النص المفهرس
صفحات 481-500
٤٨١
سورة الإسراء : الآية ٧
إلى الملكِ، وأَمَرتْها أن تَسقِيَه، وأن تَعرِضَ(١) له (٢) ، فإن أرادها على نفسِها أَبَت عليه
حتى يُعطيّها ما سأَلتْه، فإذا أعطاها ذلك سألته أن يأتىَ برأس يحيى بن زكريا فى
طَسْتٍ، ففعَلتْ، فجعَلتْ تَسقِيه وتَعرِضُ (١) له(٢) ، فلما أخَذ فيه الشرابُ أرادها
على نفسِها ، فقالت : لا أفعَلُ حتى تُعطِينَى ما أسألُك. قال: ما(٣) تَسْأَلِينى؟ قالت:
أسألُك أن تبعَثَ إلى يحيى بن زكريا، فأُوَى(٤) برأسِه فى هذا الطَّسْتِ. فقال:
ويحَك سَلِينى غيرَ هذا. فقالت له: ما أريدُ أن أسألَك إلَّا هذا. قال: فلما أَبَتْ(٥)
عليه بعَث إليه ، فَأَتِى برأسِه ، والرأسُ يتكلَّمُ حتى وُضِع بينَ يديه وهو يقولُ: لا يَحِلُّ
لك(٢) . فلما أصبح إذا دمُّه يَغْلِى، فأمَر بترابٍ فَأَلِفِى عليه، فرَقِى الدمُ فوقَ الترابِ
يغلى ، فأُلْقِى عليه الترابُ(٧) أيضًا، فارتفَع الدمُ فوقَه، فلم يزَلْ يُلقَى عليه الترابُ حتى
بلَغ سورَ المدينةِ / وهو ("فى ذلكٌ) يغلِى وبلَغ صَيْحائينَ(١)، فثار فى الناس، وأراد أن ٢٣/١٥
يبعَثَ عليهم جيشًا، ويُؤمِّرَ عليهم رجلًا، فأتاه بختُنصَرَ وكلَّمه وقال: إِن الذى
كنتَ أرسَلتَ تلك المرّةَ ضعيفٌ، وإنى قد دخَلتُ المدينةَ وسمِعتُ كلامَ أَهلِها،
فىبعَثْنى. فبعَته، فسار بختُنصَّرَ حتى إذا بلغوا ذلك المكانَ تَحَصَّنوا منه فى مدائنِهم ،
(١) فى ت ١: (( تتعرض)).
(٢) بعده فى م: (( نفسها)).
(٣) بعده فى م: ((الذى)).
(٤) فى ت ١: ((فتأتى)).
(٥) فى م: ((ألحت)). وفى ت ١، ف: ((أنفت)).
(٦) بعده فى م: ((ذلك)).
(٧) سقط من ص، ت ١، ت ٢، ف. وينظر مصدر التخريج.
(٨ - ٨) سقط من: م، ت ١. وفى ت ٢، ف: ((فى)).
(٩) فى ص، ت ١، ف: ((صحابين)). وفى م: ((صيحابين). وفى ت ٢: ((صحابين)). وأثبتناه كما فى
تاريخ المصنف .
( تفسير الطبرى ٣١/١٤ )
٤٨٢
سورة الإسراء : الآية ٧
فلم يُطِفْهم (١) ، فلما اشتدَّ عليهم المُقَامُ وجاع أصحابُه، أرادوا الرجوعَ، فخرجت
إليهم عجوزٌ مِن عجائزٍ بنى إسرائيلَ ، فقالت : أين أميرُ الجندِ ؟ فَأَتِى بها إليه، فقالت
له : إنه بلَغنى أنك تريدُ أن تَرجِعَ بجندِك قبلَ أن تَفتحَ هذه المدينةَ. قال: نَعمْ ، قد
طال مُقامى ، وجاع أصحابى ، فلستُ أستطيعُ المقامَ فوقَ الذى كان منى . فقالت :
أرأيتَك إن فتحتُ لك المدينةَ أَتُعطينى ما أسألُك، فتقتلُ مَن أمَرتُك بقتلِهِ، وتَكُفُّ إذا
أمَرْتُك أن تَكُفَّ؟ قال: نعم. قالت: إذا أصبحتَ فاقسِمْ جندَك أربعةَ أرباعٍ ، ثم أَقِمْ
على كلِّ زاويةٍ ربعًا، ثم ارفَعوا بأيديكم إلى السماءِ فنادُوا: إنا نستفتِحُك يا اللَّهُ بدم
يحيى بنِ زكريا. فإنها سوف تسَّاقَطُ. ففعلوا، فتساقطتِ المدينةُ، ودخَلوا مِن
جوانبِها، فقالت له: "كُفَّ يدَك) ، اقتُلْ على هذا الدم حتى يَسكُّنَ. وانطلقتْ به
إلى دمٍ يحيى، وهو على ترابٍ كثيرٍ، فقتل عليه، حتى سكن، سبعين ألفًا وامرأةٌ ،
فلما سكَن الدمُ قالت له: كُفَّ يدَك ، فإن اللَّهَ تبارك وتعالى إذا قُتِل نبيٌّ لم يرضَ،
حتى يُقتَلَ مَن قتله، ومَن رضِى قتلَه . وأتاه صاحبُ الصحيفةِ بصحیفتِه ، فكفَّ عنه
وعن أهلٍ بيته، وخرّب بيتَ المقدسِ، وأمَّر به أن تُطرَعَ فيه الجِيَفُ ، وقال: مَن طرَح
فيه جيفةً فله جِزِيتُه تلكَ السنةَ، وأعانه على خرابِهِ الرومُ مِن أجلٍ أَنَّ بنى إسرائيلَ قتَلوا
يحيى، فلما خرَّبه بختُنصَّرَ ذهَب معَه بوجوهِ بنى إسرائيلَ وسراتِهم(١) ، وذهَب
بدانيالَ وَعَلْيا وعَزَرْيَا(٤) ومِيشائيلَ، هؤلاء كلُّهم مِن أولادِ الأنبياءِ وذهَب معه برأسٍ
الجالوتِ (٥) ، فلما قدِمِ أرضَ بابلَ وجَد صَيْحائينَ قد مات ، فملَك مكانه، وكان
(١) فى ت ٢: ((يطلعهم)). وفى ف: ((يطلقهم)).
(٢ - ٢) سقط من: م.
(٣) فى م: ((أشرافهم)) .
(٤) فى ص، ت ١، ت ٢: ((عزوريا)). وفى م: ((عزاريا)). ينظر التاريخ.
(٥) فى م: ((جالوت)).
٤٨٣
سورة الإسراء : الآية ٧
أكرمَ الناسِ عليه دانيالُ وأصحابُه، فحسَدهم المجوسُ(١) ، فوشَوا بهم إليه ، وقالوا :
إن دانيالَ وأصحابَه لا يعبدون إِلهَك، ولا يأْكُلون مِن ذبيحتِك، فدعاهم فسألهم،
فقالوا: أَجَلْ، إنّ لنا ربًّا نعبْدُه، ولسنا نأكُلُ مِن ذبيحتِكم. فأمَر بخدٍّ فخُدَّ لهم،
فَأُلْقوا فيه، وهم ستةٌ ، وأَلِقِى معَهم ("سَبِعٌ ضارٍ " ليأكُلَهم، فقال: انطلِقوا فلْنأكُلْ
ولْنشرَبْ. فذهبوا فأكَلوا وشرِبوا، ثم راحوا فوجَدوهم جلوسًا والسَّبُعُ مفترشٌ
ذراعيه بينَهم، ولم يَخدِشْ منهم أحدًا، ولم يَنْكَأَه(١) شيئًا، ووجدوا معهم رجلًا ،
فعدُّوهم فوجَدوهم سبعةً ، فقالوا: ما بالُ هذا السابع؟ إنما كانوا ستةً ! فخرَج إليهم
السابعُ. وكان مَلَكًا مِن الملائكةِ، فلطَمه لَطمةٌ فصار فى الوحشِ ، فكان فيهم سبعَ
سنينَ ، لا يراه وحشيٍّ إلا أتاه حتى يَنكِحَه ، يَقتصُ منه ما كان يصنَعُ بالرجالِ ، ثم إنه
رجَع ورَدَّ اللَّهُ عليه مُلكَه، فكانوا أكرمَ خلقِ اللَّهِ عليه. ثم إن المجوسَ وشَوا (٤) به ثانيةً،
فألقَوا له أسدًا فى بئرٍ قد ضَرِى، فكانوا يُلقُون له الصخرةَ فيلتقِمُها(٥) ، فألقوا له
دانيالَ ، فقام الأسدُ فى جانبٍ ، ودانيالُ فى جانبٍ لا يَمَسُّه، فأخرجوه، وقد كان
قبلَ ذلك خَدَّ لهم خَدًّا، فأوقَد فيه نارًا، حتى إذا أجَّجها قذَفهم فيها ، فَأَطِفَأْها اللَّهُ
عليهم ولم يَنْكَأَهم(١) منها شىءٌ، ثم إن بختنصّرَ رأَى بعدَ ذلك فى منامِه صنمًا رأسُه
مِن ذهبٍ، وعنقُهُ مِن شَبَهٍ(١)، وصدرُه من حديدٍ، وبطنُه أخلاطُ ذهبٍ وفضةٍ
وقواريرَ، ورجلاه مِن فخَّارٍ ، فبينا هو قائم ينظُرُ، إذ جاءت صخرةٌ مِن السماءِ من قِبَلِ
(١) بعده فى ص، ت ٢، ف: ((ذلك)). وفى م: ((على ذلك)).
