عبادَه، وقال لرسولِه عليه
الصلاةُ والسلامُ: قتلُ غيرِ القاتلِ بالمقتولِ معصيةٌ وسَرَفٌ ، فلا تَقْتُلْ به غيرَ قاتِلِه ، وإن
قتَلتَ القاتلَ بالمقتولِ فلا تُمثِّلْ به . وقرَأ ذلك عامةُ قرَأَةِ أهلِ المدينةِ والبصرةِ : ﴿فَلَا
(١) ذكره الثعالبى فى تفسيره ٢/ ٣٤٠.
(٢) أخرجه البخارى (٢٤٣٤، ٦٨٨٠)، ومسلم (٤٤٧/١٣٥٥، ٤٤٨)، والترمذى (١٤٠٥)،
والنسائى (٤٧٩٩، ٤٨٠٠) من حديث أبى هريرة .
(٣) وهى قراءة حمزة والكسائى. الكشف عن وجوه القراءات ٤٦/٢، والحجة ص ٤٠٢، والتيسير فى
القراءات ص ١١٤.
٥٨٥
سورة الإسراء : الآية ٣٣
يُسْرِفِ﴾ بالياءِ(١) ، بمعنى: فلا يُشْرِفْ ولىُّ المقتولِ فِيَقْتُلَ غيرَ قاتلٍ وليّه. وقد
قيل : عنَى به: فلا يُشْرِفِ القاتلُ الأولُ، لا ولىُّ المقتولِ .
والصوابُ من القولِ فى ذلك عندى أن يقالَ : إنهما قراءتان متقاربتا المعنى؛
وذلك أن خطابَ اللَّهِ تبارَك وتعالى نبيّه ◌ِ لّهِ بأمرٍ أو نهى فى أحكامِ الدينِ، قضاءٌ منه
بذلك علی جمیع عباده ، و کذلك أمره ونهيه بعضهم أمرٌ منه ونھی جمیعهم ، إلا
فیما دلَّ فیه علی أنه مخصوصٌ به بعض دون بعض، فإذا كان ذلك كذلك بما قد بيَّنا
فى كتابِنا كتابٍ ((البيانِ عن أصولِ الأحكام))، فمعلوم أن خطابَه تعالى بقوله: (فَلا
تُشْرِفْ(١) فى القَتْلِ) نبيَّه عَلَّمِ، وإن كان موجّهًا إليه أنه معنىٌّ به جمیعُ عبادِه،
فكذلك نهيُه ولىَّ المقتولِ أو القاتلَ عن الإسراف فى القتلِ والتعدِّی فیه، نهىٌّ
لجميعِهم. فبأىِّ ذلك قرَأ القارئُ فمصيبٌ صوابَ القراءةِ فى ذلك .
وقد اختلف أهلُ التأويل فى تأويلهم ذلك نحوَ اختلافٍ القرّأة فى قراءتِهم
إيَّاه .
ذكرُ مَن تأوَّل(٢) ذلك بمعنى الخطابِ لرسولِ اللهِ عَلَّ﴾.
حدَّثنا (* ابنُ بشار٤ٍ) ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال : ثنا سفيانُ ، عن منصورٍ ، عن
طَلْقِ بنِ حَبيبٍ فى قوله: ﴿فَلاَ يُشْرِفِ فِىِ الْقَتْلِ﴾. قال: لا تَقْتَلْ(٩) غيرَ قاتِلِهِ ، ولا
(١) وهى قراءة نافع وابن كثير وأبى عمرو وابن عامر وعاصم. وينظر المصادر السابقة.
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((يسرف)).
(٣) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((قال)).
(٤ - ٤) فى ص، ت ١، ت ٣: (( بشر).
(٥) فى م: ((تسرف)).
(٦) فى ت ١، وت ٢: ((يقتل)).
٥٨٦
سورة الإسراء : الآية ٣٣
ء بره (١) (٢)
تُمِّلْ بِهُ" .
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ ، عن طَلَّقٍ بنٍ حَبيبٍ بنحوِه .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال : أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا الثورىُّ، عن
خُصَيْفٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ فى قوله: ﴿فَلَا يُسْرِفِ فِى الْقَتْلِّ﴾. قال: لا تَقْتل
اثنيْن بواحدٍ ).
حُدِّثتُ عن الحسينِ بنِ الفرج ، قال : سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ : أخبرنا عبيدٌ ، قال :
سمِعتُ الضحاكَ يقولُ فى قوله: ﴿ فَلَا يُسْرِف فِ الْقَتْلِّ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾
قال(٤): كان هذا بمكةً ونبِىُّ اللَّهِ مَّهِ بها، وهو أولُ شيءٍ نزل من القرآنِ فى شأنٍ
القتلِ. كان المشركون "مِن أهل مكةً) يَغْتالون أصحابُ النبيِّ ◌َّ الِ، فقال اللَّهُ
تبارك وتعالى : مَن قتَلكم من المشركين، فلا يَحْمِلنَّكُم قَتْلُه إياكم على أن تَقتُلوا له أبًا
أو أخًا أو أحدًا من عشيرتِه وإن كانوا مشركين، فلا تَقتُلوا إلا قاتِلَكم . وهذا قبلَ
أن تَنزِل ((براءةُ))، وقبلَ أن يُؤْمَروا بقتالِ المشركين، فذلك قوله: ﴿فَلَا يُسْرِف
فِىِ الْقَتْلِ﴾. يقولُ: لا تَقْتُلْ غيرَ قاتِلِك، وهى اليومَ على ذلك الموضعِ من
المسلمين، [٢٤٩/٢ظ] لا يَحِلُّ لهم أن يَقتُلوا إلا قاتلَهم(١).
