النص المفهرس

صفحات 241-260

٢٤١
سورة النحل : الآية ٤٨
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال : ثنا إسحاقُ الرازىُّ، عن أبى سِناٍ ، عن ثابتٍ ، عن
الضحاكِ: ﴿ يَنَفَيَّوْاْ ظِلَلُهُ﴾. قال: سجَد ظلُّ المؤمنِ طَوْعًا، وظلَّ الكافرِ كَرْهًا .
وقال آخرون: بل عنَى بقولِه: ﴿ يَنَفَيَّوْاْ ظِلَلُهُ﴾: كلَّ عن اليمينِ والشَّمائلِ
فى حالٍ سجودِها . قالوا : وسجودُ الأشياءِ غيرُ ظلالِها .
ذكرُ مَن قال ذلك
[٢٠٣/٢و] حدَّثنا ابنُ حميدٍ، وحدَّثنی نصرُ بنُ عبدِ الرحمنِ الأُؤْدىُّ، قالا : ثنا
حَكَّامٌ، عن أبى سِنانٍ، عن ثابتٍ، عن الضحاكِ، فى قولِ اللّهِ: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا
خَلَقَ اللَّهُ مِن شَىْءٍ يَنَفَيَّوْاْ ظِلَلُهُ﴾. قال: إذا فاء الفىءُ تَوَجَّه كلُّ شيءٍ ساجدًا قِبَلَ
القبلةِ؛ مِن نَبْتٍ أو شجرٍ. قال: فكانوا يَسْتَحِبُّون الصلاةَ عندَ ذلك(١) ..
حدَّثنى المثنى، قال: أخبرَنا الحِمَّانيُ، قال: ثنا يحيى بنُ يَمانٍ، قال: ثنا
شَريكٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ فى قولِ اللّهِ: ﴿يَنَفَيَّوْاْ ظِلَلُهُ﴾. قال: إذا
زالت الشمسُ سجَد كلُّ شيءٍ للَّهِ(٢).
وقال آخرون: بل الذى وصَف اللّهُ بالسجودِ فى هذه الآيةِ، ظلالُ الأُشیاءِ،
فإنما يَسْجُدُ ظلالُها دونَ التى لها الظُّلالُ.
ذکرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال : ثنی حجاج، عن ابن جريجٍ، عن
مجاهدٍ، قوله: ﴿أَوَلَمْ / يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شَىْءٍ يَنَفَيَّوْاْ ظِلَلُهُ﴾. قال: هو ١١٦/١٤
(١) ذكره أبو حيان فى البحر المحيط ٥/ ٤٩٨، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١١٩/٤ إلى المصنف وابن أبى حاتم.
(٢) ذكره البغوى فى تفسيره ٥/ ٢٢، وأبو حيان فى البحر المحيط ٥/ ٤٩٨، وابن كثير فى تفسيره ٤/ ٤٩٤،
وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٢٠/٤ إلى المصنف.
( تفسير الطبرى ١٦/١٤ )

٠٢٤٢
سورة النحل : الآية ٤٨
سجودُ الظُّلالِ ؛ ظلالٍ (١) كلِّ شىءٍ؛ ما فى السماواتِ وما فى الأرضِ مِن دَايَّةٍ؛
سجودُ ظِلالِ الدَّوابٌ ، وظلالِ كلِّ شيءٍ(١).
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى ، قال: ثنى عمى، قال : ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ، قَولَه: ﴿أَوَّلَمْ يَرَوْاْ إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شَىْءٍ يَنَفَيَّوْاْ ظِلَلُمْ﴾ .
ما خلَق مِن(٤) شىءٍ، عن يمينه وشَمائِلِه(٥) - فلفظُ ﴿مَا﴾: لفظً عن اليمينِ
والشَّمائلِ - قال: ألم تَرَ أنك إذا صلَّيْتَ الفجرَ، كان ما بينَ مَطْلِعِ الشمسِ إلى
مَغْرِبِها ظلًّا، ثم بعث اللهُ عليه الشمسَ دليلًا(٦)، وقَبَض اللهُ الظلِّ(1).
وأولى الأقوالِ فى ذلك بالصوابِ أن يقالَ: إن اللَّهَ أخْبَر فى هذه الآيةِ ، أن
ظلالَ الأشياءِ هى التى تَسْجُدُ . وسجودُها مَيَلاثُها ودَوَرانُها مِن جانبٍ إلى جانبٍ،
وناحيةٍ إلى ناحيةٍ، كما قال ابنُ عباسٍ. يقالُ مِن ذلك: سجَدَت النخلةُ . إذا
مالت. وسجَد البعيرُ. وأسْجَدَ إِذا مَيَّل للركوب . وقد بيّنا معنى السجودِ فی غیرِ
هذا الموضعِ بما أغْنَى عن إعادتِه .
وقولُه: ﴿ وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾. يعنى: وهم صاغرون. يقالُ منه: دخَر فلانٌ للهِ
(١) فى ت ١، ت ٢: ((إلى ظل)).
(٢) بعده فى م: (قال)).
(٣) ذكره السيوطى فى الدر المنثور ١٢٠/٤ بلفظ: ((فىء كل شىءٍ ظلّه، وسجود كل شىء فيه سجود الخيال
فيها))، وعزاه إلى المصنف وابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٤) بعده فى م: (( كل)).
(٥) فى ت ٢: ((شماله)).
(٦) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((قليلا)).
(٧) ذكره أبو حيان فى البحر المحيط ٤٩٧/٥ عن ابن عباس من قوله : إذا صليت ....
(٨) فى م: ((أميل). وأسْجَدَ البعيرُ: إذا طأطأ رأسه وانحنى ليُركب. كتاب الأفعال للسرقسطى ٣/ ٥٠٤،
وتاج العروس (س ج د).

٢٤٣
سورة النحل : الآية ٤٨
يَدْخَرُ دَخَرًا ودُخُورًا. إذا ذلَّ له وخضَع. ومنه قولُ ذى الرُّمَّةِ(١) :
ومُنْجَحِرٌ فى غيرِ أرضِك فى جُخْرٍ(٣)
فلم يَبْقَ إلا داخِرٌ فى مُخَيَّسٍ (١)
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبى تَجيحٍ، عن
مجاهدٍ: ﴿ وَهُمَّ دَاخِرُونَ ﴾ صاغرون (٤) .
حدَّثنا القاسمُ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريجٍ، عن
مجاهدٍ مثلَه .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ وَهُمَّ دَاخِرُونَ﴾ .
. (٥)
أى : صاغِرون(٥).
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى ، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ ، عن معمرٍ ، عن قتادةً مثلَه .
وأما توحيدُ اليمينِ(١) فى قوله: ﴿عَنِ أَلْيَمِينِ وَالشَّمَآئِلِ﴾. فجَمَعَها؛ فإن
ذلك إنما جاء كذلك لأن معنى الكلام: أو لم يَرَوْا إلى ما خلَق اللّهُ مِن شىءٍ، يَتَفَيَّأَ
(١) ديوان ذى الرمة شرح أبى نصر الباهلى ٢/ ٩٧٩، والبيت فى اللسان أيضا (خ ى س).
(٢) المخيَّس: الحَس. وخيّس الرجُلَ والدابةَ تَخْبِيسًا وخاسَهما: ذَلَّلهما. والمخيَّس: السجن. المصدران
السابقان .
(٣) فى ت ٢، ف: ((حجر)). وهو لفظ بعض نسخ ديوان ذى الرمة كما ذكر ذلك محقق الديوان .
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٢٠/٤ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبى حاتم.
(٥) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٣٥٦/١ عن معمر عن قتادة، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٢٠/٤ إلى
المصنف وابن المنذر .
(٦) ينظر معانى القرآن ٢/ ١٠٢.

٢٤٤
سورة النحل : الآية ٤٨
ظِلالُ ما خلَق مِن شىءٍ عن يمينه - أى: ما خلَق(١) - وشمائِله. فلفظُ ﴿مَا﴾ لفظٌ
واحدٌ ، ومعناه معنى الجمع، فقال: ﴿عَنِ الْيَمِينِ﴾ . بمعنى: عن يمين ما خلَق . ثم
رجَمع إلى معناه فى الشَّمائلِ .
وكان بعضُ أهلِ العربيةِ يقولُ(٢): إنما تَفْعَلُ العربُ ذلك؛ لأن أكثرَ الكلام
مُواجَهةُ الواحدِ الواحدَ ، فيُقالُ للرجلِ : خُذْ عن يمينكِ . قال : فكأنه إذا وحَد ذهَب
١١٧/١٤ إلى واحدٍ مِن القومِ، وإذا جمَع / فهو الذى لا مَسْأَلَةً(١) فيه. واسْتُشْهِد لفعلُ"
(٤)
العربِ ذلك ، بقولِ الشاعرِ (٥) :
بِفِی الشامِینَ الصَّخْرُ إِن کان ھَدَّنی(٦)
رَزِيَّةُ شِئْلَىْ مُخْدِرٍ فى الضَّراغِم
فقال : بفِى الشامِتِينِ. ولم يَقُلْ: بأفْواهِ .
وقولِ الآخرِ(٨):
("الواردون (١٠ وتَمْ"١) فى ذراً) سبأُ قد عَضَّ أَعْناقَهم جِلْدُ الجَوَامِيسِ
ولم يَقُلْ : جلودُ .
(١) يعنى: عن يمين (( ما خلق)). فهى توضيح لقوله: ((عن يمينه)).
(٢) معانى القرآن ١٠٢/٢.
(٣) فى م: ((مساءلة)). والمثبت موافق لما فى معانى القرآن .
(٤) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((بفعل)).
(٥) هو الفرزدق . والبيت فی شرح دیوان الفرزدق ص ٧٦٤.
(٦) فى الديوان: (( مسنی ) .
(٧) شِئْلَىْ: مثنى شِئْل؛ ولد الأسد إذا أدرك الصيد. وخِذْر الأسد: أجَمَتُه. وأسدٌ خادر ومُخدِر: مقيم فى
عرينه داخل فى الخدر . والضراغم : الأسود ؛ جمع. والواحد : ضرغم وضرغامة وضرغام . ينظر لسان العرب
(ش ب ل)، (خ در)، (ضرغم).
(٨) هو جریر. والبيت فى شرح ديوانه ص ٣٢٥.
(٩ - ٩) فى شرح الديوان: ((تدعوك تيم وتيم فى قرى)).
(١٠ - ١٠) فى ت ١، ت ٢، ف: ((وهم)).

٢٤٥
سورة النحل : الآية ٤٩
القولُ فى تأويل قوله: ﴿ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ مِنْ دَآبَةٍ
٤٩
وَالْمَلَبِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ
يقولُ تعالى ذكره: واللّهِ يَخْضَعُ ويَخْشَعُ ويَسْتَسْلِمُ لأُمرِه ما فى السماواتِ
وما فى الأرضِ مِن دائَّةٍ تَدِبُّ عليها، والملائكةُ التى(٢) فى السماواتِ، وهم لا
يَشْتَكْبِرون عن التذلّلِ له بالطاعةِ ، والذين لا يُؤْمِنون بالآخرةِ ، قلوبُهم مُنْكِرةٌ ، وهم
مُسْتَكْبِرون، وظِلالُهم تَتَفَيَّأَ عن اليمين والشَّمائلِ سُجَّدًا للهِ، وهم داخرون .
وكان بعضُ نحوبى أهلِ البصرةِ يقولُ : اجْتُزِئ بذكرِ الواحدِ مِن الدوابِّ عن
ذكرِ الجميعِ، وإنما معنى الكلام: وللّهِ يَسْجُدُ ما فى السماواتِ وما فى الأرضِ مِن
الدوابِّ والملائكةِ، كما يقالُ: ما أتانى مِن رجلٍ، بمعنى: ما أتانى مِن الرجالِ .
وكان بعضُ نحوبى الكوفةِ يقولُ(٢): إنما قيل: ﴿مِن دَآبَةٍ﴾. لأن (( ما)» وإن
كانت قد (٤) تَكونُ على مذهبٍ ((الذى)) فإنها غيرُ مُؤَقََّةٍ، فإذا أُبْهِمَت غيرَ مؤقتةٍ
أُشْبَهَت الجزاءَ، والجزاءُ يَدْخُلُ ((مِن)) فيما جاء مِن اسمٍ بعدَه مِن النكرةِ ، فيقالُ: مَن
ضرَبه مِن رجلٍ فاضْرِبوه. ولا تَشْقُطُ ((مِن)) مِن هذا الموضع؛ كراهيةً أن تُشْبِهَ أن
تكونَ حالًا لـ ((مَن)) و((ما))، فجعَلوه بـ ((مِن)) لِيَدُلّ على أنه تفسيرٌ لـ ((ما))
و ((مَن))؛ لأنهما غيرُ مُؤَقَّتَتَينْ(٥)، فكان دخولُ ((مِن)) فيما بعدَهما تفسيرًا لمعناها ،
وكان دخولُ ((مِن)) أدَلَّ على ما لم يُوَقَّتْ مِن ((مَن)) و(( ما))، فلذلك لم تُلْقَيَا(١).
(١ - ١) سقط من: م.
(٢) فى ت ١: ((الذین)).
(٣) معانى القرآن ١٠٣/٢.
(٤) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف .
(٥) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((مؤقتين)).
(٦) فى ص، ت ٢: ((بليعنا)) وفى ت ١، ف: ((يلتقيا))، وفى م: ((يلغيا)). وينظر معانى القرآن ١٠٣/٢.

