النص المفهرس

صفحات 221-240

٢٢١
سورة النحل: الآيتان ٣٨، ٣٩
المشركُ: إنك (١) تَزْعُمُ أنك تُبْعَثُ بعدَ الموتِ. فَأَقْسَم باللّهِ جهدَ يمِينِه: لا يَبْعَثُ اللّهُ مَن
يموتُ. فَأَنزَل اللّهُ: ﴿ وَأَفْسَمُواْ بِاَلَّهِ جَهْدَ أَيْمَنِهِمْ لَا يَبَعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا
عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن عطاءِ بنِ أبى
رَباحِ، أنه أخبره أنه سمع أبا هريرةَ يقولُ : قال اللَّهُ : سبنى ابنُ آدمَ ولم يكنْ
يُنْبَغِى له أن يَسُبَّنى، وكذَّبنى ولم يكن يَتْبغى له أن يُكَذِّبَنى، فأما تكذيبُه
إِنَّاىَ، فقال: ﴿ وَأَقْسَمُواْ بِاَللَّهِ جَهْدَ أَيْمَنِهِمٌّ لَا يَبعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوثٌ﴾ .
قال: قلتُ: ﴿بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾. وأما سَبُّه إِيَّاى، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ
ثَلَاثَةِ﴾ [المائدة: ٧٣]. وقلتُ: ﴿قُلْ هُوَ اللّهُ أَحَدُّ ◌َ اللَّهُ الصَّمَدُّ ◌َ لَمْ
(٣)
يَلِدٍ وَلَمْ يُولَدْ ® وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُوا أَحَدٌّ﴾
[ الإخلاص: ١ - ٤] .
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿ لِيُبَيِنَ لَهُمُ الَّذِى يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ
٣٩
كَفَرُواْ أَنَّهُمْ كَانُوْ كَذِبِينَ
يقولُ تعالى ذكرُه : بل لَيَبْعَثَنَّ اللّهُ مَن يموتُ، وعدًا عليه حقًّا؛ ليُبيِّنَ لهؤلاء
الذين يَزْعُمون أن اللَّهَ لا يَبْعَثُ مَن يموتُ ، ولغيرِهم الذى يختلفون فيه ؛ مِن إحياءِ اللَّهِ
خَلْقَه بعدَ فنائِهم ، وليعلمَ الذين جحَدوا صحةً ذلك ، وأنْكَروا حقيقته ، أنهم كانوا
كاذبين فى قِيلِهم: لا يَبعثُ اللَّهُ مَن يموتُ .
(١) فى ص: ((وإنك)).
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١١٨/٤ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره، كما فى تفسير ابن كثير ٤/ ٤٩١، من طريق حجاج عن ابن جريج عن
عطاء وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١١٨/٤ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبى حاتم .
كما أخرجه أحمد ٥٣١/١٣، ٥٣٢ (٨٢٢٠)، والبخارى (٤٩٧٥)، من طريق عبد الرزاق عن معمر
عن همام بن منبه عن أبى هريرة مرفوعًا، والبخارى فى (٣١٩٣، ٤٩٧٤) من طريق أبى الزناد عن الأعرج عن
أبى هريرة مرفوعًا .

