النص المفهرس
صفحات 361-380
٣٦١
سورة النحل : الآية ١٠٠
حُدِّثتُ عن الحسينِ ، قال : سمِعتُ أبا معاذٍ ، قال: ثنا عُبيدُ بنُ سليمانَ ، قال :
سمِعتُ الضحاكَ يقولُ فى قولِه: ﴿ وَاُلَّذِينَ هُم بِهِ، مُشْرِكُونَ ﴾. قال: عدَلوا
إبليسَ بربِّهم ، فإنهم باللّهِ مشركون(١).
وقال آخرون: معنى ذلك: والذين هم به مشركو الشيطانِ فى أعمالهم .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أبى جعفر ، عن أبيه ، عن
الربيعِ: ﴿وَالَّذِينَ هُم بِهِ، مُشْرِكُونَ﴾: أشركوه فى أعمالِهم(٢) .
والقولُ الأولُ - أعنى قولَ مجاهدٍ - أولى القولين فى ذلك بالصوابِ ، وذلك
أن الذين يتولَّون الشيطانَ إنما يُشرِكونه باللّهِ فى عبادتِهم وذبائِحهم ومطاعمِهم
ومشاربهم ، لا أنهم يُشرِكون بالشيطانِ . ولو كان معنى الكلام ما قاله الربيعُ ، لكان
التنزيلُ: الذين هم مشركوه. ولم يَكُنْ فى الكلام (( به))، فكان يَكونُ لو كان
التنزيلُ كذلك : والذين هم مشركوه فى أعمالهم . إلا أن يُوجّهَ موجّةٌ معنى الكلامِ
ء
إلى أن القومَ كانوا يَدِينون بألوهةِ الشيطانِ ويُشرِكون اللَّهُ(١) به فى عبادتِهم إياه،
فيصحَّ حينئذٍ معنى الكلامِ ، ويخرجَ عما جاء التنزيلُ به فى سائرِ القرآنِ ؛ وذلك أن
اللَّهَ تعالَى ذِكْرُه وصَف المشركين فى سائرِ سُورِ القرآنِ أنهم أشرَكوا باللّهِ ما لم ينزِّلْ به
عليهم سلطانًا ، وقال فى كلِّ موضعٍ تقدَّم إليهم بالزجرِ عن ذلك: لا تُشركوا بالله
شيئًا . ولم نجدْ فى شىءٍ من التنزيلِ: لا تُشرِكوا اللَّهَ بشىءٍ. ولا فى شىءٍ من القرآنِ
(١) ذكره الطوسى فى التبيان ٦/ ٤٢٥.
(٢) تقدم تخريجه فى ص ٣٥٩.
(٣) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((باللَّه)).
٣٦٢
سورة النحل: الآيتان ١٠٠، ١٠١
١٧٦/١٤ خبرًا من اللَّهِ عنهم أنهم أشرَكوا اللَّهُ(١) بشىءٍ، / فيجوزَ لنا توجيهُ معنى قولِه:
﴿ وَالَّذِينَ هُم بِهِ، مُشْرِكُونَ﴾ إلى: والذين هم بالشيطانِ مشركو اللَّهِ. فبيِّنٌ إذنْ إذ
كان ذلك كذلك، أن الهاءَ فى قولِه: ﴿ وَاُلَّذِينَ هُم بِهِ﴾ عائدةٌ على الربِّ فى
قوله: ﴿ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾.
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَإِذَا بَدَّلْنَآ ءَايَةٌ مَكَانَ ءَايَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
بِمَا يُغَزِّدُ قَالُواْ إِنَّمَآ أَنْتَ مُفْتَّرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ
١٠١
يقولُ تعالَى ذكرُه : وإذا نَسَخْنا حكمَ آيةٍ، فَأَبْدَلْنا مكانَه حكمَ أَخْرَى، ﴿ وَاللَّهُ
أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّفُ ﴾. يقولُ: واللهُ أعلمُ بالذى هو أصْلَحُ لخلْقِه فيما يبدِّلُ ويغيّرُ
من أحكامِه، ﴿ قَالُواْ إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ﴾. يقولُ: قال المشركون باللّهِ المكذِّبو
رسولِه، الرسولِه: ﴿إِنَّمَآ أَنْتَ﴾ يا محمدُ ﴿مُفْتَرٍ﴾، أى: مُكْذَبٌ، تَخَّصُ
بِتَقَؤُّلِ الباطلِ على اللَّهِ . يقولُ اللَّهُ تعالَى ذِكْرُه: بل أكثر هؤلاء القائلين لك يا
محمدُ : إنما أنتَ مفترٍ. جُهَّالٌ بأن الذى تأتِيهم به من عندِ اللَّهِ ، ناسخِه ومنسوخِه،
لا يعلمون حقيقةً صحته .
وبنحوِ الذى قلنا فى تأويل قوله: ﴿ وَإِذَا بَدَّلْنَآ ءَايَةٌ مَكَانَ ءَايَةٍ ﴾،
قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، وحدَّثنى المثنى، قال : ثنا أبو حذيفةً،
قال: ثنا شبلٌ، وحدَّثنى المُتَّى، قال: أخبرنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((باللَّه)).
٣٦٣
سورة النحل : الآيتان ١٠١، ١٠٢
ورقاءَ، جميعًا عن ابنِ أبى نجيح، عن مجاهدٍ فى قوله: ﴿ وَإِذَا بَدَّلْنَآ ءَايَةٌ
مَكَانَ ءَايَةٍ ﴾ : رفَعناها فأنزَلنا غيرَها (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاج، عن ابن جريجٍ، عن
مجاهدٍ: ﴿ وَإِذَا بَدَّلْنَاَ ءَايَةً مَكَانَ ءَايَةٍ﴾. قال: نسخناها؛ بدَّلناها:
رَفَعْناها، وأَثْبَتْنا غيرَها .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿ وَإِذَا بَدَّلْنَآَ
ءَايَةٌ مَكَانَ ءَايَةٍ﴾: هو كقوله: ﴿ مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنِهَا)﴾
[ البقرة : ١٠٦ ] .
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَإِذَا
بَدَّلْنَآ ءَايَةً مَكَانَ ءَايَةٌ﴾. قالوا: إنما أنت مُفترٍ، تأتى بشىءٍ وتَنْقُضُه، فتأتى
بغيرِه . قال: وهذا التبديلُ(٢) ناسخٌ، ولا تُبَدَّلُ آيةٌ مكانَ آيةٍ إلا بنسخ .