(١) فى ت ١، ت ٢: ((يمثل)).
(٢) تفسير سفيان ص ١٧٣، وأخرجه البيهقى ٢٥/٨ من طريق عبد الرحمن بن مهدى به ، وابن أبى شيبة
٤٢٣/٩ من طريق منصور به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٨١/٤ إلى ابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٣) تفسير عبد الرزاق ٣٧٧/١ بنحوه، وتفسير الثورى ص ١٧٣، وأخرجه ابن أبى شيبة ٩/ ٤٢٣، والبيهقى
٢٥/٨ من طريق سفيان به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٨١/٤ إلى ابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٤) سقط من : م .
(٥ - ٥) سقط من: م.
(٦) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ١٨٠، ١٨١ إلى المصنف وابن المنذر.
٥٨٧
سورة الإسراء : الآية ٣٣
ذكرُ مَن قال: عُنى به ولىُّ المقتولِ
حدَّثنى يعقوبُ ، قال: ثنا ابنُ عليةً ، قال : ثنا أبو رجاءٍ، عن الحسنِ فى قوله :
﴿وَمَنْ قُئِلَ / مَظَّلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيْهِ، سُلْطَانًا﴾. قال: كان الرجلُ يُقتلُ فيقولُ ٨٣/١٥
وليّه : لا أَرضَى حتى أَقْتُلَ به فلانًا وفلانًا من أشرافٍ قبيليتِه(١).
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال : ثنا محمدُ بنُ ثورٍ ، عن معمرٍ ، عن قتادةً :
فَلَا يُسْرِفِ فِ الْقَتْلِ﴾. قال: لا تَقْتُلُ غيرَ قاتِلِك، ولا تُمثّلْ به(٢).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةً: ﴿فَلَا يُسْرِف فِ
اٌلْقَتْلِ﴾. "قال: لا٢ يَقتُلْ غيرَ قاتِلِه؛ مَن قَتَل بحديدةٍ قُتل بحديدةٍ، ومَن قَتَل
بِخَشَبةٍ قُتِل بخشبةٍ ، ومن قتَل بحَجَرٍ قُتِل بحجرٍ. ذُكِر لنا أن نبىَّ اللَّهِ كان يقولُ:
((إن من أعتَى الناسِ على اللّهِ جلَّ ثناؤُه ثلاثةٌ؛ رجلٌ قتَل غيرَ قاتِلِه ، أو قتَل بذَخْلِ"
(٤)
الجاهلية، أو قتل فى حرمِ اللَّهِ))(٥).
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال (١) : سمِعتُه - يعنى ابنَ زيدٍ - يقولُ
فى قولِ اللَّهِ جلَّ ثناؤه: ﴿ وَمَنْ قُئِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِهِ، سُلْطَانًا﴾. قال: إِن
(١) ذكره ابن الجوزى فى زاد المسير ٣٣/٥.
(٢) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٣٧٧/١ عن معمر به .
(٣ - ٣) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((فلا)).
(٤) فى م: ((بدخن)). والذحل: الثأر، أو طلب مكافأة بجناية جُنيت عليك، أو عداوة أتيت إليك، أو هو
العداوة والحقد. القاموس المحيط (ذ ح ل).
(٥) عزا قول قتادة السيوطى فى الدر المنثور ١٨١/٤ إلى المصنف وابن أبى حاتم، والجزء المرفوع أخرجه أحمد
(٦٦٨١) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص بنحوه، كما أخرجه فى (١٦٣٧٦، ١٦٣٧٨) والبيهقى
فى ٢٦/٨، من حديث أبى شريح الخزاعى بنحوه .
(٦) بعده فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((قال)).
٥٨٨
سورة الإسراء : الآية ٣٣
العربَ كانت إذا قُتِل منهم قتيلٌ، لم تَرْضَوْا أن يَقتُلوا قاتلَ صاحبِهم حتى يَقتُلوا
أشرفَ مِن الذى قتله، فقال اللَّهُ جلَّ ثناؤه: ﴿فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ، سُلْطَانًا﴾. ينصُرُه
ويَنْتَصِفُ مِن حقُّه، ﴿فَلَا يُسْرِفِ فِ الْقَتْلِ﴾: يَقْتُلْ بريئًا(١).
ذكرُ مَن قال : عُنِى به القاتلُ
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن
عبدِ اللَّهِ ( بنِ كثيرٍ، عن مجاهد٢١ٍ: ﴿فَلَا يُسْرِفِ فِ الْقَتْلِ﴾. قال: لا يُشْرِفِ
القاتلُ فى القتلِ (٢).