٢٢٢
سورة النحل : الآيات ٣٩ - ٤١
١٠٦/١٤
/ كما حدَّثنا بشرٌ، قال: [٢٠٠/٢ظ] ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ
قولَه: ﴿لِيُبَيِنَ لَهُمُ الَّذِى يَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾. قال: للناسِ عامَّةً(١).
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْءٍ إِذَا أَرَدْنَهُ أَنْ نَّقُولَ لَهُ كُنَّ
فَكُونُ
وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ فِ اَللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ لَنُوِّثَنَّهُمْ فِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ
(٤١
وَلَأَجْرُ الْآَخِرَةِ أَكْبٌ لَوَ كَانُواْ يَعْلَمُونَ
يقولُ تعالى ذكرُه : إِنَّا إِذا أَرَدْنا أن نَبْعَثَ مَن يموتُ ، فلا تَعَبَ علينا ولا نَصَبَ
فى إحيائِناهم، ولا فى غيرِ ذلك مما (" نَخلُقُ ونُكَوِّنُ ونُحدِث٢ُ)؛ لأنَّا إذا أردْنَا خَلْقَه
وإنشاءَه، فإنما نقولُ له: كُنْ. فيكونُ، لا معاناةَ فيه، ولا كُلْفَةَ علينا.
واخْتَلَفَتِ القرأةُ فى قراءةٍ قولِه: ((يكونُ ))، فقرَأَه أكثرُ قرأةِ الحجازِ والعراقِ
على الابتداءٍ(٢) ، وعلى أن قولَه: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْءٍ إِذَا أَرَدْنَهُ أَنْ تَّقُولَ لَهُ كُنْ﴾.
كلامٌ تامّ مُكْتَفٍ بنفسِه عما بعدَه، ثم يُنْتَدَأَ فيُقالُ: ﴿ فَيَكُونُ﴾. كما قال
(٤)
: (3)
* يُرِيدُ أنْ يُعْرِبَهُ فيُعْجِمُهْ »
وقرّأ ذلك بعضُ قرأةِ أهلِ الشام، وبعضُ المتأخرين من قرأةٍ الكوفيين :
( فَيَكونَ) نصبًا، عطفًا على قوله: ﴿ أَنْ تَّقُولَ لَهُ﴾. وكأنَّ معنى الكلام على
(١) تقدم تخريجه من طريق معمر عن قتادة مطولا .
(٢ - ٢) فى ص، ت ٢، ف: ((يخلق ويكون ويحدث))، وفى ت ١: ((نخلق ونكون ويحدث)).
(٣) هى قراءة ابن كثير ونافع وعاصم وأبى عمرو وحمزة، كما فى السبعة ص ٣٧٣، والتيسير ص ١١٢.
(٤) البيت فى الملحق بديوان رؤبة ص١٨٦ وفى كتاب سيبويه ٣/ ٥٢، ٥٣ منسوبا لرؤية أيضًا، والعقد
الفريد ٤٨٠/٢ غير منسوب، والأغانى ١٩٦/٢، والعمدة لابن رشيق ٧٤/١ منسوبا عندهما للحطيئة ،
ونسبہ فی اللسان (ع ج م) لرؤية .

٢٢٣
سورة النحل : الآيتان ٤٠، ٤١
مذهبِهم: ما قولُنا لشىءٍ إذا أرَدْناه إلا أن نقولَ له : كُنْ. فيكونَ. وقد محُكِى عن
العربِ سَماعًا: أُريدُ أن آتِيَك، فيَمْنَعَنِى المطرُ. عطفًا بـ((يَمْنَعَنِى)) على ((أن آتيَك)).
وقولُه: ﴿ وَاُلَّذِينَ هَاجَرُواْ فِىِ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلُواْ لَنُوِّنَتَّهُمْ فِى الذُّنْيَا
حَسَنَّةٌ﴾. يقولُ تعالى ذكره: والذين فارَقوا قومَهم ودُورَهم وأوطانَهم ؛ عداوةٌ
لهم فى اللَّهِ على كفرِهم، إلى آخرين غيرِهم. ﴿مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ﴾. يقولُ: مِن بعدِ
ما نِيلَ منهم فى أنفسِهم بالمَكَارِهِ(١) فى ذاتِ اللَّهِ. ﴿لَنُوِّثَنَّهُمْ فِى الذُّنْيَا
حَسَنَّةٌ﴾. يقولُ: لَتُسْكِنَنَّهم فى الدنيا مَسْكَنًا يَرْضَوْنه صالحاً .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
/حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَالَّذِينَ ١٠٧/١٤
هَاجَرُواْ فِ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوْ لَنُوِّثَنَهُمْ﴾. قال: هؤلاء أصحابُ محمدٍ ،
ظلَمهم أهلُ مكةَ، فأخْرَجوهم مِن ديارِهم ، حتى لَقِ طوائفُ منهم بالحَشَةِ ، ثم
بَوَّأَهُمُ اللَّهُ المدينةَ بعدَ ذلك، فجَعَلها لهم دارَ هجرةٍ، وجعَل لهم أنصارًا مِن
(٢)
المؤمنين(٢).
حُدِّثتُ عن القاسم بنِ سَلَّامٍ، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن داودَ بنِ أبى هندٍ، عن
الشَّغْبِىِّ: ﴿ لَنُوِّئَتَّهُمْ فِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ ﴾. قال: المدينةَ(٣).
(١) فى ص: ((بالمكابرة))، وفى ت ١: ((بالمكابرة))، وفى ت ٢: ((بالمكابرة)). وفى ف ((بالمكاثرة)).
(٢) ذكره البغوى فى تفسيره ٥/ ٢٠، وابن كثير فى تفسيره ٤٩١/٤ بلفظ المدينة، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ١١٨/٤ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٣) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٤ / ٤٩١، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١١٨/٤ إلى المصنف وابن المنذر.

