النص المفهرس
صفحات 321-340
٣٢١ سورة النحل : الآية ٨١ وقولُه: ﴿ وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ اُلْجِبَالِ أَكْنَنَا﴾. يقولُ: وجعَل لكم مِن الجبالِ مواضعَ تَشْكُنون(١) فيها، وهى جمعُ كِرٍّ(٢). كما حدَّثنا بشرّ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ اُلْجِبَالِ أَكْتَنَّا﴾. يقولُ: غِيراًا(٣) مِن الجبالِ يُشْكَنُ فيها. (٢ وقولُهُ): ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَبِيلَ تَقِيَكُمُ الْحَرَّ﴾. يعنى: ثيابَ القطنِ والكُتَّانِ والصوفِ وَقُمُصَها(٥) . كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَبِيلَ تَفِيكُمُ الْحَرَّ﴾ مِن القطنِ والكَتَّانِ والصوفِ(٥). حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ(١) ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿سَرَبِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾. قال: القطنُ والكَتَانُ(٧) . وقولُه: ﴿وَسَرَبِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾. يقولُ: ودُروعًا تَقِيكم بأسَكم، والبأسُ هو الحربُ ، والمعنى: تَقِيكم فى بأسِكم السلاحَ أن يَصِلَ إليكم . كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ وَسَرَبِيلَ تَفِيكُمْ بَأْسَكِكُمْ﴾ مِن هذا الحديدِ(1). . (١) فى ص، ف: (( تستگنون)). (٢) الكن: وقاء كل شىء وستره ، لسان العرب (ك ن ن). (٣) الغيران، جمع الغار وهو مثل البيت المنقور فى الجبل. الوسيط (غ ور). (٤ - ٤) سقط من: م. (٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٢٦/٤ إلى عبد بن حميد والمصنف وابن المنذر وابن أبى حاتم . (٦) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((أبو)). (٧) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٣٥٩/١ عن معمر به . (٨) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٢٦/٤ إلى عبد بن حميد والمصنف وابن المنذر وابن أبى حاتم . ( تفسير الطبرى ٢١/١٤ ) ٣٢٢ سورة النحل : الآية ٨١ ١٥٦/١٤ /حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿ وَسَرَبِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾. قال: هى سرابيلُ مِن حديدٍ(١). وقولُه: ﴿ كَذَلِكَ يُنِدُ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ . يقول تعالى ذكرُه: كما أعْطاكم ربُّكم هذه الأشياء التى وصَفَها فى هذه الآياتِ ؛ نعمةً منه بذلك عليكم، فكذا يُتِمُّ نعمتَه عليكم، ﴿لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾. يقولُ: لتَخْضَعوا للهِ بالطاعةِ ، وتَذِلَّ منكم بتوحيدِه النفوسُ ، وتُخْلِصوا له العبادةَ . وقد رُوِى عن ابنِ عباسٍ أنه كان يَقْرَأُ : (لَعَلَّكُمْ تَسْلَمون ) بفتحِ التاءِ. حدّثنی المثنی ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال : ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ ابی حمادٍ ، قال : ثنا ابنُ المباركِ، عن حَنْظلةَ، عن شهرِ بنِ حَوْشَبٍ، قال: كان ابنُ عباسٍ يقولُ : (لَعَلَّكُمْ تَسْلَمُونَ). قال: يعنى : مِن الجراحِ. حدَّثنا أحمدُ بنُ يوسُفَ ، قال : ثنا القاسمُ بنُ سَلَّامِ، قال: ثنا عبَّادُ بنُ العَوَّام ، عن حَنْظلةَ السَّدُوسِىِّ ، عن شهرِ بنِ حَوْشَبٍ، عن ابنِ عباسٍ، أنه قرَأَها: (لَعَلَّكُمْ تَسلَمون ). قال(٢): مِن الجِراحاتِ(٣). قال أحمدُ بنُ يوسُفَ: قال أبو (٤) عبيدٍ: يعنى بفتحِ التاءِ واللامِ . فتأويلُ الكلامِ على قراءةِ ابنِ عباسٍ هذه : كذلك يُتِمُ نعمتَه عليكم ، بما جعَل لكم مِن السَّرابيلِ التى تَقِيكم بأسَكم ؛ لِتَشْلَموا مِن السلاح فى حروبِكم . (١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٣٥٩/١ عن معمر به . (٢) سقط من: م، ف . (٣) أخرجه أبو عبيد - كما فى تفسير ابن كثير ٤ / ٥١٠، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٢٦/٤ إلى ابن أبى حاتم وابن مردويه . (٤) فى ص، ت ١، ت ٢: ((بن)). وهو خطأ . ٣٢٣ سورة النحل : الآية ٨١ والقراءةُ التى لا أسْتَجِيزُ القراءةَ بخلافِها بضمِّ التاءِ مِن قوله: ﴿ لَعَلَّكُمْ ◌ُتْلِمُونَ﴾. وكسرِ اللامِ مِن أسْلَمْت تُسْلِمُ يا هذا؛ لإجماع الحُجةِ مِن قَرَأَةٍ الأمصارِ عليها . فإِنْ قال لنا قائلٌ: وكيف قيل: ﴿ وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَبِيلَ تَقِيَكُمُ الْحَرَّ﴾ فخصَّ بالذكرِ الحَّ دونَ البردِ ، وهى تَقِى الحرَّ والبردَ؟ أم كيف قيل: ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ مِّنَ الْجِبَالِ أَكْثَنَا﴾، وتَرَك ذكرَ ما جعَل لهم مِن السهلِ؟ قيل له : قد اخْتُلِف فى السببِ الذى مِن أجلِه جاء التنزيلُ كذلك، وسنَذْكُرُ ما قيل فى ذلك، ثم نَدُلُّ على أولَى الأقوالِ فى ذلك بالصوابِ . فُرُوِى عن عطاءِ الْخُراسانىٌّ فى ذلك ما حدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا القاسمُ، قال : ثنا محمدُ بنُ كثيرٍ، عن عثمانَ بنِ عطاءٍ، عن أبيه قال : إنما نزَل القرآنُ على قدرِ معرفتهم، ألا تَرَى إلى قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ [٢١٤/٢و] لَكُم مِّنَ الْجِبَالِ أَكْثَنَا﴾، وما جعَل لهم مِن السهولِ أعظمُ وأكثرُ، ولكنهم كانوا أصحابَ جبالٍ، أَلا تَرَى إلى قولِه: ﴿ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَثًا وَمَتَنِعًا إِلَى حِينٍ﴾ [النحل: ٨١]، وما جعَل لهم مِن غيرِ ذلك أعظمُ منه وأكثرُ، ولكنهم كانوا أصحابَ وَبَرٍ وشَعَرٍ ، ألا تَرَى إلى قولِه: ﴿ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيَهَا مِنْ بَرَبِ﴾ [النور: ٤٣]؛ يُعَجِّبُهم مِن ذلك، وما أُنْزَل مِن الثلج أعظمُ وأكثرُ، ولكنهم كانوا لا يَعرِفون به، ألا تَرَى إلى قوله: ﴿سَرَبِيلَ تَفِيكُمُ الْحَرَّ﴾، وما تَقِى من البردِ أكثرُ وأعظمُ، ولكنهم كانوا أصحابَ حرّ(١). فالسببُ الذى مِن أجلِه خصَّ اللهُ تعالى ذكرُه السرابيلَ بأنها تَقِى الحرّ دونَ (١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٢٦/٤ إلى المصنف وابن المنذر. ٣٢٤ سورة النحل : الآيات ٨١ - ٨٣ البردِ - على هذا القول - هو أن المخاطَبِين بذلك كانوا أصحابَ حرّ، فذكر اللهُ ) تعالى ذكره بذلك(١) نعمتَه عليهم، بما يقِيهم مكروة ما به عرَّفوا مكروهَه، دونَ ما لم يَعْرِفوا مبلغَ مَكْروهِه، وكذلك ذلك فى سائرِ الأحرفِ الآخَرِ. وقال آخرون : ذكّر ذلك خاصةً اكتفاءً بذكرٍ أحدِهما مِن ذكرِ الآخرِ ؛ إذ كان ١٥٧/١٤ معلومًا عندَ المخاطَبينِ / به معناه، وأن السراييلَ التى تَقِى الحرّ تَقِى أيضًا البردَ. وقالوا: ذلك موجودٌ فى كلامِ العربِ مستعملٌ، واسْتَشْهَدوا لقولِهم بقولِ الشاعرِ(): أُرِيدُ الخيرَ أيُّهما يَلِينى وما أدْرِى إِذا يَّمْتُ وَجْهًا فقال: أَيُّهما يَلِينى. يُرِيدُ الخيرَ أو الشرّ، وإنما ذكّر الخير؛ لأنه إذا أراد الخير )، فهو يَتَّقِى الشرّ . وأولى القولين فى ذلك بالصواب قولُ مَن قال : إن القومَ خُوطِبوا على قدرٍ معرفتهم، وإن كان فى ذكرِ بعضِ ذلك(٥) دلالةٌ على ما تُرِك ذكرُه، لمن عرّف المذكورَ والمتروكَ، وذلك أن الله تعالى ذكرُه إنما عدَّد نعمَه التى أَنْعَمها على الذين قُصِدوا بالذ کرِ فى هذه السورةِ دونَ غيرِهم، فذكر أیادیَه عندهم . القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ فَإِن تَوَلَّوْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَغُ الْمُبِينُ يَعْرِفُونَ ٨٢ ١٨٣ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَفِرُونَ يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ عَّهِ: فإن أذْبَر هؤلاء المشركون يا محمدُ عما (١ - ١) فى ص، ت ١، ت ٢: ((فذكرهم)). (٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ف. (٣) وهو المثقب العبدى والبيت فى ديوانه ص ٢١٢. (٤ - ٤) سقط من: ت ١، ت ٢، ف . (٥) سقط من: ت ١، ت ٢، ف. ٣٢٥ سورة النحل : الآيتان ٨٢، ٨٣ أرْسَلْتُك به إليهم مِن الحقِّ ، فلم يَسْتَجِيبوالك ، وأَعْرَضوا عنه ، فما عليك مِن لَومٍ ولا عَذْلٍ ؛ لأنك قد أدَّيْتَ ما عليك فى ذلك ، إنه ليس عليك إلا بلاغُهم ما أَرْسِلْتَ به . ويعنى بقولِه: ﴿الْمُِينُ﴾. الذى يُبَيِّنُ لمن سمِعه حتى يَفْهَمَه . وأما قولُه: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَ﴾، فإن أهلَ التأويلِ اخْتَلَفوا فى المَغَنىّ بالنعمةِ التى أَخْبَر اللهُ تعالى ذكرُه عن هؤلاء المشركين أنهم يُنْكِرونها مع معرفتهم بها ؛ فقال بعضُهم: هو النبىُّ عَلَّهِ، عَرَفوا نبوته، ثم جحَدوها وكذَّبوه . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ ، قال : ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ ، عن السدىِّ: يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَ﴾. قال: محمدٌ عَّه(١). حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ ، عن السدىِّ مثلَه . وقال آخرون: بل معنى ذلك: أنهم يَعْرِفون أن ما عدَّد اللهُ تعالى ذكره فى هذه السورةِ مِن النعمِ مِن عندِ اللهِ، وأن اللهَ هو المُتُعِمُ بذلك عليهم، ولكنهم يُنْكِرون ذلك، فيَرْعُمون أنهم وَرِثوه عن آبائهم . / ذكرُ مَن قال ذلك ١٥٨/١٤ حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو ، قال: ثنا أبو عاصم ، قال: ثنا عيسى ، وحدَّثنا المثنى ، قال : ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقَاءُ، وحدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةً، قال: ثنا شِبلٌ، وحدَّثنى المثنى ، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ ، عن وَرْقاءَ جميعًا ، عن (١) تفسير سفيان ص ١٦٦، وأخرجه أحمد فى علله ٤٠٩/١ (٢٦٦٥)، من طريق سفيان به، ومن طريقه أخرجه الخلال