٢٤٦
سورة النحل : الآيات ٥٠ - ٥٢
٥٠
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ يَخَافُونَ رَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾
يقولُ تعالى ذكره : يَخافُ هؤلاء الملائكةُ التى فى السماواتِ ، وما فى الأرضِ
١١٨/١٤ مِن دابَّةٍ، ربَّهم مِن /فوقِهم، أن يُعَذِّبَهم إن عَصَوْا أمرَه، ﴿ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾.
يقولُ: ويَفْعَلون ما أمَرَهم اللّهُ به ، فيُؤَدُّون حقوقَه، ويَجْتَنِبون سَخَطَه .
القولُ فى تأويل قوله: ﴿وَقَالَ اللَّهُ لَا نَتَّخِذُوْاْ إِلَهَيْنِ أَثْنَيْنِّ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَحِدٌ
فَإِيَّنَىَ فَرْهَبُونِ
٥١
يقولُ تعالى ذكره : وقال اللَّهُ لعبادِه: لا تَتَّخِذوا لى شريكًا ، أيُّها الناسُ، ولا
تَعْبُدوا معبودَيْن؛ فإنكم إذا عبَدْتُم معىَّ غيرى، جعَلْتُم لى شريكًا ولا شريكَ لى، إنما
هو إله واحد، ومعبودٌ واحدٌ، وأنا ذلك، ﴿فَإِنَّنَىَ فَأَرْهَبُونٍ﴾. يقولُ : فإياىَ فاتَّقوا ،
وخافوا عقابى بمعصيتكم إياىَ إن عصَيْتُمونى وعبَدْتُم غيرى، أو أشْرَكْتُم فى
عبادێکم لی شريكًا .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَلَهُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الذِيْنُ وَاصِبَأْ أَفَغَيَّرَ
اللَّهِ نَتَّقُونَ
٥٢
يقولُ تعالى ذكره: وللَّهِ ملكُ ما فى السماواتِ والأرضِ مِن شىءٍ ، لا شريكَ
له فى شىءٍ مِن ذلك، هو الذى خلَقَهم، وهو الذى يَرْزُقُهم، وبيدِه حياتُهم
وموتُهم .
وقولُه: ﴿ وَلَهُ الدِّينُ وَصِبَّاً﴾. يقولُ جلَّ ثناؤه: وله الطاعةُ والإخلاصُ دائمًا
ثابتًا واجبًا . يقالُ منه: وصَب الدِّينُ يَصِبُ وُصُوبًا ووَصَبًا، كما قال الدِّيلىّ(١).
(١) نفائس المخطوطات ص ٤٥. الجزء المجموع من أشعار أبى الأسود .

٢٤٧
سورة النحل : الآية ٥٢
يومًا بذَمِّ الدهرِ أَجْمَعَ واصِبًا
لا أبْتَغِى (١) الحمدَ القليلَ بقاؤه
ومنه قولُ اللّهِ: ﴿ وَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ﴾ [الصافات: ٩].
وقولُ حسَّانَ(٢):
وهَزِيمٌ رَعْدُهُ واصِبُ
غيَّرَتْه الريح تَشْفِی به
فأما مِن الألم ، فإنما يقالُ : وصِب الرجلُ يَوْصَبُ وَصَبًا، وذلك إِذا أَعْيَا ومَلَّ،
ومنه قولُ الشاعرِ(6) :
/ لا يَغْمِزُ الساقَ مِن أَيْنٍ ولا وَصَبٍ ولا يَعَضُّ على شُرْسُوفِه الصَّفَرُ ١١٩/١٤
وقد اخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى تأويلِ الواصبِ : فقال بعضُهم: معناه ما قلنا .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ ، عن قيسٍ، عن الأَغَرِّ بنِ الصَّبَّاحِ، عن
خليفةَ بنِ حُصَيْ، عن أبى نَضْرةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ وَلَهُ اُلِيْنُ وَاصِبًا﴾. قال :
(٤)
دائمًا(*).
حذَّثنى إسماعيلُ بنُ موسى، قال: أخبرنا شَريكٌ، عن أبى حَصِينٍ، عن
عكرمةَ فى قوله: ﴿ وَلَهُ الْدِيْنُ وَاصِبًّاً﴾. قال: دائمًا(٥).
حذَّثنا ابنُ وكيع، قال : ثنا يحيى بنُ آدمَ ، عن قيسٍٍ، عن يَعْلَى بنِ التُّعمانِ ، عن
(١) فى الديوان: ((أشترى)).
(٢) دیوانه ص ٢٨١.
(٣) البيت لأعشى باهلة، وهو فى الكامل ٤/ ٦٥، وفى جمهرة أشعار العرب ٢/ ٧١٨، ٧١٩ تبادل شطر
البيت فى بيتين وينظر اللسان (ص ف ر، أرى). ديوان المفضليات ص ٥٢٠.
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٢٠/٤ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٥) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٤ /٤٩٥.

٢٤٨
سورة النحل : الآية ٥٢
عكرمةً ، قال : دائمًا .
حدَّثنى محمدُ بنُ عمروٍ، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقَاءُ، وحدَّثنى المثنى، قال: أخبرَنا إسحاقُ ،
قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن وَرْقاءَ، وحدَّثنى المثنى، قال: أخبرنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا
شبلٌ جميعًا، عن ابنٍ أبى نَجيح، عن مجاهدٍ: ﴿ وَلَّهُ الدِّينُ وَاصِبًّا﴾. قال:
(١)
دائمًا (١) .
حدَّثنا القاسمُ قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جُريجٍ، عن
مجاهدٍ: ﴿ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبَّاً﴾. قال: دائمًا .
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا عبدةُ وأبو معاويةً، عن جوييرٍ ، عن الضحاكِ :
﴿ وَلَهُ اَلِيْنُ وَاصِبًا﴾ . قال: دائمًا .
حدَّثنى المثنى، قال : أخبرنا عمرُو بنُ عونٍ ، قال: أخبرَنا هُشَيْمٌ ، عن جوییرٍ ،
عن الضحاكِ مثلَه .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ وَلَهُ اَلِيْنُ وَاصِبَّأْ﴾ .
أى: دائمًا، فإن(١) اللَّهَ تبارك وتعالى لم يَدْعُ شيئًا مِن خلقِه إلا عبَدَهُ(١) ، طائعًا أو
كارهًا .
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال : ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ ، عن معمرٍ ، عن قتادةً :
﴿ وَاصِبًا﴾. قال: دائمًا، ألا تَرَى أنه يقولُ: ﴿عَذَابٌ وَاصِبٌ﴾ [ الصافات: ٩].
(١) تفسير مجاهد ص ٤٢٢، ومن طريقه ورقاء به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٢٠/٤ إلى ابن أبى شيبة
وابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((قال)).
(٣) فى ص، ت ٢: ((عده) .