[٢١٩/٢ظ] القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ
بِالْحَقِّ لِيُنَبِتَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهُدَّى وَيُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ
/ يقولُ تعالَى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ عَ له: ﴿قُلْ﴾ يا محمدُ للقائلين لك: إنما ١٧٧/١٤
أنتَ مفترٍ. فيما تَتْلو عليهم مِن آي كتابنا: ﴿نَزَّلَهُ» رُوحُ الْقُدُسِ﴾. يقولُ: قُلْ
جاء به جبريلُ مِن عندِ ربى بالحقِّ. وقد بيَنتُ فى غيرِ هذا الموضعِ معنى (رُوحِ
القُدُسِ)) بما أغنَى عن إعادتِه(٢).
(١) تفسير مجاهد ص ٤٢٥، من طريق ورقاء به. وذكره ابن كثير فى تفسيره ٥٢٢/٤.
(٢) فى ص، ت١، ت٢: ((ننساها)). وهى قراءة، ينظر ما تقدم فى ٣٩٤/٢.
(٣) فى ص، ت١، ت٢، ف: (( التأويل)).
(٤) فى م، ت١، ت٢، ف: (( أنزله)).
(٥) تقدم فى ٢٢١/٢ وما بعدها .
٣٦٤
سورة النحل : الآيتان ١٠٢، ١٠٣
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى عبدُ الأعلى بنُ واصلٍ ، قال: ثنا جعفرُ بنُ عَوْنِ العَمْریُّ ، عن موسى بنِ
عُبيدةَ الرَّبَذْىِّ، عن محمدِ بنِ كعبٍ، قال: ﴿رُوحُ الْقُدُسِ﴾: جبريلُ.
وقولُه: ﴿ لِيُثَبِتَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ ﴾ . يقولُ تعالى ذكرُه: قَلْ نَزَّل هذا
القرآنَ - ناسخَه ومنسوخَه - رُوحُ القدسِ علىَّ مِن ربى؛ تثبيتًا للمؤمنين،
وتقويةً لإيمانِهم؛ ليَزْدادوا بتصديقهم لناسخِه ومنسوخِه إيمانًا إلى إيمانِهم،
وهدّى لهم من الضلالةِ، وبُشْرَى للمسلمين الذين استسلموا لأمرِ اللَّهِ،
وانقادوا لأمرِه ونهيِهِ، وما أَنْزَله فى آي كتابِه، فأقرُّوا بكلِّ ذلك، وصدَّقوا به
قولًا وعملًا.
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ.
بَشَرٌ ◌ِّسَانُ الَّذِى يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِىٌّ وَهَذَا لِسَانُ عَرَبِىُّ
مُبِينُ
يقولُ تعالى ذكره : ولقد نعلَمُ أن هؤلاء المشركين يقولون ، جهلاً منهم : إنما
يُعلِّمُ محمدًا هذا الذى يَتْلوه بشرٌ مِن بنى آدمَ، وما هو من عندِ اللَّهِ . يقولُ اللَّهُ تعالى
ذكرُه مكذِّبَهم فى قيلهم ذلك: أَلَا تَعْلَمون كذِبَ ما تقولون . إن لسانَ الذى
تُلْحِدون إليه. يقولُ: تميلون إليه بأنه يُعَلِّمُ محمدًا، أعْجَمِيٌّ. وذلك أنهم، فيما
ذُكِر، كانوا يزعمون أن الذى يُعلِّمُ محمدًا هذا القرآنَ عبدٌ روميٌّ؛ فلذلك قال
تعالَى: ﴿ِّسَانُ الَّذِى يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِىٌّ وَهَذَا لِسَانُ عَرَبِيُ
◌ُِّينٌ﴾. يقولُ: وهذا القرآنُ لسانٌ عربىٌّ مبينٌ.
٣٦٥
سورة النحل : الآية ١٠٣
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك ، قال أهلُ التأويلِ، على اختلافٍ منهم فى اسمِ
الذى كان المشركون يزعمون أنه يُعَلِّمُ محمدًا عَلِ هذا القرآنَ من البشرِ؛ فقال
بعضُهم: كان اسمَه بَلْعَامُ، وكان قَيْبًا (١) بمكةَ نصرانيًّا .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى أحمدُ بنُ محمدٍ الطُّوسِئُ، قال: ثنا أبو عامرٍ (١) ، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ
طَهْمانَ ، عن مسلم بنِ عبدِ اللهِ المُلائىِّ، عن مجاهدٍ ، عن ابنِ عباسٍ ، قال : كان
رسولُ اللَّهِ عَ لَهِ يُعلِّمُ قَيْنَا بمكةَ، وكان أعجمىَّ اللسانِ، وكان اسمَه بَلْعَامُ،
فكان المشركون يرون رسولَ اللَّهِ عَلَّمِ حينَ يدخُلُ عليه، وحينَ يَخرُجُ مِن عندِه،
فقالوا: إنما يُعَلِّمُه بَلْعَامُ. فَأَنْزَل اللَّهُ تعالى ذكرُه: ﴿ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ
إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِى يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِىٌّ وَهَذَا لِسَانُ
عَرَتُ شِيرٌ﴾().
/ وقال آخرون: اسمه يعيشُ .
١٧٨/١٤
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال : ثنا أبى، عن سفيانَ، عن حَبيبٍ ، عن عكرمةَ ، قال :
كان النبيُّ ◌َّهِ يُقْرِىُّ غلامًا لبنى المُغيرةِ أعجميًّا. قال سفيانُ: أُراه يُقالُ له: يَعيشُ.
قال: فذلك قوله: ﴿لِسَابُ الَّذِى يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِىٌّ وَهَذَا لِسَانُ
(١) القَيْنْ: العَبْد، والحدَّاد. القاموس المحيط (ق ی ن).
(٢) فى النسخ: ((عاصم)). والمثبت من تفسير ابن كثير. وينظر الجرح والتعديل ١٠٧/٢، وتهذيب الكمال
١٠٨/٢.
(٣) ذكره البغوى فى تفسيره ٤٤/٥، ونقله ابن كثير عن المصنف فى تفسيره ٥٢٣/٤، كما عزاه السيوطى
فى الدر المنثور ١٣١/٤ إلى المصنف وابن أبى حاتم وابن مردويه .
٣٦٦
سورة النحل : الآية ١٠٣
عَرَبِكُ تُبِيُ﴾().
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ
أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِى يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِىٌّ
وقد قالت قريشٌ : إنما يُعلِّمُه بشرٌ؛ عبدٌ لبنى الحَضْرمىِّ يقالُ له : يعيشُ. قال اللَّهُ
تعالى: ﴿لِسَابُ الَّذِى يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِىٌّ وَهَذَا لِسَانُ عَرَبِيُ
◌ُبِيُ﴾. وكان يعيشُ يقرأُ الكُتُبَ(٢).