(٢ - ٢) فى م: (( سبعًا ضاريًا)).
(٣) أى: لم يصبه ولم يجرحه. ونكأ القرحة: قشرها . ينظر التاج (ن ك أ).
(٤) فى ص، ت ٢: ((نووا)).
(٥) فى ص، ت ٢، ف: ((فيأخذها)) .
(٦) فى م: ((ينلهم)).
(٧) الشبه: النحاس الأصفر. وقيل: هو النحاس يلقى عليه دواء فيصفر. التاج (ش ب هـ).
٤٨٤
سورة الإسراء : الآية ٧
٣٤/١٥ القبلةِ، فكسَرت الصنمَ فجعَلْه هشيمًا، فاستيقظ فزِعًا / وأَنِسيّها، فدعا السحرةَ
والكهنةَ ، فسأَلهم، فقال : أخبرونى ما رأيتُ . قالوا: لا ، بل أنتَ أَخِرْنا ما رأيتَ
فَتَعْبُرَه لك. قال : لا أدرى . قالوا: فهؤلاء الفتيةُ الذين تُكرِّمُهم، فادعُهم فاسألهم ،
فإن هم لم يُخْبِروك بما رأيتَ فاقتُلْهم(١) . فأرسَل إلى دانيالَ وأصحابِهِ ، فدعاهم،
فقال : أخبرونى ماذا رأيتُ؟ فقال له دانيالُ : أخبرنا ما رأيتَ فتَعبُرَه لك. قال: ("لا
أدرى٢) قد نَسيتُها. فقال له دانيالُ: كيف نعلَمُ رؤيا لم تُخبِرْنا بها؟ فأمَر البوّابَ أَن
يقتُلَهم ، فقال دانيالُ للبؤَّابِ: إن الملكَ إنما أمَر بقتلِنا من أجل رؤياه: فأُخِّرْنا ثلاثةً
أيام ، فإن نحن أخبَونا الملكَ برؤياه وإلا فاضرِبْ أعناقَنا. فأَجَّلهم فدعَوا اللَّهَ، فلمّا
كان اليومُ الثالثُ أبصَر كلُّ رجلٍ مِنهم رؤيا بختنصّرَ على حدةٍ ، فأتوا البؤَّابَ
فأخبَروه ، فدخَل على الملكِ فأخبره ، فقال : أدخِلْهم علىَّ. وكان بختنصّرَ لا يعرِفُ
مِن رؤياه شيئًا ، إلا شيئًا يذكُرونه، فقالوا له: رأيتَ كذا وكذا. فقَصُّوها عليه،
فقال : صدَقتم. قالوا : نحن نَعبُرُها لك. أما الصنمُ الذى رأيتَ رأسَه مِن ذهبٍ،
فإنه مُلكُك(٣) ، حسنٌّ مثلَ الذهبِ - وكان قد ملَك الأرضَ كلَّها - وأما العنقُ مِن
الشَّبَهِ، فهو مُلْكُ ابنِك بعدَكَ(٤) ، يمِلِكُ فيكونُ مُلكُه حسنًا، ولا يكونُ مثلَ
الذهبِ. وأما صدرُه (٥) مِن حديدٍ فهو مُلْكُ أهلٍ فارسَ، يَمِلِكون بعدَ(٦) ابنِك،
فيكونُ مُلكُهم شديدًا مثلَ الحديدِ [٢٣٦/٢و]، وأما بطنُه الأخلاطُ، فإنه يذهَبُ
(١) فى ص، ت ٢، ف: ((فما تصنع بهم؟ فاقتلهم)). وفى م: ((فما تصنع بهم؟ قال أقتلهم)).
(٢ - ٢) فى ت ١: ((ما أدرى ما رأيت)).
(٣) فى م: ((ملك)) .
(٤) فى م: ((بعد)).
(٥) بعده فى م: ((الذى)).
(٦) فى م: ((بعدك)) .
٤٨٥
سورة الإسراء : الآية ٧
ملكُ أهلِ فارسَ ، ويتنازُ الناسُ المُلُكَ فى كلِّ قريةٍ ، حتى يكونَ الملِكُ يَملِكُ اليومَ
واليومين، والشهرَ والشهرين، ثم يُقتَلُ، فلا يكونُ للناسِ قِوامٌ على ذلك، كما
لم يكن للصنمِ قِوامٌ على رِجلين من فخّارٍ ؛ فبينما هم كذلك، إذ بعث اللَّهُ تعالى نبيًّا
من أرضِ العربِ ، فَأَظهَره على بقيةِ مُلكِ أهلٍ فارسَ ، وبقيةٍ مُلكِ ابنِك ومُلكِك،
فدمَّره وأهلكه (١) حتى لا يَبقَى منه شىءٌ، كما جاءت الصخرةُ فهدَمت الصنمَ .
فعطَف عليهم بختُصّرَ فأحَبَّهم، ثم إن المجوسَ وشَوا(٢) بدانيالَ، فقالوا: إِن دانيالَ
إذا شرِب الخمرَ لم يَمْلِكْ نفسَه أن يبولَ. وكان ذلك فيهم عارًا ، فجعَل لهم بختُنُصّرَ
طعامًا ، فأكَلوا وشرِبوا، وقال للبوّابِ : انظرْ أوّلَ مَن يخرُجُ عليك يبولُ ، فاضرِبْه
بالطَّبَوْزِينَ(٤) ، وإن قال: أنا بختُنصّرَ. فقل: كذَبتَ، بختُنصّرَ أمَرنى. فحبَس اللَّهُ
عن دانيالَ البولَ ، وكان أوّلَ مَن قام مِن القومِ يريدُ البولَ بُختُصّرَ، فقام مُدلًا ، وكان
ذلك ليلاً، يسحَبُ ثيابَه، فلما رآه البوّابُ شدَّ عليه، فقال: أنا بختُنُصّرَ. فقال:
كذَبتَ ، بختُنصّرَ أَمَرنى أن أَقتُلَ أَوّلَ مَن يخرُجُ . فضرَبه فقتله .
حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن أبى المُعُلَّى، قال : سمِعتُ
سعيدَ بنَ جبيرٍ ، قال: بعَث اللَّهُ عليهم فى المرّةِ الأولى سنحارِيبَ . قال: فردَّ اللَّهُ لهم
الكرّةَ عليهم ، كما قال . قال : ثم عصَوا ربَّهم وعادوا لما نُهوا عنه ، فبعث عليهم فى
المرّةِ الآخرةِ بخُتَنصَّرَ، فقتَل المُقَاتِلَةَ، وستَى الذُّرِّيَّةَ، وأخَذ ما وجَد مِن الأموالِ،
ودَخَلوا بيتَ المقدسِ، كما قال اللَّهُ عزّ وجلّ: ﴿وَلِيَدْ خُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ
(١ - ١) سقط من ت ٢.
(٢) فى ت ٢: ((أهله)).
(٣) فى ص، ت ٢، ف: ((يروا)).
(٤) فى ت ١: ((بالطربزين)). والطيرزين فارسى، وتفسيره: فأس السَّرْج. لأن فرسان العجم تحمله معها
يقاتلون به . قال: وقد تكلمت به العرب . المعرب ص ٢٧٦.