٢٤٩
سورة النحل : الآية ٥٢
(١)
أى: دائمٌ(١) .
حدَّثنى يونُسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَلَهُ
الدِّينُ وَصِيبًا﴾. قال: دائمًا، والواصبُ الدائمُ(١).
١٢٠/١٤
/وقال آخرون : الواصبُ فى هذا الموضعِ الواجبُ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كريبٍ ، قال : ثنا ابنُ عطيةً، عن قيسٍ ، عن يَعْلَى بنِ النعمانِ ، عن
عكرمةً، عن ابنِ عباسٍ فى قوله: ﴿ وَلَهُ اٌلْذِينُ وَاصِبًا﴾. قال: واجبًا(٢).
وكان مجاهدٌ يقولُ : معنى الدِّينِ فى هذا الموضع الإخلاصُ . وقد ذكرنا معنى
الدينِ فى غيرِ هذا الموضعِ، بما أَعْنَى عن إعادتِه(٤).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، وحدَّثنى المثنى، قال: أخبرنا أبو
حذيفةً، قال : ثنا شبلٌ ، وحدَّثنى المثنى، قال: أخبرنا إسحاقُ ، قال: ثنا عبدُ اللهِ ،
عن وَرْقاءً جميعًا، عن ابنِ أبى نجيح، عن مجاهدٍ: ﴿ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾. قال:
الإخلاصُ(١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريج، عن
(١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٣٥٧/١ عن معمر به.
(٢) ينظر التبيان ٦/ ٣٩٠.
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٢٠/٤ إلى المصنف والفريابى.
(٤) ينظر ما تقدم فى ٣٠٠/٣، ٣٠١، ٢٨٠/٥، ٢٨١.
(٥) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.
(٦) تفسير مجاهد، من طريق ورقاء به ، ص ٤٢٢.

٢٥٠
سورة النحل: الآيتان ٥٢ ، ٥٣
مجاهدٍ ، قال : الدينُ الإخلاصُ .
وقولُه: ﴿أَفَغَيْرَ اَللَّهِ نَّقُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: أفغيرَ اللَّهِ أَيُّها الناسُ
نَثَّقُونَ﴾. أى: تَوْهَبون وتَحْذَرون أن يَسْلُبَكم نعمةَ اللهِ علیکم، یاخلاصكم
العبادةَ لربِّكم ، وإفرادِ كم الطاعةَ له، وما لكم نافعٌ سواه .
القولُ فى تأويلٍ قوله: ﴿وَمَا بِكُمْ مِن نِعْمَلٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَكُمُ اْلِضُّرُّ فَإِلَيْهِ
تَجْتَرُونَ
٥٣
اخْتَلَف أهلُ العربيةِ فى وجهِ دخولِ الفاءِ فى قوله: ﴿فَمِنَ اللَّهِ﴾ ؛ فقال بعضُ
البَصْرِبين: دخَلَتِ الفاءُ، لأن ((ما)) بمنزلةِ ((مَن)) فجعَل الخبرَ بالفاءِ.
وقال بعضُ الكُوفيين(١): ((ما)) فى معنى جزاءٍ، ولها فعلٌ مُضْمَرٌ، كأنك
قلتَ: ما يَكُنْ بكم مِن نعمةٍ فمِن اللّهِ؛ لأن الجزاءَ لا بدَّ له مِن فعلٍ مجزومٍ ، إن ظهَر
فهو جزمٌ ، وإن لم يَظْهَرْ فهو مُضْمَرٌ، كما قال الشاعرُ:
إِنِ العَقْلُ فى أموالِنا لا نَضِقْ به ذِراعًا وإن صبرًا فتَغْرِفُ للصبرِ
وقال: أراد إن يَكُنِ العقلُ، فأُضْمَّره، قال: وإن جعَلْتَ ((ما بكم)) فى معنى
١٢١/١٤ ((الذى)) جاز، وجعَلْتَ صِلَّتَه ((بكم)) / و ((ما)) فى موضعِ رفعٍ بقولِه: ﴿فَمِنَ
اللَّهِ﴾. وأَدْخَل الفاءَ، كما قال: ﴿إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِى تَفِرُونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ
مُلَقِيكُمٌ﴾ [الجمعة: ٨]. وكلُّ اسمٍ وُصِل مثلَ ((مَن)) و((ما)) و ((الذى))، فقد
يَجوزُ دخولُ الفاءِ فى خبرِه؛ لأنه مضارعٌ للجزاءِ، والجزاءُ قد يُجابُ بالفاءِ، ولا
يَجوزُ: أخوك فهو قائمٌ؛ لأنه اسمٌ غيرُ موصولٍ، وكذلك تقولُ: ما لَك لى. فإن
قلتَ : مالَك. جاز أن تقولَ : مالك فهو لى. وإن أَلْقَيْتَ الفاءَ فصوابٌ .
(١) الفراء فى معانى القرآن ص ١٠٤، ١٠٥ والبيت فيه .