فى السنة (٢١٢) من طريق وكيع عن سفيان به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٢٧/٤ إلى ابن أبى شيبة والمصنف وابن المنذر وابن أبى حاتم . ٣٢٦ سورة النحل : الآية ٨٣ ابنِ أبى نَجيح، عن مجاهدٍ: ﴿ يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا﴾. قال: هى المساكنُ والأنعامُ، وما يُرْزَقون منها، والسرابيلُ مِن الحديدِ والثيابِ ، تَعْرِفُ هذا كفار قريشٍ، ثم تُنْكِرُه، بأن تقولَ: هذا كان لآبائِنا، (١ فروِّحونا إياه١) . حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريجٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه ، إلا أنه قال : فورَّثونا إياها . وزاد فى الحديثِ عن ابنٍ جريج، قال ابنُ جريج: قال عبدُ اللهِ بنُ كثيرٍ: يَعْلَمون أن اللهَ خَلَقَهم، وأعطاهم ما أعطاهم، فهو معرفتُهم نعمتَه، ثم إنكارُهم إيَّاها كفرُهم بعدُ (٢). وقال آخرون فى ذلك ، ما حدَّثنا ابنُ وكيع ، قال : ثنا معاويةُ ، عن عمروٍ ، عن أبى إسحاقَ الفَزَارىِّ، عن ليثِ ، عن عونِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عتبةً: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا﴾ قال: إنكارُهم إياها ، أن يقولَ الرجلُ: لولا فلانٌ ما كان كذا وكذا، ولولا فلانٌ [٢١٤/٢ظ] ما أَصَبْتُ كذا وكذا(٣). وقال آخرون : معنى ذلك أن الكفارَ إِذا قيل لهم: مَن رزَقَكم ؟ أَقَرُّوا بأن الله هو الذى رزَقَهم ، ثم يُتْكِرون ذلك بقولهم : رُزِقْنا ذلك بشفاعةِ آلهتنا. وأولى الأقوالِ فى ذلك بالصوابِ ، وأَشْبهُها بتأويلِ الآيةِ قولُ مَن قال : عُنِى بالنعمةِ التى ذكرها اللهُ فى قولِه: ﴿ يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ . النعمةُ عليهم پإرسالٍ محمدٍ عٍَّ إليهم، داعيًا إلى ما بعَثَه بدعائِهم إليه، وذلك أن هذه الآيةَ بينَ آيتين، (١ - ١) فى ت١: ((فزوجونا إياه)) وفى ف: ((قد وحدنا إياها))، والأثر فى تفسير مجاهد ص ٤٢٤، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٢٦/٤ إلى ابن أبى شيبة وابن المنذر وابن أبى حاتم . (٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٢٧/٤ إلى المصنف. (٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٢٧/٤ إلى سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبى حاتم . : ٣٢٧ سورة النحل : الآيتان ٨٣، ٨٤ كلتاهما خبرٌ عن رسولِ اللهِ عَّالِ ، وعما بُعِث به، فأولى ما بينَهما أن يكونَ فی معنی ما قبلَه وما بعده ، إذ لم يكنْ معنّى يَدُلُّ على انصرافِهِ عما قبلَه وعما بعدَه ، فالذى قبلَ يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ هذه الآيةِ قولُه: ﴿فَإِنِ تَوَلَّوْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَغُ الْمُبِينُ يُكِرُونَهَا﴾، وما بعده ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾ وهو رسولُها. فإذْ كان ذلك كذلك، فمعنى الآيةِ: يَعْرِفُ هؤلاء المشركون باللهِ نعمةَ اللهِ عليهم يا محمدُ بك، ثم يُنْكِرونك، ويَجْحَدون نبؤَّتَك، ﴿ وَأَكْثَرُهُمُ الْكَفِرُونَ﴾ . يقولُ: وأكثرُ قومِك الجاحِدون نبؤَّتَك، لا(١) المُقِرُّون بها. القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لَا يُؤْذَبُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ وَلَا هُمْ يُسْتَعْنَبُونَ ٨٤٦ يقولُ تعالى ذكره : يَعْرِفون نعمةَ اللهِ ثم يُنْكِرونها اليومَ، ويَسْتَنكِرون ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾ ، وهو الشاهدُ عليها بما أجابَت داعىَ اللهِ ، وهو رسولُهم الذى أَرْسِل إليهم، ﴿ثُمَّ لَا يُؤْذَكُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾. يقولُ: ثم لا يُؤْذَنُ للذين كفَروا فى الاعتذارِ، فيَعْتَذِروا مما كانوا باللهِ وبرسولِه يَكفُرون، ﴿وَلَا هُمْ يُسْتَعْنَبُونَ﴾ فيُترَكواُ والرجوعَ إلى الدنيا، فيُنِيبوا ويَتُوبوا، وذلك كما قال تعالى ذكرُه: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنطِقُونَ ﴿ وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَغْنَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٥، ٣٦]. / وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ . ١٥٩/١٤ ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾، وشاهدُها نبيُها، على أنه قد بلَّغ رسالاتٍ ربِّه، قال الله تعالى: (١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف . (٢ - ٢) فى م، ت ١، ت ٢، ف: ((الرجوع)). ٣٢٨ سورة النحل : الآيات ٨٤ - ٨٦ ﴿ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلاءِ﴾ [النحل: ٨٩]. القولُ فى تأويل قوله: ﴿ وَإِذَا رَءَا الَّذِينَ ظَلَمُوْ اَلْعَذَابَ فَلَا يُحَفَّفُ عَنْهُمْ وَلَا هُمْ يُظَرُونَ ٨٥ يقولُ تعالى ذكره : وإذا عايَن الذين كذَّبوك يا محمدُ ، وجحَدوا نُبِوَّتَك ، والأممُ الذين كانوا على مِنهاج مُشْر كى قومِك - عذابَ اللهِ ، فلا يُنْجِيهم مِن عذابٍ اللهِ شىءٌ؛ لأنهم لا يُؤْذَنُ لهم فيَعْتَذِرون، فيُخَقَّفُ (١) عنهم العذابُ، بالعذرِ الذى يَدَّعُونه، ﴿ وَلَ هُمْ يُظَرُونَ﴾. يقولُ: ولا يُؤْجَئون للعقابِ(٢)؛ لأن وقتَ التوبةِ والإنابةِ قد فات ، فليس ذلك وقتًا لهما، وإنما هو وقتٌ للجزاءِ على الأعمالِ ، فلا يُنْظَرُ بالعِتَابِ لِيُغْتَبَ بالتوبةِ . القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَإِذَا رَءَا الَّذِينَ أَشْرَكُواْ شُرَكَآءَهُمْ قَالُواْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَآؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُواْ مِن دُونٌِ فَأَلْقَوْاْ إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَذِبُونَ (٨٦١ يقولُ تعالى ذكرُه : وإذا رأى المشركون باللهِ يومَ القيامةِ ما كانوا يَعْبُدون مِن دونِ اللهِ ؛ من الآلهةِ والأوثانِ وغيرِ ذلك، قالوا: ربَّنا هؤلاء شركاؤُنا فى الكفرِ بك ، والشركاءُ الذين كنا نَدْعُوهم آلهةً مِن دونِك، قال اللهُ تعالى ذكرُه: ﴿فَأَلْقَوْ﴾. يعنى شركاءَهم الذين كانوا يَعْبُدونهم مِن دونِ اللهِ ﴿اَلْقَوْلَ﴾ يقولُ: قالوا لهم: إِنَّكُمْ لَكَذِبُونَ﴾ أيُّها المشركون ، ما كنا نَدْعوكم إلى عبادتنا . وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ . (١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٢٧/٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم. (٢) فى ص، ت ٢: (( فيخف)). (٣) فى ص، ت ١، ت ٢: ((بالعقاب)). ٣٢٩ سورة النحل : الآيتان ٨٦، ٨٧ ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، وحدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال : ثنا شبلٌ جميعًا، عن ابنِ أبى نجيحِ، عن مجاهدٍ: ﴿ فَأَلْقَوْاْ إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ﴾. قال: حدَّثوهم(١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ(١) ، قال: ثنى حجاج، عن ابن جريج ، عن مجاهدٍ مثله . القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿ وَأَلْقَوْاْ إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلُّمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ ٨٧ ١٦٠/١٤ / يقولُ تعالى ذكره: وَأَلْقَى المشركون إلى اللهِ يومَئذٍ ﴿السَّلَمْ﴾. يقولُ: اسْتَشْلَموا يومَئذٍ، وذلُّوا لُحُكْمِه فيهم ، ولم تُغْنِ عنهم آلهتُهم - التى كانوا يَدْعُون فى الدنيا مِن دونِ اللهِ ، وتَبَأْت منهم - ولا(١) قومُهم، ولا عَشائرُهم الذين كانوا فى الدنيا يُدافِعون عنهم. والعربُ تقولُ: ألْقَيْتُ إليه كذا. تعنى بذلك: قلتُ له . وقولُه: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾. يقولُ: وأَخْطَأْهم مِن آلِهِتِهم ما كانوا يَأْمُلُون مِن الشفاعةِ عندَ اللهِ بالنجاةِ . وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ . (١) تفسير مجاهد ص ٤٢٤، من طريق ورقاء به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٢٧/٤ إلى ابن المنذر وابن أبى حاتم . (٢) فى ص، ت ١، ت ٢: ((الحسن)). وينظر تهذيب الكمال ١٢/ ١٦١. (٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢. ٣٣٠ سورة النحل : الآيتان ٨٧، ٨٨ ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَأَلْقَوْاْ إِلَى اللَّهِ يَوْمَيِذٍ السَّلَّمْ﴾. يقولُ: ذَلُّوا واسْتَسْلَموا يومَئذٍ، ﴿ وَضَلَّ عَنْهُم ◌َا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾(١). القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ ٨٨ يقولُ تعالى ذكرُه : الذين جحَدوا يا محمدُ نبؤَّتَك ، وكذّبوك فیما جئتَهم به مِن عندٍ ربِّك، وصَدُّوا عن الإيمانِ باللهِ وبرسوله من (١) أراده - زِدْناهم عذابًا يومَ القيامةِ فى جَهِنَّمَ ، فوقَ العذابِ الذى هم فيه قبلَ أن يُزادُوه . وقيل : تلك الزيادةُ التى وعَدَهم اللهُ أن يَزِيدَهموها عَقاربُ وحَيَّاتٌ. ( وقد قال مثلَ ذلك أهلُ التأويلِ(٣) . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن عبدِ اللهِ بنِ مُرَّةَ، عن مسروقٍ ، عن عبدِ اللهِ: ﴿زِدْنَهُمْ عَذَابًا فَوْقَ اٌلْعَذَابِ﴾. قال: عقاربَ لها أنيابٌ كالنَّخْلِ(٤). حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال : ثنا أبى، عن سفيانَ، عن الأعمشِ، عن عبدِ اللهِ بنِ (١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٢٧/٤ إلى ابن أبى حاتم . (٢) فى م، ت ١، ف: ((ومن)). (٣ - ٣) سقط من: ص، م، ت ٢، ف . (٤) تفسير سفيان ص ١٦٦، بلفظ: ((عقارب كأمثال النخل الطوال)). وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٢٧/٤ إلى الفريابى وسعيد بن منصور، وأبى يعلى، وابن المنذر وابن أبى حاتم . ٣٣١ سورة النحل : الآية ٨٨ مُرَّةَ، عن مسروقٍ ، عن عبدِ اللهِ مثلَه (١). حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو معاويةً وابنُ عيينةَ، عن الأعمشِ، عن عبدِ اللهِ ابنِ مُرَّةَ، عن مسروقٍ ، عن عبدِ اللهِ: ﴿زِدْنَهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾ . قال : زِيدوا عقاربَ لها أنيابٌ كالنخلِ الطّوالِ(٣) . حدَّثنا إبراهيمُ بنُ يعقوبَ الجُوزْ جانىُ ، قال : ثنا جعفرُ بنُ عونٍ ، قال : أخبرنا الأعمشُ، عن عبدِ اللهِ بنِ مرةً، عن مسروقٍ ، عن عبدِ اللهِ مثلَه(٣) . حدَّثنا ابنُ المثنى، قال : ثنا ابنُ أبى عدىٍّ، عن سعيدٍ ، عن سليمانَ، عن عبد اللهِ بنِ مُرَّةَ، عن مسروقٍ ، عن عبدِ اللهِ نحوه . حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال : ثنا عبدُ الرحمنِ، قال : ثنا إسرائيلُ، عن السدىِّ، عن مُرَّةَ، عن عبدِ اللهِ قال: ﴿زِدْنَهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾. قال: أَفَاعِىَ (٤) . حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال : ثنا عبدُ اللهِ ، عن إسرائيلَ، عن السدىِّ، عن مُرَّةَ، عن عبدِ اللهِ قال : أفاعِىَ فى النارِ . / حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن رجلٍ، عن مُرَّةَ، عن عبدِ اللهِ ١٦١/١٤ (٥) مثلَه(٥) . حدَّثنا مجاهدُ بنُّ موسى والفضلُ بنُ الصَّبَّاحِ ، قالا: ثنا جعفرُ بنُ عَونٍ ، قال : (١) أخرجه هناد فى الزهد (٢٦٠) عن و کیع به . (٢) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١/ ٣٦٢، والطبرانى فى الكبير (٩١٠٥)، والحاكم ٣٥٥/٢، ٣٥٦ عن ابن عيينة به . وابن أبى شيبة ١٥٨/١٣، وهناد فى الزهد (٢٦٠) عن أبى معاوية به . (٣) أخرجه أبو يعلى (٢٦٥٩)، وابن أبى الدنيا فى صفة النار (٩٣)، والطبرانى فى الكبير (٩١٠٤)، والحاكم ٤/ ٥٩٣، ٥٩٤، والبيهقى فى البعث (٦١٥) من طرق عن الأعمش به . (٤) أخرجه ابن أبى الدنيا فى صفة النار (٩٤) من طريق السدى به . (٥) أخرجه هناد فى الزهد (٢٦١) عن و کیع به . ٣٣٢ سورة النحل : الآية ٨٨ أخبَرنا الأعمشُ، عن مجاهدٍ ، عن عبيدِ بنِ عُميرٍ ، قال: إن لجهنمَ جِبابًا فيها ) حيَّاتٌ أمثالُ البُخْتِ(٢)، وعقاربُ أمثالُ البِغَالِ الدُّهْمِ(٢)، يَسْتَغِيثُ أهلُ النارِ " إلى تلك الجِبابِ أو" الساحلِ، فَئِبُ إليهم، فتَأْخُذُ بشِفاهِهم(٥) وشِفارِهم إلى أقدامِهم، فيَسْتَغِيثون منها إلى النارِ، فيقولون (١): النارَ النارَ. فتَتْبَعُهم حتى تَجِدَ() حرَّها فتَرْجِعُ. قال : وهى فى أسرابٍ(٨) . حدّثنی یونُسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهب ، قال : أخبرنی ◌ُئُ بنُ عبدِ اللهِ ،عن أبى عبدِ الرحمنِ الحُليّ ) ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو، قال : إن لجهنمَ سواحلَ فيها حياتٌ وعَقارِبُ ، أعناقُها كأعناقِ البُخْتِ (١٠) . وقولُه: ﴿بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ﴾. يقولُ: زِدْناهم ذلك العذابَ على ما بهم مِن العذابِ ، بما كانوا يُفْسِدون ، بما كانوا فى الدنيا يَعْصُون اللهَ ، ويَأْمُرون عبادَه بمعصيته، فذلك كان إفسادَهم، اللهم إنا نَسْأَلُك(١٢) العافيةَ، يا مالكَ الدنيا والآخرةِ الباقيةِ (١) . (١ - ١) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((جنابا فيه)). والجباب جمع الجب، وهو البئر الواسعة. الوسيط (ج ب ب). (٢) البخت: الإبل الخراسانية . القاموس المحيط (ب خ ت). (٣) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((لم)). (٤ - ٤) فى ت ٢، ف: ((إلى ذلك الجناب))، وفى الدر المنثور: ((من تلك الجباب إلى)). (٥) فى ت ٢: ((شفاههم)) . (٦) فى ص: ((فيقول))، وفى ت ١، ت ٢، ف: ((فتقول)). (٧) فى ت ١: (( يجدوا)). (٨) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٢٧/٤ إلى ابن أبى حاتم . (٩) فى ت ١: ((الجيلى))، وفى ف: ((الجبلى)). وينظر تهذيب الكمال ٣٥٧/١٥. (١٠) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٢٧/٤ إلى المصنف. (١١ - ١١) سقط من: ص. (١٢) بعده فى ت ١، ت ٢، ف: ((العفو و)). ٣٣٣ سورة النحل : الآية ٨٩ القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِى كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِم مِّنْ أَنْفُسِهِمٌّ وَجِثْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءٍ وَنَزَّْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ بِبْيَكِنَا لِكُلِّ شَىْءٍ ٨٩ وَهُدِّى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِى كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِم مِّنْ أَنْفُسِهِمٌ ﴾. يقولُ : نَسْأَلُ نبيَّهم الذى بعَثْناه إليهم، للدعاءِ إلى طاعتِنا، وقال: ﴿مِّنْ أَنْفُسِهِمْ﴾؛ لأنه تعالى ذكرُه، كان يَبْعَثُ إلى الأُمم(١) أنبياءَها منها، ماذا أجابوكم، وما ردُّوا عليكم؟ ﴿ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءٍ﴾. يقولُ لنبيِّه محمدٍ عَ له: وجِئْنا بك يا محمدُ شاهدًا على قومِك وأَمتِك الذين أرْسَلْتُك إليهم، بمَ أجابوك؟ وماذا عمِلوا فیما أرْسَلْتُك به إليهم ؟ وقولُه: ﴿ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ تِبْيَئِنَّا لِكُلِّ شَىْءٍ﴾ . يقولُ : نُزِّل عليك يا محمدُ هذا القرآنُ بيانًا لكلِّ ما بالناسِ إليه الحاجةُ، مِن معرفةِ الحلالِ والحرامِ ، والثواب والعقابِ، ﴿وَهُدِّى﴾ مِن الضلالةِ، ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ لمن صدَّق به، وعمِل بما فيه مِن حدودِ اللهِ ، وأمرِهِ ونهِهِ ، فأحلَّ حلالَه ، وحرَّم حرامَه . ﴿ وَبُشْرَىْ لِلْمُسْلِمِينَ﴾. يقولُ: وبِشارةً لمن أطاع اللهَ، وخضَع له بالتوحيدِ ، وأذْعَن له بالطاعةِ ، يُتَشِّرُه بجَزيلٍ ثوابِهِ فى الآخرةِ، وعظيمٍ كرامته . وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال : ثنا عبدُ اللهِ بنُ الزبيرِ ، عن ابنٍ عُيَيْنةَ، قال : ثنا أبانُ بنُ تَغْلِبَ، عن الحكم، عن مجاهدٍ: ﴿بِبْيَنَا لِكُلِّ شَىْءٍ﴾ . قال : مما (١) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((أمم)). ٣٣٤ سورة النحل : الآيتان ٨٩، ٩٠ أخَلَّ وحَِّم . / حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، عن ابنِ عُتَينةَ ، عن أبانِ بنِ تَغْلِبَ، عن مجاهدٍ فى قوله: ﴿ يِبْيَنَا لِكُلِّ شَىْءٍ﴾: مما أَحَلّ لهم، وحرّم (١) ١٦٢/١٤ عليهم(١). حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن مجاهدٍ فى قوله: ﴿ تِبْيَئِنَا لِكُلِّ شَىْءٍ﴾. قال: ما أمر به، وما نهى عنه (١) . حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريج فى قوله : ﴿ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ تِبْيَنَا لِكُلِّ شَىْءٍ﴾. قال: ما أَمِروا به ، ونُهُوا عنه . حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنا محمدُ بنُ فُضَيْلِ ، عن أشعثَ ، عن رجلٍ ، قال : قال ابنُ مسعودٍ : أُنْزِل فى هذا القرآنِ كلُّ علم، وكلُّ شىءٍ قد بُيِّن لنا فى القرآنِ ، ثم تلا هذه الآيةَ(٣). القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَنِ وَإِيْتَآٍ ذِى اُلْقُرْبَ وَيَنْهَى عَنِ اٌلْفَحْشَةِ وَالْمُكَرِ وَالْبَغِيَّ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ يقولُ تعالى ذكره : إن اللهَ يأْمُرُ فى هذا الكتابِ الذى أُنزَله إليك يا محمدُ ◌ْ بِالْعَدْلِ ﴾، وهو الإنصافُ، ومن الإنصافِ الإقرارُ بَمَن أَنْعَم علينا بنعمتِه، والشكرُ له على أفضالِه، ونُولى الحمدَ أهلَه. وإذا كان ذلك هو العدلَ، ( ولم يَكُنْ (١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٦٢. (٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٢٨/٤ إلى ابن المنذر. (٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٢٧/٤ إلى ابن أبى حاتم . (٤ - ٤) فى ت ١، ت ٢: ((لم)). ٣٣٥ سورة النحل : الآية ٩٠ للأوثانِ والأصنام عندَنا يدّ(١) تَسْتَحِقُّ الحمدَ عليها - كان جهلاً بنا حمدُها وعبادتُها، وهى لا تُنْعِمُ فتُشْكَرَ، ولا تَنْفَعُ فَتُعْبَدَ ، فلزِمَنا أن نَشْهَدَ أن لا إله إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له ، ولذلك قال مَن قال: العدلُ فى هذا الموضع شهادةُ أن لا إلهَ إلا اللهُ . ذکرُ مَن قال ذلك حدَّثنى المثنى وعلىُّ بنُّ داودَ ، قالا : ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالح، قال : ثنى معاويةُ ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَنِ﴾. قال: شهادةُ أن لا إلهَ إلا اللهُ(٢). وقولُه: ﴿ وَاَلْإِحْسَنِ﴾. فإن الإحسانَ الذى أمَر به تعالى ذكرُه - مع العدلِ الذى وصَفْنا صفته - الصبرُ للهِ على طاعتِه فيما أمَر ونهَى، فى الشدةِ والرخاءِ، والمَكْرَهِ والمَتَشَطِ ، وذلك هو أداءُ فرائضِه . كما حدَّثنی المثنى وعلىُ بنُ داودَ ، قالا : ثنا عبدُ اللهِ ، قال : ثنی معاویةُ ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَالْإِحْسَنِ﴾. يقولُ: أداءِ الفرائضِ(٣). وقولُه: ﴿ وَ إِيتَآٍ ذِى الْقُرْبَ﴾. يقولُ: وإعطاءٍ ذى القربى الحقَّ الذى أوْجَبه اللهُ عليك ، بسببِ القرابةِ والرحمِ . كما حدَّثنى المثنى وعلىّ، قالا : ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن علىِّ ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ وَ إِيتَآٍ ذِى الْقُرْبَ﴾. يقولُ: الأرحام(١). (١) فى ت ١: ((ما))، وفى ت ٢، ف: ((بل)). (٢) أخرجه البيهقى فى الأسماء والصفات ٢٧٢/١ (٢٠٦) من طريق عبد الله بن صالح به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٢٨/٤ إلى ابن المنذر وابن أبى حاتم . (٣) أخرجه الطبرانى فى الدعاء (١٥٨٣) من طريق عبد الله بن صالح به . ٣٣٦ سورة النحل : الآية ٩٠ وقولُه: ﴿وَيَنْهَى عَنِ اَلْفَحْشَآءِ﴾: الفحشاءُ فى هذا الموضعِ الزنى . ١٦٣/١٤ / ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى المثنى وعلىُّ بنُ داودَ ، قالا: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالح، عن علىٍّ ، عن ابنٍ عباسٍ : ﴿ وَيَنْهَى عَنِ اَلْفَحْشَآءِ﴾. يقولُ: الزنى(١). وقد بيَّنا معنى الفحشاءِ بشواهدِه فيما مضَى قبلُ(١) . وقولُه: ﴿ وَالْبَغْيَّ﴾ قيل: عُنِى بِالبَغْىِ فى هذا الموضعِ الكِبْرُ والظلم . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى المثنى وعلىُّ بنُّ داودَ ، قالا : ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالح، قال : ثنى معاويةُ ، عن علىّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَاَلْبَغِيَّ﴾. يقولُ: الكِبْرِ والظلم ) . وأصلُ البغي التَّعَدِّى، ومجاوزةُ القَدْرِ والحدِّ مِن كلِّ شىءٍ . وقد بيَّنا ذلك فيما و (٤) مضَى قبلُ(٤) . وقولُه: ﴿يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. يقولُ: يُذَكِّرُكم، أَيُّهَا النّاسُ، ربُّكم ؛ لتَذَّكَّروا فتُنِيبوا إلى أمرِهِ ونهِيه، وتَعْرِفوا الحقَّ لأهلِه . كما حدَّثْنى المثنى وعلىُّ بنُ داودَ ، قالا: ثنا عبدُ اللهِ ، قال: ثنى معاويةٌ ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿يَعِظُكُمْ﴾. يقولُ: يُوصِيكم. ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾(٢). وقد ذُكِر عن ابنٍ عُيينةَ أنه كان يقولُ فى تأويلِ ذلك : إن معنى العدلِ فى هذا الموضع استواءُ السَّريرةِ والعَلانيةِ ، من كلِّ عاملِ للهِ عملاً، وإن معنى الإحسانِ أن (١) سقط من: ت ٢، وفى ص، م: ((قال الفحشاء))، وفى ت ١: ((والفحشاء)). (٢) تقدم تخريجه فى الصفحة السابقة حاشية (٣). (٣) ينظر ما تقدم فى ٣/ ٤٠. (٤) ينظر ما تقدم فى ١٦٣/١٠. ٣٣٧ سورة النحل : الآية ٩٠ تكونَ سريرتُه أحسنَ مِن علانيتِه ، وإن الفحشاء والمنكرَ أن تكونَ علانيتُه أحسنَ مِن سريرته . وذُكِر عن عبدِ الله بن مسعودٍ ، أنه كان يقولُ فى هذه الآيةِ ، ما حدَّثنی المثنی ، قال : ثنا الحجاج، قال: ثنا مُعتَمِرُ بنُّ سليمانَ، قال: سمِعْتُ منصورَ بنَ المعتمرِ (١)، عن عامٍ، عن شُتَيْرِ بنِ شَكَلِ ، قال: سمِعْتُ عبدَ اللهِ يقولُ: إن أجمعَ آيةٍ فى القرآنِ فى سورة النحلِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَاَلْإِحْسَنِ وَ إِيتَآٍ ذِى الْقُرْفَ﴾ إِلى (٢) آخرِ الآيةِ(١). حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ ، عن الشعبىّ، عن شُتَيْرِ بنِ شَكَلٍ ، قال : سمِعْتُ عبدَ اللهِ يقولُ: إن أجمعَ آيةٍ فى القرآنِ لخيرٍ أو لشرِّآيةٌ فى سورةٍ النحلِ: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَنِ﴾ الآية. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَاَلْإِحْسَنِ وَإِيتَآٍ ذِى الْقُرْبَ﴾ الآية، إنه (٢) ليس مِن خُلُقٍ حسنٍ كان أهلُ الجاهليةِ يعملون به (+ ويَشْتَحْسِنونه) ، إلا أمَر اللهُ به، وليس مِن خُلُقٍ سىٍِّ كانوا يَتَعايَرونه بينَهم ، إلا نهَى اللهُ عنه، وقدَّم فيه، وإنما نهَى عن سَفاسِفٍ () الأخلاقِ (١) فى النسخ: ((النعمان)). والمثبت من مصادر التخريج. وينظر تهذيب الكمال ٢٨ /٥٤٦، ٥٥٦. (٢) أخرجه الطبرانى فى الكبير (٨٦٥٨) من طريق الحجاج بن المنهال به، والحاكم ٣٥٦/٢، والبيهقى فى الشعب (٢٤٤٠) من طريق معتمر بن سليمان به، كما أخرجه الطبرانى فى الكبير ( ٨٦٥٩، ٨٦٦٠) من طرق عن عامر الشعبى به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٢٨/٤ إلى سعيد بن منصور ومحمد بن نصر فى الصلاة وابن المنذر وابن أبى حاتم . (٣) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((وإنه)). (٤ - ٤) فى مصدر التخريج: (( ويعظمونه ويخشونه)) . (٥) فى ص، ت ١: ((سفاسفة))، وفى ت ٢: (( سفه)). ( تفسير الطبرى ٢٢/١٤ ) ٣٣٨ سورة النحل : الآية ٩١ (١) ومَذامُها (١). القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُواْ الْأَيْمَنَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ٩١ ٠١٦٤/١٤ يقولُ تعالى ذكره: وأوْفُوا بميثاقِ اللهِ إذا واتَقْتُموه، وعقدِه إذا عاقَدْ تُمُوه، فأوْ جَبْتُم به على أنفسِكم [٢١٦/٢و] / حقًّا لمن عاقَدْ تُمُوه به، وواثَقْتُموه(٢) عليه، ﴿ وَلَا نَنقُضُواْ الْأَيْمَنَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾. يقولُ: ولا تُخالِفوا الأمرَ الذى تَعاقَدْتُم فيه الأيمانَ، يعنى بعدَ ما شدَدْتُم الأيمانَ على أنفسِكم، فتَحْتُوا فى أيمانكم، وتَكْذِبوا فيها ، وتَنْقُضوها بعدَ إبرامِها ، يقالُ منه: وَد فلانٌ يمينَه ◌ُوَكِّدُها تو کیدًا . إذا شدَّدها ، وهی لغةُ أهلِ الحجازِ، وأما أهلُ نجدٍ ، فإنهم يقولون: أكَّدْتُها أَوَكِّدُها تأكيدًا . وقولُه: ﴿ وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً﴾. يقولُ: وقد جعَلْتُم اللـهَ بالوفاءِ بما تعاقَدْتُم عليه على أنفسِكم راعيًا ، يَرْعَى المُوَفِّىَ منكم بعهدِ اللهِ الذى عاهد على الوفاءِ به والناقضَ . وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ على اختلافٍ بينَهم فيمَن ◌ُنِى بهذه الآيةِ، وفيما أَنْزِلَت؛ فقال بعضُهم: عُنِى بها الذين بايعوا(١) رسولَ اللهِ عَلِ على الإسلامِ، وفيهم أُنْزِلَت . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى محمدُ بنُ عُمارةَ الأَسَدِىُّ، قال: ثنا عبيدُ(٤) اللهِ بنُ موسى ، قال : (١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٢٨/٤، ١٢٩ إلى ابن أبى حاتم . (٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((أوثقتموه)). (٣) فى ت ٢: ((تابعوا)). (٤) فى النسخ: ((عبد)). وهو خطأ، والمثبت من مصادر ترجمته وقد تقدم مرارا. وينظر تهذيب الكمال ١٦٤/١٩. ٣٣٩ سورة النحل : الآية ٩١ أخبرنا " ابنُ أبي ليلى، عن مَزِيدةَ) قوله: ﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَهَدْتُمْ قال: أَنْزِلَت هذه الآيةُ فى بيعةِ النبيِّ عَلِّ، كان مَن أَسْلَم بايَع على الإسلامِ، فقال(٢): ﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَاَ عَهَدتُّمْ ﴾ هذه البيعةِ التى بايعْتُم على الإسلامِ، ﴿ وَلَا تَنْقُضُواْ الْأَيْمَنَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ البيعةَ، فلا يَحْمِلْكُم قلةُ محمدٍ عَلـ وأصحابِه، وكثرةُ المشركين أن تَنْقُضوا البيعةَ التى بايعْتُم على الإسلامِ، وإن كان فيهم قلةٌ ، والمشركين فيهم كثرةٌ(١). وقال آخرون : نزَلت فى الحِلْفِ الذى كان أهلُ الشركِ تحالَفوا فى الجاهليةِ، فأمَرّهم اللهُ عزَّ وجلَّ فى الإسلامِ أن يُوفُوا به ، ولا يَنْقُضوه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال : ثنا وَرْقاءُ جميعًا ، عن ابنِ أبى نجيح، عن مجاهدٍ فى قولِ اللهِ تعالى: ﴿ وَلَا نَنْقُضُواْ الْأَيْمَنَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾. قال: تغليظِها فى (٤) الحِلْفِ(٤). حدَّثنى المثنى ، قال: ثنا أبو حذيفةً، قال: ثنا شبلٌ، وحدَّثنى المثنى، قال : ثنا إسحاقُ ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن وَرْقاءَ جميعًا، عن ابنِ أبى نجيح، عن مجاهدٍ ، مثله . (١ - ١) فى النسخ: ((أبو ليلى، عن بريدة)). والمثبت من مصادر التخريج. وينظر تهذيب الكمال ٤٢١/٢٧. (٢) فى م: ((فقالوا)). (٣) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٥١٧/٤ نقلا عن المصنف، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٢٩/٤ إلى ابن أبى حاتم. (٤) تفسير مجاهد ص ٤٢٤، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٢٩/٤ إلى ابن المنذر وابن أبى حاتم. ٣٤٠ سورة النحل : الآية ٩١ حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ وَلَا تَنْقُضُواْ الْأَيْمَنَ بَعْدَ تَّوْكِيدِهَا﴾. يقولُ: بعدَ تشديدِها وتغليظِها(١). حدَّثنى يونُسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال : قال ابنُ زيدٍ: هؤلاء قوم كانوا حُلفاءَ لقومٍ(١) تَحَالَفوا، وأعْطَى بعضُهم العهدَ، فجاءهم قومٌ فقالوا: نحن أكثرُ وأعزّ وأمْنعُ، فانْقُضوا عهدَ هؤلاء وارْجِعوا إلينا، ففعلوا، فذلك قولُ اللهِ تعالى: ﴿ وَلَا نَنْقُضُواْ الْأَيْمَنَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ / كَفِيلاً﴾ - ﴿أَنْ تَكُونَ أُمَّةُّ هِىَ أَرْبَ مِنْ أُمَّةٍ﴾ [النحل: ٩٢]. هى أربى: أكثرُ، مِن أجلٍ أن كان هؤلاء أكثرَ مِن أولئك، نقَضْتُم العهدَ فيما بينكم وبينَ هؤلاء، فكان هذا فى هذا . ١٦٥/١٤ حدَّثنى ابنُ البَرْقِيِّ ، قال: ثنا ابنُ أبي مريمَ ، قال : أخبرَنا نافعُ بنُ يزيدَ ، قال : سألْتُ يحيى بنَ سعيدٍ ، عن قولِ اللهِ تعالى ذكرُه : ﴿وَلَا تَنْقُضُواْ الْأَيْمَنَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾. قال: العهودَ . والصوابُ مِن القولٍ فى ذلك أن يقال: إن الله تعالى ذكْرُه أمَر فى هذه الآيةِ عبادَه بالوفاءِ بعهودِه، التى يَجْعَلونها على أنفسِهم ، ونهاهم عن نقضِ الأيمانِ بعدَ توكيدِها على أنفسِهم لآخرين، بعقودٍ تكونُ بينَهم بحقٌّ، مما لا يَكْرَهُه اللهُ . وجائزٌ أن تكونَ نزَلَت فى الذين بايعوا (٢) رسولَ اللهِ عَظِّمِ بنهيهم عن نقضٍ يَيْعتِهم ؛ حذرًا مِن قلةٍ عددِ المسلمين، وكثرة عددِ المشركين، وأن تكونَ نزَلَت فى الذين أرادوا الانتقالَ بحِلْفِهم عن حلفائهم؛ لقلةِ عددِهم، فى آخرين لكثرةٍ عددهم . (١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٢٩/٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر. (٢) بعده فى ص: ((قد)). (٣) فى ت ٢: ((تابعوا)).