٤٨٦
سورة الإسراء : الآية ٧
أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُنَِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَنْبِيرًا﴾. دخَلوه فتبَّروه وخرّبوه، وألقَوا فيه ما استطاعوا
مِن العَذِرَةِ والحيضِ والجيّفِ والقَذَرِ، فقال اللَّهُ: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَعَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ
عُدْنَا﴾. فرحِمهم فردَّ إليهم مُلْكُهم، /وخلَّص مَن كان فى أيديهم مِن ذُرِّيَّةِ بنی
إسرائيلَ، وقال لهم: ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾. قال أبو المُعلَّى: ولا أعلَمُ ذلك إلا مِن هذا
الحديثِ، ولم يَعِدْهم الرجعةَ إلى مُلكِهم(١).
٣٥/١٥
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ :
﴿ فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ الْآَخِرَةِ لِيَسْكُواْ وُجُوهَكُمْ﴾. قال: بعَث(٢) مَلكُ فارسَ ببابلَ
جيشًا، وأمَّر عليهم بخُتَنصّرَ، فأتوا بنى إسرائيلَ، فدمَّروهم، فكانت هذه الآخرةَ
(٣)
ووعدها(٣).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريجٍ، عن
مجاهد نحوه .
حدّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسینُ ، قال : ثنی حجاج ، عن ابنٍ جریج، قال : ثنی
يَعْلَى بنُ مُسلمٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، قال: لما ضرَب لبُختِنصّرَ المُلْكُ بجِرانِهِ(٤)،
قال : ثلاثةً ، فمَن استأخَر منكم بعدَها فلْيَمشِ إلى خشبتِهُ . فغزا الشامَ ، فذلك حينَ
(١) تقدم فى ص ٤٧٢. وينظر التبيان ٦/ ٤٤٨.
(٢) بعده فى م: ((اللَّه)) .
(٣) تفسير مجاهد ص ٤٢٨، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٦٥/٤ إلى المصنف، وابن أبى شيبة، وابن
المنذر، وابن أبى حاتم .
(٤) ضرَب الشىءُ بجرانه: ثبت واستقر. وهو من المجاز المنقول من الكناية ، من قولهم: ضرب البعيرُ بجرانه،
وألقى جرانه . إذا برك . أساس البلاغة (ج ر ن).
(٥) فى ص: ((حسه)). وفى ت ١: ((حبسه)). وفى ت ٢: ((حسنه)). وقوله: فليمش إلى خشبته . كناية
عن أنه سیمیته. كما مر قريبًا .
٤٨٧
سورة الإسراء : الآية ٧
قَّل وأخرَب (١) بيتَ المقدس، ونزَع حِلْيتَه، فجعَلها آنيةٌ ليشربَ فيها الخمورَ، وخُونًا (١)
يأكُلُ عليها (٣) الخنازيرَ، وحمَل التوراةَ(1) معه، ثم ألقاها فى النارِ ، وقدِم فيما قدِم به
بمائةٍ وصيفٍ منهم دانيالُ وعَزَرْيا وحَنَنْيا ومِشائيلُ، فقال(٥) : أصلِح لى أجسامَ هؤلاء
لعلِّى أختارُ مِنهم أربعةٌ يَخْدُموننى. فقال دانيالُ لأصحابِهِ : إِنما نُصِروا عليكم بما غيَّر تم
مِن دينٍ آبائكم، لا تأكُلوا لحمَ الخنزيرِ، ولا تشرَبوا الخمرَ. فقالوا للذى يُصْلِحُ
أجسامَهم: هل لك أن تُطعِمَنا طعامًا، هو أهونُ عليك فى المَونةِ مما تُطعِمُ أصحابَا ؟
فإن لم نَسمَنْ قبلَهم رأيتَ رأْيَك! قال : ماذا؟ قال: خبزُ الشعيرِ والكُرَّاثُ. ففعَل
فسمِنوا قبلَ أصحابِهِم، فأخذهم بُخْتُصَّرَ يَخْدُمونه، ( بَيْنا ذلك، رأَى) بختُصرّ
رؤیا ، فجلس فنسِیها ، فعاد فرقَد فرآها ، فقام فنسِیھا ، ثم عاد فرقَد فرآها ، فخرج إلى
الحجرةِ فنسِيها ، فلما أصبَح دعا العلماءَ والكهَّانَ ، فقال : أخبرونى بما رأيتُ البارحةَ،
وأوّلوا لى رؤياى، وإلا فلْيَمشٍ كلَّ رجلٍ منكم إلى خشبتِه، موعدُكم ثالثةٌ . فقالوا :
هذا لو أخبرنا برؤياه . وذكَر كلامًا لم أحفَظْه، قال: وجعَل دانيالُ كلَّما مرَّ به أحدٌ مِن
قرابته يقولُ: لو دعانى الملكُ لأخبَرْتُه برؤياه، ولأوَّلْتُها له . قال: فجعَلوا يقولون: ما
أحمقَ هذا الغلامَ الإسرائيلىَّ. إلى أن مرَّ به كهلٌ. فقال له ذلك، فرجَع إليه فأخبرَه،
فدعاه فقال : ماذا رأيتُ ؟ قال : رأيتَ تمثالًا. قال: إِيهِ . قال: ورأسُه مِن ذهبٍ . قال :
إِيهِ . قال: وعنقُه مِن فضةٍ. قال: إِيهِ. قال: وصدرُه من حديدٍ. قال: إِيهِ. قال :
(١) فى م: ((أخرج)).
(٢) فى م: ((خوانا)). والخون جماع الخوان .
(٣) فى م: ((عليه)).
(٤) فى ت ١: ((السراة)). وفى ت ٢، ف: ((الشراة)).
(٥) بعده فى م: ((الإنسان)).
(٦ - ٦) فى م: ((فبينما هم كذلك إذ رأى)).
٤٨٨
سورة الإسراء : الآية ٧
وبطنُهُ مِن صُفْرٍ. قال: إِيهِ. قال: ورجلاه من آنُكِ (١) . قال: إِيهِ . قال: وقدماه مِن
فخّارٍ . قال : هذا الذى رأيتَ ؟ قال: إيهِ . قال : فجاءت حصاةٌ فوقَعت فى رأسِه ، ثم
فى عنقه ، ثم فى صدرِه ، ثم فى بطنه، ثم فى رجليه، ثم فى قدميه. قال: فأهلَكتْه.
قال: فما هذا؟ قال: أما الذهبُ فملْكُك، وأما الفضةُ فمُلكُ ابنِك مِن بعدِك، ثم
مُلكُ ابنِ اينِك. قال : وأما الفخّارُ فملُكُ النساءِ . فكساه جبةً ("من حريرٍ"، وسؤَّره
وطاف به فى القرية، وأجاز خاتَمَه ، فلما رأت ذلك فارسُ، قالوا: ما الأمر إلا أمرَ هذا
الإسرائيلىِّ. فقالوا: ائتوه مِن نحوِ الفتيةِ(٤)، ولا تذكُروا له دانيالَ، فإنه لا يصدِّقُكم
٣٦/١٥ عليه. فأتوه . فقالوا: إن هؤلاء الفتيةً الثلاثةً ليسوا على دينك، وآيةُ ذلك أنك / إن
قَرَّبتَ إِليهم لحم الخنزيرِ والخمرَ لم يأْكُلوا ولم يَشرَبوا. فأمَر بحطبٍ كثيرٍ فوُضِع،
ثم ("أَزْقَاهم عليه٢، ثم أُوقَد فيه نارًا ، ثم خرَج مِن آخرِ الليلِ يبولُ، فإذا هم يتحدَّثون ،
وإذا معَهم رابعٌ يُروِّحُ عنهم (١) يُصلِّى، قال: مَن هذا يا دانيالُ؟ قال : هذا جبريلُ، إنك
ظلمتَهم. قال: ظلمتُهم(٢)! فأمَر بهم فأُنزِلوا، قال: ومسَخ اللَّهُ تعالى بختَنصَّرٌ مِن
الدوابِ كلِّها، فجُعِل من كلِّ صِنفٍ مِن الدوابٌ؛ رأسًا(٨) مِن السباعِ الأسدِ ، ومن
الطيرِ الَّشْرِ، ومَلَك ابتُه فرأى كفّا خرَجتْ بين لَوْحَين، ثم كتبتْ سطرين، فدعا
الكهانَ والعلماءَ فلم يجِدْ فيه٢ عِلمًا، فقالت له أمُّه: إِنك لو أعدتَ إلى دانيالَ مَنزِلتَه
(١) الصفر من النحاس: الجيد. وقيل: هو ضرب من النحاس. وقيل: هو ما صفر منه. التاج (ص ف ر).