٢٢٤
سورة النحل : الآية ٤١
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی أمی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی أُبی ، عن
أبيه، عن ابنِ عباس قولَه: ﴿ وَلَّذِينَ هَاجَرُواْ فِ اَللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ لَنُوِّئَنَّهُمْ فِ
الذُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾. قال: هم قوم هاجروا إلى رسولِ اللهِ عَ لَّهِ مِن أهلِ مكةً، بعدَ
ظُلمِهم؛ وظَلَمَهمُ المشركون(١).
وقال آخرون: عنَى بقولِه: ﴿ لَنُوِّثَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾: لَنَرْزُقَنَّهم فى
الدنيا رزقًا حسنًا .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءٌ، وحدَّثنى المُثُنَّى، قال: أخبرنا أبو
حُذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحِ، عن مجاهدٍ: ﴿ لَنُوْتَنَّهُمْ﴾: لَتَرْزُقَنَّهم
فى الدنيا "رزقًا حسنًا".
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن
مجاهدٍ مثله .
حدَّثنى الحارثُ ، قال: ثنا القاسمُ ، قال: ثنا هُشيمٌ، عن العَوَّامِ، عمَّن حدَّثه،
أن عمرَ بنَ الخطابِ كان إذا أعطَى الرجلَ من المهاجرين عطاءَه يقولُ: خُذْ، بارَك اللَّهُ
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((الشرك)). والأثر عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١١٨/٤ إلى المصنف وابن
أبى حاتم وابن مردويه، وذكره ابن كثير فى تفسيره ٤/ ٤٩١.
(٢ - ٢) سقط من: ص، ف. والأثر فى تفسير مجاهد ص ٤٢١، من طريق ورقاء به. وذكره ابن كثير
فى تفسره ٤/ ٤٩١، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١١٨/٤ إلى المصنف وابن أبى شيبة وابن المنذر وابن
أبى حاتم .

