النص المفهرس
صفحات 521-540
٥٢١
سورة الإسراء : الآية ١٣
طَِّرَهُ﴾: عملَه (١).
فإن قال قائلٌ: وكيفَ قال: ﴿أَلْزَمْنَهُ طَهِرَهُ فِ عُنُقِهِ،﴾. إن كان الأمرُ على
ما وصفْتَ ، ولم يقُلْ : ألزمناه فى يديه ورجليهِ أو غيرِ ذلك من أعضاءِ الجسدِ ؟ قيل:
لأنَّ العُنُقَ هو موضعُ السِّماتِ ، وموضعُ القلائدِ والأُطوِقَةِ، وغيرِ ذلك مما يَزِينُ أو
يَشينُ، فجرى كلامُ العربِ بنسبةِ الأشياءِ اللازمةِ بنى آدمَ وغيرَهم من ذلك إلى
أعناقِهم وكثُر استعمالُهم ذلك حتى أضافُوا الأشياءَ اللازمةَ سائرَ الأبدانِ إلى
الأعناقِ ، كما أضافوا جناياتِ أعضاءِ الأبدانِ إلى اليدِ ، فقالُوا : ذلك بما كسبتْ
يداه . وإن كان الذى جرَّ عليه لسانُه أو فرجُه، فكذلك قولُه: ﴿أَلْزَمْنَهُ طَهِرَهُ فِى
عُنُقِةٍ﴾ .
واختلفتْ القرأةُ فى قراءةٍ [٢٤١/٢و] قولِه: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ كِتَبًا
يَلْقَنُهُ مَنشُورًا﴾ ؛ فقرَأه بعضُ أهلِ المدينةِ ومكةً، وهو نافعٌ وابنُ كثيرٍ وعامةُ قرأَةٍ
العراقِ(٢): ﴿وَغُخْرِجُ﴾ بالنونِ ﴿ لَهُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ كِتَبًا يَلْقَنُهُ مَنْشُورًا﴾ بفتحِ الياءِ من
﴿ يَلَقَنَّهُ﴾ وتخفيفِ القافِ منه، بمعنى: ونُخرِجُ له نحنُ يومَ القيامةِ. ردًّا على
قوله: ﴿أَلْزَمْنَهُ﴾: ونحنُ نُخرِجُ له يومَ القيامةِ كتابَ عملِه منشورًا . وكان بعضُ
قرَأَةِ أهل الشام (١) يوافقُ هؤلاءٍ على / قراءةِ قوله: ﴿ وَغْرِجُ﴾. ويخالِفُهم فى قولِه: ٥٢/١٥
يَلْقَئُهُ﴾. فيقرؤه ( يُلَقَّاهُ) بضَمِّ الياءِ وتشديدِ القافِ ، بمعنى: ونُخرج له نحنُ يومَ
القيامةِ كتابًا يلقاهُ. ثم بردِّه إلى ما لمْ يُسمَّ فاعلُه، فيقولُ: يلقى الإنسانُ ذلك
الكتاب منشورًا .
(١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٣٧٤/١ عن معمر به .
(٢) ينظر السبعة ٣٧٨، والكشف ٤٣/٢.
(٣) هو ابن عامر وحده. ينظر المصادر السابقة .
٥٢٢
سورة الإسراء : الآية ١٣
وذُكِر عن مجاهدٍ ما حدَّثنا أحمدُ بنُ يوسفَ ، قال : ثنا القاسمُ ، قال : ثنا
يزيدُ ، عن جريرِ بنِ حازمٍ، عن حُميدٍ، عن مجاهدٍ أنَّه قرأها: ( ويَخرُجُ لهُ يومَ القيامةِ
كتابًا). قال يزيدُ: يعنى: يخرجُ الطائرُ كتابًا (١).
هكذا أحسَبُه قرأها بفتح الياءِ، وهى قراءةُ الحسن البصرىِّ وابنٍ مُحيصٍ()؛
وكأنَّ من قرَأَ هذه القراءةَ وجَّه تأويلَ الكلامِ إلى: ويَخرجُ له الطائرُ الذى ألزمناه عُنُقَ
الإنسانِ يومَ القيامةِ ، فيصيرُ كتابًا يقرؤه منشورًا. وقرَأ ذلك بعضُ أهلِ المدينةِ(٢):
( ويُخْرَجُ لَهُ). بضمِّ الياءِ على مذهبٍ ما لم يُسمَّ فاعلُه، وكأنَّه وجَّه معنى الكلامِ
إلى: ويُخرَجُ له الطائرُ يومَ القيامةِ كتابًا. يريدُ: ويُخرِجُ اللَّهُ له ذلك الطائرَ قد صيّره
كتابًا ، غير أنَّه قال: (يُخرَجُ)). لأنَّه (٥) نَّاه نحوَ ما لم يُسمَّ فاعلُه.
وأولى القراءاتِ فى ذلك بالصوابِ، قراءةُ من قرأه: ﴿وَتُخْرِجُ ﴾ . بالنونِ
وضمِّها، ﴿لَهُ يَوْمَ اٌلْقِيَمَةِ كِتَبًا يَلْقَئُهُ مَنشُورًا﴾ ، بفتح الياءِ وتخفيفِ القافِ ؛
لأنَّ الخبرَ جرَى قبلَ ذلك عن اللَّهِ تعالى ذِكرُه أنَّه الذى ألزَم خلقَه ما ألزَم من ذلك؛
فالصوابُ أن يكونَ الذى يليه خبرًا عنه أنَّه هو الذى يُخرِجُه لهم يومَ القيامةِ، وأن
يكونَ بالنونِ كما كان الخبرُ الذى قبلَه بالنونِ. وأما قولُه: ﴿يَلْقَئُهُ﴾. فإِنَّ فى
إجماع الحجةِ من القرأةِ على تصويبٍ ما اخترنا من القراءة فى ذلك ، وشذوذٍ ما
خالفه، الحجةَ الكافيةَ لنا على تقاربٍ معنى القراءتين، أعنى ضمَّ الياءِ وفتحَها فى
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٦٨/٤ إلى المصنف.
(٢) وهى أيضًا قراءة يعقوب. ينظر الإتحاف ١٧١.
(٣) هى قراءة أبى جعفر. ينظر الإتحاف ١٧١.
(٤ - ٤) سقط من: ت ١، ت ٢، ف .
(٥) فى م: ((إلا أنه)).
(٦) سقط من: م.