وقد ذكرنا الصوابَ من القراءةِ فى ذلك عندَنا ، وإنْ(٤) كان كِلا وَجْهى القراءةِ
عندَنا صوابًا، فكذلك جميعُ أوجهِ تأويلِه التى ذكرناها غيرُ خارجٍ وجهً منها من
الصوابٍ؛ لاحتمالِ الكلامِ ذلك، وإنَّ فى نهي اللَّهِ جلَّ ثناؤُه بعضَ خلقِه عن
الإسراف فى القتل، نهيًا منه جمیعَهم عنه .
وأما قولُه: ﴿ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾ . فإن أهلَ التأويلِ اختلَفوا فى مَن ◌ُنِى بالهاءِ
التى فى قوله: ﴿إِنَّهُ﴾. وعلامَ هى عائدةٌ، فقال بعضُهم: هى عائدةٌ على ولىٍّ
المقتولِ ، وهو المعنىُّ بها، وهو المنصورُ على القاتلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُّ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿ إِنَّهُ
(١) أخرجه البيهقى ٢٥/٨ بنحوه .
(٢ - ٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف. وانظر تهذيب الكمال ١٥/ ٤٦٨.
(٣) تفسير سفيان ص١٧٢ بمعناه، وذكره القرطبى فى تفسيره ٢٥٥/١٠، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ١٨١/٤ إلى ابن أبى حاتم .
(٤) فى ص، ت ١، ت ٢: ((إذ)، وفى م: ((وإذا)).
٥٨٩
سورة الإسراء : الآية ٣٣
كَانَ مَنصُورًا﴾. قال: هو دفعُ الإِمامِ إليه - يعنى إلى الوليّ - فإن شاء قتَل، وإن شاء
عفا .
وقال آخرون : بل عُنِى بها المقتولُ . فعلى هذا القولِ هى عائدةٌ على ((مَن)) فى
قوله: ﴿ وَمَنْ قُئِلَ مَظْلُومًا﴾ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال : ثنا الحسينُ، قال : ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريج، عن
عبدِ اللهِ بنِ كثيرٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾: إن المقتولَ كان
(١)
منصورًا(١).
وقال آخرون : عُنِى بها دمُ المقتولِ . وقالوا: معنى الكلام : إن دمَ القتيلِ كان
منصورًا على القاتلِ .
/وأشبهُ ذلك بالصوابِ عندى قولُ مَن قال: عُنِى بها (٢) الولىُ وعليه عادَتْ؛ ٨٤/١٥
لأنه هو المظلومُ ووليُّه المقتولُ، وهى إلى ذكرِه أقربُ(٣) من ذكرِ المقتولِ، وهو المنصورُ
أيضًا؛ لأن اللَّهَ جلَّ ثناؤُه قضَى فى كتابِهِ المتَزَّلِ، أن سلَّطه على قاتل وليّه، وحكْمَه
فيه؛ بأن جعَل إليه قتلَه إن شاء، واستبقاءَه على الديةِ إن أحبَّ، والعفوَ عنه إن رأَى ،
وكفَى بذلك نُصرةً (٤ له من اللَّهِ) ، فلذلك قلنا: هو المعنىُّ بالهاءِ التى فى قولِه :
﴿ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾ .
١٠
(١) تقدم تخريجه الصفحة السابقة .
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: (( به)).
(٣) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((أصوب)).
(٤ - ٤) فى ص، ت ١، ت ٢: (( لدين الله)).
٥٩٠
سورة الإسراء : الآية ٣٤
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿ وَلَا نَقْرَبُواْ مَالَ الْيَنِيمِ إِلَّا بِلَِّى هِىَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ
٣٤
أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِّ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا
يقولُ تعالى ذكره: وقضَى أيضًا أن لا تقرَبُوا مالَ اليتيم بأكلٍ ، إسرافًا وبِدَارًا أن
يَكْبَروا ، ولكن اقرَبُوه بالفَعْلةِ التى هى أحسنُ ، والخَلَّةِ التى هى أجملُ، وذلك أن
تَتَصَرَّفوا فيه له بالتثميرِ والإصلاحِ والحَيِّطةِ .
وكان قتادةُ يقولُ فى ذلك ما حدَّثنا بشرٌ ، قال: ثنا يزيدُ ، قال : ثنا سعيدٌ ، عن
قتادةَ قولَه: ﴿ وَلَا نَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيِ إِلَّا بِأَلَِّى هِىَ أَحْسَنُ﴾: لِمَّ نزلت هذه الآيةُ ، اشتدَّ
ذلك على أصحابٍ رسولِ اللهِ وَِّ، فكانوا لا يُخالِطُونهم فى طعامٍ أو أكلٍ ولا
غيرِهِ ، فأنزل اللَّهُ تبارك وتعالى: ﴿ وَإِن تُخَالِطُوُهُمْ فَإِخْوَانُكُمّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ
اُلْمُصْلِحِ ﴾ [البقرة: ٢٢٠]. فكانت هذه لهم فيها رُخْصةً (١) .
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال : ثنا محمدُ بنُ ثورٍ ، عن معمرٍ ، عن قتادةً :
﴿ وَلَا نَقْرَبُواْ مَالَ الْيَنِيمِ إِلَّا بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ﴾ . قال: كانوا لا يُخالِطُونهم فى مالٍ
ولا مأكلٍ ولا مَرْكَبٍ، حتى نزَلت: ﴿ وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ ﴾
وقال ابنُ زيدٍ فى ذلك ما حدَّثنی يونسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وهب ، قال : قال
ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَلَا نَقْرَبُواْ مَالَ الْبَنِيمِ إِلَّا بِلَتِ هِىَ أَحْسَنُ﴾. قال: الأكلُ
بالمعروفِ، أن تأكُّلَ معه إذا احْتَجْتَ إليه . كان أَبِّ يقولُ ذلك .