٠
٢٢٥
سورة النحل : الآية ٤١
لك فيه، هذا ما وعَدك اللَّهُ فى الدنيا، وما ذَخَره (١) لك فى الآخرةِ أفضلُ. ثم تَلَا هذه
الآيَةَ: ﴿ لَنُّوِّثَنَّهُمْ فِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَأَجْرُ الْآَخِرَةِ أَكْبُ لَوَّ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾(١).
وأوْلَى القولَيْنْ فى ذلك بالصوابِ، قولُ مَن قال: معنى ﴿ لَنُوِّثَنَّهُمْ﴾ :
◌َتُحِلَّتَّهم ولَتُسْكِنَنَّهم؛ لأن التَُّّءَ فى كلامِ العربِ الحلولُ بالمكانِ والنزولُ به. ومنه
قولُ اللَّهِ تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِىّ إِسْرَِّيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾ [ يونس: ٩٣].
وقيل : إن هذه الآيةَ نزَلت فى أبى جَنْدَلِ بنِ سُهَيْلٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى المُنَّى ، قال : أخبرَنا إسحاقُ ، قال : ثنا عبدُ الرزاقِ ، قال : ثنا جعفرُ بنُ
سليمانَ، عن داودَ بنِ أبي هندٍ ، قال: نزَلت: ﴿ وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ فِى اُللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا
ظُلِمُواْ﴾، إلى قولِه: ﴿ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ فى أبى جَنْدلِ بنِ سُهَيْلٍ .
وقولُه: ﴿ وَلَأَجْرُ الْآَخِرَةِ أَكْبَّ لَوَ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾. يقولُ: ولثوابُ اللَّهِ
إيَّاهم - على هجرتهم فيه - فى الآخرة ، أكبرُ؛ لأن ثوابه إيَّاهم هنالك الجنةُ ، التى
[٢٠١/٢ و] يدُومُ نعيمُها ولا يَبِيدُ .
/ وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
١٠٨/١٤
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: قال اللّهُ:
(١) فى ص غير منقوطة، وفى ت ١، ت ٢، ف: ((دخر))، وفى مصادر التخريج: ((ادخر)) وادَّخر وذخر
بمعنى، ينظر النهاية ١٥٥/٢، ١٥٦، وتاج العروس (ذ خ ر).
(٢) ذكره البغوى فى تفسيره ٥/ ٢٠، وابن كثير فى تفسيره ٤ / ٤٩١، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
١١٨/٤ إلى ابن المنذر.
( تفسير الطبرى ١٥/١٤ )

٢٢٦
سورة النحل : الآيات ٤١ - ٤٣
﴿ وَلَأَجْرُ الْآَخِرَةِ أَكْبٌ﴾؛ أى: واللَّهِ لَا يُتِيئُهم اللَّهُ عليه (١) مِن جنِه أكبرُ ﴿لَوْ
كَانُواْ يَعْلَمُونَ ﴾(١)
٤٢
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ
يقولُ تعالى ذكره: هؤلاء الذين وَصَفْنا صِفَتَهم، وآتيناهم الثوابَ
الذى "ذَكَوْنا، هم) ﴿الَّذِينَ صَبَرُواْ﴾ فى اللَّهِ على ما نابهم فى الدنيا. ﴿ وَعَلَى
رَبِّهِمْ يَتَوَكَلُونَ﴾. يقولُ: وباللَّهِ يَثِقُون فى أمورِهم، وإليه يَسْتَنِدون فى نوائبٍ
الأمور التى تنوبُهم .
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِىَ(٤) إِلَيْهِمَ
فَسْشَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ
٤٣
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيُّه محمدٍ عَ لَه: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ﴾ يا محمدُ إلى
أَمَّةٍ مِن الأمم ، للدعاءِ إلى توحيدِنا، والانتهاءِ إلى أمرِنا ونَهْينا ﴿إِلَّا رِجَالًا﴾ مِن بَنِى
آدمَ ﴿ُوجِىّ(٥) إِلَتِهِمَّ﴾ وَحْيَنا - لا ملائكةً. يقولُ: فلم نُوْسِلْ إلى قومِك إلا مثلَ
الذى كُنَّا نُوْسِلُ إلى مَن قَبْلَهم مِن الأمم ؛ مِن جنسِهم، وعلى مِنهاجِهم. ﴿فَسْئَلُواْ
أَهْلَ الذِّكْرِ﴾. يقولُ لمشركى قريشٍ: وإن كنتم لا تَعْلَمون أن الذين كُنَّا نوسِلُ إلى
مَن قبلَكم مِن الأمم، رجالٌ مِن بنى آدمَ مثلُ محمدٍ عَ لَه، وقلتُم: هم ملائكةٌ. أو (١)
(١) زيادة من: م، والدر المنثور.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١١٨/٤ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم.
(٣ - ٣) فى م: ((ذكرناه)).
(٤) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((يوحى)) بالياء. وهى قراءة نافع وابن كثير وأبى عمرو وابن عامر وحمزة. وقرأ
عاصم فى رواية حفص ((نوحى)) ينظر السبعة ص ٣٧٣، والتيسير فى القراءات السبع ص ١٠٦.
(٥) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((يوحى)).
(٦) فى م: ((أى)). ولا يتجه بها المعنى.