وقال آخرون : بل كان اسمّه جَبْرٌ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ ، قال: كان رسولُ اللَّهِ
عَِّ - فيما بَلَغَنى - كثيرًا ما يجلِسُ عندَ المَرْوَةِ إلى(٢) غلام نَصْرانىٌ يُقالُ له: جَبْرٌ.
عبدٌ ("لبعضِ بنى الحَضْرمى٤ِّ) ، فكانوا يقولون: واللهِ ما يُعلِّمُ محمدًا کثیرًا مما یأتی به إلا
جبرٌّ النصرانىُ غلامُ(٥) الحضْرمىِّ. فَأَنزَل اللَّهُ تعالَى فى قولهم: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ
يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِى يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِىٌّ وَهَذَا لِسَانُ
عَرَبِىُّ ◌ُِيرُ
(١) تفسير الثورى ص ١٦٧ عن حبيب به، وعنده: ((غلام لبنى عامر بن لؤى أظنه يقال له: يعيش. أو من
أهل الكتاب))، وأخرجه المستغفرى فى الصحابة - كما فى الإصابة ٦٨٩/٦ - من طريق وكيع به ، وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ١٣١/٤ إلى المصنف، وعنده (( مقيس)).
(٢) عزاه السيوطى ١٣١/٤ إلى ابن أبى حاتم، وعنده ((مقيس).
(٣) بعده فى مصدرى التخريج: (( مبيعة)).
(٤ - ٤) فى النسخ: ((عبد لبنى بياضة الحضرمى))، وفى سيرة ابن هشام: ((بنى الحضرمى)). والمثبت من
تفسير ابن كثير .
(٥) بعده فى السيرة: ((بنى)).
(٦) سيرة ابن هشام ٣٩٣/١، كما ذكره ابن كثير فى تفسيره ٥٢٣/٤.
٣٦٧
سورة النحل : الآية ١٠٣
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريج ، قال : قال
عبدُ اللَّهِ بنُ كَثيرٍ: كانوا يقولون: إنما يُعلِّمُه نصرانىٌّ على المَرْرةِ، ويُعَلَمُ [٢٢٠/٢و]
محمدًا رُومىٌّ، يقولون: اسمُه جَبْرٌ. وكان صاحبَ كُتُبٍ، عبدٌ لابنِ الحضرمىِّ .
قال اللَّهُ تعالَى: ﴿لِسَانُ الَّذِى يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِىٌّ﴾. قال: وهذا قولُ
قريشٍ: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾. قال اللَّهُ تعالَى: ﴿لِسَابُ الَّذِى يُلْحِدُونَ
إِلَيْهِ أَعْجَمِىٌّ وَهَذَا لِسَانُ عَرَِّنٌ تُبِينٌ﴾ (١).
وقال آخرون : بل كانا غلامين؛ اسم أحدِهما يسارٌّ، والآخرِ جَبْرٌ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنی المُنى ، قال : ثنا عمرو بنُ عوٍ ، قال : أخبرنا مُشيم ، عن مُصَین، عن
عبدِ اللَّهِ(٢) بنِ مسلمِ الحَضْرَمِىّ، أنه كان لهم عَبْدان مِن أهلِ ("عينِ التَّشْرِ)، وكانا
صَيْقِلَيْنِ(٤)، وكان يُقالُ لأحدِهما: يسارٌ. والآخرِ: جبرٌ. فكانا يَقْرآن التوراةَ، وكان
رسولُ اللَّهِعَ لَه ربما جلَس إليهما، فقال كفار قريشٍ: إنما يجلِسُ إليهما يتَعلَّمُ منهما .
فأنزل اللَّهُ تعالى: ﴿لِسَابُ الَّذِى يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِىٌّ وَهَذَا لِسَانُ عَرَبِيُ
تُِيرُ﴾(٥).
(١) ينظر تفسير ابن كثير ٥٢٣/٤ .
(٢) فى تفسير مجاهد: ((عبيد))، وفى الشعب: ((عبيد الله)). وقد اختلف فى اسمه، وينظر الجرح والتعديل
٣٣٢/٥، وتهذيب الكمال ١٥٧/١٩ .
(٣ - ٣) فى النسخ: ((عير اليمن)). وهو تحريف. والمثبت من تفسير مجاهد، والشعب. وعين التمر: بلدة
قريبة من الآنبار غربى الكوفة . معجم البلدان ٧٥٩/٣ .
(٤) فى م: ((طفلين))، وفى تفسير مجاهد: ((صقليين))، وفى الإصابة: ((صيقليين)). والصَّيْقَل: شحَاذ
السيوف وجلَّاؤها . اللسان ( ص ق ل ) .
(٥) تفسير مجاهد ص ٤٢٥، ٤٢٦ - ومن طريقه البيهقى فى الشعب (١٣٨) - من طريق ورقاء عن =
٣٦٨
سورة النحل : الآية ١٠٣
حدَّثنى المُثُنَّى، قال: ثنا مُعَلَّى(١) بنُ أسدٍ، قال: ثنا خالدُ بنُ عبدِ اللَّهِ، عن
حُصينٍ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ مسلمٍ الحضرمىِّ نحوَه (١).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال : ثنا ابنُ فُضيلٍ، عن حُصينٍ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ مسلمٍ ، قال :
١٧٩/١٤ كان لنا غلامان / وكانا يَقْرآن كتابًا لهما بلسانِهما، فكان النبيُّ ◌َ لَّهِ يَمُرُّ عليهما ، فيقومُ
يَسْتَمِعُ منهما ، فقال المشركون: يَتعلَّمُ منهما. فأَنزَل اللَّهُ تعالى ذكرُه ما كذَّبهم به،
فقال: ﴿لِسَانُ الَّذِى يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِىٌّ وَهَذَا لِسَانُ عَرَّتُ قُبِينٌ﴾(١).
وقال آخرون : بل كان ذلك سَلْمانَ الفارسىَّ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال : سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ : أخبرنا عُبيدُ بنُ سليمانَ ،
قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ فى قوله: ﴿لِسَانُ الَّذِى يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ
أَعْجَمِىٌّ﴾. كانوا يقولون: إنما يُعَلِّمُه سَلْمانُ الفارسىُّ .
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، وحدَّثْنى المُثُنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةً،
قال: ثنا شبلٌ، وحدَّثنى المُثُنَّى، قال: أخبرنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن
= حصين به. كما أخرجه عبد بن حميد، وابن أبى حاتم فى تفسيره، كما فى الإصابة ٤٥٣/١ من طريق
حصین به .