٥٢٣
سورة الإسراء : الآية ١٣
ذلك، وتشديدَ القافِ وتخفيفَها فيه ؛ فإذا كان الصوابُ فى القراءةِ هو ما اخترنا
بالذى عليه دَلَّلْنا ، فتأويلُ الكلام : وكلَّ إنسانٍ منكم يا معشرَ بنى آدمَ ، ألزمناه نحسه
وسعدَه، وشقاءَه وسعادته، بما سبق له فى علمِنا أنه صائرٌ إليه، وعاملٌ من الخيرِ
والشرّ - فى عُنُقِه، فلا يجاوِزُ فى شىءٍ من أعمالِه ما قضَينا عليه أنه عاملُه، وما كتبنا
له أنَّه صائرٌ إليه، ونحنُ نُخرِجُ له إذا وافانا كتابًا يُصادِفُه منشورًا بأعمالِهِ التى عملَها
فى الدنيا ، وبطائرِه الذى كتبنا له ، وألزَمناه إِيَّاه فى عُنُقِه ، قد أحصَى عليه ربُّه فيه كلَّ
ما سلف فى الدنيا .
وبنحوِ الذى قُلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذکرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال: ثنى أبى ، قال: ثنى عمِّى ، قال : ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ وَتُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ كِتَبًا يَلْقَئُهُ مَنْشُورًا﴾. قال: هو
عملُه الذى عمِل، أُحصىَ عليه، فأُخرِج له يومَ القيامةِ ما كُتب(١) عليه من العملِ
يقرؤه(٢) منشورًا(٣).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ وَتُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ
كِتَبًا يَلْقَنَهُ مَنْشُورًا﴾. أى : عملُه .
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال : ثنا أبو سفيانَ ، عن معمرٍ ، عن قتادةً :
﴿ أَلْزَمْنَهُ طَهِرَهُ فِ عُنُقِهِ،﴾. قال: عملَه. ﴿ وَنُخْرِجُ لَهُ﴾. قال: يَخرُجُ ذلك ٥٣/١٥
(١) فى ت ١: ((أحصى)).
(٢) فى م: (( يلقاه)) .
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٦٧/٤ إلى المصنف وابن أبى حاتم .
٥٢٤
سورة الإسراء : الآية ١٣
العملُ ﴿كِتَبًا يَلْقَتُهُ مَنْشُورًا﴾. قال معمرٌ: وتلا الحسنُ ﴿ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ اُلِّمَالِ
فَعِيدٌ﴾ [ق: ١٧]. يا ابنَ آدمَ بُسِطَتْ لك صحيفتُك، ووكِّل بك ملَكانٍ كريمانٍ ؛
أحدُهما عن يمينِك، والآخرُ عن يسارِك. فأمَّا الذى عن يمينك فيحفَظُ حسناتِك ،
وأما الذى عن شِمالكِ فيحفظُ سيَاتِك، فأمْلِلْ(١) ما شئتَ، أَقَلِلْ أو أكثر، حتى إذا
مثَّ طُويَتْ صحيفتُك، فجعلت فى عنقِك معك فى قبرِك (١ ، حتى تخرجٌ يومَ القيامةِ
كتابًا تلقاه منشورًا، ﴿اقْرَأْ كِتَبَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (19) ﴾، قد عدَل
واللَّهِ عليك مَن جعَلك حسيبَ نفسِك(٢) .
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ :
أَطَبِرَهُ﴾: عملَه، (٢) ويَخرجُ له ذلك" العملُ كتابًا يلقاه منشورًا.
وقد كان بعضُ أهلِ العربيةِ يتأوَّلُ قولَه: ﴿وَكُلَّ إِنسَنٍ أَلْزَمْنَهُ طَبِرَهُ فِ
عُنُقِهِ﴾: حظّه(٥) . مِن قولهم: طارَ سھَمُ فلانٍ بکذا . إذا خرج سهمُه علی نصیب
من الأنصِباءِ، وذلك وإن كان قولًا له وجة ، فإنَّ تأويلَ أهلِ التأويلِ على ما قد بيَّنتُ ،
وغير جائزِ أن يُتجاوزَ فى تأويلِ القرآنِ ما قالوه إلى غيرِه، على ١) أنَّ ما قاله هذا
القائلُ، إن كان عنَى بقولِه حظّه من العملِ والشقاءِ والسعادةِ فلم يُعِدْ، فمعنى (١)
قوله من معنی قولهم .
(١) فى م: ((فاعمل)).
(٢) فى ف: (( حجرك)).
(٣) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٣٧٤/١ عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٦٨/٤ إلى المصنف.
(٤ - ٤) فى م: ((ونخرج له بذلك)).
(٥) يعنى أبا عبيدة، ينظر المجاز ١/ ٣٧٢.
(٦) فى ص، ت ١، ت ٢: ((غير)).
(٧) فى م: ((معنى)).
٥٢٥
سورة الإسراء : الآيتان ١٤، ١٥
١٤
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ اقْرَأْ كِنَبَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا
يقولُ تعالى ذِكرُه: ﴿ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ كِتَبًا يَلْقَنَهُ مَنشُورًا﴾ فنقولُ (١)
له : ﴿ اقْرَأْ كِتَبَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ فترَكُ ذكرَ قولِه: فنقولُ له.
اكتفاءً بدلالةِ الكلامِ عليه . وعنَى بقولِه: ﴿اقْرَأْ كِتَبَكَ﴾: اقرَأْ [٢٤١/٢ظ] كتابَ
عملك الذى عمِلْتَه فى الدنيا، الذى كان كاتبانا (٢) يكتبانِه، ونُحصيه عليكم،
كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾. يقولُ: حسبُك اليومَ بنفسِك عليك حاسبًا
يحسبُ عليك أعمالَك، فيُحصيها عليك، لا نبتغى عليك شاهدًا غيرَها ، ولا
نطلبُ عليك محصيًا سواها .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَقْرَأْ كِنَبَكَ كَفَى
بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾: سيقرأُ يومئذٍ من لم يكن قارئًا فى الدنيا(١) .
القولُ فِى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ مَّنِ اُهْتَدَى فَإِنَّمَا يَتَدِى لِنَفْسِهِ، وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا
يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىُّ وَمَا كُنَا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا
١٥
يقولُ تعالى ذِكرُه : من استقامَ على طريقِ الحقِّ فاتَّبَعَه، وذلك دينُ اللَّهِ الذى
ابتعَثْ بِهِ نبيّه محمدًا عِه ﴿فَإِنَّمَا يَتَدِى لِنَفْسِهِ،﴾. يقولُ: فليس ينفَعُ بلزومِه
الاستقامةَ، وإيمانِه باللَّهِ ورسولِه غيرَ نفسِه، ﴿ وَمَن ضَلَّ﴾. يقولُ: ومن جار عن
قصدِ السبيلِ، فأخَذ على غيرِ هدّى، وكفَر باللَّهِ وبمحمدٍ / عَ لَّهِ وبما جاءَ بهِ من عندٍ ٥٤/١٥
اللَّهِ منَ الحقِّ - فليس يضُرُّ بضلالِه وجَوْره عن الهُدَى غيرَ نفسِه ؛ لأنَّه ◌ُوجِبُ لها
بذلك غضَب اللَّهِ وأليمَ عذابِهِ. وإنما عنَى بقولِه: ﴿فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾: فِأَّا
(١) فى م: ((فيقال)).