٢٢٧
سورة النحل : الآية ٤٣
فَلَيْثُم أن اللَّهَ كلَّمهم قِبَلً(١) ﴿فَسْتَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ وهم الذين قد قَرءُوا الكتبَ مِن
قبلِهم ؛ التوراةَ والإنجيلَ، وغيرَ ذلك مِن كتبِ اللَّهِ التى أَنزَلها على عبادِه .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا المحاربىُّ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَسَلُواْ أَهْلَ
الذِّكْرِ﴾. قال: أهلَ التوراةٍ(١).
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال : ثنا المحاربيُّ، عن سفيانَ ، قال: سأَلتُ الأعمشَ عن
قوله: ﴿فَسَشَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ﴾. قال: سمِعْنا أنه مَن أسلَم مِن أهلِ التوراةِ
(٣)
والإنجيلِ(٢) .
حدَّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن
مجاهدٍ قولَه: ﴿ وَمَآ / أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِىّ إِلَيْهِمْ فَسْتَلُواْ أَهْلَ الذِّكِرِ ١٠٩/١٤
إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. قال: هم أهلُ الكتاب(٥) .
حدَّثنا أبو كُرِيبٍ، قال: ثنا عبيدُ اللَّهِ ، عن إسرائيلَ، عن أبى يحيى، عن
مجاهدٍ ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَسَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. قال: قال
(١) رأيتُه قَبْلًا وقُبُلًا وقُبَلًا وقِبَلًا وقَبَلِيًّا وقَبِيلًا. أى مقابَلَةً وعِيانًا. لسان العرب، وتاج العروس (ق ب ل).
(٢) ذكره أبو حيان فى البحر المحيط ٤٩٣/٥، بلفظ: ((اليهود. والذكر: التوراة)).
(٣) ذكره أبو حيان فى البحر المحيط ٥/ ٤٩٣.
(٤) هنا، وفيما يأتى عند ذكر الآية ومن كلام المصنف على تفسير الآية، فى ص، ت ١، ت ٢، ف:
(يوحى)).
(٥) ذكره الطوسى فى التبيان ٦/ ٣٨٤، وأبو حيان فى البحر المحيط ٤٩٣/٥ بلفظ ((اليهود والنصارى))،
وابن كثير فى تفسيره ٤٩٢/٤.

٢٢٨
سورة النحل : الآية ٤٣
لمشركى قريش: إن محمدًا فى التوراة والإنجيلِ(١).
حدَّثْنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ ، قال: ثنا بشرُ بنُ عُمارةَ ،
عن أبى رَوْقٍ، عن الضحاكِ عن ابنِ عباسٍ، قال: لما بعث اللَّهُ محمدًا
رسولًا ، أنكرتِ العربُ ذلك، أو مَن أنكَر منهم، وقالوا: اللَّهُ أعظمُ من أن
يكونَ رسولُه بشرًا مثلَ محمدٍ. قال: فأنزل اللَّهُ: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ
أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ﴾ [يونس: ٢]. وقال: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا
بِالْبَيِّنَتِ وَالزُّبِ ﴾
٤٣
تُوجِىّ إِلَيْهِمْ فَسْئَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونٌ
فاسألوا أهل الذكرِ ؛ يعنى أهلَ الكتبِ الماضيةِ: أبشرًا كانت الرسلُ التى أَتَتْكُم أم
ملائكةً؟ فإن كانوا ملائكةٌ أَنكَرْتم(٢)، وإن كانوا بشرًا فلا تُنْكِروا أن يكونَ محمدٌ (٣)
رسولاً. قال: ثم قال: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِىّ إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ
اُلْقُرَىّ﴾ [يوسف: ١٠٩]. أى ليسوا من أهلِ السماءِ كما قلتُم(١).
وقال آخرون فى ذلك ما :
حدَّثنا به ابنُ وكيع، قال: ثنا ابنُ يَمَانٍ، عن إسرائيلَ، عن جابرٍ ، عن أبى
جعفرٍ: ﴿فَسْئَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونٌ﴾. قال: نحن أهلُ الذكرِ(٥).
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿فَسَشَلُواْ
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١١٩/٤ للمصنف والفريابى وعبد بن حميد وابن المنذروابن أبى حاتم وابن
مردويه .
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((أتتكم)).
(٣) زيادة من: م.
(٤) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٤ / ٤٩٢، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١١٨/٤ إلى المصنف وابن أبى حاتم.
(٥) ذكره الطوسى فى التبيان ٦/ ٣٨٤، وأبو حيان فى البحر المحيط ٥/ ٤٩٣، بلفظ: ((أهل القرآن))، وابن
کثیر فی تفسيره ٤ / ٤٩٢.