(١) فى م، ف: ((معن)). وينظر تهذيب الكمال ٢٨٢/٢٨.
(٢) أخرجه بحشل فى تاريخ واسط ص ٥٥، ٥٦، ١٠٩، ١١٠ من طريق خالد به .
(٣) أخرجه البغوى فى ((الصحابة)) - كما فى الإصابة ٤١٩/٤ - من طريق ابن فضيل به، وعنده ((عبيد الله
ابن مسلم )) .
(٤) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٥٢٤/٤ وضعف القول لأن الآية مكية وسلمان إنما أسلم بالمدينة ، وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ١٣١/٤ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبى حاتم.
٣٦٩
سورة النحل : الآية ١٠٣
ورقاءَ، جميعًا عن ابنٍ أبى نَجيح، عن مجاهدٍ: ﴿ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا
يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾. قال: قولُ كفارٍ قريشٍ: إنما يُعَلِّمُ محمدًا عبدُ ابنِ الحَضْرَميِّ، وهو
صاحبُ كتابٍ. يقولُ اللَّهُ: ﴿لِّسَابُ الَّذِى يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِىٌّ وَهَذَا
لِسَانُ عَرَبِكٌ مُبِينٌ﴾(١).
وقيل: إن الذى قال ذلك: رجلٌ كاتِبٌ لرسولِ اللهِ مَ ◌ّهِ ارْتَدَّ عن الإسلامِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنی یونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهب ، قال : أخبرنی یونسُ ، عن ابن شهاب ،
قال: أخبرنى سعيدُ بنُ المسيبِ أن الذى ذكَر اللَّهُ: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ إنما
افْتَتَ(٢)؛ أنه كان يَكْتُبُ الوَحْىَ، فكان يُحْلِى عليه رسولُ اللَّهِ ◌ِهِ: ((سميع عليمٌ)) أو
((عزيزٌ حكيمٌ))، وغيرَ ذلك مِن خواتم الآي، ثم يَشْتَغِلُ عنه رسولُ اللَّهِ وَته وهو
على الوَحْىِ، فَيَسْتَفْهِمُ رسولَ اللَّهِ بِهِ، فيقولُ: ((عزيزٌ حكيمٌ)) أو ((سميعٌ عليمٌ))
أو ((عزيزٌ عليمٌ))؟ فيقولُ رسولُ اللَّهِ مَّهِ: ((أَّ ذلك كَتَبْتَ فهو كذلك)). ففَتَنَه
ذلك ، فقال : إن محمدًا يَكِلُ ذلك إلىَّ، فأكْتُبُ ما شئتُ . وهو الذى ذكَر لی سعیدُ
ابنُ المسيبِ مِن الحروفِ السبعةِ (٢) .
واخْتَلَفت القرأةُ فى قراءةٍ قوله: ﴿ يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ﴾؛ فقرأتْه عامَّةُ قرأةِ المدينةِ
والبصرةِ: ﴿لِسَابُ الَّذِى يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ﴾ بضم الياءِ)، من: أَلْحَد يُلْحِدُ
(١) تفسير مجاهد ص ٤٢٦ من طريق ورقاء به، وأخرجه البيهقى فى شعب الإيمان ١٥٩/١ (١٣٦) من
طريق ورقاء به .
(٢) قال ابن شميل: يقال: افْتَتَنَ الرجلُ وافْتُتِنَ، لغتان. وهذا صحيح. تهذيب اللغة (ف ت ن).
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٣١/٤ إلى المصنف وابن أبى حاتم .
(٤) هى قراءة ابن كثير ونافع وأبى عمرو وعاصم وابن عامر. السبعة فى القراءات ص ٣٧٥ .
( تفسير الطبرى ٢٤/١٤ )
٣٧٠
سورة النحل : الآيات ١٠٣ - ١٠٥
إِلْحادًا . بمعنى: يَعْتَرِضون، ويَعدِلون إليه، ويُعَرِّجون إليه، مِن قولِ الشاعرِ (١):
قَدْنِىَ(٢) مِن نصرِ الحُبِينُ(٣) قَدِى
ليس أَميرى بالشَّحِيحِ الْمُلْجِدِ
١٨٠/١٤
/وقرَأْ ذلك عامَّةُ قرأةِ أهلِ الكوفةِ : (لسانُ الذى يَلْحَدُونَ إليه) بفتح الياءِ ،
يعنى : يميلون إليه ، مِن لحَد فلانٌ إلى هذا الأمرِ، يَلْحَد لحدًا ولُودًا . وهما عندى
لغتان بمعنَّى واحدٍ ، فبأَيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ فيهما الصوابَ .
وقيل: ﴿وَهَذَا لِسَانُ عَرَتٌّ ◌ُبِينٌ﴾. يعنى القرآنَ، كما تقولُ العربُ
لقصيدةٍ من الشعرِ لسِن فيها الشاعرُ: هذا لسانُ فلانٍ. تُرِيدُ قصيدته، كما قال
(٦)
الشاعر():
وحِنْتَ وما حَسِبْتُك أن تَحِينا٧ً)
لِسانُ السُّوءِ تُهْدیها إلينا
يعنى باللسانِ : القصيدةَ والكلمةً .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِشَايَتِ اَللَّهِ لَا يَهْدِ يهِمُ اللَّهُ
(١) كتاب سيبويه ٣٧١/٢ غير منسوبين، وشرح المفصل ١٢٤/٣ منسويين فيه لأبى بحدلة، وخزانة الأدب
٣٨٢/٥ منسویین حمید الأرقط ، و کذا نسبهما فى اللسان (ق د د)، (خ ب ب)، أما فى (ل د ن) فلم
ینسبهما ، وفی (ل ح د) نسبهما لحمید بن ثور ولم نجدهما فی دیوانه .
(٢) قدنی وقدی : خَشْپی .
(٣) أراد بالخبيبين عبد الله بن الزبير وأخاه مصعبًا، وقيل: الخبيبان عبد الله بن الزبير وابنه. اللسان (خ ب ب)،
(ق د د) .
(٤) هى قراءة حمزة والكسائى. السبعة فى القراءات ص ٣٧٥ .
(٥ - ٥) فى م: ((يعرضها))، وفى ت١، ت٢، ف: ((ليس فيها)).
(٦) مغني اللبيب ١٥٦/١، الدرر اللوامع ٥١/١، ١٣٨، غير منسوب فيهما.
(٧ - ٧) فى ت١، والدرر اللوامع: ((وجئت وما حسبتك أن تجينا)). والمثبت موافق لما فى مغني اللبيب.
و كل شىء لم يُؤَفَّق للرشاد فقد حان . يقال : حان یحین حَيْنًا . اللسان (ح ی ن) .