(٢) الآنك: الأُسْرَبُّ. وهو الرّصاص القَلْعِىُّ. وقيل: هو الرصاص الأبيض. وقيل: الأسود. وقيل: الخالص
منه . اللسان ( أن ك ).
(٣ - ٣) فى ص، ت ٢، ف: ((نوب)). وفى م: ((ترثون)).
(٤) بعده فى م: ((الثلاثة)).
(٥ - ٥) سقط من: ت ١، وفى ص، ت ٢، ف: ((أرما عليه)).
(٦) فى م، ت ٢: ((عليهم)).
(٧) بعده فى م: (( مر بهم ينزلوا)).
(٨) فى م: ((رأسه رأس سبع)).
(٩ - ٩) فى م: ((يجدوا لهم فى ذلك)).
٤٨٩
سورة الإسراء : الآية ٧
التى كانت له مِن أبيك أخبَركَ . وكان قد جفاه، فدعاه ، فقال: إنى معيدٌ إليك منزلتك
مِن أبى ، فأُخبِرْنى ما هذان السطرانِ ؟ قال: أمّا أن تُعيد إلىّ منزلتى من أبيك، فلا حاجةً
لى بذاك، وأمّا هذان السطران فإنك تُقتَلُ الليلةَ. فأخرَج مَن فى القصرِ أجمعين ، وأمَر
بقفلِه ، فأُقْفِلت الأبوابُ عليه، وأدخَل معَه آمنَ أهلِ القريةِ فى نفسِه معَه سيفٌ ، فقال :
مَن جاءك مِن خلقِ اللَّهِ فاقتُلْه، وإن قال: أنا فلانٌ. وبعث اللَّهُ عليه البطنَ فجعَل يمِشِى
حتى كان شطرُ الليلِ، فرقَد ورقَد صاحبُه، ثم نَّهه البطنُ، فذهَب يمِشِى والآخرُ نائمٌ ،
فرجَع فاستيقَظ به ، فقال له : أنا فلانٌ. فضرَبه بالسيفِ فقتله(١) .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ
أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُ فَلَهَا فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ اُلْآَخِرَةِ ﴾، آخرِ العقوبتين،
. لِيَسْكُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾، كما دخَله
عدوُّهم قبلَ ذلك، ﴿ وَلِيُخَيِرُواْ مَا عَلَوْ نَتْبِيْرًا﴾ فبعَث اللَّهُ عليهم فى الآخرةِ
بُختَنصرَ البابلىَّ المجوسيّ، أبغضَ خلقِ اللَّهِ إليه ، فسبَّى وقتَل وخرّب بيت المقدسِ ،
وسامهم سوءَ العذابِ .
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال : ثنا محمدُ بنُّ ثورٍ ، عن معمرٍ ، عن قتادةَ ،
قال: ثمّ(٢) جاء وعدُ الآخرةِ مِن المرتين، ﴿لِيَسْئُواْ وُجُوهَكُمْ﴾. قال: ليُقبِّحوا
وجوهكم. ﴿ وَلِيُتَِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيرًا﴾. قال: يُدمِّروا ما علَوا تدميرًا. قال: هو
بختنصرَ ، بعَثه اللَّهُ عليهم فى المرّةِ الآخرةِ(١) .
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٦٤/٤ إلى المصنف.
(٢) فى م: ((فإذا)).
(٣) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٣٧٣/١ عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٦٥/٤ إلى ابن أبى
حاتم .
٤٩٠
سورة الإسراء : الآية ٧
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی أبى ، قال : ثنی عمى ، قال : ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ، قال: فلما أفسدوا بعَث اللَّهُ عليهم فى المرّة الآخرةِ بختنصرَ،
فخرَّب المساجدَ وتَبَّر ما علَوا تتبيرًا (١).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ ، قال : ثنى ابنُ إسحاقَ ، قال : فيما بلغنى؛
استخلَف اللَّهُ على بنى إسرائيلَ بعدَ ذلك - يعنى بعدَ قتلِهم شعياءَ - رجلًا منهم يقالُ
له: ("يا شيةُ بنُّ آموص٢َ). فبعث اللَّهُ الْخَضِرَ نبيًّا - كان رسولُ اللَّهِ سَمٍ ، فيما بلغنى ،
يقولُ: ((إََّا سُمِّىَ الخَضِرُ خَضِرًا؛ لأَنَّهُ جَلَسَ عَلَى فَرْوَةٍ بَيْضَاءَ، فَقَامَ عَنْهَا وَهِىَ تَهْتَزُ
خَضْرَاءَ)) - قال: واسمُ الخضرِ، فيما كان وهبُ بنُ منبهٍ يزعم عن بنى إسرائيلَ :
إِرْمِيَا بنُ حَلْقِيًا، وكان مِن سبطٍ هارونَ بنِ عمرانَ(١).
حدّثنی محمدُ بنُ سهلٍ بنِ عسکرٍ ، ومحمدُ بنُ عبد الملك بن زنجویه ، قالا : ثنا
إسماعيلُ بنُ عبدِ الكريم ، قال : ثنا عبدُ الصمدِ بنُ معقلٍ، عن وهبٍ بنِ منبهٍ ،
وحدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ ، عمّن لا يُتَّهمُ ، عن وهبِ بنِ
٣٧/١٥ منبهِ اليمانيّ، واللفظُ لحديثِ ابنِ حميدٍ، أنه كان يقولُ: قال اللَّهُ / تبارك وتعالى
لإِرْمِيَا حينَ بعَثه نبيًّا إلى بنى إسرائيلَ: يا إرميا، مِن قبل أن أخلُقَكَ اخترتُكَ ، ومن
قبلٍ أن أُصوّرَك فى بطنٍ أُمِّك قدَّستُك، ومن قبلٍ أن أُخرِجَك مِن بطنٍ أمِّك
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٦٣/٤ إلى المصنف وابن أبى حاتم .
(٢ - ٢) فى ص: ((ناشبة بن اموص)). وفى م: ((ناشة بن آموص)). وفى ت ١: ((ناشبة بن موص)).
وفى ت٢: ((ياشبه بن مرض)). وفى ف: ((ناشية بن موص)). وأثبتناه كما فى التاريخ، وسيأتى
تخريجه .
(٣) أخرجه المصنف فى تاريخه ٥٤٧/١ دون قوله: كان رسول اللَّه عَّم فيما بلغنى يقول:
( ... خضراء)).
وقوله عَلٍ: ((إنما سمى الخضر ... )) صح مرفوعًا من حديث أبى هريرة عند البخارى (٣٤٠٢).
٤٩١
سورة الإسراء : الآية ٧
طهَّرتُك، ومن قبلٍ أن تبلُغَ السعىَ نِبَيِّئُك(١)، ومن قبلٍ أن تبلُغَ الأشدَّ اختبرتُك(٢)،
ولأمرٍ عظيم اجتبيتُك(١) . فبعث اللَّهُ إرميا إلى ذلك الملكِ مِن بنى إسرائيلَ يسدِّدُه
ويُؤْشِدُه، ويأتيه بالخبرِ مِن اللَّهِ فيما بينَه وبينَ اللَّهِ . قال: ثم عظُمت الأحداثُ فى بنى
إسرائيلَ، وركِبوا المعاصىَ، واستحلُّوا المحارمَ، ونَشُوا ما كان اللّهُ تعالى صنع بهم ، وما
نجاهم مِن عدوّهم سنحاريبَ وجنودِه. فأوحَى اللَّهُ إلى إرمياءً أن ائتِ قومَك مِن بنى
إسرائيلَ، واقصُصْ عليهم ما آمرك به، وذكّرْهم نعمتى عليهم، وعرّفْهم أحداثَهم .