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((كتابنا)).
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٦٨/٤ إلى المصنف وابن أبى حاتم.
٥٢٦
سورة الإسراء : الآية ١٥
يكسِبُ إثمَ ضلالِه عليها لا على غيرِها. وقولُه: ﴿ وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٌّ !
يعنى تعالى ذِكرُه : ولا تحمِلُ حاملةٌ حِملَ أخرى غيرِها من الآثامِ . وقال: ﴿ وَازِرَةٌ
وِزْرَ أُخْرَىٌ﴾. لأنَّ معناه: ولا تَزِرُ نفسٌ وازرةٌ وزِرَ نفسٍ أُخرى. يُقالُ منه: وزِرْتُ
كذا أَزِرُه وِزْرًا. والوزرُ هو الإثمُ، يُجمعُ أُوزارًا، كما قال تعالى ذِكرُه: ﴿وَلَكِنَّا
حِلْنَا أَوْزَارًا مِّنْ زِينَةِ الْقَوْهِ﴾ [طه: ٨٧]. وكأنَّ معنى الكلامِ: ولا تأثَمُ آئمةٌ إثمَ
أخرى، ولكن على كلِّ نفسٍ إثمُها دونَ إثمٍ غيرِها مِن الأنفسِ.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ
وِزْرَ أُخْرَى﴾: واللَّهِ ما يحمِلُ اللَّهُ على عبدٍ ذنبَ غيرِه، ولا يُؤَاخَذُ إلا بعملِه (١).
وقولُه: ﴿ وَمَا كُنَا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾. يقولُ تعالى ذِكرُه: وما كنا
مُهلِكى قومٍ إلا بعدَ الإعذارِ إليهم بالرسلِ ، وإقامةِ الحجةِ عليهمُ(١) بالآياتِ التى تقطَعُ
عذرهم .
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمَا كُنَّ
مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾: إِنَّ اللَّهَ تبارك وتعالى ليس يُعذِّبُ أحدًا حتى يسبِقَ إليه
من اللَّهِ خبرُ(٣) ، أو يأتيَه من اللَّهِ بيّةٌ، وليس معذِّبًا أحدًا إلا بذنبِه.
حدّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ ، عن معمرٍ ، ٤عن
(٥)
قتادة، عن أبى هريرةَ، قال: إذا كان يوم القيامةِ، جمَع اللَّهُ تبارك وتعالى النسَمَُ
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦٧/٣ إلى ابن أبى حاتم .
(٢) سقط من: ت ١.
(٣) فى م: ((خبرا)) .
(٤ - ٤) سقط من : ت ١.
(٥) فى م: ((نسم)).
٥٢٧
سورة الإسراء : الآيتان ١٥، ١٦
الذين ماتُوا فى الفَتْرةِ والمعتوهَ والأصمَّ والأبكمَ، والشيوخَ الذين جاء الإِسلامُ وقد
خرِفوا، ثم أرسَل رسولًا أن ادخلوا النارَ، فيقولون: كيف ولم يأتِنا رسولٌ! وايمُ اللَّهِ لو
دخلُوها لكانتْ عليهم بردًا وسلامًا، ثم يُرسِلُ إليهم، فيُطيعُه من كان يريدُ أن يُطيعَه
قبلُ. قال أبو هريرةَ: اقرءوا إن شئتم: ﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾(١).
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ ، عن همامٍ ،
عن أبى هريرةً نحوَه .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ تُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِهَا فَفَسَقُواْ فِهَا
١٦
فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَهَا تَدْمِيرًا (
اختلَفتْ القرأةُ فى قراءةٍ قولِه: ﴿ أَمَّرْنَا مُتْرَفِبهَا﴾. فقرأْت ذلك عامةُ قرأةِ الحجازِ
والعراقِ: ﴿أَمَرْنَا﴾. بقصرِ الألفِ غيرٍ (٢) مدِّها وتخفيفِ الميم وفتحِها. وإذا قُرئ
ذلك كذلك، فإنَّ الأغلبَ من تأويله: أمَوْنا مُترفيها بالطاعةِ ، ففسقوا فيها بمعصيتِهم
اللَّهَ، وخلافِهم أمرَه. كذلك تأوّله كثيرٌ ممن قرأه كذلك .
/ ذكرُ من قال ذلك
٥٥/١٥
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريج، قال: قال
ابنُ عباسٍ: ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِهَا﴾. قال: بطاعةِ اللَّهِ، فعصَوا(٤).
(١) بعده فى ت ٢: ((الله)).
(٢) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٣٧٤/١ عن معمر عن طاوس عن أبيه عن أبى هريرة ، وأخرجه أحمد
٢٣٠/٢٦ (١٦٣٠٢) من طريق معاذ بن هشام عن أبيه عن قتادة عن الحسن عن أبى رافع عن أبى هريرة
مرفوعًا، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٦٨/٤ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٣) فى م، ف: (( وغير)).
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٦٩/٤ إلى المصنف.
٥٢٨
سورة الإسراء : الآية ١٦
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا شَريكٌ، عن سلمةَ أو غيرِهِ، عن
سعيدِ بنِ جبيرٍ، قال : أَمَرْنا بالطاعةِ فعصَوا(١).
وقد يَحتمِلُ أيضًا إذا قُرئ كذلك أن يكونَ معناه: جعلناهم أمراءَ ففسقوا
فيها؛ لأنَّ العربَ تقولُ : هو أميرٌ غيرُ مأمورٍ .
وقد كان بعضُ أهلِ العلم بكلامِ العربِ من أهلِ البصرةٍ(١) يقولُ: قد يتوجّه
معناه إذا قُرئ كذلك إلى معنى أكثرْنا مُترفيها ، ويحتجُ لتصحيح قولِه ذلك بالخبرِ
الذى رُوى عن رسولِ اللَّهِ عَظَهِ أنه قال: ((خَيْرُ الْمَلِ مُهْرَةٌ مَأْمُورَةٌ أَوْ سِكَّةٌ
مَأْبُورَةٌ)) (٣) . ويقولُ: معنى قولِه : مأمورةٌ: كثيرةُ النسلِ. وكان بعضُ أهلِ العلمِ
بكلامِ العربِ من الكوفيينِ(٤) يُنكرُ ذلك من قِيلِه، ولا يُجيزُ (أَمِرْنا)(٥)، بمعنى
أكثَوْنا إِلا بَدِّ الألفِ من (آمَوْنا). ويقولُ فى قولِه [٢٤٢/٢ و ]: «مُهْرةٌ مأْمُورةٌ »: إنما
قِيلَ ذلك على الإتباع لمجىء ((مأبورةٍ)) بعدها، كما قيل: ((ارْجِعْنَ مَأْزُورَاتٍ غيرَ
مَأْجُورَاتٍ )) (٦) . فهَمَزَ مأزوراتٍ لهمزٍ مأجوراتٍ، وهى من وَزَرْتُ إتباعًا لبعضٍ
الكلامِ بعضًا .