٣٧١
سورة النحل : الآيات ١٠٤ - ١٠٦
(١٠٤
إِنَّمَا يَفْتَرِىِ الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِشَايَتِ اللَّهِ
وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيِهُ
١٠٥
وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَذِبُونَ
يقولُ تعالى ذكره: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ بحُجَج اللَّهِ وأدلتِه، فيصدِّقون
بما دلَّت عليه، ﴿لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ﴾. يقولُ: لا يُوَفِّقُهم اللَّهُ لإصابةِ الحقِّ، ولا
يُسَدِّدُهم (١) لسبيلِ الرُّشدِ فى الدنيا، ولهم فى الآخرةِ وعيدُ (١) اللَّهِ إِذا ورَدوا عليه يومَ
القيامةِ عذابٌ مؤلمٌ موجعٌ. ثم أخبر تعالى ذكره المشركين الذين قالوا للنبىِّ
عَ لَّهِ: إنما أنت مُفْتَرٍ. أنهم هم أهلُ الفِرْبةِ والكَذِبِ، لا نبىُ اللَّهِ سَّهِ والمؤمنون به،
وبؤَّأَ مِن ذلك نبيَّه عَلَّهِ وأصحابَه، فقال: إنما يَتَخَرَّصُ الكَذِبَ، ويَتَقوَّلُ الباطلَ
الذين [٢٢٠/٢ظ] لا يُصدِّقون بحُجَج اللَّهِ وإعلامِه؛ لأنهم لا يَوْجُون على الصدقِ
ثوابًا ، ولا يخافون على الكذبِ عقابًا ، فهم أهلُ الإفْكِ وافتراءِ الكذبِ ، لا مَن كان
راجيًا مِن اللَّهِ على الصدقِ الثواب الجزيلَ، وخائفًا على الكذبِ العقابَ الأليمَ .
وقولُه: ﴿ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَذِبُونَ﴾. يقولُ: والذين لا يؤمنون بآيَاتِ اللَّهِ
هم أهلُ الكذبِ ، لا المؤمنون .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿مَن كَفَرَ بِاللّهِ مِنْ بَعْدِ إِبِمَنِهِ: إِلَّا مَنْ
أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُظْمَئِنُّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِن مَن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ
(١٠٦
مِّنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ
اخْتَلَف أهلُ العربيةِ فى العاملِ فى ((مَنْ)) مِن قولِه: ﴿ مَن كَفَرَ بِاللَّهِ﴾،
ومِن قوله: ﴿ وَلَكِن مَن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا ﴾ ؛ فقال بعضُ نَخْوِنِّى البصرةِ : صار
(١) فى م، ت١، ت٢، ف: ((يهديهم).
(٢) فى م: ((عند)).
٣٧٢
سورة النحل : الآية ١٠٦
قولُه: ﴿فَعَلَيْهِمْ﴾ خبرًالقوله: ﴿ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ وقوله: ﴿مَنْ
١٨١/١٤ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ﴾، فأخبَرهم ١ بخبرٍ واحدٍ، وكان ذلك / يدُلُّ على
المعنى .
وقال بعضُ نحوِّى الكوفةِ: إنما هذان جَزاءانِ اجْتَمَعا، أحدُهما منعَقِدٌ
بالآخرِ، فجوابُهما واحدٌ ، كقولِ القائل: مَن يَأْتِنا، فمَنْ يُحْسِنْ نُكْرِمْه. بمعنى:
مَن يُحْسِنْ مِمَّنْ يَأْتِنَا نُكْرِمْه. قال: وكذلك كلُّ جَزاءَيْنِ اجْتَمَعا، الثانى مُنْعَقِدٌ
بالأوَّلِ ، فالجوابُ لهما واحدٌ .
وقال آخرُ مِن أهلِ البصرةِ: بل(٢) قولُه: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ﴾ مرفوعٌ بالرّدِّ(٣)
على ((الَّذِين)(٤) فى قولِه: ﴿ إِنَّمَا يَفْتَرِى اَلْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِشَايَتِ
اللَّهِ﴾. ومعنى الكلامِ عندَه: إنما يَفْترِى الكذبَ مَن كفَر باللّهِ مِن بعدِ إِيمانِه، إلا مَن
أُكرِه مِن هؤلاء وقلبُه مُطْمَئِنٌّ بالإيمانِ . وهذا قولٌ لا وجه له؛ وذلك أن معنى الكلامِ
لو كان كما قال قائلُ هذا القولِ، لَكأن اللَّهُ تعالى ذكرُه قد أُخرَجِ مَّنْ(٥) افترَى
الكذبَ فى هذه الآيةِ ، الذين وُلِدوا على الكفرِ وأقاموا عليه، ولم يؤمنوا قَطُّ ، وخصَّ
به الذين قد كانوا آمنوا فى حالٍ ، ثم راجَعوا الكفرَ بعدَ الإيمانِ. والتنزيلُ يدُلُّ على أنه
لم يُخَصِّصْ بذلك هؤلاء دونَ سائرِ المشركين الذين كانوا على الشركِ مُقيمين ؛
وذلك أنه تعالى ذكرُه أخبَر خبرَ قوم منهم أضافوا إلى رسولِ اللَّهِ مْ ل افتراء الكذبِ ،
فقال: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَآ ءَايَةٌ مَكَانَ ءَايَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّدُ قَالُواْ إِنَّمَآ
(١) فى م: (( فأخبر لهم)) .
(٢) فى ص، ت١، ت٢، ف: ((من)).
(٣) فى ص، ت٢، ف: ((بالدال))، وفى ت١: ((للدال)).
(٤) فى ص، ت١، ت٢، ف: ((الذى)).
(٥) فى ص، ت١، ت٢، ف: ((من)).
٣٧٣
سورة النحل : الآية ١٠٦
أَنْتَ مُفْتٍَّ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾، وكذَّب جميعَ المشركين بافترائِهم على اللَّهِ ،
وأخبر أنهم أحقُّ بهذه الصفةِ مِن رسولِ اللهِ سَلَه، فقال: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِى الْكَذِبَ
الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِثَايَتِ اللَّهِ وَأَوْلَئِكَ هُمُ الْكَذِبُونَ﴾. ولو كان الذين عُنُوا
بهذه الآيةِ هم الذين كفَروا باللّهِ مِن بعدِ إِيمانِهم، وجَب أن يكونَ القائلون لرسولِ اللَّهِ
عَّه: إنما أنت مُفترٍ. حينَ بدَّل(١) اللَّهُ آيةً مكانَ آيةٍ، كانوا هم الذين كفروا باللهِ بعدَ
الإيمانِ خاصةٌ ، دونَ غيرِهم مِن سائرِ المشركين؛ لأن هذه فى سياقِ الخبرِ عنهم،
وذلك قولٌ إن قاله قائلٌ ، فبيِّنٌّ فسادُه، مع خروجِه عن (١) تأويلٍ جميعٍ أهلِ العلمِ
بالتأويلِ .
