النص المفهرس
صفحات 341-360
٣٤١ سورة النحل : الآيتان ٩١، ٩٢ وجائزٌ أن تكونَ فى غيرِ ذلك، ولا خبرَ تَثْبُتُ به الحجةُ أنها نزَلَت فى شىءٍ ، ولا دَلالةَ فى كتابٍ، ولا حجةَ عقْل، أُّ ذلك عُنِى بها ، ولا قولَ فى ذلك أولى بالحقِّ مما(١) قلنا؛ لدلالةٍ ظاهرِه عليه، وأن الآيةَ كانت قد تَنْزِلُ) لسببٍ مِن الأسبابِ، ويكونُ الحكمُ بها عامًا فى كلِّ ما كان بمعنى السببِ الذى نزَلَت فيه . حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿ وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً﴾. قال: وكيلًا(٣) . وقولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن اللهَ، أيُّها الناسُ، يَعْلَمُ ما تَفْعَلون فى العهودِ التى تُعاهِدون اللهَ مِن الوفاءِ بها، والأحلاني والأيمانِ التى تُؤَكِّدونها على أنفسِكم ؛ أتَبِرُون فيها (٤) أم تَنْقُضونها ، وغيرَ ذلك مِن أفعالِكم، مُخْصٍ ذلك كلَّه عليكم، وهو مُسائِلُكم عنها وعما عمِلْتُم فيها، يقولُ(٥): فاحْذَروا اللهَ أن تَلْقَوه، وقد خالَفْتُم فيها أمره ونهيه ، فتَسْتَوْجِبوا بذلك منه ما لا قِبَلَ لكم به من أليمٍ عقابِهِ . القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَلَا تَكُونُواْ كَأَّتِى نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَثَّا نَتَّخِذُونَ أَيْمَنَّكُمْ دَخَلا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةُ هِىَ أَرْبَى مِنْ أُمَّ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ، وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ يقولُ تعالى ذكره - ناهيّا عبادَه عن نقضِ الأيمانِ بعدَ توكيدِها ، وآمِرًا بوفاءٍ (١) فى ص: (( كما)). (٢) فى م، ف: ((نزلت)). (٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٢٩/٤ إلى ابن المنذر وابن أبى حاتم . (٤) سقط من: ت ٢. (٥) سقط من: ت ١. ٣٤٢ سورة النحل : الآية ٩٢ العهودِ، ومُمثِّلَا ناقضَ ذلك بناقضةِ غَزْلِها مِن بعدِ إبرامِه، وناكِثتِهِ مِن بعدٍ إحكامِه -: ﴿ولا تكونوا﴾ أيُّها الناسُ فى نقضِكم أيمانَكُم بعدَ تو كيدِها، وإِعطائِكم اللهَ بالوفاءِ بذلك العهود والمواثيقَ، ﴿كَأَلَّتِى نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ﴾ ، يعنى: مِن بعدِ إبرامٍ. وكان بعضُ أهلِ العربيةِ يقولُ: القوةُ ما غُزِل على طاقةٍ واحدةٍ ولم يُثَنَّ . وقيل : إن التى كانت تَفْعَلُ ذلك امرأةٌ حمقاءُ معروفةٌ بمكةً . ١٦٦/١٤ / ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ ، قال : ثنى حجاجٌ، عن ابن جريج، قال : أخبرنى عبدُ اللهِ بنُ كثيرٍ: ﴿كَالَّتِى نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ﴾. قال: خَرْقَاءُ كانت بمكةَ، تَنْقُضُه بعدَ ما تُبْرِمُه (١) . حدَّثنا المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ الزبيرِ، عن ابنِ عُيَيْنَةَ، عن صَّدَقَةً، عن السدىِّ: ﴿وَلَا تَكُونُواْ كَلَّتِى نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَئًا نَتَّخِذُونَ أَيْفَنَّكُرْ دَخَلَا بَيْنَكُمْ﴾. قال: هى خَرْقاءُ بمكةً، كانت إذا أَبْرَمَت غزلَها نقَضَته(٢) . وقال آخرون : إنما هذا مثلٌ ضرَبه اللهُ لمن نقَض العهدَ ، فشبَّهه بامرأةٍ تَفْعَلُ هذا الفعلَ، وقالوا: فى معنى: ﴿ نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ﴾، نحوًا مما قلنا . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ. قولَه: ﴿ وَلَا تَكُونُواْ (١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٢٩/٤ إلى المصنف. (٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٢٩/٤ إلى المصنف وابن أبى حاتم. وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره - كما فى تغليق التعليق ٢٣٧/٤ - عن سفيان بن عيينة به . ٣٤٣ سورة النحل : الآية ٩٢ كَلَّتِى نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَثًا﴾: فلو سمِعْتُم بامرأةٍ نقَضَت غزلَها مِن بعدِ إبرامِهِ لَقَلْتُم: ما أحْمقَ هذه! وهذا مثلٌ ضرّبه اللهُ لمن نكَث عهدَه(١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ : ﴿ وَلَا تَكُونُواْ كَلَّتِى نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ﴾، قال: غزلُها: حبلُها ، تَنْقُضُه بعدَ إبرامِها إياه ، ولا تَنْتَفِعُ به بعدُ . حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقَاءُ، وحدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةً، قال: ثنا شبلٌ، جميعًا عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿كَلَّتِى نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ﴾. قال: نقَضَت حبلَها مِن بعدِ إبرامٍ قوةٍ . حدَّثنى المثنى، قال : ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن وَرْقاءَ، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه(٢). حدَّثنى يونُسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَلَا تَكُونُواْ كَلَّتِى نَفَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَثًا﴾. قال: هذا مَثَلٌ ضرَبه اللهُ لمن نقَض العهدَ الذى يُعْطِيه ، ضرَب اللهُ هذا له مَثلًا بمثلِ التى غزَلَت ثم نقَضَت غزلَها ، فقد أعطاهم، ثم رجَع، فنكَث العهد الذى أعطاهم(٢) . وقولُه: ﴿أَنْكَنًا﴾. يعنى: أنْقاضًا، وكلُّ شيءٍ نُقِض بعدَ الفتلِ فهو أَنْكاثٌ، واحدُها نِكْثٌ، حبلاً كان ذلك أو غزلًا ، يقالُ منه: نكَثَ فلانٌ هذا الحبلَ (١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٢٩/٤ إلى عبد بن حميد والمصنف وابن المنذر وابن أبى حاتم . (٢) تفسير مجاهد ص ٤٢٤، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٩/٤ إلى المصنف وابن أبى حاتم. (٣) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٥١٨/٤. ٣٤٤ سورة النحل : الآية ٩٢ فهو يَنْكُثُهِ نَكْثًا، والحبلُ مُنْتَكِتٌ إذا انْتَقَضَت قُواه . وإنما عُنِى به فى هذا الموضع نَكْثُ العهدِ والعقدِ . وقولُه: ﴿ نَتَّخِذُونَ أَيْمَنَّكُمْ دَخَلَا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةُّ هِىَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾ . يقولُ تعالى ذكره : تَجْعَلون أيمانكم التى تَحْلِفون بها على أنكم مُوفُون بالعهدِ لمن عاقَدْتُمُوه؛ ﴿دَخَلَا بَيْنَكُمْ﴾. يقولُ: حَديعةٌ وَغُرورًا؛ لِيَطْمَئِنُوا إليكم، وأنتم مُضْمِرون لهم الغدرَ، وتركَ الوفاءِ بالعهدِ ، والنُّقْلةَ عنهم إلى غيرِهم مِن أجلٍ أن غيرهم أكثرُ عددًا منهم . والدَّخَلُ فى كلامِ العربِ كلُّ أمرٍ لم يَكُنْ صحيحًا، يقالُ منه: أنا أعلمُ دَخَلَ فلانٍ ودُْلُلَه ودُْلَلَه، وداخلةَ أمرِهِ ودَخْلَتَه ودَخِيلتَه(١) . ١٦٧/١٤ / وأما قولُه: ﴿أَن تَكُونَ أُمَّةُّ هِىَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾. فإن قولَه: ﴿ أَرْبَ﴾ . أَفْعَلُ مِن الرِّبا، يقالُ: هذا أرْتَى مِن هذا، وأرْباً(١) منه، إذا كان أكثرَ منه ، ومنه قولُ الشاعرٍ(٣): نَوَى القَسْبِ (٥) قد أْتِى (٢) ذِراعًا على العَشْرِ وأَسْمَرَ خَطِّئَّ(٤) كأنَّ كُعوبَه وإنما قيل(٢) : أرْتَى فلانٌ مِن هذا. وذلك للزيادةِ التى تَزِيدُها على غريمه، على (١) فى ت ١، ت ٢، ف: (( دخلته)). (٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((أربى)). (٣) البيت لحاتم الطائى، وهو فى ديوانه ص ٢٥٣، ونسبه ابن منظور فى اللسان (رد ى) إلى أوس بن حجر، وليس فى ديوانه. وينظر اللسان (ق س ب). والوساطة ص ٢٤١، ٢٤٢. (٤) كذا فى النسخ، ورواية المصادر: ((خطيا)). (٥) القسب : التمر اليابس يتفتت فى الفم. ينظر اللسان (ق س ب). (٦) فى الديوان: ((أرمى))، وفى اللسان (رد ى): ((أردى)). وكلها بمعنى. (٧) فى م: ((يقال)). ٣٤٥ سورة النحل : الآية ٩٢ رأسِ مالِه . وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى المثنى وعلىُّ بنُ داودَ ، قالا : ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالح، قال : ثنى معاويةُ ، عن علىّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿أَن تَكُونَ أُمَّةُ هِىَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ ﴾. يقولُ: (١) أكثر (١). حدّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی ابی ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿أَنْ تَكُونَ أُمَّةُّ هِىَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ ﴾. يقولُ: ناسٌ أكثرٌ (٢) مِن ناسٍٍ(). حدَّثنى محمد بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقَاءُ، وحدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةً، قال : ثنا شبلٌ، جميعًا عن ابن أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قوله: ﴿أَنْ تَكُونَ أُنَّهُ هِىَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾. قال: كانوا يُحالِفون الحُلفَاءَ، فيَجِدون أكثرَ منهم وأعزَّ، فيَنْقُضون حِلْفَ هؤلاء، ويُحالِفون هؤلاء الذين [٢١٧/٢ و] هم أعزُّ منهم، فَتُهُوا عن ذلك(٣) . حدَّثنا المثنى(٤) ، قال: أخبرنا إسحاقُ ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن وَرْقاءَ، عن ابنِ (١) تفسير ابن كثير ٥١٩/٤. (٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٢٩/٤ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبى حاتم . (٣) تفسير مجاهد ص ٤٢٤، ٤٢٥، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٢٩/٤ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبى حاتم . (٤) فى م: ((ابن المثنى)). ٣٤٦ سورة النحل : الآية ٩٢ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ . وحدَّثنى القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال: ثنی حجاج، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثله . حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿نَتَّخِذُونَ أَيْمَنَّكُمْ دَخَلَا بَيْنَكُمْ﴾. يقولُ: خيانةً وغدرًا بينكم. ﴿أَنْ تَكُونَ أُمَّةُ هِىَ أَرْبَى مِنْ أُمٍَّ﴾: أن يكونَ قومٌ أعزَّ وأكثرَ مِن قومٍ (١). حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا أبو ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةً: ﴿دَخَلا بَيْنَكُمْ﴾. قال : خيانةٌ بينَكم(٢) . حدَّثنى يونُسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه : نَتَّخِذُونَ أَيْمَنَّكُمْ دَخَلَا بَيْنَكُمْ﴾: يَغُ(٣) بها ؛ يُعْطِيه العهدَ يُؤَمِّنُه ، وُنْزِلُه مِن مَأْمَنِهِ، فَتَزِلُّ قدمُه، وهو فى مَأْمَنٍ ، ثم يَغْرُّه(٤) يُرِيدُ الغدرَ . قال: فأولُ بُدُوِّ هذا قومٌ كانوا حُلفاء لقومٍ قد تَحَالَفوا، وأعْطَى بعضُهم بعضًا العهدَ، فجاءهم قومٌ قالوا : نحن ١٦٨/١٤ أكثرُ وأعزُّ وأَمْنَعُ، فانْقُضوا عهدَ هؤلاء، وارْجِعوا إلينا، ففعلوا، وذلك قولُ اللهِ تعالى ذكْرُه: ﴿ وَلَا نَنْقُضُواْ الْأَيْمَنَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كِفِيلاً﴾ - ﴿أَنْ تَكُونَ أُمَّةُ هِىَ أَرْبَىَ مِنْ أُمَّةٍ﴾: هى أربى: أكثرُ من أجلٍ أن كانوا هؤلاء أكثرَ من أولئك نقَضتم العهدَ فيما بينكم وبينَ هؤلاء، فكان هذا (١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٢٩/٤ إلى المصنف مطولًا، وينظر تفسير ابن كثير ٤/ ٥١٩. (٢) تفسير عبد الرزاق ٣٥٩/١، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٢٩/٤ إلى عبد بن حميد والمصنف وابن المنذر وابن أبى حاتم . (٣) فى م: ((يعود)). (٤) فى ص: ((يعره))، وفى ت ١: ((تغره))، وفى ت ٢: ((بعده))، وفى ف: ((يعزه)). ٠ ٣٤٧ سورة النحل : الآية ٩٢ ، ٩٣ فى هذا، وكان الأمرُ الآخرُ فى الذى يُعاهِدُه ، فيْزِلُه مِن حصنِهِ، ثم يَنْكُثُ عليه . الآيةُ الأولى فى هؤلاء القومِ ، وهى مَبْدؤُه ، والأخرى فى هذا . حُدِّثْتُ عن الحسينِ ، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ فى قوله: ﴿أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِىَ أَرْبَىَ مِنْ أُمَّةٍ﴾. يقولُ: أكثرَ. يقولُ: فعليكم بوفاءِ العهدٍ(١). وقولُه: ﴿ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ،﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إنما يَخْتَبِرُكم اللهُ بأمرِه إياكم بالوفاءِ بعهدِ اللهِ إذا عاهَدْتُم؛ ليَتبيَّنَ الُطِيعَ منكم المُنْتَهِىَ إلى أمرِهِ ونهِهِ ، من العاصى له ) المخالفِ أمرَه ونهيّه، ﴿ وَلَيُبَيَِّنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولِيُبَيَِّنَّ لكم، أيُّها الناسُ، ربّكم يومَ القيامةِ إذا ورَدْتُم عليه ، بُمُجازاةٍ كلِّ فريقٍ منكم على عملِه فى الدنيا ؛ المحسنِ منكم بإحسانه ، والمسىءٍ بإساءتِه، ﴿ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴾ ، والذی كانوا فيه يختلفون فى الدنيا أن المؤمنَ باللهِ كان يُقِرُّ بوحدانيةِ اللهِ ونبوةِ نبيّه ، ويُصَدِّقُ بما ابْتَعَث به أنبياءَه ، وكان يُكَذِّبُ بذلك كلِّه الكافر، فذلك كان اختلافَهم فى الدنيا الذى وعَد اللهُ تعالى ذكرُه عبادَه أن يُبَيِّنَه لهم عندَ ورودِهم عليه، بما وصَفْنا مِن البيانِ . القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿ وَلَوَّ شَآءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَحِدَةٌ وَلَكِنْ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ وَلَتُشَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ٠ ٩٣ يقولُ تعالى ذكرُه : ولو شاء ربُّكم ، أيُّها الناسُ ، للَطَف بكم بتوفيقٍ مِن عندِه، فصِرْتُمُ جميعًا جماعةٌ واحدةٌ ، وأهلَ ملةٍ واحدةٍ ، لا تَخْتَلِفون ولا تَفْتَرِقون، ولكنه (١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٤/ ٥١٩. (٢) سقط من : م. ٣٤٨ سورة النحل : الآيتان ٩٣ ، ٩٤ تعالى ذكرُه خالَف بينكم ، فجعَلَكم أهلَ مللٍ شتَّى، بأن وفَّق هؤلاء للإيمانِ به ، والعمل بطاعته ، فكانوا مؤمنين، وخذل هؤلاء، فحرمهم توفيقه، فكانوا کافرین، وليَسْأَلَنَّكم اللهُ يومَ القيامةِ جميعًا عما كنتم تَعْمَلون فى الدنيا ، فيما أمَرَ كم ونهاكم ، ثم لَيُجازِيَنَّكم جزاءًكم ؛ المطيعَ منكم بطاعتِه، والعاصىّ له بمعصيتِه . القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿ وَلَا نَشَِّذُواْ أَيْمَنَّكُمْ دَخَلا بَيْنَكُمْ فَزِلَ قَدَمُ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُواْ السُّوَءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ٩٤ يقولُ تعالى