وقَرَأْ ذلك أبو عثمانَ (١): (أمَّوْنا)، بتشديدِ الميم، بمعنى: الإمارةِ. حدَّثنا
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٦٩/٤ إلى المصنف وابن أبى حاتم.
(٢) هو قول أبى عبيدة فى مجاز القرآن ٣٧٢/١، ٣٧٣.
(٣) السُّكة: الطريقة المصطفّة من النخل. والمأبورة: الملقحة. النهاية ٢/ ٣٨٤.
(٤) أخرجه أحمد ١٧٣/٢٥ (١٥٨٤٥) من حديث سويد بن هبيرة رضى الله عنه وإسناده ضعيف .
(٥) قرأ بها الحسن ويحيى بن يعمر وعكرمة (أمرنا) بكسر الميم. البحر المحيط ٦/ ٢٠.
(٦) يعنى الفراء، معانى القرآن ١١٩/٢.
(٧) أخرجه ابن ماجه (١٥٧٨) من حديث على رضى الله عنه .
(٨) ينظر البحر المحيط ٦/ ٦٠.
٥٢٩
سورة الإسراء : الآية ١٦
أحمدُ بنُ يوسفَ ، قال : ثنا القاسمُ، قال: ثنا هشيمٌ، عن عوفٍ ، عن أبى عثمانَ
النهدىِّ، أنه قرأ : (أمَّوْنَا)، مشددةً من الإمارةِ(١).
وقد تأوَّل هذا الكلامَ على هذا التأويلِ جماعةٌ من أهلِ التأويلِ .
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنى علىُّ بنُ داودَ ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثنى معاويةُ ، عن على ، عن
ابنِ عباسٍ قولَه: (أَمَّوْنا مُتَرَفِيها). يقولُ: سلَّطنا أشرارَها فعصَوا فيها، فإذا فعلوا
ذلك أهلكتُهم بالعذابِ، وهو قولُه: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِى كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَبِرَ
مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُواْ فِيهَا﴾(٢) [الأنعام: ١٢٣].
حدَّثنى الحارثُ ، قال: ثنا القاسمُ، قال: سمعتُ الكسائىَّ يُحدِّث عن أبى
جعفرٍ الرازىِّ، عن الربيعِ بنِ أنسٍ ، أَنَّه قَرَأها: (أمَّوْنا). وقال: سلَّطنا(٣).
حدَّثنا القاسمُ، قال : ثنا الحسينُ ، قال: ثنى حجاجٌ، عن أبى جعفرٍ ، عن
الربيع، عن أبى العاليةِ، قال: (أمَّوْنا) مُثقَّلةً: جعَلنا عليها ﴿مُتْرَفِهَا﴾:
مستكبرِيهاً(®) .
حدَّثْنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنى عيسى؛ وحدَّثنی
الحارثُ قال : ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح ، عن مجاهدٍ فی
(١) تفسير البحر المحيط ٦/ ٢٠.
(٢) أخرجه البيهقى فى الأسماء والصفات (٣٢٣) من طريق أبى صالح به، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ١٦٩/٤ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٣) تفسير ابن کثیر ٥٨/٥.
(٤) فى النسخ: ((حفص))، والمثبت هو الصواب ، وهو إسناد دائر.
(٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٦٩/٤ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبى حاتم، وينظر تفسير
ابن کثیر ٥٨/٥.
( تفسير الطبرى ٣٤/١٤ )
٥٣٠
سورة الإسراء : الآية ١٦
قولِ اللَّهِ تبارك وتعالى: (أمَّرْنا مُترَفِيها) قال: بعَثْنا(١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريجٍ، عن
مجاهدٍ مثلَه .
وذُكِر عن الحسن البصرىِّ أنه قرَأَ ذلك: (آمَرْنا)(٢) بِمَدِّ الألفِ من ((أمرنا))،
بمعنى : أكثرنا فَسَقَتَها. وقد وجَّه تأويلَ هذا الحرفِ إلى هذا التأويلِ جماعةٌ من أهلِ
التأويلِ ، إِلا أنَّ الذين حدَّثونا لم يميّزوا لنا اختلافَ القراءاتِ فى ذلك، وكيف قَرَأ
ذلك المتأوّلون ، إلا القليلُ منهم .
٥٦/١٥
/ ذكرُ مَن تأوَّل ذلك كذلك
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه : (وإذا أَرَدْنَا أن تُهلِكَ قَرِيةٌ آمَرنا مُتَرَفِيهَا فَفَسَقُوا فيها).
يقولُ : أكثَرنا عددهم (١) .
حدَّثْنا هنَّادٌ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن سِماكٍ، عن عكرمةَ قولَه: (آمَرنا
مُتْرِفِيهَا). قال: أكثَرناهم(٤).
حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ ، قال: ثنا ابنُ عُليَّةَ، عن أبى رجاءٍ، عن الحسنِ فى
قولِه: (آمَرنا مُتْرِفِيهَا). قال: أكثَرناهم (٥) .
(١) تفسير مجاهد ٤٣٠.
(٢) ينظر تفسير ابن كثير ٥٨/٥، والبحر المحيط ٦/ ٢٠.
(٣) تفسير ابن كثير ٥٨/٥ عن العوفى عن ابن عباس.
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤ / ١٦٩، ١٧٠ إلى سعيد بن منصور والمصنف وابن المنذر، وينظر تفسير
ابن کثیر ٥٨/٥.
(٥) تفسير ابن كثير ٥٨/٥.
٥٣١
سورة الإسراء : الآية ١٦
حُدِّثتُ عن الحسينِ ، قال : سمِعتُ أبا معاذٍ ، يقولُ : أُخبرنا عبيدُ بنُ سليمانَ ،
قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ فى قولِه : (آمَرنا مُتَرِفِيهَا ). يقولُ : أكثَرنا مترفيها ؛
أى: كبراءَها (١).