٢٥١
سورة النحل : الآية ٥٣
وتأويلُ الكلام: ما يكَنْ بكم فى أبدانِكم ، أيُّها الناسُ ، بِن عافيةٍ وصحةٍ
وسلامةٍ، وفى أموالِكم مِن نَماءٍ فمِن اللهِ، هو المُعِمُ بذلك عليكم لا غيرُه؛ لأن
ذلك إليه وبيدِه، ﴿ثُمَّ إِذَا مَسَكُمُ اُلْضُرُّ ﴾. يقولُ: إذا أصابكم فى أبدانِكُمْ سَقَّمٌ
ومرضّ، وعلةٌ عارضةٌ، وشدَّةٌ مِن عيشٍ، ﴿فَإِلَيْهِ تَّجْتَرُونَ﴾. يقولُ: فإلى اللَّهِ
تَصْرُخون بالدعاءِ ، وتَسْتَغِيثون به ؛ لِيَكْشِفَ ذلك عنكم. وأصلُه: مِن جُؤَارِ الثورِ ،
يقال منه: جأَر الثورُ يَجْأَرُ جُؤَارًا. وذلك إذا رفَع صوتًا شديدًا، مِن مجوعٍ أو غيرِهِ،
ومنه قولُ الأَعْشَى(٣) :
وما أَيْبُلِىٌّ(٢) على هَيْكلٍ
بناه وصَلَّب فيه وصارا
(٤)
ـكِ طَوْرًا سُجُودًا وطَوْرًا مُؤَارًا .
يُراوِحُ مِن صَلواتِ الْمَلِيِـ
يعنى بالجُؤَارِ: الصياح؛ إما بالدعاءِ، وإما بالقراءةِ .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقَاءُ، وحدَّثنى المثنى، قال : أخبرنا أبو
حذيفةً ، قال: ثنا شبلٌ، وحدَّثنى المثنى، قال: أخبرنا إسحاقُ ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ،
عن وَرْقاءَ جميعًا، عن ابنِ أبى نَجيح، عن مجاهدٍ، فى قوله: ﴿فَإِلَيْهِ تَجَْرُونَ﴾ .
(١ - ١) فى م: ((فالله))، وفى ت ١، ف: ((هو الله))، وفى ت ٢: ((فهو الله)).
(٢) دیوانه ص ٥٣.
(٣) الأبيلى: صاحب الناقوس الذى ينقس النصارى بناقوسه يدعوهم به إلى الصلاة . اللسان (أب ل).
(٤) هيكل : بيت للنصارى فيه صنم على خلقة مريم فيما يزعمون . اللسان (هـ ك ل).
(٥ - ٥) سقط من: ت ١، ت ٢، ف.

٢٥٢
سورة النحل : الآيات ٥٣ - ٥٥
قال: تَضْرَعون دُعاءً(١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريجٍ، عن
مجاهدٍ مثله .
حدَّثنى المثنى ، قال : أخبرنا أبو صالح، قال : ثنى معاویةُ ، عن علىٍّ ، عن ابنِ
عباسٍ، رضِى اللَّهُ عنهما، قال: الضُّرُّ السَّقَمُ .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِقٌ
لِيَكْفُرُواْ بِمَآ ءَانَيْنَهُمْ فَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ
مِنكُ [٢٠٤/٢ظ] بِرَبِهِمْ يُشْرِكُنَ
٥٥
تَعْلَمُونَ
١٢٢/١٤
/ يقولُ تعالى ذكره: ثم إذا وهَب لكم ربُكم العافيةَ، ورفَع عنكم ما أصابكم
مِن المرضِ فى أبدانِكم ، ومِن الشدةِ فى معاشِكم، وفرَّج البلاءَ عنكم، ﴿ إِذَا فَرِيِقٌ
مِنْكُ بِرَبِهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ . يقولُ: إذا جماعةً منكم يَجْعَلون للَّهِ شريكًا فى عبادتهم،
فِيَعْبُدون الأوثانَ ، ويَذْبَحون(٢) لها الذبائحَ؛ شكرًا لغيرِ مَن أنعم عليهم بالفرجِ مما
كانوا فيه مِن الضُّرِّ ﴿ لِيَكْفُرُواْ بِمَآ ءَانَيْنَهُمْ﴾. يقولُ: لِيَجْحَدوا اللَّهَ نعمتَه، فيما
آتاهم مِن كشفِ الضرِّ عنهم، ﴿ فَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾، وهذا مِن اللَّهِ وعيدٌ
لهؤلاء الذين وصَف صفتَهم فى هذه الآياتِ ، وتهديدٌ لهم، يقولُ لهم جلَّ ثناؤُه:
تمتَّعوا فى هذه الحياةِ الدنيا إلى أن تُوافِيَكم آجالُكم، وتَبْلُغوا الميقاتَ الذى وقَّته
لحياتِكم (١) وتمتُّعِكم فيها، فإنكم مِن ذلك ستَصِيرون إلى ربِّكم، فتَعْلَمون بلقائِه
(١) تفسير مجاهد ص ٤٢٢. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٢٠/٤ إلى ابن أبى شيبة وابن المنذر
وابن أبى حاتم .
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢: ((فيذبحون)).
(٣) فى ت ١، ت ٢، ف: ((لكم)).

٢٥٣
سورة النحل : الآيتان ٥٥ ، ٥٦
وَبالَ مَا كَسَبَت أيديكم، وتَعْرِفون سوءَ (١ مَغَبَةِ أمرٍكم١)، وتَنْدَمون (٢ حينَ لا يَنْفَعُكم
٢)
النَّدم٢ُ) .
القولُ فى تأويل قوله: ﴿ وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِّمَّا رَزَقْتَهُمْ تَاللَّهِ لَتُكَلُنَّ
عَمَا كُتُمْ تَفْتَرُونَ
٥٦
يقولُ تعالى ذكرُه : ويَجْعَلُ هؤلاء المشركون مِن عَبَدةِ الأوثانِ ، لما لا يَعْلَمون
منه ضَرًّا ولا نفعًا، ﴿نَصِيبًا﴾. يقولُ: حظًّا وجزءً(٢) ﴿مِّمَا رَزَقْتَهُمْ﴾ مِن
الأموالِ ؛ إشراكًا(٤) منهم له بالذى يَعْلَمون أنه خلَقَهم ، وهو الذى يَنْفَعُهم ويَضُرُّهم
دونَ غيرِهِ، كالذى حدَّثنا القاسمُ، قال : ثنا الحسينُ، قال : ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ
جريج، عن مجاهدٍ قوله: ﴿ وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِّمَّا رَزَقْنَهُمْ﴾. قال:
يَعْلَمون أن اللَّهَ خَلَقَهم، ويَضُرُّهم ويَنْفَعُهم، ثم يَجْعَلون لما لا يَعْلَمون أنه يَضُرُّهم ولا
يَنْفَعُهم ، نصيبًا مما رزَقْناهم(٥) .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا
يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِّمَا رَزَقْتَهُمْ﴾. وهم مُشْرِكو العربِ. جعَلوا لأوثانِهم نصيبًا مما
رزَقْناهم(١)، وجزءًا مِن أموالهم يَجْعَلونه لأوثانِهم(٧).
حدَّثنى يونُسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَيَجْعَلُونَ
(١ - ١) فى ت ١: ((فعلكم)).
(٢ - ٢) سقط من: ت ١، ت ٢، وغير واضحة فى ف.
(٣) فى م، ت ١: ((جزاء)).
(٤) فى ص، ت ١، ف: ((اشركا))، وفى ت ١: ((شركا)).
(٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٢٠/٤ إلى المصنف.
(٦) فى ص: ((رزقتهم)).
(٧) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ١٢٠، ١٢١ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم.