والصوابُ من القولِ فى ذلك عندى: أن الرافعَ (٣) لـ ((مَن)) الأولى والثانيةِ،
قولُه: ﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌّ مِّنَ اللَّهِ ﴾، والعربُ تَفْعَلُ ذلك فى حروفِ الجزاءِ ، إذا
اسْتَأْتَفَتْ أحدهما على الآخرِ .
وذُكِر أن هذه الآيةَ نزَلت فى عمارِ بنِ ياسرٍ، وقومٍ كانوا أسلموا، ففَتَنَهم
المشركون عن دينهم، فثبَت على الإسلامِ بعضُهم ، واقْتَتَنَ بعضٌ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى ، قال : ثنى عمى ، قال : ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿مَن كَفَرَ بِلَّهِ مِنْ بَعْدٍ إِيمَنِهِ: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ
وَقَلْبُهُ مُظْمَئِنٌّ بِاَلْإِيمَنِ﴾ إلى آخرِ الآيةِ ، وذلك أن المشركين أصابوا عمار بن ياسرٍ
(١) فى ت١، ت٢، ف: ((نزل)).
(٢) سقط من: ص، ت١، ت٢، ف.
(٣) فى ت١، ت٢، ف: ((الرفع)).
٣٧٤
سورة النحل : الآية ١٠٦
فعذَّبوه، ثم ترَكُوه فرجَع إلى رسولِ اللهِ يَّهِ، فحدَّثه بالذى لَقِى مِن قريشٍ والذى
قال، فأنزل اللَّهُ تعالى ذكرُهُ عُذْرَه: ﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدٍ إِيمَنِهِ﴾ إلى
قوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾(١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ
بَعْدِ إِيمَنِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُظْمَيْنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾. قال: ذُكِر لنا أنَّها
نزَلت فى عمارِ بنِ ياسرٍ، أَخَذه بنو المغيرةِ، فِغَطُّوه فى بئرٍ ميمونٍ(١) ، وقالوا: اكفُرْ
١٨٢/١٤ بمحمدٍ. فتابَعَهم على ذلك وقلبُه كارة، فأنزل اللَّهُ تعالى ذكرُه: / ﴿إِلََّ﴾؛ أى: مَن
أتَى الكفرَ على اختيارٍ واسْتِحبابٍ، ﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ
عَظِيمٌ﴾(٢).
حدّثنا ابنُ عبد الأعلى ، قال : ثنا محمدُ بنُ ثورٍ ، عن معمر ، عن عبد الكريم
الجَزَرِىِّ، عن أبى عُبيدةَ بنِ محمدِ بنِ ١٢ عمارِ بنِ ياسرٍ، قال: أخَذ المشركون عمارَ بنَ
ياسرٍ، فعذّبوه حتى باراهم(١) فى بعضٍ ما أرادوا، فشكًا ذلك إلى النبيِّ عَّهِ، فقال
النبىُّ عَ لَّهِ: ((كيف تَجِدُ قلبَك؟)). قال: مطمئنًّا [٢٢١/٢و] بالإيمانِ. قال النبىُّ
٤)
(١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٥٢٥/٤، والحافظ فى الفتح ٣١٢/١٢.
(٢) بئر ميمون : بئر بمكة . ينظر معجم البلدان ٧١٩/٤ .
(٣) ذكره البغوى فى تفسيره ٤٦/٥ مطولا، وينظر تفسير ابن كثير ٥٢٥/٤، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
١٣٢/٤ إلى ابن عساكر .
(٤ - ٤) فى ف: ((عبد الله)). وعبد الكريم هو ابن مالك الجزرى أبو سعيد الحرانى مولى عثمان بن عفان.
ينظر تهذيب الكمال ٢٥٢/١٨ .
(٥) فى ص، ت١، ت٢، ف: ((عن)). وهو خطأ وينظر مصادر التخريج الآتية.
(٦) فى ص: (( باريهم))، وفى ت١: ((بارهم))، وفى ت٢: ((باربهم))، وفى ف: ((باريهم))، وفى تفسير
عبد الرزاق وتفسير ابن كثير وفتح البارى: ((قاربهم)»، وعند إسحاق بن راهويه - كما فى المطالب العالية - :
((قاربوه ))، وهما يتباريان : إذا صنع كلُّ واحدٍ مثل ما صنع صاحبه . اللسان (ب ر ی) .
٣٧٥
سورة النحل : الآية ١٠٦
عَلَِّ: ((فإن عادُوا فَعُدْ))(١).
حدّٹنی یعقوبُ بنُ إبراهیم ، قال : ثنا مُشیم ، عن مُصین ، عن أبى مالك فی
قوله: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُظْمَيِنٌّ بِالْإِيمَنِ﴾. قال: نزَلتْ فى عمارِ بنِ
(٢)
ياسر".
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا جريرٌ، عن مُغيرةَ، عن الشَّعْبِيِّ، قال: لما عُذِّب
الأَعْبُدُ أَعْطَوْهم ما سأَلُوا إِلا حَبَابَ بِنَ الأَرَتِّ، كانوا يُضْجِعونه على الرَّصْفِ (١)،
(٤)
فلم يَسْتَقِلُّوا(٤) منه شيئً(*).
فتأويلُ الكلام إذن: مَن كَفَر باللَّهِ مِن بعدِ إِيمانِهِ، إلا مَن أُكْرِه على الكفرِ فنطَق
بكلمة الكفر بلسانه وقلبه مطمئن بالإيمان ، موقِنٌ بحقيقته ، صحیح عليه عزمُه ، غیرُ
مَفْسوحِ الصدرِ بالكفرِ ، لكنْ مَن شرَح بالكفرِ صدرًا فاختاره وآثرَه على الإيمانِ ،
وباح به طائعًا ، فعليهم غضبٌ مِن اللَّهِ ، ولهم عذابٌ عظيمٌ .
(١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٣٦٠/١، وعنه إسحاق بن راهويه - كما فى المطالب العالية
(٣١٨٩) - وعبد بن حميد - كما فى الفتح ٣١٢/١٢ - عن معمر به. وأخرجه ابن سعد ٢٤٩/٣ ،
والحاكم ٣٥٧/٢، وأبو نعيم فى الحلية ١٤٠/١ من طريق عبد الكريم به وقال الحافظ فى الفتح: مرسل،
رجاله ثقات. وأخرجه البيهقى ٢٠٨/٨، ٢٠٩ من طريق عبد الكريم عن أبى عبيدة عن أبيه . قال الحافظ :
وهو مرسل أيضًا .