حدَّثنا بشرّ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: (وإذا أَرَدْنَا أن
نُهلِكَ قَرِيةٌ آمَرنا مُترَفِيهَا فَفَسَقُوا فيها فَحَقَّ عَلَيْها القَولُ). يقولُ : أكثَرنا مترفيها؛
أى: جبابرتَها، ففسَقُوا فيها وعمِلوا بمعصيةِ اللَّهِ، ﴿فَدَقَّرْنَهَا تَدْمِيرًا﴾. وكان
يُقالُ: إذا أراد اللَّهُ بقوم صلاحًا بعَث عليهم مُصْلِحًا، وإذا أراد بهم فسادًا بعَث
عليهم مُفْسِدًا، وإذا أراد أن يُهلِكَها أكثَر مترفيها(١).
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأُعلى ، قال : ثنا محمدُ بنُ ثورٍ ، عن معمرٍ ، عن قتادةَ :
(آمَرْنا مُتْرَفِيها). قال: أكثَرناهم(٢) .
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ ، عن
الزهرىِّ، قال: دخَل رسولُ اللَّهِ مَ له يومًا على زينبَ وهو يقولُ: ((لا إلهَ إلا اللَّهُ!
ويلٌ للعرب من شرٌّ قد اقترَب. فُتِح اليومَ (١) من رَدْمِ يأجوج ومأجوجَ مثلُ هذا)).
وحلَّق بينَ إبهامِه والتى تليها ، قالت: يا رسولَ اللَّهِ أَنَهلِكُ وفينا الصالحون؟ قال: (( نعم
إذا كثُرِ الخَثُ))(٤) .
حدَّثنى يونسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: (وإذا أَرَدنَا
أن نُهلِكَ قَرِيةٌ آمَرنا مُترَفِيهَا فَفَسَقُوا فيها). قال: ذكر بعضُ أهلِ العلم أن ((آمَرنا »:
(١) تفسير ابن كثير ٥٨/٥.
(٢) ينظر تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٧٥، وينظر تفسير ابن كثير ٥٨/٥.
(٣) فى ت ١، ت ٢، ف: ((الله)).
(٤) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٣٧٥/١ موصولًا عن معمر عن الزهرى عن عروة عن زينب بنت أبى سلمة
عن زينب بنت جحش .
٥٣٢
سورة الإسراء : الآية ١٦
أكثَرنا. قال: والعربُ تقولُ للشىءِ الكثيرِ: أَمِرَ؛ لكثرتِه . فأما إذا وُصِف القومُ بأنهم
كثُروا، فإنه يُقالُ: أَمِرَ بنو فلانٍ، وأَمِرَ القومُ يَأْمَرُون أَمْرًا ، وذلك إذا كَثُرُوا وعظُم
أمرهم، كما قال لبيدٌ(١) :
إِنْ يُغْبَطُوا يُهْبَطُوا وَإِنْ أَمِرُوا يَوْما يَصِيرُوا للقُلِّ والنَّفَدِ
والأَمْرُ المصدرُ، والاسمُ الإِمْرُ، كما قال اللّهُ جلّ ثناؤُه: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا
إِمْرًا﴾ [الكهف: ٧١]. قال: عظيمًا، ومحكِى فى مَثَلٍ: شرّ إِمْرٌ، أى: كثيرٌ.
٥٧/١٥
/ وأولَى القراءاتِ فى ذلك عندِى بالصوابِ قراءةُ مَن قَرَأْه: ﴿ أَمَّنَا مُتْرَفِبهَا﴾
بقصرِ الألفِ من ﴿ أَمَّرْنَا﴾. وتخفيفِ الميمٍ منها؛ لإجماع الحجةِ من القرأةِ على
تصويبها دونَ غيرِها .
وإذا كان ذلك هو الأولى بالصوابِ بالقراءةِ ، فأولى التأويلاتِ به تأويلُ مَن
تأوَّله : أَمَوْنا أهلَها بالطاعةِ فعصَوْا وفسَقُوا فيها ، فحقَّ عليهم القولُ؛ لأن الأغلبَ من
معنى ﴿أَمَّرْنَا﴾: الأَمْرُ، الذى هو خلافُ النهي [٢/ ٢٤٢ظ] دونَ غيرِه. وتوجيهُ
معانى كلام اللَّهِ جلَّ ثناؤه إلى الأشهرِ الأعرفِ من معانيه أولى ، ما وُجِد إليه سبيلٌ من
غيرِه .
ومعنى قولِه: ﴿فَفَسَقُواْ فِهَا﴾: فخالفوا أمرَ اللَّهِ فيها، وخرَجُوا عن طاعتِه .
﴿ فَحَقَ عَلَيْهَا الْقَوْلُ﴾: يقولُ: فوجَب عليها بمعصيتهم اللَّهَ وفسوقِهم فيها، وعيدُ
اللَّهِ الذى أوعَد مَن كَفَر به وخالَف رسلَه، من الهلاكِ بعدَ الإعذارِ والإنذارِ بالرسلِ
(٢)
والحُجج. ﴿فَدَ مَّرْنَهَا تَدْمِيرًا﴾: يقولُ: فخرَّبناها عندَ ذلك تخريبًا ، وأهلكنا مَنُ
(١) شرح ديوان لبيد ١٦٠.
(٢) بعده فى ف، م: ((كان)).