٢٥٤
سورة النحل : الآيات ٥٦ - ٥٨
لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِّمَّا رَزَقْنَهُمْ﴾. قال: جعَلوا لآلهتهم التى ليس لها نصيبٌ ولا
شىءٌ، جعَلوا لها نصيبًا مما قال اللَّهُ مِن الحرثِ والأنعام، يُسَُّون عليها أسماءَها ،
ويذبحون لها .
وقولُه: ﴿ ثَاللَِّ لَتُشْتَلُنَّ عَمَّا كُمْ تَفْتَرُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه : واللّهِ أَيُّها
المشركون الجاعِلون للآلهةِ والأندادِ نصيبًا مما(١) رزَقْناكم، شركًا باللّهِ وكفرًا ،
ليَسْأَلَّكُم اللّهُ يومَ القيامةِ عما كنتم فى الدنيا ﴿تَفْتَرُونَ﴾. يعنى: تَخْتَلقون مِن
الباطلِ والإِفْكِ على اللَّهِ، بدَغواكم له شريكًا، وتَصْرٍكم لأوثانِكم فيما رزقكم
نصيبًا ، ثم لَيُعاقِبَتَّكم(١) عُقوبةً تكونُ جزاءً لكفرٍ كم نعمَه ، وافترائِكم عليه .
/ القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَتِ سُبْحَنَهُ, وَلَهُم مَّا
١٢٣/١٤
Vc
وَإِذَا بُشْرَ أَحَدُهُمْ بِلْأُنثَى ظَلَ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ
٥٧
يَشْتَهُونَ
يقولُ تعالى ذكره: ومِن جَهْلٍ هؤلاء المشركين باللهِ(١) وخُبْثِ فعلِهم، وقبح
فريتهم على ربّهم، أنهم يَجْعَلون لمن خلَقَهم ودبَّرهم وأَنْعَم عليهم، فاسْتَوْجَب
بنعمِه عليهم الشكرَ، واسْتَحَق عليهم الحمدَ - البناتِ. ولا يَنْبَغِى أن يكونَ للَّهِ ولدٌ
ذكرٌ ولا أنثى، ﴿سُبْحَتَهُ﴾. يُنَزّهُ(٤) جلَّ جلالُه بذلك نفسَه، عما أضافوا إليه
ونسبوه مِن البناتِ، فلم يَرْضَوْا بجهلهم إذ أضافوا إليه ما لا يَنْبَغی إضافتُه إليه ، ولا
يَنْبَغِى أن يكونَ له مِن الولدِ ، أن يُضِيفوا إليه ما يَشْتَهونه لأُنفسِهم، ويُحِبُّونه لها ،
ولكنهم أضافوا إليه ما يَكْرَهونه لأنفسِهم ، ولا يَرْضَوْنه لها من البناتِ ، ما يَقْتُلونها إذا
(١) فى ص، م: ((فيما)).
(٢) بعده فى ص، ت ٢، ف: ((على )) .
(٣) ليس فى : م.
(٤) فى م: ((نزه))، وفى ت ١، ت ٢: ((تنزه))، وفى ف: ((ننزه)).

٢٥٥
سورة النحل : الآيتان ٥٧، ٥٨
كانت لهم. وفى ((ما)) التى فى قوله: ﴿وَلَهُم مَّا يَشْتَهُونَ﴾. وجهان مِن العربيةِ؛
النصبُ عطفًا بها (١) على البناتِ، فيكونُ معنى الكلام، إذا أرِيد ذلك (١) : ويَجْعَلون
للّهِ البناتِ، ولهم البنينَ الذين يَشْتَهونهم(١) ، فتكونُ ﴿مَا﴾ للبنين. والرفعُ، على
أن الكلامَ مبتدأُ مِن قولِه: ﴿ وَلَهُم مَّا يَشْتَهُونَ ﴾، فيكونُ معنى الكلامِ: يَجْعَلون للّهِ
البناتِ ، ولهم البنونَ(٤) .
وقولُه: ﴿ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالْأُنَ ظَلَّ وَجْهُمْ مُسْوَدًا﴾. يقولُ: وإذا يُشِّر
أحدُ هؤلاء الذين جعلوا للَّهِ البناتِ، بولادةِ ما يُضِيفُه إليه مِن ذلك له ، ظلَّ وجهُه
مسودًّا، مِن كراهتِه له، ﴿وَهُوَ كَظِيمٌ﴾. يقولُ: قد كظَم الحزنَ، وامْتَلأ غمًّا
بولادته له، فهو لا يُظْهِرُ ذلك .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
[٢٠٥/٢ر] ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال : ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَتِ سُبْحَهُ وَلَهُم مَّا يَشْتَهُونَ ﴾ ، ثم قال :
﴿ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِلْأُنْتَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ ﴾ إلى آخرِ الآيةِ، يقولُ:
يَجْعَلون للَّهِ البناتِ، تَوْضَوْنهن() لى، ولا تَوْضَوْنهن(١) لأنفسكم، وذلك أنهم كانوا
فى الجاهليةِ إذا وُلِد للرجلِ منهم جاريةٌ ، أَمْسَكها على هُونٍ ، أو دسَّها فى الترابِ، وهى
(١) فى م: ((لها)).
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((بذلك)).
(٣) فى م: (( يشتهون)) .
(٤) ينظر معانى القرآن ١٠٥/٢، ١٠٦.
(٥) فى ص، ت ١: ((ترضونهم))، وفى ت ٢: ((يرضونهم)، وفى ف: ((يرضونهم).
(٦) فى ص، ف: ((ترضونهم))، وفى ت ١، ت ٢: ((يرضونهم) .