وقولُه: ﴿ حَقَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ . يقولُ: حتى يَبلُغَ وقتَ اشتدادِه فى العقلِ،
وتدبيرِ مالِهِ، وصلاح حالِهِ فى دينِه . ﴿وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ ﴾. يقولُ: وأَوْفُوا بالعَقدِ
(١) تقدم تخريجه فى ٣/ ٧٠٠، كما عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٨١/٤ إلى المصنف.
(٢) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٨٩/١، ٣٧٧، ٣٧٨، عن معمر به .
٥٩١
سورة الإسراء : الآيتان ٣٤ ، ٣٥
الذى تُعاقِدُون الناسَ فى الصلح بينَ أَهلِ الحربِ والإسلامِ، وفيما بينكم أيضًا ،
والبيوع والأشربةِ والإجاراتِ، وغيرِ ذلك من العقودِ؛ [٢٥٠/٢ و] ﴿إِنَّ الْعَهْدَ
كَانَ مَسْئُولًا﴾ يقولُ: إن اللَّهَ سائلٌ ناقضَ العهدِ عن نقضِهِ إِيَّاه . يقولُ: فلا
تَنْقُضُوا العهودَ الجائزةَ بينكم وبينَ من عاهَدْتُموه أيها الناسُ فَتَخْفِرُوه، وتَغْدِرُوا بَمَن
أعطَيْتُموه ذلك. وإنما عنَى بذلك أن العهدَ كان مطلوبًا؛ يقال فى الكلام: ليُسْعَلَنَّ
فلانٌ عهد فلانٍ .
/ القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿ وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِئُواْ بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيِّ ٨٥/١٥
ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا
٣٥
يقولُ تعالى ذكره: وقضَى أَن أوفوا الكيلَ للناسٍ إذا كلتم لهم حقوقَهم
قِبَلَكُم، ولا تبخَسُوهم، ﴿ وَزِنُواْ بِلْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِمِ﴾. يقولُ: وقضَى أن زِنُوا
أيضًا إذا وزَنتُم لهم بالميزانِ المستقيم)؛ وهو العدلُ الذى لا اعوجاجَ فيه، ولا
دَغَلَ(٢) ، ولا خديعةً .
وقد اختلف أهلُ التأويلِ فى معنى القسطاسِ؛ فقال بعضُهم: هو القَبَّانُ(٣).
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا صفوانُ بنُ عيسى، قال: ثنا الحسنُ بنُ
ذكوانَ، عن الحسنِ: ﴿وَزِنُواْ بِالْفِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾. قال: القَّانُ(٤).
(١ - ١) سقط من: ت ١، ت ٢، ف .
(٢) الدغل: دَخَلٌ فى الأمر مفسدٌ. تاج العروس (د غ ل).
(٣) القَتان: الميزان ذو الذراع الطويلة المقسَّمة أقسامًا، ينقل عليها جسم ثقبل يسمى الرمانة لتعيِّن وزنَ ما
يوزن . الوسيط ( ق ب ن ).
(٤) ذكره البغوى فى تفسيره ٥/ ٩٢، والثعالبى فى تفسيره ٢/ ٣٤١.
٥٩٢
سورة الإسراء : الآية ٣٥
وقال آخرون : هو العدلُ بالروميةِ .
;
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا علىُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا حجاجٌ، عن ابن جريج، عن مجاهدٍ :
القِسطاسُ : العدلُ بالروميةِ(١).
وقال آخرون : هو الميزانُ صَغُر أو كَبُر .
وفيه لغتان : القِسطاسُ بكسرٍ القافِ، والقُسطاسُ بضمِّها، مثل القِرطاسِ
والقُرطاسِ . وبالكسرِ يقرَأُ عامةُ قرأةِ أهلِ الكوفةِ ، وبالضمّ يقرأُ عامةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ
والبصرةٍ، وقد قرَأ به أيضًا بعضُ قرأةِ الكوفيين(٢)، وبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ ؛
لأنهما لغتان مشهورتان ، وقراءتان مستفيضتان فى قرَأَةِ الأمصارِ .
وقولُه : ﴿ ذَلِكَ خَيْرٌ﴾. يقولُ : إِیفاؤُ کم أيها الناسُ مَن تکیلون له الكيلَ،
ووزنُكم بالعدلِ لمن تُوفون(١) له خيرٌ لكم من بَخْسِكم إيَّاهم ذلك، وظُلمِكموهم
فيه .
وقولُه: ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾. يقولُ: وأحسنُ مَرْدُودًا عليكم ، وأولى إليه فيه
فِعْلُكُم ذلك؛ لأن اللَّهَ تبارك وتعالى يَرْضَى بذلك عليكم ، فيُحْسِنُ لكم عليه الجزاءَ .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
(١) تفسير مجاهد ص ٤٣٦، وتفسير سفيان ص ١٧٣، عن جابر عن مجاهد ، ومن طريق سفيان أخرجه ابن
أبى شيبة فى ١٠ / ٤٧١، ٤٧٢، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٨٢/٤ إلى الفريانى وعبد بن حميد
والمصنف وابن المنذر وابن أبى حاتم وينظر تغليق التعليق ٣٨٢/٥، ٣٨٣.