فقال إرمياءُ : إنى ضعيفٌ إن لم تُقوِّنِى، عاجزٌ إن لم تُبلِّغْنى، مخطئٌّ إن لم تُسدِّدْنى،
مخذولٌ إن لم تَنصُرْنى ، ذليلٌ إن لم تُعِزَّنى. قال اللَّهُ تبارك وتعالى: أوَ لم تعلَمْ أن
الأمورَ كلَّها تَصدُرُ عن مَشيئتِى، وأن القلوبَ كلَّها والألسنةَ بيدِى، أَقلِّيُها كيف
شئتُ ، فتُطيعُنى، وإنى أنا اللَّهُ الذى لا شىءَ مثلى، قامت السماواتُ والأرضُ وما
فيهنَّ بِكَلِمتى، وأنا كلَّمتُ البحارَ، ففهِمتْ قولى، وأمَرتُها فعقَلتْ أمرى،
وحدَّدتُ عليها بالبطحاءِ فلا تَعدَّى حدِّى، تأتى بأمواج ( أمثالِ الجبالِ) ، حتى إذا
بلغت حدِّى ألبَستُها مذلَّةً طاعتى خوفًا واعترافًا لأمرى، إنِّى معك، ولن يصلَ إليك
شىءٌ معى، وإنى بعثتُك إلى خَلقٍ عظيمٍ مِن خَلقِى ؛ لتُبلِّغَهم رسالاتى ولتستحقَّ بذلك
مثلَ أجرٍ مَن اتّبَعك مِنهم لا يَنْقُصُ ذلك من أجورهم شيئًا ، وإن تُقصِّرْ عنها تستحقَّ
بذلكْ) مثلَ وزرِ مَن تَرَكتَ(١) فى عماه لا ينقصُ ذلك مِن أوزارِهم شيئًا ، انطلِقْ إلى
(١) فى م: ((نبأتك)).
(٢) فى م: ((اخترتك)).
(٣) فى م: ((اختبأتك)).
(٤ - ٤) فى م والتاريخ: ((كالجبال)).
(٥ - ٥) فى م: ((فلك)).
(٦) فى ص: ((بركب)). وفى م: ((تركب)). وفى ت ١، ت ٢، ف: ((يركب)). وأثبتناه كما فى
التاريخ .
٤٩٢
سورة الإسراء : الآية ٧
قومِك فقلْ: إن الله ذكر بکم ) صلاح آبائكم، فحمله ذلك علی أن یَشْتَنییکم یا
معشرَ الأبناءِ. وسَلْهم كيف وجَد آباؤهم مغبّةً طاعتى، وكيف وجَدوا هم مغبّةً
معصيتى ، وهل علموا أن أحدًا قبلَهم أطاعنى فشَقِى بطاعتى، أو عصانى فسعِد
بمعصيتى ، فإن الدّوابَّ مما تذكُرُ أوطانَها الصالحةَ ، فتنتابُها ، وإن هؤلاء القومَ رتَعوا فى
مروجِ الهَلكةِ ؛ أما أحبارهم ورهباتُهم فاتخذوا عبادى حَوَلًا ليعبدوهم دونى وتحكّموا
[٢٣٧/٢ و] فيهم بغيرِ كتابى حتى أجهلوهم أمرى، وأنسؤهم ذكرى، وغرّوهم
منى ؛ أما أمراؤهم وقادتُهم فبطِروا نعمتى، وأمِنوا مكرى، ونَبَذُوا كتابى، ونشوا
عهدى، وغيّروا سنَّتَى، فادّان لهم عبادى بالطاعةِ التى لا تنبغِى إلّا لى، فهم
يُطيعونهم فى معصيتى، ويُتابِعونهم على البدع التى يبتدعون فى دينى جرأةً علىَّ
وغِرّةً ، وفِرِيةً علىَّ وعلى رسلى، فسبحان جلالى وعلوِّ مكانى، وعَظمةٍ(٢) شأنى،
فهل يَنبغِى لبشرٍ أن يُطاعَ فى معصيتى ، وهل ينبغى لى أن أخلُقَ عبادًا(١٢) أجعَلُهم أربابًا
مِن دونى ؟! وأما قرّاؤهم وفقهاؤهم فيتعبَّدون فى المساجدِ ، ويَتزيَّنون بعمارتها لغیری ؛
لطلبِ الدنيا بالدينِ، ويتفقَّهون فيها لغيرِ العلم ، ويتعلّمون فيها لغيرِ العملِ ؛ وأما أولادُ
الأنبياءِ، فمَكْثُورون(٤) مقهورون مُغيّرون (١٢ ، يخوضون مع الخائضين، ويتمنَّون علىَّ
مثلَ نُصرةٍ آبائهم والكرامةِ التى أُكرَمتُهم بها ، ويزعمون أن لا أحدَ أولى بذلك مِنهم
منى ، بغيرِ صدقٍ ولا تفكّرٍ ولا تدبُّرٍ، ولا يذكرون كيف كان نصرُ(٦) آبائهم لی،
وكيف كان جِدُّهم فى أمرى حينَ غيَّر المُغيِّرون ، وكيف بذَلوا أنفسَهم ودماءَهم،
(١) فى م: ((لكم)).
(٢) فى م: ((عظم)).
(٣) فى ت ١: ((عبادًا)).
(٤) فى م: ((فمكثروه)). والمكثور: المغلوب. وهو الذى تكاثر عليه الناس فقهروه. التاج (ك ث ر).
(٥) فى ص، ت ٢، ف: ((معبرون)). وفى م، ت ١: ((مغيرون)). وأثبتناه كما فى التاريخ.
(٦) فى م: ((صبر)).
٤٩٣
سورة الإسراء : الآية ٧
٣٨/١٥
فصبروا وصدَقوا حتى عزَّ أمرى، وظهر دينى ، فتأَنَّيتُ بهؤلاء القوم لعلّهم يستجيبون
/ فَأْوَلتُ لهم، وصفَحتُ عنهم ، لعلَّهم يَرجِعون ، فأكثَرتُ ومدَدتُ لهم فى العمرِ
لعلّهم يتذكّرون ، فأعذرتُ فى كلِّ ذلك، أُمطِرُ عليهم السماءَ، وأَنْبِتُ لهم الأرضَ،
وأُلْبِسُهم العافيةَ، وأُظهِرُهم على العدوِّ ، فلا يزدادون إلا طغيانًا وبُعدًا منى ، فحتى متى
ر
هذا؟! أبى يتمَّسون ؟ أم إيّىَ يُخادعون؟ وإنى أحلِفُ بعزَّتى لأَقيّضنَّ لهم فتنةٌ يتحيّرُ
فيها الحليمُ ، ويَضِلُّ فيها رأىُ ذى الرأي، وحكمةُ الحكيم، ثم لأُسلِّطنَّ عليهم جبّارًا
قاسيًّا عاتيًا، أَلْبِسُه الهيبةَ، وأنتزِعُ مِن صدرِه الرأفةَ والرحمةَ واللِّيَانَ(١)، يتبَعُه عددٌ وسوادٌ
مثلُ سوادِ الليلِ المظلم ، له عساكرُ مثلُ قِطَع السحابِ ، ومراكبُ أمثالُ العَجَاج، كأن
حفيفَ (٢) راياتِه طيرانُ النسورِ ، وإن حَمْلَةَ فُرْسانِهِ كريمُ(٢) العِقبانِ .
ثم أوحَى اللَّهُ إلى إرميا: إنى مُهلكٌ بنى إسرائيلَ بيافثَ - ويافثُ أهلُ بابلَ ،
وهم من ولدِ یافٹِ بنِ نوح - فلمّا سمِعإرمیا وحیَ ربِّه صاح وبگی وشقّ ثيابه ، ونبذ
الرمادَ على رأسِه فقال: ملعونٌ يومٌ وُلدتُ فيه، ويومُ لُقِيتُ التوراةَ ، ومن شرِّ أيامى
يومٌ وُلدتُ فيه ، فما أَبقيتُ آخرَ الأنبياءِ إلا لما هو شرٌّ علىَّ، لو أراد بى خيرًا ما جعَلنى
آخرَ الأنبياءِ من بنى إسرائيلَ، فمِن أجلى تُصيبُهم الشِّقوةُ والهلاكُ. فلما سمِعِ اللَّهُ
تضرُّعَ الخَضِرِ وبكاءَه، وكيف يقولُ، ناداه: يا إرميا، أشَقَّ عليك ما أوحيثُ لك؟
قال: نعم ، ياربِّ أهلِكْنى قبلَ أن أرى فى بنى إسرائيلَ ما لا أُسَرُّ به. فقال اللَّهُ:
وعزَّتى العزيزةِ ، لا أَهلِكُ بيتَ المقدسِ وبنى إسرائيلَ حتى يكونَ الأمرُ مِن قِبَلِكَ فى
ذلك . ففرح عندَ ذلك إرميا لِمَا قال له ربّه، وطابت نفسُه، وقال: لا، والذى بعَث
(١) فى النسخ: ((البيان)). والمثبت كما فى التاريخ. والليان: الملاينة. اللسان (ل ی ن).