٢٥٦
سورة النحل : الآيتان ٥٨، ٥٩
** (١)
حيَّةٌ .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿ وَإِذَا بُشْرَ
أَحَدُهُم بِآلْأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ . وهذا صَنيعُ مشركى العربِ،
أخبرَهم اللَّهُ بخُبْثِ صنيعِهم، فأما المؤمنُ فهو حَقيقٌ أَن يَرْضَى بما قسم اللَّهُ له،
وقضاءُ اللَّهِ خيرٌ مِن قضاءِ المرءِ(١) لنفسِه، ولعَمْرِى ما يَدْرِى أنه خيرٌ؛ لُبَّ جاريةٍ خيرٌ
لأَهلِها مِن غلامٍ. وإنما أُخْبَركم اللَّهُ بصنيعِهم؛ لتَجْتَنِبوهُ ) وتَنْتَهوا عنه، وكان أحدُهم
يَغْذُو كلبَه، وَكِدُ ابنتَهُ(٤) .
/١٢٤
/ حدَّثنا القاسمُ، قال : ثنا الحسينُ ، قال: ثنی حجاجٌ ، عن ابنٍ جريج، قال :
قال: ابنُ عباسٍ: ﴿ وَهُوَ كَظِيمٌ﴾. قال: حزينٌ(٥).
حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا عمرُو بنُ عونٍ ، قال : أخبرنا هُشَیمٌ ، عن جوییرٍ ، عن
الضحاكِ فى قوله: ﴿ وَهُوَ كَظِيمٌ﴾. قال: الكَظيمُ الكَمِيدُ(٦).
وقد بيّنا ذلك بشواهدِه فى غيرِ هذا الموضعِ (٢) .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَنَوَرَى مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوْءٍ مَا بُشِرَ بِهِ- أَيُمْسِكُمُ عَلَى
٥٩
هُوٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِى الْتُرَابِ أَلَا سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ
يقولُ تعالى ذكره: ﴿ يَتَوَرَى﴾ هذا المُشَّرُ بولادةِ الأنثى مِن الولدِ له ﴿ مِنَ
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٢١/٤ إلى المصنف وابن المنذر وابن مردويه وابن أبى حاتم.
(٢) فى ت ١، ت ٢، ف: ((الخير)).
(٣) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((لتجتنبوا)).
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٢١/٤ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم.
(٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٠/٤ إلى المصنف .
(٦) تقدم تخريجه فى ٢٩٦/١٣.
(٧) بعده فى ت ١: ((بما أغنى عن إعادته)) وينظر ما تقدم فى ٥٧/٦، ٥٨، ٢٩٣/١٣.

٢٥٧
سورة النحل : الآية ٥٩
اُلْقَوْمِ ﴾ فيَغِيبُ عن أبصارِهم، ﴿مِن سُوْءٍ مَا بُشِرَ بِدَّةٍ﴾ يعنى: مِن مَساءتِه إياه ،
◌ُمَّلاً(١) بينَ أن يُمْسِكَه ﴿ عَلَى هُونٍ﴾ أى: على هَوانٍ. وكذلك ذلك فى لُغةِ قريشٍ،
فيما ذُكِر لى، يقولون للهَوانِ: الهُونَ. ومنه قولُ الحُطَيْةِ(٢):
فلمَّا خَشِيتُ الهُونَ والعَيْرُ(٢) تُمْسِكٌ
على رَغْمِه ما أَثْبَتَ الحَبَّلَ حافِرةٌ(٤)
وبعضُ بنى تَمِيم جعَل الهُونَ مصدرًا للشىءِ الهَيِّّ ؛ ذكَر الكِسائىُ أنه سمِعهم
يقولون : إن كنتَ لَقليلَ هَوْنِ المُنةِ منذُ اليومِ . قال : وسمِعْتُ الهَوانَ فى مثلِ هذا
المعنى، سمِعْتُ منهم قائلا يقولُ لبعيرٍ له: ما به بأسٌ غيرُ هَوانِه. يعنى: خفيفَ
الثمنِ. فإذا قالوا: هو يَمْشِى على هَوْنِه. لم يقولوه إلا بفتح الهاءِ، كما قال :
﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنَا﴾ [الفرقان: ٦٣].
﴿أَمْ يَدُسُهُ فِ اُلْتُّرَابِ﴾. يقولُ: يَدْفِنُه حيًّا فى الترابِ، فَيَئِدُه، كما حدَّثنا
القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريج: ﴿أَيُمْسِكُمُ عَلَى هُونٍ
أَمْ يَدُسُمُ فِ اَلتَُّبِ﴾. يقولُ(٩) : بِدُ ابنتَهُ(٧) .
وقولُه: ﴿أَلَا سَآَ مَا يَحْكُمُونَ﴾. يقولُ: ألا ساء الحكمُ الذى يَحْكُمُ هؤلاء
المشركون، وذلك أن جعَلوا للَّهِ ما لا يَرْضَوْن لأنفسِهم، وجعَلوا لما لا يَنْفَعُهم ولا
يَضُرُّهم شِرْكًا فيما رزَقَهم اللَّهُ، وعبَدوا غيرَ مَن خَلَقَهم، وأنْعَم عليهم .
(١) فى ت ١، ت ٢، ف: ((ممتلا)). وبدون نقط فى ص، ومميّلا: متردِّدًا. ينظر الوسيط (م. ى ل).
(٢) ديوانه ص ١٨٣.
(٣) العير: الحمار. تاج العروس (ع ی ر).
(٤) فى ت ١، ت ٢: ((حاجره))، وفى ف: ((حاحره)).
(٥) ينظر معانى القرآن ٢/ ١٠٦، ١٠٧.
(٦) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ف .
(٧) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٢١/٤ إلى المصنف وابن المنذر.
( تفسير الطبرى ١٧/١٤ )

٢٥٨
سورة النحل : الآية ٦٠
/القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآلْآَخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءٍ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ
اُلْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
١٢٥/١٤
وهذا خبرٌ من اللهِ جلَّ ثناؤه أن قوله: ﴿وَإِذَا بُثِّرَ أَحَدُهُم بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُم
مُسْوَدًا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾. والآيةَ التى بعدَها مثلٌ ضرّبه (١) لهؤلاء المشركين الذين جعلوا
للهِ البناتِ ، فبينَّ بقولِه: ﴿ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِلْآَخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءٌ﴾ أنه مثَّلٌ، وعنَى
بقوله جلّ ثناؤه: ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآلْآَخِرَةِ﴾: للذين لا يصدِّقون بالمعادِ والثوابِ
والعقابِ من المشركين ﴿ مَثَلُ السَّوْءٌ﴾. وهو القبيح من المثلِ، وما يسوءُ(٢) مَن
ضُرب له ذلك(٢) المثلُ، ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾. يقولُ: وللهِ المثلُ الأعلى، وهو
الأفضلُ والأطيبُ، والأحسنُ والأجملُ، وذلك التوحيدُ والإذعانُ له بأنه لا إلهَ
غيره .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال : ثنا محمدُ بنُ ثورٍ ، عن معمرٍ ، عن قتادةَ :
﴿وَإِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾. قال: شهادةُ ألا إله إلا اللهُ(٤).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ
◌ِالْآَخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءٌ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾: الإخلاصُ والتوحيدُ.
(١) بعده فى م: ((اللَّه)) .
(٢) فى ت ١، ت ٢، ف: ( بشر))، وغير منقوطة فى ص.
(٣) فى ت ١: ((هذا)).
(٤) تفسير عبد الرزاق ٣٥٧/١ عن معمر به .