(٢) القراءة بكسر القاف هى قراءة عاصم فى رواية حفص وحمزة والكسائى، والقراءة بضم القاف هى قراءة ،
نافع وابن كثير وأبى عمرو وابن عامر وعاصم فى رواية أبى بكر شعبة. السبعة ص ٣٨٠، والتيسير ص ١١٤.
(٣) فى ت ١: (توزنون))، وفى ت ٢: (( توتون)).
٥٩٣
سورة الإسراء : الآيتان ٣٥، ٣٦
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قولَه: ﴿وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ
إِذَا كِتُمْ وَزِيُواْ بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيِّ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ أى: خيرٌ ثوابًا وعاقبةٌ .
وأُخْبِرْنَا أن(١) ابنَ عباسٍ كان يقولُ: يا معشرَ الموالى، إنكم وَلِيتُم أمرين(٢) بهما هلَك
الناسُ قبلكم ؛ هذا المكيالَ، وهذا الميزانَ. قال: وذكِر لنا أن نبيَّ اللّهِ مَّهِ كان يقولُ:
((لا يَقدِرُ رجلٌ على حرام ثم يَدَعُه ، ليس به إلا مخافةُ اللَّهِ ، إلا أبدله اللَّهُ فى عاجل
الدنيا قبل الآخرةِ ما هو خيرٌ له من ذلك))(٢).
/حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ٨٦/١٥
﴿ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾. قال: عاقبةً وثوابً(1).
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿ وَلَا نَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلْمٌّ إِنَّ السَّمْعَ وَاَلْبَصَرَ
(٣٦
وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا
اختلف أهلُ التأويلِ فى تأويل قوله: ﴿ وَلَا نَفْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلْمٌّ ﴾ ؛ فقال
بعضُهم : معناه : ولا تَقُلْ ما ليس لك به علمٌ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى علىُّ بنُ داودَ ، قال : ثنا أبو صالح، قال : ثنى معاويةُ ، عن عليٍّ ، عن
ابنِ عباسٍٍ قوله: ﴿ وَلَا نَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلَهٌ﴾. يقولُ: لا تَقُلْ(٥).
(١) سقط من: ت ٢، ف .
(٢) بعده فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((قبلكم)).
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٨٢/٤ إلى عبد بن حميد والمصنف وابن المنذر وابن أبى حاتم.
(٤) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٣٧٨/١ عن معمر به.
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم، كما فى تغليق التعليق ٢٤٢/٤، من طريق أبى صالح به، وعزاه السيوطى فى =
( تفسير الطبرى ٣٨/١٤ )
٥٩٤
سورة الإسراء : الآية ٣٦
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ وَلَا نَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ
بِهِ، عِلْمُّ إِنَّ السَمْعَ وَاَلْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾: لا تَقُلْ: رأيتُ(١)
ولم تَ(٣)، و: سمِعتُ ولم تَسمَعْ؛ فإن اللَّهَ سائلُك عن ذلك كلّه(٣).
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ ، عن معمرٍ ، عن قتادةً :
﴿ وَلَا نَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلْهٌّ﴾ . قال: لا تَقُلْ: رأيتُ ولم تَرَ، و: سمِعتُ ولم
تَسمعْ، و: علِمتُ ولم تَعْلَمْ(٤).
خُدِّثتُ عن محمدٍ بن ربيعةً، عن إسماعيلَ الأزرقِ ، عن أبى عمرَ البزَّارِ ، عن
ابنِ الحَنَفِيَّةِ، قال: شهادةُ الزورِ ) .
وقال آخرون : بل معناه : ولا تَرْمِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی أبی ، عن
أبيه ، عن ابنِ عباس قولَه: ﴿ وَلَا نَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلْمٌّ﴾. يقولُ : لا تَزْم أحدًا بما
ليس لك به علم .
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدَّثنى
= الدر المنثور ١٨٢/٤ إلى المصنف وابن أبى حاتم .
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((رأيته)).
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((تره)).
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٨٢/٤ إلى المصنف وابن المنذر.
(٤) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٣٧٨/١ عن معمر به، وذكره البغوى فى تفسيره ٩٢/٥.
(٥) أخرجه ابن أبى شيبة ٢٥٨/٧ من طريق إسماعيل به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٨٢/٤ إلى ابن
المنذر وابن أبى حاتم .
(٦) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٨٢/٤ إلى المصنف.
٥٩٥
سورة الإسراء : الآية ٣٦
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ ، قال : ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ :
﴿ وَلَا نَقْفُ﴾ : ولا تَزْمِ (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريجٍ، عن
مجاهدٍ مثله .