(٢) فى ص، ت ٢، ف: ((حفيق)). وفى م، ت ١، وفى التاريخ: ((خفيق)). وينظر البداية والنهاية ٣٦٦/٢.
(٣) فى م: ((كوبر)). والكرير: صوت فى الصدر مثل الحشرجة وليس بها، وكذلك هو من الخيل فى
صدورها، وقيل: هو صوت كصوت المختنق أو المجهود . التاج (ك ر ر).
٤٩٤
سورة الإسراء : الآية ٧
موسى وأنبياءه بالحقِّ لا آمُرُ ربى بهلاكِ بنى إسرائيلَ أبدًا. ثم أتى مَلِكَ بنى إسرائيلَ
فأخبره ما أوحى اللَّهُ إليه، فاستبشَر وفرح، وقال: إن يعذِّبْنا ربُّنا فبذنوبٍ كثيرةٍ
قدَّمناها لأنفسِنا، وإن عفا عنا فبقُدرتِه .
ثم إنهم لبثوا بعدَ هذا الوحي ثلاثَ سنينَ لم يزدادوا إلا معصيةً وتماديًا فى
الشرّ، وذلك حينَ اقتِرَب هلاكُهم ، فقلَّ الوحىُ حينَ لم يكونوا يتذكّرون الآخرةَ،
وأمسك عنهم حينَ أَلْهتهم الدنيا وشأنُها ، فقال لهم ملكُهم : يا بنى إسرائيلَ ، انتهُوا
عما أنتم عليه قبلَ أن يَمَسَّكم بأسُ اللَّهِ ، وقبلَ أن يُتْعَثَ عليكم قومٌ لا رحمةً لهم
بكم ، وإن ربّكم قريبُ التوبةِ ، مبسوطُ اليدين بالخيرِ ، رحيمٌ بمن تاب إليه . فأبوا عليه
أن يَنْزِعوا عن شىءٍ مما هم عليه، وإن اللَّهَ ألقى فى قلبٍ بُختنصَّرَ بنِ نَبُوزَرادانَ ( بنِ
سنحاريبَ بنِ دارياسَ بنِ ثُمرودَ بنِ فَالَخِ بنِ عابَرِ بنِ ثُمرودَ صاحبٍ إبراهيم الذى
حاجَّه فى ربِّه ، أن يسيرَ إلى بيتِ المقدسِ، ثم يفعلَ فيه ما كان جدُّه سنحاريبُ أراد
أن يفعَلَ ، فخرَج فى ستِّمائةِ ألفٍ رايةٍ يريدُ أهلَ بيتِ المقدسِ ، فلمّا فصَل سائرًا أتى
ملكَ بنى إسرائيلَ الخبرُ أن يُخْتَنصّرَ قد أقبَل هو وجنودُه يُريدُ كم، فأرسَل الملكُ إلى
إرميا ، فجاءه فقال: يا إرميا، أين ما زعَمتَ لنا أن ربَّك أوحَى إليك أن لا يُهلكَ أهلَ
بيتِ المقدسِ، حتى يكونَ منك الأمرُ فى ذلك؟! فقال إرميا للملكِ : إن ربى لا
يُخلِفُ الميعادَ وأنا به واثِقٌ .
فلما اقترَب الأجلُ ودنا انقطاعُ مُلكِهم وعزَم اللَّهُ على هلاكِهم، بعَث اللَّهُ
مَلَكًا مِن عندِه ، فقال له : اذهَبْ إلى إرميا فاستفتِه. وأمره بالذى يَستفتى فيه ، فأقبَل
المَلَكُ إلى إرمياءَ، وقد تمثَّل له رجلًا مِن بنى إسرائيلَ، فقال له إرميا: مَن أنت؟
(١) فى م: ((نجورزاذان)). ينظر ما تقدم فى ٤ / ٥٨٩.
٤٩٥
سورة الإسراء : الآية ٧
قال : أنا(١) رجلٌ مِن بنى إسرائيلَ أستفتيك فى بعضٍ أمرى. فأذِن له، فقال له
المَلَكُ : يا نبيَّ اللَّهِ ، أتيتُك أستفتيك فى أهلِ رَحِمى، وصَلتُ أرحامَهم بما أمَرنى
اللَّهُ به، لم آتٍ إليهم إلا حسنًا، ولم آلُهم كرامةٌ ، فلا تَزِيدُهم كرامتى / إيّاهم إلا ٣٩/١٥
إسخاطًا لى ، فأفتِنِى فيهم يا نبيَّ اللَّهِ . فقال له : أحسِنْ فيما بينك وبينَ اللَّهِ ، وصِل ما
أمَرك اللَّهُ أَن تَصِلَ، وأبشِرْ بخيرٍ. وانصرَف عنه، فمكث أيامًا ، ثم أقتل إليه فى
صورةٍ ذلك الرجلِ(١) الذى كان(١) جاءه، فقعَد بين يديه ، فقال له إرميا : مَن أنت ؟
قال : أنا الرجلُ الذى أتيتُك أستفتيك فى شأنٍ أهلى. فقال له نبىُ اللَّهِ: أوَ ما
طهُرت(٢) لك أخلاقُهم بعدُ، ولم ترَ منهم الذى تُحبُّ؟ فقال: يا نبيَّ اللَّهِ، والذى
بعثَك بالحقِّ ما أعلَمُ كرامةً يأتيها أحدٌ مِن الناسِ [٢/ ٢٣٧ظ] لأُهلِ رحِمِه إلا قد أتيتُها
إليهم وأفضلَ مِن ذلك. فقال النبىُ: ارجِعْ إلى أهلِك فأحسِنْ إليهم . أسألُ(٣) اللَّهَ
الذى يُصلِحُ عبادَه الصالحين أن يُصلحَ ذاتَ بينكم ، وأن يجمعكم على مرضاته،
ويُجِنِبُكم سُخْطَه. فقام المَلَكُ مِن عندِه، فلبِث أيامًا وقد نزَل بختُنصّرَ وجنودُه
حولَ بيتِ المقدسِ، ( بأكثرَ من" الجرادِ، ففزِع مِنهم بنو إسرائيلَ فزعًا شديدًا ، وشقّ
ذلك على مَلِكِ بنى إسرائيلَ، فدعا إرميا، فقال: يا نبيَّ اللَّهِ ، أين ما وعَدك اللَّهُ؟
فقال : إنى بربى واثقٌ. ثم إن المَلَكَ أَقبَل إلى إرميا وهو قاعدٌ على جدارٍ بيتٍ المقدسِ
يضحكُ ويستبشِرُ بنصرِ ربِّه الذى وعَده، فقعَد بينَ يديه ، فقال له إرميا : مَن أنت ؟
قال: أنا الذى كنتُ أتيتُك فى شأنٍ أهلى مرّتين. فقال له النبيُ: أوَ لم يأنِ
(١) سقط من: م.
(٢) فى م: ((ظهرت)).
(٣) فى التاريخ: ((واسأل)). وينظر ما تقدم فى ٤ / ٥٩٠.
(٤ - ٤) فى م: ((ومعه خلائق من قومه كأمثال)).