٥٣٣
سورة الإسراء : الآيتان ١٦، ١٧
فيها من أهلِها إهلاكًا، كما قال الفرزدقُ(١) :
وكانَ لَهُمْ كبَكْرٍ ثَمُودَ لَّ رَغَا ظُهْرًا فَدَمَّرَهُمْ دَمارا
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَيِّكَ
١٧
بِذُنُوبٍ عِبَادِهِ، خَبيرًا بَصِيرًا
وهذا وعيدٌ من اللَّهِ تعالى ذكرُه مكذِّبى رسوله محمدٍ عَ لِ من مشركى
قريشٍ، وتهديدٌ لهم بالعقابِ، وإعلامٌ منه لهم أنهم إن لم يَنتَهُوا عما هم عليه
مقيمون من تكذييهم رسولَه عليه الصلاةُ والسلامُ أنه مُحِلّ بهم سُخْطَه، ومنزِّلٌ بهم
من عقابِهِ ما أَنزَل بَمَن قبلَهم من الأمم الذين سلكوا فى الكفرِ باللَّهِ، وتكذيبِ رُسلِه
سبيلَهم . يقولُ اللَّهُ تعالى ذكره: وقد أهلكنا أيها القومُ من قبلكم من بعدِ نوحٍ إلى
زمانِكم قرونًا كثيرةً كانوا من جحودِ آياتِ اللَّهِ والكفرِ به وتكذیبٍ رسلِه ، علی مثلِ
الذى أنتم عليه ؛ ولستمُ بأكرمَ على اللَّهِ تعالى منهم؛ لأنه لا مناسبةَ بينَ أحدٍ وبينَ اللَّهِ
جلَّ ثناؤه، فيُعذِّبُ قومًا بما لا يُعذِّبُ به آخرين، أو يَعفُو عن ذنوبٍ ناسٍ فيعاقبُ
عليها آخرين . يقولُ جلَّ ثناؤه: فَأَبِيُوا إلى طاعةِ اللَّهِ ربِّكم، فقد بعثنا إليكم رسولًا
يُنَّهُكم على حُجَجِنا عليكم ويُوقِظُكم من غفلتِكم، ولم نَكُنْ لنعذِّبَ قومًا حتى
نبعَثَ إليهم رسولًا مُتَبِّهًا لهم على حجج اللَّهِ، وأنتم على فُشُوقِكم مقيمون. ﴿ وَكَفَى
بِرَبِّكَ﴾ يا محمدُ ﴿بِذُنُبِ عِبَادِهِ، خَبيرًا﴾. يقولُ: وحَسْبُك يا محمدُ باللَّهِ خابرًا
بذنوبٍ خلقِه عالماً، فإنه لا يَخْفَى عليه شيءٌ من أفعالٍ مشركى قومِك هؤلاء ولا
أفعالٍ / غيرِهم من خلقِه، هو بجميع ذلك عالمٌ خابرٌ. ﴿بَصِيرًا﴾. يقولُ: يُصِرُ ٥٨/١٥
ذلك كلَّه فلا يَغِيبُ عنه منه شىءٌ، ولا يَعْزُبُ عنه مثقال ذرّةٍ فى الأرضِ ولا فى
السماءِ، ولا أصغرُ من ذلك ولا أكبرُ.
(١) شرح ديوان الفرزدق ص ٤٤٣.
٥٣٤
سورة الإسراء : الآية ١٧
وقد اختُلِف فى مبلغ مدةِ القَوْنِ ، فحدَّثنا مجاهدُ بنُ موسى ، قال : ثنا يزيدُ ،
قال: أخبرنا: حمادُ بنُ سلمةَ، عن أبى محمدٍ عن (١) (" زرارةَ بنٍ أوفى٢)، قال:
القَرْنُ عشرون ومائةُ سنةٍ ، فِبُعِث رسولُ اللَّهِ ◌َِّمِ فى أولٍ قرنٍ كان، وآخرُهم يزيدُ بنُ
.(٣)
معاويةً(٣) .
وقال آخرون: بل هو مائةُ سنةٍ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا حسانُ بنُ محمدِ بنِ عبدِ الرحمنِ الحِمْصِىُّ أبو الصَّلْتِ الطائىُ ، قال : ثنا
سلامةُ بنُ جَوَّاسٍ ) ، عن محمدِ بنِ القاسمِ، عن عبدِ اللهِ بنِ بُشرِ المازنىٌّ، قال: وضَع
النبيُّ عَِّ يدَه على رأسِه وقال: ((سيعيشُ هذا الغلامُ قَوْنًا)). قلتُ: كم القرنُ؟
قال: ((مائةُ سنةٍ))(٥).
حدَّثنا حسانُ بنُ محمدٍ ، قال : ثنا سلامةُ بنُ جَوَّاسٍ، عن محمدِ بنِ القاسمِ ،
قال : ما زِلْنا نَعُدُّ له حتى، تَمَّت مائَةُ سنةٍ ثم مات . قال أبو الصلتِ : أخبرَنى سلامةُ
(١) فى م: (( بن)).
(٢ - ٢) فى النسخ: ((عبد الله بن أبى أوفى)) وهو خطأ. والمثبت من مصادر التخريج، وينظر الاستيعاب ١٢/١
فقد أخرجه أيضًا ابن عبد البر من طريق حماد بن سلمة عن أبى محمد عن زرارة بن أوفى .
(٣) أخرجه ابن سعد فى الطبقات ١/ ١٩١، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٦٩٦/٨ (١٥١٧٨) من طريق
حماد بن سلمة عن أبى محمد عن زرارة بن أوفى به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧١/٥ إلى عبد بن حميد
والمصنف وابن المنذر وابن أبى حاتم عن زرارة بن أوفى .
(٤) فى م، ص، ت ٢، فى: ((حواس))، وفى ت ١: ((خواس)). والمثبت من الجرح والتعديل ٤/ ٣٠٢.
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٦٩٥/٨ (١٥١٧٧) من طريق سلامة به، وأخرجه البزار فى مسنده
(٣٥٠٢)، والحاكم ٥٠٠/٤ من طرق عن محمد بن القاسم عنه به، وأخرجه المصنف فى تاريخه ٢٣٦/٢،
والحاكم ٢/ ٥٤٩، ٤/ ٥٠٠، والحارث بن أبى أسامة فى مسنده (١٠٣٦ - بغية) من طرق عن عبد الله بن
بسر .
٥٣٥
سورة الإسراء : الآيتان ١٧، ١٨
أنَّ محمدَ بنَ القاسم هذا كان ختَنَ عبدِ اللهِ بنِ بُسرٍ (١).
وقال آخرون فى ذلك بما حدَّثنا إسماعيلُ بنُ موسى الفَزَارِىُّ ، قال : أخبرَنا عمرُ
ابنُ شاكرٍ، عن ابنٍ سيرينَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ وَمِ: ((القرنُ أربعونَ سنةً))(٢).
وقولُه: ﴿وَكَفَى ◌ِربِّكَ﴾. أُدْخِلت الباءُ فى قوله: ﴿بِرَبِّكَ﴾. وهو فى محلٌ
رفع؛ لأن معنى الكلام: وكفاك ربُّك، وحَسْبُك ربُّك، بذنوبِ عبادِه خبيرًا. دَلالةً
على المدحِ، وكذلك تَفْعَلُ العربُ فى كلِّ كلامٍ كان بمعنى المدح أو الذمِّ، تُدْخِلُ فى
الاسم الباءَ، والاسمُ المُدْخَلَةُ عليه الباءُ فى موضع رفع، لتَدُلِّ بدخولها على المدح أو
الذمِّ، كقولهم: أكرِمْ به رجلًا، وناهيك به رجلًا ، وجاد بثوبِك ثوبًا ، وطاب
بطعامِكم طعامًا. وما أشبه ذلك من الكلام ، ولو أَسْقِطَت الباءُ مما دخَلَت فيه من هذه
الأسماءِ رُفِعَتْ؛ لأنها فى محلِّ رفعٍ، كما قال الشاعرُ(١):
كَفَى الھَدْىُ عَمَّا غَيَّبَ المَرَءُ مُخْبِرًا
ويُخْبِرُنِى عَن غائبِ المَرْءِ هَدْيُهُ
فأما إذا لم يَكُنْ فى الكلام مدح أو ذٌّ فلا يُدْخِلُون فى الاسم الباءَ، لا يجوزُ أن
يُقالَ : قام بأخيك. وأنت تُرِيدُ : قام أخوك . إلا أن تُرِيدَ : قام رجلٌ آخرُ به . وذلك
معنَى غيرُ المعنى الأوّلِ .
/ القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ ٥٩/١٥
١٨
لِمَن ◌ُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَنَهَا مَذْهُومًا مَّدْحُورًا
يقولُ تعالى ذكرُه : مَن كان طلُبه الدنيا العاجلةَ ، ولها يَعمَلُ ويَسْعَى ، وإِيَّها
(١) فى ت ١، ف: ((بشير))، وفى ت ٢: (( بشر)).
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨٢/٥ إلى المصنف.
(٣) معانى القرآن للفراء ١/ ١١٩، واللسان (غ ی ب)، ونسبه فى اللسان (هـ د ى) إلى زيادة بن زياد
العدوی .
٥٣٦
سورة الإسراء : الآية ١٨
يَبْتَغِى، لا يُوقِنُ بمعادٍ، ولا يَرْجُو ثوابًا ولا عقابًا من ربِّه على عملِه، ﴿عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا
مَا نَشَآءُ لِمَن تُّرِيدٌ﴾. يقولُ: يُعَجِّلُ اللَّهُ له [٢٤٣/٢و] فى الدنيا ما يشاءُ؛ من بسطٍ
الدنيا عليه أو تقتيرِها لمن أراد اللَّهُ أَن يَفْعَلَ ذلك به، أو إهلاكِه بما يشاءُ من عقوباتِه،
﴿ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَتَّمَ يَصْلَئِهَا﴾. يقولُ: ثم أصلَيْناه عندَ مَقْدِمِه علينا فى الآخرةِ
جهنّمَ، ﴿ مَذْمُومًا﴾ على قلةِ شكرِه إيانا، و(١) سوءِ صنيعِه فيما سلَف من أيادينا
عندَه فى الدنيا، ﴿ مَّدْحُورًا﴾. يقولُ: مُبْعَدًا مُقْصَى فى النارِ.
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ مَّن ◌َانَ يُرِيدُ
اُلْعَاجِلَةَ عَبَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَنْ تُرِيدٌ﴾. يقولُ: مَن كانتِ الدنيا هَّه وسَدَمَهُ"
طَلِبَتَه ونِيَتَه، عجَّل اللَّهُ له فيها ما يشاءُ، ثم اضْطَرَّه إلى جهنمَ، قال: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ
جَهَنَّمَ يَصْلَنِهَا مَذْهُومًا مَّدْحُورًا﴾: مذمومًا فى نعمةِ اللَّهِ، مدحورًا فى نقمةِ اللَّهِ).
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال: ثنى أبو طَيبةَ، شيخٌ من أهلِ المِصِّيصَةِ ،
أنه سمع أبا إسحاقَ الفَزَارِىَّ يقولُ: ﴿عَبَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَنْ تُرِيدُ﴾. قال: لمن
نُرِيدُ هلكته .
حدَّثنى علىُّ بنُ داودَ ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ ، قال: ثنى معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ
عباسٍ قولَه: ﴿ مَذْمُومًا﴾ . يقولُ: ملومًا .
(١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.
(٢) السدم : اللهج والولوع بالشىء. النهاية ٢/ ٣٥٥.
(٣) فى ص: (( نعمة)).
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور المنثور ١٧٠/٤ إلى المصنف وابن أبى حاتم.
٥٣٧
سورة الإسراء : الآيات ١٨ - ٢٠
حدَّثنى يونسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وهب، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿مَّن كَانَ
يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ﴾ . قال: العاجلةُ الدنيا .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ
١٩
فَأُوْلَكَ كَانَ سَعْيُهُم مَشْكُورًا
.
يقولُ تعالى ذكره : مَن أراد الآخرةَ ، وإيَّها طلَب ، ولها عمِلَ عملَها ، الذى هو
طاعةُ اللَّهِ وما يُرْضِيه عنه. وأضاف ((السعىَ)) إلى الهاءِ والألفِ، وهى كنايةٌ عن
((الآخرة))، فقال: وسعَى للآخرةِ سعىَ الآخرةِ. ومعناه: وعمِل لها عملَها؛ لمعرفةٍ
السامعين بمعنى ذلك، وأن معناه: وسعَى لها سعيَه لها. ﴿ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾. يقولُ: هو
مؤمنٌ مُصَدِّقٌ / بثوابِ اللَّهِ وعظيم جزائِه على سعيِه لها، غيرُ مكذُّبٍ به تكذيبَ مَن ٦٠/١٥
أراد العاجلةَ. يقولُ اللَّهُ جلَّ ثناؤه: ﴿فَأُوْلَئِكَ﴾. يعنى: فَمَن فَعَل ذلك، ﴿كَانَ
سَعْيُهُمْ﴾. يعنى: عملُهم بطاعةِ اللَّهِ، ﴿مَشْكُورًا﴾. وشكرُ اللَّهِ إِيَّاهم على سعيهم
ذلك محُسْنُ جزائِه لهم على أعمالهم الصالحةِ ، وتجاوزُه لهم عن سيئها برحمتِه .
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمَنْ أَرَادَ
اَلْأَخِرَةَ وَسَعَى لَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ : شَكَرَ
اللَّهُ لهم حسناتِهم، وتجاوز عن سيئاتِهم (١).
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿ كُلَّا تُمِّدُ هَؤُلَاءِ وَهَكَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ
٢٠
عَطَاءُ رَبِّكَ مَخْطُورًا
يقولُ تعالى ذكرُه: "ُمِدُّ يا محمدُ ربُّك كلا الفريقين من مُريد ١ العاجلة ، ومريد".
(١) تمام الأثر المتقدم فى الصفحة السابقة .
(٢) فی م، ف: (مریدی)).
٥٣٨
سورة الإسراء : الآية ٢٠
الآخرةِ الساعى لها سعيها وهو مؤمنٌ ، فى هذه الدنيا من عطائِه ، فيرزُقُهما جميعًا من
رزقِه إلى بلوغِهما الأُمَدَ، واستيفائِهما الأجلَ ما كتَب لهما، ثم تختلِفُ بهما
الأحوالُ بعدَ المماتِ ، وتَفترِقُ بهما بعدَ الوُرودِ المصادرُ، ففريقُ مريدى العاجلةِ إلى
جهنَّمَ مَصْدَرُهم، وفريقُ مريدى الآخرةِ إلى الجنةِ مآبُهم، ﴿ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ
مَخْظُورًا﴾. يقولُ: وما كان عطاءُ ربِّك الذى يُؤْتِيه مَن يشاءُ من خلقِه فى الدنيا
ممنوعًا عمَّن بسَطه عليه ، لا يَقْدِرُ أحدٌ من خلقِه منعَه(١) ذلك وقد آتاه اللَّهُ إياه.