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٣٢/٤ إلى المصنف وابن أبى شيبة وابن المنذر . وينظر تفسير ابن
كثير ٥٢٥/٤.
(٣) الرضف : الحجارة التى حَمِيَتْ بالشمس أو النار، واحدتُها رَضْفَة . اللسان (رض ف).
(٤) فى حلية الأولياء: ((يسبعنوا)) كذا بغير نقط. ولم يستقلوا: أى لم يبلغوا منه أقلَّ شىء من مرادهم. ينظر
اللسان (ق ل ل) .
(٥) أخرجه ابن أبى شيبة ٤٩/١٣ عن جرير به نحوه ، وأخرجه الطبرانى فى الكبير (٣٦٩٤)، وأبو نعيم فى
الحلية ١٤٤/١ من طريق مغيرة به .
٣٧٦
سورة النحل : الآيات ١٠٦ - ١٠٩
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك وَرَد الخبرُ عن ابنِ عباسٍ .
حدَّثنى علىُ بنُ داودَ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالح، قال: ثنى معاويةُ، عن
علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَيِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾. فأخبر
اللَّهُ سبحانه أنه مَن كفَر من بعدِ إِيمانِهِ، فعليه غضبٌ مِن اللَّهِ ، وله عذابٌ عظيمٌ ، فأما
مَن أَكْرِه فتكلَّمَ به بلسانِه(١) ، وخالَفَه قلبُه بالإيمانِ ؛ لينجوَ بذلك مِن عدِّه، فلا حرج
(٢)
علیه؛ لأن الله سبحانه إنما يأخُذُ العباد بما عَقَدتْ علیہ قلوبُهم
٠
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اُسْتَحَبُواْ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا عَلَى
اُلْآَخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْكَفِرِينَ
١٠٧
يقولُ تعالى ذكره: حَلَّ بهؤلاء المشركين غضبُ اللَّهِ ، ووجَبَ لهم العذابُ
العظيمُ ؛ مِن أجلِ أنهم اختاروا زينةَ الحياةِ الدنيا على نعيم الآخرةِ؛ ولأن اللَّهَ لا يُوَفِّقُ
القومَ الذين يَجْحَدون آياتِه مع إصرارهم على جحودِها .
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿أُوْلَِّكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِ مْـ
وَسَمْعِهِمْ وَأَبَضَرِهِمٌّ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْغَفِلُونَ
لَاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآَخِرَةِ
١٠٩
هُمُ الْخَسِرُونَ
يقولُ تعالى ذكره: هؤلاء المشركون الذين وصَفتُ لكم صِفتَهم فى هذه
١٨٣/١٤ الآياتِ، أيها الناسُ، هم القومُ / الذين طبع اللَّهُ على قلوبهم، فختَم عليها بطابَعِه،
فلا يؤمنون ولا يَهْتدون، وأصَمَّ أسماعَهم، فلا يَشْمعون داعىَ اللَّهِ إلى الهُدَى،
(١) فى م، ت١، ت٢، ف: ((لسانه)).
(٢) أخرجه البيهقى ٢٠٩/٨ من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٣٢/٤ إلى ابن
المنذر وابن أبى حاتم .
٣٧٧
سورة النحل : الآيات ١٠٨ - ١١٠
وأعْمَى أبصارَهم، فلا يُتْصِرون بها حُججَ اللّهِ إبصارَ مُغْتَبِرٍ ومُتَّعِظٍ، ﴿ وَأُوْلَئِكَ
هُمُ الْغَفِلُونَ﴾. يقولُ: وهؤلاء الذين جعَل اللَّهُ فيهم هذه الأفعالَ هم الساهون
عما أعدَّ اللَّهُ لأمثالِهم من أهلِ الكفرِ، وعما يُرادُ بهم .
وقولُه: "﴿لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخَسِرُونَ﴾: الهالكون()،
الذين غَبَنُوا أنفسَهم حُظُوظَها مِن كرامةِ اللَّهِ تعالى ذكرُه .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِنْ بَعْدٍ
مَا فُتِنُواْ ثُمَّ جَهَدُواْ وَصَبَرُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورُ
رَحِيمٌ
١١٠
يقولُ تعالى ذكرُه: ثم إن ربَّك يا محمدُ للذين هاجروا مِنْ ) ديارِهم
ومساكنهم وعشائرِهم مِن المشركين، وانْتَقَلوا عنهم إلى ديارِ أهلِ الإسلامِ
ومساكنِهم وأهلٍ وَلايتِهم ، مِن بعدِ ما فَتَنَهم المشركون الذين كانوا بينَ أَظْهُرِهم -
قبلَ هجرتِهم - عن دينِهم، ثم جاهدوا المشركين بعدَ ذلك بأيديهم بالسيفِ ،
وبألسنتِهم بالبراءةِ منهم، ومما يَعْبُدون مِن دونِ اللَّهِ ، وصبروا على جهادِهم .
﴿ إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. يقولُ: إن ربَّك مِن بعدِ فِعْلَتِهم هذه
لهم ﴿ لَغَفُورٌ﴾. يقولُ: لذوسَتْرٍ على ما كان منهم مِن إعطاءِ المشركين ما أرادوا
منهم؛ مِن كلمةِ الكفرِ بألسنتِهم، وهم لغيرِها مُضْمِرون، وللإِيمانِ مُعْتَقِدون .
زَّحِيمٌ﴾ بهم أن يُعاقِيَهم عليها مع إنانتهم إلى اللَّهِ وتويتهم .
وذُكِر عن بعضِ أهلِ التأويلِ أن هذه الآيةَ نزَلتْ فى قومٍ مِن أصحابٍ
(١ - ١) فى ص: ((لا جرم لابد أنهم فى الآخرة هم الهالكون)).
(٢) سقط من: ص ، ت١ ، ت٢، ف .
٣٧٨
سورة النحل : الآية ١١٠
رسولِ اللَّهِ مِّ الِ، كانوا تَخَلَّقُوا(١) بمكةَ بعدَ هجرةِ النبيِّ عَّهِ، فاشْتَدَّ المشركون
عليهم، حتى فتنوهم عن دينهم، فأَيسوا مِن التوبةِ ، فأنزل اللَّهُ فيهم هذه الآيةَ،
فهاجَروا وَجِقوا برسولِ اللَّهِ عَئِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى ، وحدَّثنی
الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا، عن ابنٍ أَبى نجيحٍ، عن
مجاهدٍ: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدٍ إِبِمَنِهِ، إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُظْمَبِنٌّ
بِاَلْإِيمَنِ﴾ [النحل: ١٠٦]. قال: ناسٌ مِن أهلِ مكةً آمنوا، فكتب إليهم بعضُ
أصحابِ النبيِّ مَالَمِ بالمدينةِ: أن هاجِروا، فإنا لا نراكم منا حتى تهاجروا إلينا .