٤٩٦
سورة الإسراء : الآية ٧
لهم أن ( يُفيقوا مِن الذى١) هم فيه (٢)؟ فقال له الملَكُ: يا نبيَّ اللَّهِ، كلٌّ شىءٍ كان
يصيبنى مِنهم قبلَ اليومِ كنتُ أصْبِرُ عليه، وأعلَمُ (٣أن ما يِهم٢) فى ذلك سُخْطِى ؛
فلما أتيتُهم اليومَ رأيتُهم فى عملٍ لا يُرضِى اللَّهَ ولا يُحِبُّه اللَّهُ. فقال له نبىُ اللَّهِ: على
أىِّ عملٍ رأيتَهم؟ قال: يا نبيَّ اللَّهِ، رأيتُهم على عملٍ عظيم من سُخطِ اللَّهِ ، فلو
كانوا على مثلٍ ما كانوا عليه قبلَ اليومٍ لم يشتدَّ عليهم غضبى، وصبّرتُ لهم
ورجَوتُهم ، ولكن غضِبتُ اليومَ للَّهِ ولك، فأتيتُك لأخبِرَكَ خبرَهم، وإنى أسألُك
باللَّهِ الذى بعثك بالحقِّ إلَّا ما دعوتَ عليهم ربَّك أن يُهلِكَهم. فقال إرميا: يا مَلِكَ
السماواتِ والأرضِ ، إن كانوا على حقٍّ وصوابٍ فأَبقِهم ، وإن كانوا على سُخْطِك
وعملٍ لا ترضاه فأهلِكْهم. فلمّا(٤) خرَجت الكلمةُ من فِى إرمياً(٥) أرسَل اللَّهُ صاعقةً
مِن السماءِ فى بيتِ المقدسِ، فالتهَب مكانُ القربانِ ، وخُسِف بسبعةِ أبوابٍ مِن
أبوابها ، فلما رأى ذلك إرميا صاح وشقَّ ثيابَه، ونبذ الرمادَ على رأسِه، فقال : يا
ملكَ " السماءِ، ويا) أرحمَ الراحمين، أين ميعادُك الذى وعَدتَنِى؟ فنودى: إرميا ،
إنهم لم يُصِبْهم الذى أصابهم إلا بفتياك التى أفتيتَ بها رسولَنا. فاستيقَن النبيُّ ◌ِ لتهم
أنها فُتياه التى أَفتَى بها ثلاثَ مرَّاتٍ، وأنه رسولُ ربِّه، وطار إرميا حتى خالَط
الوحشَ، ودخَل بختنصرَ وجنودُه بيتَ المقدسِ، فوطِئ الشامَ ، وقتَل بنى إسرائيلَ
حتى أفناهم ، وخرَّب بيتَ المقدسِ ، ثم أمَر جنودَه أن يملأ كلَّ رجلٍ منهم تُرسَه ترابًا
(١ - ١) فى م: ((يمتنعوا من الذى)). وفى ت ١: ((يرجعوا عن ما)). وفى ت ٢، ف: (( ... (بياض) .. من
الذى)). والمثبت من ص موافق لما فى التاريخ.
(٢) بعده فى م: ((مقيمون عليه)).
(٣ - ٣) فى م: ((أن مأربهم)). وفى ت ١، ف: ((إيمانهم)). وفى ت ٢: ((أنماهم)). وينظر ما تقدم فى ٤ / ٥٩٠.
(٤) فى م: ((فما)).
(٥) بعده فى م: (( حتى)).
(٦ - ٦) فى م: ((السماوات والأرض، بيدك ملكوت كل شىء وأنت)).
٤٩٧
سورة الإسراء : الآية ٧
ثم يقذِفَه فى بيتِ المقدس، فقذَفوا فيه الترابَ حتى ملَئوه، ثم انصرَف راجعًا إلى
أرضٍ بابلَ، واحتمَل معه سبايا بنى إسرائيلَ، وأمرهم أن يجمَعوا مَن كان فى بيتٍ
المقدسِ كلَّهم، فاجتمع عندَه كلُّ صغيرٍ وكبيرٍ من بنى إسرائيلَ، فاختار منهم سبعينَ
ألفَ صبىٌّ ، فلما خرَجت غنائمُ جندِه، وأراد أن يَقسِمَهم(١) فيهم ، قالت له الملوكُ
الذين كانوا معه: أيُّها الملكُ، لك غنائمُنا كلُّها، واقسِمْ بيننا هؤلاء الصبيانَ الذين
اخترتَهم من بنى إسرائيلَ. ففعَل، وأصاب كلُّ رجلٍ منهم أربعةَ غِلْمةٍ ، وكان مِن
أولئك الغلمانِ دانيالُ وحَنَانْيَا وَعَزَارْيَا وميشائيلُ وسبعةُ آلافٍ من أهلِ بيتِ داودَ ،
وأحدَ عشَرَ ألفًا / مِن سبطٍ يوسفَ بنِ يعقوبَ، وأخيه بنيامينَ ، وثمانيةُ آلافٍ من ٤٠/١٥
سبطِ أشرِ بنِ يعقوبَ ، وأربعةَ عشرَ ألفًا من سبطِ زبالونَ بنِ يعقوبَ ونَفْثَالى بنٍ
يعقوبَ، وأربعةُ آلافٍ من سبطٍ يهوذا بنٍ يعقوبَ، وأربعةُ آلافٍ من سبطِ روبيلَ
ولاوِى ابنى يعقوبَ، ومَن بقِى مِن بنى إسرائيلَ، وجعَلهم بختنصرَ ثلاثَ فرقٍ ؛
فثلثًا أَقَرَّ بالشام ، وثلثًا سبَى ، وثلثًا قتَل ، وذهَب بآنيةِ بيتِ المقدسِ حتى أقدَمها بابلَ ،
وذهَب بالصبيانِ السبعين الألفِ حتى أقدَمهم بابلَ ، فكانت هذه الوقعةَ الأولى التى
أَنزَل اللَّهُ ببنى إسرائيلَ بإحداثِهم وظُلْمِهم، فلما ولَّى بختنصرَ عنهم راجعًا إلى بابلَ
بمن معه مِن سبايا بنى إسرائيلَ ، أقبَل إرميا على حمارٍ له معه عصيرٌ. ثم ذكَر قصتَه
حينَ أماته اللَّهُ مائةَ عامٍ، ثم بعَته، ثم خبرَ رؤيا بُختنصرَ وأمرَ دانيالَ، وهلاكَ
بُختنصرَ ، ورجوعَ مَن بقی مِن بنى إسرائيلَ فی أیدی أصحابٍ بختنصرَ بعدَ هلا کِه
إلى الشامٍ، وعمارةَ بيتِ المقدسِ، وأمرَ عُزَيرٍ وكيف ردَّ اللَّهُ عليه التوراةَ(٢).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنٍ إسحاقَ ، قال: ثم عمَدتْ بنو
(١) فى م: ((يقسمها)).
(٢) تقدم فى ٥٨٧/٤ - ٥٩٣.
( تفسير الطبرى ٣٢/١٤ )
٤٩٨
سورة الإسراء : الآية ٧
إسرائيلَ بعدَ ذلك يُحدِثون الأحداثَ ، يعنى بعدَ مَهلِكِ عُزَيرٍ، ويعودُ اللَّهُ عليهم،
ويبعَثُ فيهم الرسلَ ، ففريقًا يكذِّبون ، وفريقًا يقتلون، حتى كان آخرُ مَن بعَث اللَّهُ
فيهم مِن أنبيائهم زكريا ويحيى بنَ زكريا وعيسى ابن مريم، وكانوا من بيتِ آلِ
(١)
داودَ(١).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى محمدُ بنُ إسحاقَ ، عن عمرَ بنِ
عبدِ اللهِ بن عروة ، عن عبدِ الله بن الزبير أنه قال، وهو يحدِّثُ عن قتلِ یحبی بنِ
زكريا، قال: " ما قُتل يحيى بنُ زكريا إلا " بامرأةٍ تبغِى مِن بغاياً) بنى إسرائيلَ؛ كان
فيهم مَلِكٌ، وكان١ يحيى بنُ زكريا تحتٌ يَدَىْ ذلك الملكِ، فهمَّت ابنةُ ذلك الملكِ
بأبيها ، فقالت : لو أنى تزوَّجتُ بأبى فاجتمَع لى سلطانُه دونَ النساءِ ! فقالت له : یا
أبتِ ، تزوَّجْنى. فدعَته إلى نفسِها ، فقال لها : يا بنيةُ ، إن یحیی بنَ ز کریا لا يُحِلُّ لنا
هذا . فقالت : مَن لى بيحيى بنِ زكريا! ضيَّق علىَّ، وحال بينى وبينَ أن أتزوَّجَ بأبى،
فأغلِبَ على مُلكِه ودنياه دونَ النساءِ. قال: فأمَرت اللعابين ومَحَلَتْ () بذلك لقتل"
يحيى بن زكريا، فقالت: ادخُلوا عليه فألعبوه (١) ، حتى إذا فرَغتم فإنه سيُحَكِّمُكُم،
فقولوا : دمَ يحيى بن زكريا. فلا تقبلوا غيرَه. وكان اسمُ الملكِ روادَ ، واسمُ ابنتِه
البغىَّ، وكان [٢٣٨/٢و] الملكُ فيهم إذا حدَّث فكذَب، أو وعَد فأخلَف، خُلع
فاستُبدِل به غيرُه ، فلما ألعبوه وكثُر عجبُه منهم ، قال: سلُونى أُعطِكم . قالوا : دمَ
(١) أخرجه المصنف فى تاريخه ٥٩٠/١ عن ابن حميد به .