ذكرُه: ولا تَّخِذوا أيمانكم بينكم دَخَلًا وخديعةً بينَكم، تَغُون ١٦٩/١٤ بها الناسَ، ﴿فَزِلَّ قَدَمٌ / بَعْدَ ثُبُوتِهَا﴾. يقولُ: فَتَهْلِكوا بعدَ أن كنتم مِن الهلاكِ آمنين، وإنما هذَا مَثَلٌ لكلِّ مُبْتَلّى بعدَ عافيةٍ ، أو ساقطٍ فى وَرْطةٍ بعدَ سلامةٍ ، وما أشْبَهَ ذلك، زلَّتِ قدمُه، كما قال الشاعرُ : سيُمْنَعُ منك السَّبْقُ إن كنتَ سابقًا وتُلْطَعُ(٢) إن زَلَّت بكِ الثَّعْلانِ وقولُه: ﴿ وَتَذُوقُواْ السُّوَءَ ﴾. يقولُ: وتَذُوقوا أنتم السوءَ، وذلك السوءُ هو عذابُ اللهِ الذى يُعَذِّبُ به أهلَ معاصِيه فى الدنيا، وذلك بعضُ ما عذَّب به أهلَ الكفرِ به، ﴿بِمَا صَدَدْتُمْ عَن سَبِيلِ اللهِ﴾. يقولُ: بما فتَنْتُم مَن أراد الإيمانَ باللهِ ورسولِه عن الإِيمانِ، ﴿ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ فى الآخرةِ، وذلك نارُ جهنمَ . وهذه الآيةُ تَدُلُّ على أن تأويلَ بُرَيْدَ الذى ذكرنا عنه فى قوله: ﴿ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَهَدتُّمْ ﴾ والآياتِ التى بعدَها ، أنه عُنِى بذلك الذين بايَعوا رسولَ اللهِ يَّهِ على الإسلامِ، عن مفارقةِ الإسلامِ لقلةِ أهلِه، وكثرةِ أهلِ الشركِ - هو (١) البيت فى تفسير القرطبى ١٠/ ١٧١. (٢) اللطع : أن تضرب مؤخر الإنسان برجلك . اللسان ( ل ط ع). ٣٤٩ سورة النحل : الآيات ٩٤ - ٩٦ الصوابُ، دونَ الذى قال مجاهدٌ أنهم عُنُوا به؛ لأنه ليس فى انتقالٍ قوم بحِلْفٍ (١) عن حلفائِهم إلى آخرين غيرِهم ، صدِّ عن سبيلِ اللهِ ، ولا ضلالٌ عن الهدى، وقد وصَف تعالى ذكرُه فى هذه الآيةِ فاعِلِى ذلك، أنهم باتخاذِهم الأيمانَ دَخَلًا بينَهم ، ونقضِهم الأيمانَ بعدَ توكيدِها ، صادُّون عن سبيلِ اللهِ ، [١١٧/٢ ظ] وأنهم أهلُ ضلالٍ فى التى قبلَها، وهذه صفةُ أهلِ الكفرِ باللهِ ، لا صفةُ أهلِ الثّقْلةِ بالحِلْفِ عن قومٍ إلى قومٍ . القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَلَا تَشْتَرُواْ بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنَّا قَلِيلاً إِنَّمَا عِندَ اللَّهِ هُوَ ـ) مَا عِندَكُمْ يَنفَذِّ وَمَا عِندَ اللَِّ بَانٍّ وَلَنَجْزِئَنَ(٢) خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (٩٦ الَّذِينَ صَبَرُوَاْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ يقولُ تعالى ذكرُه: ولا تَنْقُضوا عهودَكم، أيُّها الناسُ، وعقودَ كم التى عاقَدْتُوها مَن عاقَدْتُم ، مُؤَكِّدیها بأيمانِكم ، تَطْلُبون بنقضِكم ذلك عَرَضًا مِن الدنيا قليلاً ، ولكن أوْفُوا بعهدِ اللهِ الذى أمَرَ كم بالوفاءِ به ، يُتِبْكم اللهُ على الوفاءِ به ، فإن ما عندَ اللهِ مِن الثوابٍ لكم على الوفاءِ بذلك، هو خيرٌ لكم إن كنتم تَعْلَمون فضْلَ ما بينَ العِوَضَين اللذين أحدُهما الثمنُ القليلُ الذى تَشْتَرون بنقضِ عهدِ اللهِ فى الدنيا ، والآخَرُ الثوابُ الجزيلُ فى الآخرةِ على الوفاءِ به . ثم بينَّ تعالى ذكرُه فرقَ ما بينَ العِوَضَيْن ، وفضْلَ ما بينَ الثوابين ، فقال : ما عندَ كم ، أيُّها الناسُ، مما تتَمَلَّكونه فى الدنيا ، وإن كثُر ، فنافدٌ فانٍ ، وما عندَ اللهِ لمن أَوْفَى بعهدِه وأطاعه مِن الخيراتِ باقٍ غيرُ فانٍ، فلِمَا عندَه فاعْمَلُوا، وعلى الباقى الذى لا يَفْنَى فاخْرِصوا . (١) فى م: ((تحالفوا)). (٢) فى ص، ف: ((ليجزين)) بالياء، وهى قراءة نافع وأبى عمرو وابن عامر وحمزة والكسائى. ينظر السبعة ص ٣٧٥. ٣٥٠ سورة النحل : الآيتان ٩٦، ٩٧ وقولُه: ﴿ وَلَنَجْزِيَرَنَّ(١) الَّذِينَ صَبَرُواْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ١٧٠/١٤ يقولُ تعالى ذكرُه: ولَيُثِيَنَّ اللهُ الذين صبروا على / طاعتِهم إِيَّه فى السراءِ والضراءِ، ثوابَهم يومَ القيامةِ على صبرِهم عليها، ومسارعتهم فى رضاه، بأحسنٍ ما كانوا يعملُون من الأعمالِ دونَ أسوئها، وليغفِرنَّ(٢) اللهُ لهم سيئَها بفضلِه(٣) . القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَلِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْبِيَنَّهُ حَيَوَةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (٩٧ يقولُ تعالَى ذكرُه: مَن عمِل بطاعةِ اللهِ ، وأوفى بعهودِ اللهِ إذا عاهد ، ﴿مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَ﴾ من بنى آدمَ، ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾. يقولُ: وهو مصدِّقٌ بثوابِ اللهِ الذى وعَد أهلَ طاعتِه على الطاعةِ، وبوعيدِ أهلِ معصيتِه على المعصيةِ، ﴿فَلَتُحْيِيَنَّهُ حَيَوَةً طَيِبَةٌ﴾ . واختلف أهلُ التأويلِ فى الذى عنَى اللهُ بالحياةِ الطيبةِ التى وعَد هؤلاء القومَ أن يُحْيِيَهُموها ؛ فقال بعضهم: عنَى أنه يُحْيِيهم فى الدنيا ما عاشوا فيها بالرزقِ الحلالِ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى أبو السائبِ ، قال: ثنا أبو معاويةً، عن إسماعيلَ بنِ سُمَيعٍ، عن أبى مالكٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَلَنُحْبِيَنَّهُ حَيَوَةً طَيِّبَةٌ﴾. قال: الحياةُ الطيبةُ الرزقُ الحلالُ فى الدنيا . حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن إسماعيلَ بنِ سُمَيعٍ، عن أبى مالك (١) فى ت ١، ف: ((ليجزين)). (٢) فى ص، ت ١، ت ٢: ((ليعفون)). (٣) بعده فى ص: ((يتلوه القول فى تأويل قوله: ﴿من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى﴾ والحمد لله وحده وصلى الله على محمد النبى وعلى آله وسلم كذا، رب يسر وأعن)). ٣٥١ سورة النحل : الآية ٩٧ وأبى الربيعِ، عن ابنِ عباسٍ بنحوِه . حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال : ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن إسماعيلَ بنِ سُمَيعٍ ، عن أبى الربيعِ، عن ابنِ عباسٍ فى قوله: ﴿مَنْ عَمِلَ صَلِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْبِيَنَّهُ حَيَوَةً طَيِّبَةً﴾. قال: الرزقُ الحسنُ فى الدنيا (١). حدَّثنا ابنُ وكيع، قال : ثنا أبى، عن سفيانَ ، عن إسماعيلَ بنِ سُمَیعٍ، عن أبى الربيعِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَوَةً طَيِّبَةٌ ﴾. قال: الرزقُ الطيبُ فى الدنيا . حدَّثنى المثنى، قال : ثنا الفضلُ بنُ دُكينٍ، قال : ثنا سفيانُ ، عن إسماعيلَ بنِ سُمَيعٍ، عن أبى الربيعِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَتُحْبِيَنَّهُ حَيَوَةً طَيِّبَةً﴾. قال : الرزقُ الطیبُ فى الدنيا . حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال: ثنى أبى ، قال: ثنى عمى ، قال : ثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿مَنْ عَمِلَ صَلِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْتَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْبِيَنَّهُ حَيَوَةً طَيِّبَةٌ ﴾ : يعنى فى الدنيا . حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا ابنُ عيينةً، عن مُطَرِّفٍ، عن الضحاكِ: ﴿فَلَتْحْبِيَنَّهُ حَيَوَةً طَيِّبَةً﴾. قال: الرزقُ الطيبُ الحلالُ(٢). حدَّثنى عبدُ الأُعلى بنُ واصلٍ ، قال : ثنا عونُ بنُ سلَّامِ القرشىُّ، قال : أخبرنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن / أبى رَوْقٍ، عن الضحاكِ فى قوله: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَوَةٌ ١٧١/١٤ (١) تفسير سفيان ص ١٦٦، وعنه عبد الرزاق فى تفسيره ٣٦٠/١، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٣٠/١ إلى الفريابى وسعيد وابن المنذر وابن أبى حاتم ، مطولًا . (٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٣٠/٤ إلى المصنف. ٣٥٢ سورة النحل : الآية ٩٧ طَيِّبَةٌ﴾. قال: يأكلُ حلالا، ويلبَسُ حلالًا(١). وقال آخرون: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَوَةً طَيِّبَةٌ﴾، بأن نَرْزُقَه القناعةً. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ وكيع ، قال : ثنا يحيى بنُ يمانٍ ، عن المنهالِ بنِ خليفةً ، عن أبى خُزَيمَةَ سليمانَ التمَّارِ، عَمَّن ذكره، عن علىٍّ: ﴿فَلَنُحْبِيَنَّهُ حَيَوَةٌ طَيِّبَةٌ ﴾. قال : ص﴾ م (٢) القنُوعُ (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو عصام، عن أبى سعيدٍ ، عن الحسن البصرىِّ، قال: الحياةُ الطيبةُ القناعةُ (٣). وقال آخرون : بل يعنى بالحياةِ الطيبةِ الحياةَ مؤمنًا باللهِ ، عاملًا بطاعتِه . ذكرُ مَن قال ذلك حُدِّثتُ عن الحسينِ ، قال : سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عُبِيدُ بنُّ سليمانَ ، قال : سمِعتُ الضحاكَ يقولُ فى قوله: ﴿فَلَتُحْبِيَنَّهُ حَيَوَةً طَيِّبَةٌ﴾ [٢١٨/٢و]. يقولُ: مَن عمِل عملاً صالحاً وهو مؤمنٌ، فى فاقةٍ أو ميسرةٍ، فحياتُه طيبةٌ، ومَن أُعرَض عن ذكرِ اللهِ فلم يُؤْمنْ ولم يَعمَلْ صالحاً، فعيشتُه ضَنْكٌ(٤) لا خيرَ (٥) فيها (٥) . (١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٣٠/٤ إلى المصنف. (٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٤/ ٥٢١. (٣) ينظر تفسير البغوى ٤٢/٥. (٤) فى النسخ: ((ضنكة)). والصواب ما أثبت . (٥) ذكره القرطبى فى تفسيره ١٠/ ١٧٤. ٣٥٣ سورة النحل : الآية ٩٧ وقال آخرون : الحياةُ الطيبةُ السعادةُ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى المثنى وعلىُّ بنُ داودَ ، قالا: ثنا عبدُ اللهِ ، قال: ثنى معاويةُ ، عن علىٍّ ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَلَتُحْبِيَنَّهُ حَيَوَةً طَيِّبَةٌ ﴾. قال: السعادةُ(١). وقال آخرون : بل معنى ذلك : الحياةُ فى الجنةِ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا هَؤْذَةُ، عن عوفٍ، عن الحسنِ: ﴿فَلَنُحْبِيَتَهُ، حَيَوَةً طَيِّبَةٌ ﴾. قال: لا تَطِيبُ لأحدٍ حياةٌ دونَ الجنةِ(١). صلے حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن عوفٍ، عن الحسنِ: ﴿فَلَتُحْبِيَنَّهُ حَيَّوَةٌ طَيِّبَةٌ﴾ . قال: ما تَطِيبُ الحياةُ لأحدٍ إلا فى الجنةِ . حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿مَنْ عَمِلَ صَلِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَتُحْيِيَنَّهُ حَيَوَةً طَيِّبَةٌ﴾، فإن اللهَ لا يشاءُ عملًا إلا فى إخلاصٍ، ويُوجِبُ لمن١ عمِل ذلك فى إيمانٍ ، قال اللهُ تعالى ذكْرُه: فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَوَةً طَيِّبَةً﴾، وهى الجنةُ() . حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريجٍ، عن ! (١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٣٠/٤ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبى حاتم . وذكره ابن كثير فى تفسيره ٤/ ٥٢١. (٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٣٠/٤ إلى ابن أبى شيبة والمصنف وابن المنذر وابن أبى حاتم . (٣) فى النسخ: ((من)). والمثبت ما يقتضيه السياق . (٤) ينظر تفسير القرطبى ١٠/ ١٧٤. ( تفسير الطبرى ٢٣/١٤ ) ٣٥٤ سورة النحل : الآية ٩٧ مجاهدٍ: ﴿ فَلَنُحْبِيَنَّهُ حَيَوَةً طَيِّبَةٌ﴾. قال: الآخرةُ، يُحْيِيهم حياةً طيبةً فى (١) الآخرةِ(١). ١٧٢/١٤ حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله : ﴿مَنْ عَمِلَ صَلِحًا مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَنُحْيِيَنَّهُ حَيَوَةٌ طَيِّبَةً﴾. قال: الحياةُ الطيبةُ الآخرةُ فى الجنةِ، / تلك الحياةُ الطيبةُ. قال: وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾. وقال: ألا تراه يقولُ: يَلَيَّتَنِىِ قَدَّمْتُ لِحَاتِ﴾ [الفجر: ٢٤]. قال: هذه آخرتُه. وقرأ أيضًا: ﴿ وَإِنَّ ج الدَّارَ الْآَخِرَةَ لَهِىَ الْحَيَوَانُ﴾ [العنكبوت: ٦٤]. قال: الآخرةُ دارُ حياةٍ لأهلِ النارِ وأهلِ الجنةِ ، ليس فيها موتٌ لأحدٍ من الفريقين . حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال : ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه ، عن الربيعِ فى قولِه: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَلِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾. قال: الإيمانُ الإخلاصُ للهِ وحدَه، فبيَّنَ أنه لا يَقْبَلُ عملً إلا بالإخلاصِ له(١). وأولى هذه الأقوالِ بالصوابِ قولُ مَن قال: تأويلُ ذلك: فلَنُحْيِيَنَّه(٢) حياةً طيبةً بالقناعةِ ؛ وذلك أن من قَتَّعه اللهُ بما قَسَم له من رزقٍ ، لم يَكْثُر " فى الدنيا) تعبُه، ولم يَعْظُمْ فیھا نَصَبُه ، ولم یتکدَّرْ فیها عیشُه ، یاتباعه نفسه(٢) ما فاته منها ، وحرصِه على ما لعلَّه لا يُدْرِ كُه فيها . وإنما قلت: ذلك أولى التأويلاتِ فى ذلك بالآيةٍ؛ لأن الله تعالَى ذكرُه (١) ينظر تفسير القرطبى ١٧٤/١٠. (٢) بعده فى ص: ((فى الدنيا)). (٣ - ٣) فى ص، م، ت ٢، ف: ((الدنيا)). (٤) فى م: (( بغية)). ٣٥٥ سورة النحل : الآية ٩٧ أَوعَد قومًا قبلَها على معصيتِهم إياه إن عَصَوْه أذاقهم السوءَ فى الدنيا، والعذابَ العظيمَ فى الآخرةِ، فقال تعالَى ذِكْرُه: ﴿ وَلَا نَتَّخِذُواْ أَيْمَنَّكُمْ دَخَلَا بَيْنَكُمْ فَنَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُواْ السُّوَّهَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾، فهذا لهم فى الدنيا، ﴿وَلَكُمُ﴾ فى الآخرة ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، فهذا لهم فى الآخرةِ . ثم أَتْبَع ذلك ما لمَنْ أوفَى بعهدِ اللهِ وأطاعه، فقال تعالَى: ﴿مَا عِندَكُمْ﴾ فى الدنيا ﴿ يَنَفَدُ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ ﴾، فالذى بينَّ(١) هذه السيئةَ بحكمتِهِ، أراد(٢) أن يُعْقِبَ ذلك الوعدَ الأهلِ طاعتِهِ بالإحسانِ (١) فى الدنيا والغفرانِ فى الآخرةِ، وكذلك فعَلَ تعالَى ذكره . وأما القولُ الذى رُوِى عن ابنِ عباسٍ أنه الرزقُ الحلالُ ، فإنه محتَمِلٌ أن يكونَ معناه الذى قلنا فى ذلك ، من أنه تعالى ذكْرُه يُقَنِّئُه فى الدنيا بالذى يَرْزُقُه من الحلالِ - وإن قلَّ - فلا تَدْعُوه نفسُه إلى الكثيرِ منه من غيرِ حِلُّه، لا أنه يَرزُقُه الكثيرَ منه من الحلالِ، وذلك أن أكثرَ العاملين للهِ تعالَى ذكْرُه بما يرضاه من الأعمالِ ، لم نرهم رُزِقوا الرزقَ الكثيرَ من الحلالِ فى الدنيا، ووجَدْنا ضيقَ العيشِ عليهم أغلبَ من السَّعةِ . وقولُه: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾، فذلك لا شكَّ أنه فى الآخرةِ ، وكذلك قال أهلُ التأويلِ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةً، عن إسماعيلَ بنِ سُمَيعٍ، عن أبى (١) سقط من: ص، م، ت ٢، ف . (٢) زيادة