فخرَجوا يريدون المدينةَ، فأدرَكَتْهم قريشٌ بالطريقِ ففتَنوهم، وكفَروا مُكّرَهين،
ففيهم نزلت هذه الآيةُ(٢) .
حدَّثنى القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريجٍ، عن
مجاهدٍ بنحوِه .
قال ابنُ جريج: قال اللَّهُ تعالى ذكره: ﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدٍ إِيمَنِهِ﴾،
١٨٤/١٤ ثم نسخ واسْتَثْنَى فقال: / ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِنْ بَعْدِ مَا
فُتِنُواْ ثُمَّ جَهَدُواْ وَصَبَرُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
[٢٢١/٢ظ] حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:
(١) فى ص، ت١، ت٢، ف: ((خلفوا)).
(٢) تفسير مجاهد ص ٤٢٦ من طريق ورقاء به ، وذكره البغوى فى تفسيره ٤٦/٥، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ١٣٢/٤ إلى ابن أبى شيبة وابن المنذر وابن أبى حاتم .
٣٧٩
سورة النحل : الآية ١١٠
﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِنْ بَعْدِ مَا فُتِئُواْ ثُمَّ جَهَدُواْ وَصَبَرُوَّا
إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. ذُكِر لنا أنه لما أَنْزَل اللَّهُ أن أهلَ مكةً لا
يُقبَلُ منهم إسلامٌ حتى يُهاجروا، كتَب بها أهلُ المدينةِ إلى أصحابِهِم مِن أهلِ مكةً،
فلما جاءَهم ذلك تَبَايَعوا بينَهم على أن يَخْرُجوا، فإن لَحِق بهم المشركون مِن أهلٍ
مكةَ، قاتلوهم حتى يَنْجُوا أو يَلْحَقوا باللّهِ، فخرَجوا فأدرَكهم المشركون،
فقاتَلوهم؛ فمنهم مَن قُتِل، ومنهم مَن ◌َجَا، فَأَنْزَل اللَّهُ تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّك
لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِنْ بَعْدِ مَا فُتِئُواْ ﴾ الآية(١).
حدَّثنا أحمدُ بنُ منصورٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبيرىُّ، قال : ثنا محمدُ بنُ
شَريكٍ ، عن عمرو بنِ دينارٍ ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كان قومٌ مِن أهلِ
مكةَ أسلموا، وكانوا يَشْتَخْفُون بالإسلامِ، فأخْرَجهم المشركون يومَ بدرٍ معهم،
فأُصِيب بعضُهم ، وقُتِل بعضٌ ، فقال المسلمون : كان أصحابنا هؤلاء مسلمين،
وأُكرِهوا، فاسْتَغْفِروا لهم. فنزلت: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَقَّهُمُ الْمَئِكَةُ ظَالِىّ أَنْفُسِهِمْ
إلى آخرِ الآيةِ [النساء: ٩٧] . قال: وكُتِب إلى مَن بَقِى بمكةَ من المسلمين هذه الآيةُ ؛
لا عذرَ لهم. قال: فخرَجوا فَلَحِقَهم المشركون، فأُعْطَوْهم الفتنةَ، فنزَلت هذه
الآيَةُ: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوْذِىَ فِ اَللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ
كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ إلى آخرِ الآيةِ [العنكبوت: ١٠]. فكتَب المسلمون إليهم بذلك،
فخرَجوا وأَيسوا مِن كلِّ خيرٍ، ثم نزَلت فيهم: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ
هَاجَرُواْ مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُواْ ثُمَّ جَهَدُواْ وَصَبَرُوَاْ إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا
لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. فكتبوا إليهم بذلك: إن اللَّهَ قد جعَل لكم مَخْرَجًا . فخرَجوا،
(١) ذكره الواحدى فى أسباب النزول ص ٢١٣، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٣٣/٤ إلى المصنف وعبد
ابن حميد وابن المنذر .
٣٨٠
سورة النحل : الآية ١١٠
فأدرَ كهم المشركون فقاتَلوهم، حتى (٢) نَجا من نَجا، وقُتْل مَن قُتْل(٢).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ ، عن ابنٍ إِسحاقَ ، قال: نزلت هذه الآيةُ فى
عمَّارِ بنِ یاسٍ ، وعَيَاشِ بنِ أنی ربیعةً ، (والولیدِ بنِ أبی رَبیعةً) ، والوليد بن الوليد :
﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُواْ ثُمَّ جَهَدُواْ
(٤)
وَصَبَرُوا﴾ (٤).
وقال آخرون : بل نزلت هذه الآيةُ فى شأنِ ابنِ أبى سَرْحٍ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنی ابنُ حمیدٍ ، قال : ثنا يحيى بنُ واضحٍ، عن الحسینِ، عن یزیدَ ، عن
عكرمةَ والحسن البصرىِّ، قالا فى سورة النحلِ: ﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدٍ
إِيمَنِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُظْمَئِنُّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا
فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، ثم نسَخ واسْتَثْنَى مِن ذلك
فقال: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُواْ ثُمَّ جَهَدُواْ
وَصَبِرُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾: وهو عبدُ اللَّهِ (°بنُ سعدٍْ) بنِ
١٨٥/١٤ أبى سَرْح، الذى كان يكتُبُ لرسولِ اللَّهِ وَهِ، فَأَزَلَّهُ(٦) الشيطانُ، فَلَحِق بالكفارِ،
(١) فى م: (( ثم)).
(٢) تقدم تخريجه فى ٣٨١/٧، ٣٨٢.
(٣ - ٣) سقط من : ص، م.
(٤) ذكره أبو حيان فى البحر المحيط ٥٤٠/٥، دون ذكر الوليد بن أبى ربيعة، وذكره السيوطى فى الدر المنثور
١٣٣/٤، وعزاه إلى المصنف، وتحرف عنده ((ابن إسحاق)) إلى ((أبى إسحاق)).
(٥ - ٥) ليس فى: م، ت١، ت٢، ف. وينظر أسد الغابة ٢٥٩/٣، والإصابة ١٠٩/٤.
(٦) فى ص، ت١، ت٢، ف: ((فزله)). وأزله: حمله على الزلل. ينظر اللسان (زل ل).