(٢ - ٢) فى مصدر التخريج: ((فأقبل يحيى بن زكريا إلى من بقى من بقايا بنى إسرائيل فكان)).
(٣ - ٣) فى م: ((بسبب امرأة بغى من بغايا))، وفى ت ١: ((بأمرها تبقى من بقايا))، وفى ت ٢: (( يأمره بیقا
من بقايا))، وفى ف: ((مرأة تبقى من بقايا)).
(٤) المّخلُ: المكر والكيد. ومحل به - مثلثة الحاء - كاده بسعاية إلى السلطان . ينظر اللسان (مح ل).
(٥) فى م: ((لأجل قتل)).
(٦) فى م، ومصدر التخريج: ((فالعبوا)).
(٧) فى ت ٢: ((داود)).
٤٩٩
سورة الإسراء : الآية ٧
يحيى بن زكريا ، أعطِناه . قال: ويحَكم سلُونى غيرَ هذا. فقالوا: لا نسألُك غيرَه.
فخاف علی مُلكِه إن هو اخلفهم أن يُستحلَّ بذلك خَلْتُه ، فبعث إلى یحیی بن ز کریا
وهو جالس فى محرابهِ يُصلّی ، فذبحوه فی طَسْتٍ ثم حُّوا رأسَه، فاحتملہ رجلٌ فى
يدَيه والدمُ يُحمَلُ فى الطُّسْتِ معه، قال: فطلع برأسِه يحملُه حتى وقَف به على
الملكِ ورأسُه يقولُ فى يَدَي الذى يحملُه: لا يَحِلُّ لك(١) . فقال رجلٌ مِن بنى
إسرائيلَ : أَيُّها الملكُ، لو أنك وهَبتَ لى هذا الدمَ؟ فقال: وما تصنَعُ به ؟ قال : أُطهِّرُ منه
الأرضَ، فإنه قد كان ضيَّقها علينا. فقال: أعطُوه إياه . فأخذه فجعَله فى قُلّةٍ ، ثم عمَد
به إلى بيتٍ فى المذبح، فوضَعِ القُلةَ فيه، ثم أغلَق عليه، ففار فى القُلَّةِ حتى خرَج منها
مِن تحتِ البابِ مِن البيتِ الذى /هو فيه، فلما رأى ذلك الرجلُ، فظِع ) به، فأخرَجه ٤١/١٥
فجعَله فى فلاةٍ من الأرضِ، فجعَل يفورُ، وعظُمت فيهم الأحداثُ، ومنهم مَن
يقولُ: أُقرَّ مكانَه ("فى القربانِ) ولم يُحوَّلْ(٤).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ ، قال: قال ابنُ إسحاقَ: فلما رفَع اللَّهُ عيسى
من بين أظهرِهم وقتلوا يحيى بنَ زكريا - وبعضُ الناسِ يقولُ: وقتلوازكريا - ابتعَث
اللَّهُ عليهم مَلِكًا من ملوكِ بابلَ يقالُ له: خردوسُ . فسار إليهم بأهلِ بابلَ حتى دخَل
عليهم الشامَ، فلما ظهَر عليهم أمَر رأسًا مِن رءوسٍ جنودِهُ( ٢) يُدعَى نَبُوزَرادانَ
صاحبَ القتلِ. فقال له : إنى قد كنتُ حلَفتُ بإلهى لئن أنا ظهَرْتُ على أهلِ بيتٍ
(١) بعده فى م: ((ذلك)).
(٢) فظِع بالأمر يفطَع: إذا هاله وغلبه فلم يثق بأن يطيقه. ينظر اللسان (ف ظ ع).
(٣ - ٣) سقط من: ت ١.
(٤) أخرجه ابن عساكر فى تاريخه ١٠٣/١٨، ١٠٤ - مخطوط - من طريق ابن إسحاق قال : حدثنى من
لا أتهم عن عبد الله بن الزبير.
(٥) فى م: (( جنده)).
(٦ - ٦) فى م: ((أظهرنا)).
٥٠٠
سورة الإسراء : الآية ٧
المقدسِ لأقتُلنَّهم حتى تسيلَ دماؤهم فى وسطِ عسكرى، إلّا أن لا أجدَ أحدًا أقتلُه.
فأمَر أن يقتُلَهم حتى يبلُغَ ذلك مِنهم نَبُوزُ رادانَ، فدخَل بيتَ المقدسِ، فقام فى البقعةِ
التى كانوا يُقرّبون فيها قربانَهم، فوجَد فيها دمًا يغلى، فسألهم فقال: يا بنى إسرائيلَ،
ما شأنُ هذا الدمِ الذى يَغْلِى ، أخبرونى خبرَه ، ولا تكتُمونى شيئًا من أمره . فقالوا : هذا
دمُ قربانٍ كان لنا كنّا قرَّبناه فلم يُتَقَبَّلْ منا، فلذلك(١) هو يَغْلِى كما تراه، ولقد قرّبنا منذٌ
ثمانِمائة سنةِ القربانَ فتُقبَّلَ منا إلا هذا القربانُ . قال: ما صدَقْتُمُونى الخبرَ. قالوا له : لو
كان كأوَّلِ زمانِنا لقُبل مِنّا، ولكنه قد انقطَع منا المُكُ والتَّوَّةُ والوحى ، فلذلك لم يُقْبَلْ
منا . فذبَح منهم نَبُوزُرادانَ على ذلك الدمِ سبعمائةٍ وسبعين روحًا مِن رءوسِهم فلم
يهدَأْ ، فأمَر بسبعِمائةٍ غلامٍ مِن غِلمانِهم فذُبحوا على الدمٍ فلم يهدَأْ، فأمَر بسبعةِ آلافٍ
مِن شِيَعِهم وأزواجهم ، فذبَحهم على الدمٍ فلم يَبرُدْ ولم يهدَأْ، فلما رأَى نبوزُ رادان أن
الدمَ لا يهدَأُ قال لهم : ويُلَكم يا بنى إسرائيلَ، اصدُقونى واصبروا على أمرٍ ربِّكم، فقد
طال ما مُلِّكتم فى الأرضِ، تفعلون فيها ما شئتم ، قبلَ أن لا أترِكَ مِنكم نافخَ نارٍ ؛ أنثى
ولا ذكرًا إلا قتَلتُه. فلما رأَوًا الجهدَ وشدَّةَ القتلِ صدَقوه الخبرَ، فقالوا له: إن هذا دمُ نبىِّ
مِنّا كان ينهانا عن أمورٍ كثيرةٍ مِن سُخْطِ اللَّهِ ، فلو أطَعناه فيها لكان أرشدَ لنا ، وكان
يُخبِرُنا بأمرٍ كم ، فلم نُصدِّقْه، فقتلناه، فهذا دمُّه . فقال لهم نَبُوزُ رادانَ: ما كان اسمُه؟
قالوا : يحيى بنَ زكريا . فقال : الآنَ صدَقتمونى، بمثلِ هذا ينتقِمُ ربُّم مِنكم. فلما
رأى نَبُوزُ رادانَ أنهم صدَقوه خرَّ ساجدًا وقال لمن حولَه: غلِّقوا أبوابَ المدينةِ ، وأخرجوا
مَن كان هلهنا من جيشٍ خردوسَ. وخلا فى بنى إسرائيلَ، ثم قال: يا يحيى بنَ
زكريا، قد علِيمٍ ربى وربُّك ما قد أصاب قومَك مِن أجْلِك، وما قُتْل مِنهم مِن أجلِك،
فاهدأْ بإذنِ اللَّهِ قبلَ أن لا أُبقىَ من قومِك أحدًا. فهدَأْ دمُ يحيى بنِ زكريا بإذنِ اللَّهِ،
ورفَع ◌َبُوزُ رادانَ عنهم القتلَ ، وقال: آمَنتُ بما آمَنَت به بنو إسرائيلَ، وصدَّقتُ وأيقَنتُ
(١) فى ت ٢: ((فكذلك)).