يستقيم بها السياق . (٣) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((الإحسان)). ٣٥٦ سورة النحل : الآية ٩٧ مالكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ . قال : إذا صاروا إلى اللهِ جزاهم أجرهم بأحسنٍ ما كانوا يعملون(١). حدَّثنا ابنُ وكيع، قال : ثنا أبو معاويةً، عن إسماعيلَ بنِ سُمَيع، عن أبى مالكِ، وأبى الربيعِ، عن ابنِ عباسٍ مثلَه . ١٧٣/١٤ / حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن إسماعيلَ بنِ سُمَيعٍ، عن أبى الربيعِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَلَنَجْزِنَّهُمْ أَجْرَهُمْ﴾. قال: فى الآخرةِ(٣). حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن إسماعيلَ بنِ شُمَيعٍ، عن أبي الربيعِ، عن ابنِ عباسٍ مثلَه . حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی أبى ، قال : ثنى عمى ، قال : ثنى أبى ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾. يقولُ: يَجْزِيهم أجرَهم فى الآخرةِ بأحسنٍ ما كانوا يعملون . وقيل: إن هذه الآيةَ نزَلت بسببٍ قومٍ من أهلِ مِلَلٍ شَتَّى تفاخَروا ، فقال أهلُ كلِّ مِلَّةٍ منها : نحن أفضلُ. فبيَّنَ اللهُ لهم أفضلَ أهلِ المللِ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا يعلى بنُ عُبيدٍ ، عن إسماعيلَ، عن أبى صالحٍ، قال: جلَس ناسٌ من أهلِ الأوثانِ [٢١٨/٢ ظ] وأهلِ التوراةِ وأهلِ الإنجيلِ، فقال هؤلاء: نحن أفضلُ. وقال هؤلاء: نحن أفضلُ. فأنزل اللهُ تعالَى ذكْرُه: ﴿مَنْ عَمِلَ صَلِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَوَةً طَيِّبَةٌ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ (١) تقدم تخريجه فى ص ٣٥٠ . (٢) تفسير سفيان ص ١٦٦، ١٦٧، وينظر ما تقدم فى ص ٣٥٠. ٣٥٧ سورة النحل : الآيات ٩٧ - ١٠٠ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ القولُ فى تأويلِ قولِه تعالَى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَانَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ ◌ِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانُ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ٩٨ الرَّحِيمِ ٩٩ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ يقولُ تعالَى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ عَّهِ: وإذا كنتَ يا محمدُ قارِئًا القرآنَ، ﴿فَأَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ﴾. وكان بعضُ أهلِ العربيةِ يزعُمُ أنه من المؤخّرِ الذى معناه التقديمُ. وكأنَّ معنى الكلام عندَه : وإذا استعذتَ باللهِ من الشيطانِ الرجيم، فاقرَاً القرآنَ. ولا وجهَ لِمَا قال من ذلك ؛ لأنَّ ذلك لو كان كذلك لكان متى استعاذَ مستعيذٌ من الشيطان الرجيمِ ، لزمَه أن يقرَأَ القرآنَ، ولكن معناه ما وصَّفنا . وليس قولُه: ﴿فَاسْتَعِذْ بِلَّهِ مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّجِيمِ﴾ بالأمرِ اللازمِ ، وإنما هو إعلامٌ وندبٌ ، وذلك أنه لا خلافَ بين الجميع أن مَن قرأ القرآنَ ولم يستعذْ باللهِ من الشيطان الرجيم قبلَ قراءتِه أو بعدَها ، أنه لم يُضَيِّعْ فرضًا واجبًا . وكان ابنُ زيدٍ يقولُ فى ذلك نحوَ الذى قلنا . حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْوَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ﴾. قال: فهذا دليلٌ من اللهِ تعالَى ذكْرُه دَلَّ عبادَه عليه(١). / وأما قولُه: ﴿ إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانُ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾. فإنه يعنى بذلك: إن الشيطانَ ليستْ له حجةٌ على الذين آمنوا باللهِ (١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٣٠/٤ إلى المصنف وابن أبى حاتم. ١٧٤/١٤ ٣٥٨ سورة النحل : الآيتان ٩٩، ١٠٠ ورسولِه، وعمِلوا بما أمَر اللهُ به، وانتَهَوْاُ(١) عما نهاهم اللهُ عنه، ﴿ وَعَلَى رَيْهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾. يقولُ: وعلى ربِّهم يتوكلون، فيما نابهم من مُهماتِ أمورِهم، ﴿ إِنَّمَا سُلْطَتُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾. يقولُ: إنما حجتُه على الذين يعبدونه، ﴿ وَاُلَّذِينَ هُم بِهِ، مُشْرِكُونَ﴾. يقولُ: والذين هم باللهِ مشركون . وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكر من قال ذلك حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ(١)، قال: ثنا ورقاءُ، وحدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةً، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبى نجيح، عن مجاهدٍ: ﴿إِنَّمَا سُلْطَتُهُ عَلَى الَّذِينَ يَّوَلَّوْنَهُ﴾. قال: حجَّتُه(٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريجٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَّلَّوْنَهُ﴾. قال: يُطيعونه(١). واختلف أهلَ التأويلِ فى المعنى الذى من أجلِه لم يُسَلَّطْ فيه الشيطانُ على المؤمنِ ؛ فقال بعضهم بما تحُدِّثتُ عن زافِرٍ (١) بنِ سليمانَ، عن سفيانَ فى قوله: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانُّ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾. قال: ليس له سلطانٌ - (١) فى ص، ت١، ت٢، ف: ((فانتهوا)). (٢) فى النسخ: ((الحسين)). والصواب ما أثبت ، وهو إسناد دائر. (٣) تفسير مجاهد ص ٤٢٥، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٣٠/٤ إلى ابن أبى شيبة والمصنف وابن المنذر وابن أبى حاتم . (٤) ینظر تفسير ابن كثير ٤/ ٥٢٢. (٥) فى النسخ: ((واقد)). والمثبت من مصدر التخريج، وهو زافر بن سليمان الإيادى. تنظر ترجمته فى تهذيب الكمال ٢٦٧/٩. ٣٥٩ سورة النحل : الآيتان ٩٩، ١٠٠ على أن يحمِلَهم على ذنبٍ لا يُعْفَوُ(١). وقال آخرون : هو الاستعاذةُ، فإنه إذا استعاذ باللهِ مُنِع منه ، ولم يُسَلَّطْ عليه . واستشهدوا لصحةٍ قولِهم ذلك بقولِ اللهِ تعالَى ذكْرُه: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَنِ نَزْعٌ فَأَسْتَعِذْ بِاللّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ [الأعراف: ٢٠٠]. وقد ذكرنا الروايةَ بذلك فى سورة (( الحِجْرِ ))() . وقال آخرون فى ذلك، بما حدَّثنى به المثنى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ فى قوله: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانُّ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَلَى رَيْهِمْ يَتَّوَكَّلُونَ﴾ إلى قوله: ﴿ وَاُلَّذِينَ هُم بِهِ، مُشْرِكُونَ﴾. إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٨٢ قال: إِن عدوَّ اللهِ إبليسَ قال: ﴿لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينٌ اُلْمُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٢، ٨٣] فهؤلاء الذين لم يُجعَلْ للشيطانِ عليهم سبيلٌ ، وإنما سلطانُه على قومٍ اتخذوه وليًّا، وأشرَكوه فى أعمالِهم(١). حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى ، قال : ثنى عمى ، قال : ثنى أبى ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانُّ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾. يقولُ: السلطانُ على من تولَّى الشيطانَ وعمِل بمعصيةِ اللهِ . حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾. يقولُ: الذين يُطيعونه ويعبدونه . وأولى الأقوالِ فى ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال : معناه : إنه ليس له سلطانٌ على (١) أخرجه ابن أبى الدنيا فى كتاب التوكل (٢٥) من طريق زافر بن سليمان به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٣٠/٤ إلى المصنف وابن أبى حاتم . (٢) تقدم فى ص ٧١، ٧٢ . (٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٣٠/٤ إلى المصنف وابن أبى حاتم. ٣٦٠ سورة النحل : الآيتان ٩٩، ١٠٠ ١٧٥/١٤ الذين آمنوا، / فاستعاذوا باللَّهِ منه؛ بما ندَب اللَّهُ تعالَى ذكرُه من الاستعاذةِ، وعلى ربِّهم يتوكلون على ما عرَض لهم من خَطَراتِه(١) ووساوسِه . وإنما قلنا : ذلك أولى التأويلاتِ بالآيةٍ؛ لأن اللَّهَ تعالَى ذكرُه أَتْبَع هذا القولَ : فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرَْنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ﴾. وقال فى موضعٍ آخرَ: ﴿ وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَنِ نَزْعٌ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ [٢١٩/٢ و] إِنَّهُ سَمِيعُ عَلِيمٌ﴾ [ الأعراف: ٢٠٠]. فكان بيِّنًا بذلك أنه إنما ندَب عبادَه إلى الاستعاذةِ منه فى هذه الأحوال ، ليُعیذَهم من سلطانِه . وأما قولُه: ﴿ وَاُلَّذِينَ هُم بِهِ، مُشْرِكُونَ﴾. فإن أهلَ التأويلِ اختلفوا فى تأويله؛ فقال بعضُهم فيه بما قلنا : إن معناه: والذين هم باللَّهِ مشركون . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، وحدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةً، قال: ثنا شبلٌ، وحدَّثنى المُثُنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن ورقاءَ، جميعًا عن ابنِ أبى نجيح، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿ وَاَلَّذِينَ هُم بِهِ، مُشْرِكُونَ﴾. قال: يعدِلون بربِّ العالمين(١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿ وَاُلَّذِينَ هُم بِهِ، مُشْرِكُونَ﴾ . قال: يعدِلون باللّهِ. (١) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((خطواته)). (٢) تفسير مجاهد ص ٤٢٥، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٣٠/٤ إلى ابن أبى شيبة والمصنف وابن المنذر وابن أبى حاتم .