٢٥٩
سورة النحل : الآيتان ٦١،٦٠
وقولُه: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: واللهُ(١) ذو العزة التى
[٢٠٦/٢ ظ] لا يمتنِعُ عليه معها عقوبةُ هؤلاء المشركين الذين وصَف صفتَهم فى هذه
الآياتِ، ولا عقوبةُ من أراد عقوبته على معصيتِه إيَّه، ولا يتعذَّرُ عليه شىءٌ أراده
وشاءه ؛ لأن الخلقَ خلقُه، والأمرَ أمره، الحكيمُ فى تدبيرِه، فلا يدخُلُ تدبيرَه خَللٌ
ولا خطأً .
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿ وَلَوَ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمِ مَا تَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ
وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلِ تُسَتَّى فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَشْخِرُونَ سَاعَةٌ وَلَا
يَسْتَقْدِمُونَ
٦١
يقولُ تعالى ذكره: ولو يُؤَاخِذُ اللهُ عصاةَ بنى آدمَ بمعاصيهم ﴿ مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا ﴾
يعنى: على الأرضِ، ﴿مِن دَابَةٍ ﴾ تدِبُّ عليها، ﴿ وَلَكِن يُؤَخِرُهُمْ﴾. يقولُ: ولكنَّه
بحلمِه يؤخِّرُ هؤلاء الظلمةَ، فلا يعاجِلُهم بالعقوبةِ، ﴿ إِلَّ أَجَلٍ مُسَمَّىٌ﴾. يقولُ:
إلى وقتِهم الذى وَقَّت لهم، ﴿فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ﴾. يقولُ: فإذا جاء الوقتُ الذى
وَقَّتِ لهلاكِهم، ﴿لَا يَسْتَعْخِرُونَ﴾ عن الهلاكِ ﴿ سَاعَةً﴾ فَيُمْهَلون، ﴿وَلَا
يَسْتَقْدِمُونَ﴾ قبلَه(١) حتى يستوفُوا آجالَهم .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
/ ذكرُ مَن قال ذلك
١٢٦/١٤
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ ، قال : ثنا عبدُ الرحمنِ، قال : ثنا سفيانُ، عن أبى
إسحاقَ ، عن أبى الأحوصِ، قال: كاد الجُعَلُ(٣) أن يُعذَّبَ بذنبٍ بنى آدمَ. وقرَأْ:
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((للَّه)).
(٢) فى م: (( له)) .
(٣) الجعل: حيوان كالخنفساء. النهاية ٢٧٧/١.

٢٦٠
سورة النحل : الآية ٦١
﴿ وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم ◌َا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾(١).
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ حكيم الخزاعىُّ، قال : ثنا محمدُ
ابنُ جابرٍ الحنفىُ(١)، عن يحيى بن أبى كثيرٍ، عن أبى سلّمةً، قال: سمِع أبو هريرةً
رجلًا وهو يقولُ: إن الظالمَ لا يضرّ إلا نفسَه. قال: فالتفتَ إليه فقال: بلى ، واللهِ
إن الحُبَارِى(٣) لتموتُ فى وَكْرِهَا هَزْلًا(٤) بظلمِ الظالمِ(٥).
حدَّثنى يعقوبُ ، قال: ثنا أبو عبيدةَ الحدَّادُ ، قال: ثنا قُرَةُ بنُ خالدِ السَّدُوسىُّ ،
عن الزُّبيرِ بنِ عدىٍّ، قال: قال ابنُ مسعودٍ: خطيئةُ ابنِ آدمَ قتَلت الجُعَلَ(٩).
حدَّثنا أبو السائبِ ، قال: ثنا أبو معاويةً، عن الأعمشِ، عن أبى إسحاقَ ،
عن أبى عُبيدةَ، قال: قال عبدُ اللهِ، كاد الجُعَلُ أن يهلِكَ فى جُحْرِهِ بخطيئةٍ
(١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٤٩٧/٤ عن سفيان به. وأخرجه ابن أبى شيبة ٣٠٠/١٣ من طريق سفيان به
بزيادة ابن مسعود ، وأخرجه الحاكم ٢/ ٤٢٨، والبيهقى فى الشعب (٧٤٧٨) من طريق أبى إسحاق به بزيادة
ابن مسعود، وذكره السيوطى فى الدر المنثور ١٢١/٤ عن ابن مسعود وعزاه إلى ابن المنذر.
(٢) فى النسخ: ((الجعفى)). والمثبت من الشعب وتفسير ابن كثير، وينظر تهذيب الكمال ٢٤ / ٥٦٤.
(٣) الحبارى: طائر معروف، وهو على شكل الإوزة، برأسه وبطنه غبرة، ولون ظهره وجناحيه كلون
الشمَانَى غالبا. المصباح المنير (ح ب ر).
وقال ابن الأثير فى النهاية ١/ ٣٢٨: يعنى أن اللَّه يحبس عنها القطر بعقوبة ذنوبهم، وإنما نصها
بالذكر، لأنها أبعد الطير نجعة، فربما تذبح بالبصرة ويوجد فى حوصلتها الحبة الخضراء، وبين البصرة
وبين منابتها مسيرة أيام .
(٤) فى م: ((هزالا)).
(٥) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٤٩٧/٤ عن المصنف، وأخرجه البيهقى فى الشعب (٧٤٧٩) من طريق
إسماعيل بن حكيم به، وأخرجه ابن أبى الدنيا فى العقوبات (٢٦٩) من طريق يحيى ابن أبى كثير به بدون
ذكر أبى سلمة ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٢١/٤ إلى عبد بن حميد .
(٦) أخرجه ابن أبى الدنيا فى العقوبات (٢٧٠) من طريق قرة بن خالد به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
١٢١/٤ إلى الإمام أحمد فى الزهد .
٠