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ كُلَّا نُّمِدُ
هَؤُلَاءٍ وَهَكَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾. أى: منقوصًا، وإن
اللَّهَ تباركَ اسمُه قَسَم الدنيا بينَ البَرِّ والفاجرِ، والآخرةُ خصوصًا عندَ ربِّك للمتقين(٢).
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال : ثنا محمدُ بنُ ثورٍ ، عن معمرٍ ، عن قتادةَ :
﴿ وَمَا كَانَ عَطَآءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾. قال: منقوصًا (١).
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ المُخَرِّمُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْدِىٌّ ، قال :
ثنا سهلُ بنُ أبي الصلتِ السَّرَّاجُ، قال: سمِعتُ الحسنَ يقولُ: ﴿ كُلَّا تُمِدُّ هَكَؤُلَاءٍ
وَهَكَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ﴾. قال: (٤كُلَّا نُعطِى) من الدنيا البَرَّ والفاجرَ(٥).
(١) بعده فى م: ((من)) .
(٢) تمام الأثر المتقدم فى ص ٥٣٦.
(٣) تفسير عبد الرزاق ٣٧٦/١ عن معمر به .
(٤ - ٤) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: (( كلِّ يعطى)).
(٥) أخرجه أبو نعيم فى الحلية ٣٢/٩ من طريق عبد الرحمن بن مهدى به، وعزاه السيوطى فى الدر =
٥٣٩
سورة الإسراء : الآيتان ٢٠، ٢١
حدَّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ ، قال: ثنى حجاجٌ ، عن ابنٍ جريج، قال : قال
ابنُ عباسٍ: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ ﴾ الآية، ﴿ وَمَنْ أَرَادَ
اَلْآَخِرَةَ﴾ ٢. ثم قال: ﴿ كُلَّا نُّمِدُ هَنَؤُلَاءِ وَهَكَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَيِّكْ﴾ . قال ابنُ عباسٍ :
فِيَرْزُقُ مَن أراد الدنيا ، ويَرْزُقُ مَن أراد الآخرةَ. قال ابنُ جريج: ﴿ وَمَا كَانَ عَطَاءُ
رَبِّكَ تَحْظُورًا﴾. قال: ممنوعًا (٢) .
/حدَّثنی يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ [٢٤٣/٢ظ] فى ٦١/١٥
قولِه: ﴿ كُلَّا تُّمِدُ هَنَؤُلَاءٍ وَهَدَؤُلَاءٍ﴾: أهلَ الدنيا وأهلَ الآخرةِ، ﴿مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا
كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحَظُورًا﴾. قال: ممنوعًا(١).
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ [٢٤٣/٢ظ] فى
قوله: ﴿ كُلَّا تُّمِدُ هَؤُلَاءٍ وَهَكَؤُلَاءٍ﴾ أهلَ الدنيا وأهلَ الآخرةِ(٤) من بَرٌّ و(٥) فاجرٍ .
قال: والمحظورُ الممنوعُ. وقرّأ: ﴿ أَنْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضَِّ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ
دَرَجَتٍ وَأَكْبَرُ نَفْضِيلًا﴾ .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ أَنْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضِّ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ
٢١
دَرَجَتٍ وَأَكْبَرُ تَّفْضِيلًا
یقولُ تعالی ذ کژه لنبيّه محمد پات : ﴿ انظر ﴾ یا محمدُ بعین قلبك إلی هذین
= المنثور ١٧٠/٤ إلى ابن أبى حاتم .
(١ - ١) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((من أراد الآخرة ومن كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء
الآية )) .
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٧٠/٤ إلى المصنف وابن المنذر دون قول ابن جريج.
(٣) عزاه السيوطى فى الدر ١٧٠/٤ إلى المصنف وابن أبى حاتم .
(٤) بعده فى م: ((من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا)).
(٥) بعده فى م: ((لا)).
٥٤٠
سورة الإسراء : الآيتان ٢٢،٢١
الفريقَين اللذَينِ هَمْ أحدِهما الدارُ العاجلةُ ، وإياها يَطلُبُ، ولها يَعمَلُ، والآخرِ الذى
يُرِيدُ الدارَ الآخرةَ، ولها يَسْعَى، مُوقِنًا بثوابِ اللَّهِ على سعيه، ﴿ كَيفَ فَضَّلْنَا
بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضَِّ﴾): كيف فضَّلنا أحدَ الفريقين على الآخرِ، بأنْ بَصَّرنا هذا
رُشْدَه، وهَدَيْناه للسبيلِ التى هى أقومُ، وهديناه(٢) للذى هو أهدَى وأرشدُ، وخذَلْنا
هذا الآخرَ، فَأَضْلَلناه عن طريقِ الحقِّ، وَأَغْشَيْنَا بصرَه عن سبيلِ الرشدِ، ﴿ وَلَلْأَخِرَةُ
أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ﴾. يقولُ: وفريقُ مريدِى الآخرةِ أكبرُ فى الدارِ(٣) الآخرةِ درجاتٍ)
بعضُهم على بعضٍ ؛ لتفاوتِ منازِلهم بأعمالِهم فى الجنةِ، ﴿وَأَكْبَرُ نَفْضِيلًا﴾
بتفضيلِ اللَّهِ بعضَهم على بعضٍ من هؤلاء الفريقِ الآخرين فى الدنيا فيما بَسَطنا لهم
فيها .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَنْظُرْ كَيْفَ
فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضَِّ﴾. أى: فى الدنيا، ﴿وَلَلْأَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَتٍ وَأَكْبَرُ
تَّفْضِيلًا﴾ وإن للمؤمنين فى الجنةِ منازلَ ، وإن لهم فضائلَ بأعمالِهم، وذكر لنا أن
نبىَّ اللَّهِ مَِّمٍ قال: ((إن بينَ أعلَى أَهلِ الجنةِ وأسفلِهم درجةً كالنَّجْم ◌ُرَى فى مشارقٍ
الأرضِ ومغاربها))(٤).
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لَّا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهَا ءَاخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْهُومًا
(١ - ١) سقط من: م.
(٢) فى م: ((يسرناه)).
(٣) بعده فى ص، ت ٢، ف: ((الدنيا))، وفى ت ١: ((الدنيا و)).
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٧٠/٤ إلى المصنف وابن أبى حاتم.