وهذان التأويلان متقاربا المعنى؛ لأن القولَ بما لا يَعلَمُه القائلُ يدخُلُ فيه شهادةٌ
الزورِ، ورمىُ الناسِ بالباطلِ، وادعاءُ سماعٍ ما لم يَسْمَعْه ورؤيةِ ما لم يَرَهُ . وأَصلُ
القَفْوِ: العَضَهُ والبَهْتُ. ومنه قولُ النبيِّ عَِّ: [٢٥٠/٢ظ] ((نحن بنو النضرِ بنِ
كنانةَ لا نَقْفُو أُمَّنا، ولا نَنْتَفِى من أَبِينا))(١). وكان بعضُ البصريين يُنْشِدُ فى ذلك
(٣)
بيًا(٣) .
بهنَّ الحَيَاءُ لا يُشِعْنَ الثَّقافيا ٨٧/١٥
/ وَمِثْلُ الدُّمَى شُمُّ العَرَانِينِ(٤) ساكنٌ
يعنى بالتقافى : التقاذفُ .
ويُزْعَمُ أن معنى قوله: ﴿ لَا نَقْفُ﴾: لا تَتَّبِعْ ما لا تعلَمُ ولا يَعْنِيك. وكان
بعضُ أهلِ العربيةِ من أهلِ الكوفةِ يَزْعُمُ أن أصلَه القيافةُ، وهى اتِباعُ الأثرِ(٥)، وإذ(١)
كان كما ذكروا وجَب أن تكونَ القراءةُ: ( وَلا تَقُفْ ) (١) بضمِّ القافِ وسكونٍ
(١) تفسير مجاهد ص ٤٣٦.
(٢) أخرجه أحمد ٢١١/٥، ٢١٢ (ميمنية)، وابن ماجه (٢٦١٢) من حديث الآشعث بن قيس .
(٣) هو النابغة الجعدى. والبيت فى ديوانه (المجموع) ص ١٨٠.
(٤) العرانين: جمع عِرنين؛ وهو أول الأنف حيث يكون فيه الشمم. ويقال: هم شم العرنين: أعزة أباة .
لسان العرب والوسيط (ع رن).
(٥) معانى القرآن ٢/ ١٢٤.
(٦) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((إذا)).
(٧) هى قراءة معاذ القارئ. البحر المحيط ٣٦/٦.
٥٩٦
سورة الإسراء : الآية ٣٦
الفاءِ، مثلُ: ولا تَقُلْ. قال: والعربُ تقولُ: قفوتُ أَثَرَه، وقُفْتُ (١) أَثَرَه. فتُقَدِّمُ
أحيانًا الواوَ على الفاءِ() وَتُؤَخِّرُها أحيانًا بعدَها، كما قيل: قاعَ الجملُ الناقةَ - إِذا
ركِبها - وقَعَا. وعاث وعَثى. وأنشَد سماعًا من العرب(١) :
(٦)
لَعاقَكَ مِنْ دُعاءِ الذِّئْبِ عاقِى
ولَوْ أنی "رَمَيْتُكَ مِنْ قَرِيبٍ)
يعنى : عائقٌ. ونظائرُ هذا كثيرةٌ فى كلامِ العربِ.
وأولى الأقوالِ فى ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال : معنى ذلك : لا تَقُلْ للناسِ وفيهم
ما لا علمَ لك به ، فتَزْمِيَهم بالباطلِ، وَتَشْهَدَ عليهم بغيرِ الحقِّ ، فذلك هو القَفْوُ. وإنما قلنا
ذلك أولى الأقوالِ فيه بالصوابِ ؛ لأن ذلك هو الغالبُ من استعمالِ العربِ القفوَ فيه .
وأما قولُه: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَاَلْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾. فإن
معناه : إن اللَّهَ سائلٌ هذه الأعضاءَ عما قال صاحبُها؛ من أنه سمع أو أبصَر أو علِم،
تَشْهَدُ علیه جوارحُه عند ذلك بالحقِّ .
وقال: ﴿أُوْلَكَ﴾. ولم يَقُلْ(٢): ((تلك)). كما قال الشاعر (1):
والعَيْشَ بَعْدَ أُولَئِكَ الأَيَّامِ ()
ثُمَّ المتَّازِلَ بَعْدَ مَنْزِلَةِ اللِّوَى
(١) فى ص، ت ١، ف: ((قفيت))، وفى ت ٢: (( قفوت)).
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((القاف)).
(٣) البيت فى معانى القرآن ٢/ ١٢٤، ولسان العرب (و ی ب ، ع ن ق ، ع و ق ، ع ق ١).
(٤ - ٤) فى معانى القرآن: ((رأيتك من بعيد)).
(٥) فى معانى القرآن: ((النيب)).
(٦) فى النسخ: ((عاق)). والمثبت من معانى القرآن ليستقيم الاستشهاد بالبيت.
(٧) بعده فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((كل)).
(٨) هو جرير، والبيت فى شرح ديوانه ص ٥٥١.
(٩) فى شرح الديوان: ((الأقوام)). وهو ما يشعر بعكس مراد المصنف فى الاستشهاد بالبيت ، وقد جاء البيت
على الصواب فى المقتضب ١/ ١٨٥، وشرح شواهد شرح الشافية للبغدادى ١٦٧/٤. يقول: قال العينى :=
٥٩٧
سورة الإسراء : الآيات ٣٦ - ٣٨
/وإنما قيل: أولئك؛ لأن ((أولئك)) و((هؤلاء)) للجمع القليلِ الذى يَقعُ للتذكيرِ ٨٨/١٥
والتأنيثِ، و((هذه)) و ((تلك)» للجمعِ الكثيرِ، فالتذكيرُ للقليلِ (١من (" بابٍ إن١)")
كان(٣) التذكيرُ فى الأسماءِ قبلَ التأنيثِ(٤) " لك التذكيرُ للجمعِ الأُوَّلِ°)، والتأنيثُ
للجمعِ الثانى ، وهو الجمعُ الكثيرُ؛ لأن العربَ تجعَلُ الجمعَ على مثالِ الأسماءِ .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَلَا تَمْشِ فِ اُلْأَرْضِ مَرَجًاً إِنَّكَ لَن تَّخْرِقَ الْأَرْضَ
٣٨
كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَبِّئُهُ عِنْدَ رَيِّكَ مَكْرُوهًا
٣٧
وَلَنْ تَبِّلُغَ الِبَالَ حُولًا
يقولُ تعالى ذكره: ولا تمشٍ فى الأرض مُخْتَلًا مُسْتَكْبِرًا، ﴿إِنَّكَ لَن تَّخْرِقَ
اٌلْأَرْضَ﴾. يقولُ: إنك لن تَقَطَعَ الأرضَ باختيالِك، كما قال رُؤْبةُ(٦):
، وقاتٍ(٢) الأعماقِ خاوِى المُخْتُرَقْ.
يعنى بالمخْتَرَقِ: المُقَطَّعُ.
﴿ وَلَنْ تَبْلُغَ الِبَالَ حُولًا﴾. ("يقولُ: ولن تساوىَ الجبالَ طُولًاً) بفخرِك
= ويروى ((الأقوام)) بدل ((الأيام))، وحينئذ لا شاهد فيه، وزعم ابن عطية أن هذه الرواية هى الصواب وأن
الطبرى غلط إذ أنشد ((الأيام))، وأن الزجاج تبعه فى هذا الغلط.
(١ - ١) سقط من: ت ١.
(٢ - ٢) بياض فى: ت ٢، وطمس بقدر سبع كلمات فى: ف.
(٣) فی ت ١: ((و)).
(٤) بعده فى ف جملة غير واضحة حتى قوله: ((لك التذكير ... )).
(٥ - ٥) سقط من: ت ١، ف. وفى ص، ت ٢: ((والتأنيث)).
(٦) هو صدر بيت عجزه :
• مُشتبه الأعلام لمّع الخفش.
وهو فى ديوانه فى مجموعة أشعار العرب ص ١٠٤، وينظر الشعر والشعراء ١/ ٦١.
(٧) فى ت ١، ف: ((قائم))، وفى ت ٢: ((قام)).
(٨ - ٨) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ف.
٥٩٨
سورة الإسراء : الآية ٣٧
وكِبْرِك. وإنما هذا نهىٌّ من اللَّهِ عبادَه عن الكِبرِ والفخرِ والخُلاءِ، وتَقدَّم منه إليهم فيه
معرِّفُهم بذلك أنهم لا يَتالُون بكبرِهم وفِخَارِهم شيئًا يَقْصُرُ عنه غيرُهم .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك ، قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ وَلَا تَمْشِ فِى
اْأَرْضِ مَرَسَّاً إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الِبَالَ عُولًا ﴾. يعنى: بكِبْرِك
ومرَحِك .
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَورٍ ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿ وَلَا
تَمْشِ فِى الْأَرْضِ مَرَجَّاً﴾. قال: لا تَمْشِ فى الأرضِ فَخْرًا وكبرًا، فإن ذلك لا يَتْلُغُ بك
الجبالَ، ولا تَخْرِقِ الأرضَ بكِثِرِك وفَخْرِكُ(١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريج: ﴿ وَلَا
تَمْشِ فِى الْأَرْضِ مَرَحًا﴾. قال: لا تَفخَرْ.
وقيل: ولا تمش مرحًا. ولم يقلْ: مَرِحًا؛ لأنه لم يُرِدْ بالكلام: لا تَكْ مرِحًا .
فيَجعَلَه من نعتِ الماشى، وإنما أُرِيدَ: لَا تَمْرَعْ فى الأرضِ مَرَحًا. ففسَّر بالمَرَحِ() المعنى
المرادَ من قوله: ﴿ وَلَا تَمْشِ﴾، كما قال الراجزُ(١):
(١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٣٧٨/١ عن معمر به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٨٢/٤ إلى
المصنف وابن أبى حاتم .
(٢) سقط من: ص ، م، ت ١، ت ٢.
(٣) هو رؤبة بن العجاج وهو من الزيادات على ديوانه. مجموعة أشعار العرب ص ١٧٢.
٥٩٩
سورة الإسراء : الآيتان ٣٧، ٣٨
/ يُعْجِبُهُ السَّخُونُ(١) والعَصِيدُ(٢) والشَّمْرُ حُبَّا ما لَهُ مَزيدُ ٨٩/١٥
فقال: حُبًّا؛ لأن فى قولِه: يُعْجِبُه. معنى يُحِبُّ. فأخرَج قولَه : حُبًّا . من
معناه دونَ لفظِه .
وقولُه: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ, عِندَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾. فإن القرأةَ اختلَفت فيه ،
فقرأه بعضُ قرَأةِ المدينةِ وعامةُ قرَأَةِ الكوفةِ: ﴿ كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَبِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ
مَكْرُوهًا﴾ على الإضافةِ(١) بمعنى: كلُّ هذا الذى ذكرنا من هذه الأمورِ التى عدَّدْنَا
من مُتّداً قولنا: ﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُواْ إِلََّ إِيَّاهُ﴾. إلى قولِنا: ﴿ وَلَا تَمْشِ فِي
اُلْأَرْضِ مَرَحًّاً﴾. ﴿ كَانَ سَيِّئُهُ﴾. يقولُ: سيئُ ما عدَّدْنا عليك عندَ ربِّك
مكروهًا. وقال قارئو هذه القراءة: إنما قيل: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ ﴾ بالإضافةِ ؛
لأن فيما عدَّدْنا من قولِه: ﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُواْ إِلَّ إِنَّهُ﴾. أمورًا، هى أمرٌ
بالجميلِ، كقوله: ﴿وَبِأَلْوَلِدَيْنِ إِحْسَنَا﴾. وقوله: ﴿ وَءَاتِ ذَ اُلْقُرْبَ حَقَّهُ﴾.
وما أشبه ذلك . قالوا : فليس كلٌّ ما فيه نهيًا عن سيئةٍ ، بل فيه نهىٌّ عن سيئةٍ ، وأمرٌ
بحسناتٍ، فلذلك قرَأنا: ﴿سَبِّئُهُ﴾.
وقرأ [٢٥١/٢و] عامةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ والبصرةِ وبعضُ قرَأَةِ الكوفةِ: (كُلُّ ذلكَ
كانَ سَيْئَةٌ)(٤). وقالوا: إنما عَنى بذلك: كلُّ ما عدَّدْنا من قولِنا: ﴿وَلَا نَقْتُلُواْ أَوْلَدَّكُمْ
خَشْيَةَ إِمْلَقٍ ﴾. ولم يَدخُلْ فيه ما قبلَ ذلك. قالوا: وكلَّ ما عدَّدْنا من ذلك الموضعِ
(١) الشَّخُون من المرق: ما يُسخن. لسان العرب (س خ ن).
(٢) العصيدة: دقيق يلت بالسمن ويطبخ. لسان العرب (ع ص د).
(٣) هى قراءة ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائى. السبعة ص ٣٨٠، والكشف عن وجوه القراءات ٢/ ٤٦،
٤٧، والتيسير ص ١١٤.
(٤) هى قراءة نافع وابن كثير وأبى عمرو. وانظر المصادر السابقة .
٦٠٠
سورة الإسراء: الآيتان ٣٨، ٣٩
إلى هذا الموضع سيئةٌ لا حسنةً فيه، فالصوابُ قراءتُه بالتنوينِ. ومَن قرأ هذه القراءةَ ،
فإنه يَنبغِى أن يكونَ من نيتِه أن يكونَ المكروهُ مقدَّمًا على السيئة ، وأن يكونَ معنی
الكلامِ عندَه: كلِّ ذلك كان مكروهًا سيئةً؛ لأنه إن جعَل قولَه: ((مكروهًا)) بعدَ (١)
السيئةِ من نعتِ السيئةِ ، لزِمه أن تكونَ القراءةُ: ( كلُّ ذلك كان سيئةً عندَ ربِّك
مكروهةً)، وذلك خلافُ ما فى مصاحفِ المسلمين .
وأولى القراءتين عندى فى ذلك بالصوابٍ قراءةُ مَن قرأ: ﴿ كُلُّ ذَلِكَ كَانَ
سَبِّئُهُ﴾. على إضافةِ السيئ إلى الهاءِ، بمعنى: كلَّ ذلك الذى عدَّدْنَا من ﴿ وَقَضَى
رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوَاْ إِلَّ إِيَّاهُ﴾ .. ﴿كَانَ سَيِّتُهُ﴾ ؛ لأن فى ذلك أمورًا منهيًّا عنها،
وأمورًا مأمورًا بها، وابتداءُ الوصيةِ والعهدِ من ذلك الموضعِ دونَ قوله: ﴿ وَلَا نَقْتُلُواْ
أَوْلَدَكُمْ﴾. إنما هو عطفٌ على ما تقدَّم من قوله: ﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُواْ إِلَّ
إِيَّاهُ﴾ فإذا(١) كان ذلك كذلك فقراءتُه بإضافةِ السئِّ إلى الهاءِ أولى وأحقُّ من قراءتِه
( سيئةً) بالتنوينٍ، بمعنى السيئةِ الواحدةِ .
فتأويلُ الكلام إذنْ : كلُّ هذا الذى ذكرنا لك من الأمورِ التى عدَّدناها عليك
كان سيتُهُ(٢) مكروهًا عندَ ربِّك يا محمدُ، يكْرَهُه ويَنْهَى عنه ولا يَرْضَاه، فَاتَّقٍ
مواقعتَه والعَمَلَ به .
/القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الِكْمَةٍ وَلَا
٩٠/١٥
٣٩
تَجْعَلْ مَعَ اَللَّهِ إِلَهَا ءَاخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَّدْخُورًا
(١) فى ص، م: (نعد ).
(٢) فى م: ((فإذا)).
(٣) فى ت ١، ت ٢، ف: ( سيئة)).