٢٢٩
سورة النحل : الآيتان ٤٣ ، ٤٤
أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. قال: الذكرُ القرآنُ(١). وقرأ: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا
الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَخَفِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، وقرَأ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَ هُمّ
الآية [ فصلت: ٤١] .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَاَلْبِمِنَتِ وَالزُّبِّرِّ وَأَنْزَْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ
٤٤
لِلنَّاسِ مَا نُزِلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَنْفَكَّرُونَ
يقولُ تعالى ذكرُه : أرسلنا بالبيناتِ والزُّبُرِ رجالًا نُوحِى (١) إليهم.
فإن قال قائلٌ: وكيف قيل: ﴿ بِالْبَيِّنَتِ وَالزُّبْرِ ﴾؟ وما الجالبُ لهذه الباءِ فى
قولِه: ﴿ ◌ِاَلْبَيْنَتِ﴾؟ فإن قُلتَ(٢): جالِيُها قولُه: ﴿أَرْسَلْنَا﴾ . وهى مِن صلتِه.
فهل يجوزُ أن تكونَ صِلةُ ﴿ وَمَا﴾ قبلَ ﴿إِلَّا﴾، بعدَها؟؛ وإن قلتَ : جالبُها غيرُ
ذلك . فما هو ، وأين الفعلُ الذى جلَبها ؟
قيل : قد اختلف أهلُ العربيةِ فى ذلك ؛ فقال بعضُهم: الباءُ التى فى قولِه :
﴿بِالْبَيِّنَتِ﴾ مِن صلةِ ﴿أَرْسَلْنَا﴾. قال(٤): ﴿إِلَّا﴾ فى هذا الموضعِ، ومع
الجحدِ والاستفهام فى كلٌّ موضع، بمعنى ((غَيْر)). وقال: معنى الكلام: وما أرسلنا
من قبلِك بالبيناتِ والزُّبُرِ غيرَ رجالٍ نُوحِى إليهم . ويقولُ على ذلك: ما ضَرَب إلا
أخوك زيدًا. وهل كلَّم إلا أخوك عَمْرًا؟ بمعنى: ما ضَرَب زيدًا غيرُ أخيك. وهل
گلّم عمرًا إلا أخوك . ويختُ فى ذلك بقولِ أوْسٍ بنِ حجرٍ () :
(١) ذكره أبو حيان فى البحر المحيط ٤٩٣/٥ بلفظ: ((أهل القرآن))، وابن كثير فى تفسيره ٤٩٢/٤، والزيادة
الآتية من بقية الأثر ليست عندهما .
(٢) فى ص: ((يوحى)) غير منقوطة، وفى ت ١ غير واضحة، وفى ت ٢، ف: ((يوحى)).
(٣) ينظر ما سيذكره المصنف هنا وفى الصفحة القادمة، ومعانى القرآن ٢/ ١٠٠، ١٠١.
(٤) فى م: ((وقال )).
(٥) ديوانه ص ٢١، وينظر معانى القرآن ٢/ ١٠١.

٢٣٠
سورة النحل : الآية ٤٤
١١٠/١٤ / أبَنى لُبَيْنَى لسْتُمُ بيدٍ إلا يدِ ليْسَت لها عَضُدُ
ويقولُ: لو كانت ((إلا)) بغيرِ مَعْنَى ((غَيْرُ(١))؛ لَفَسَد الكلامُ؛ لأن الذى
خفَض الباءُ قبلَ ((إلا)) لا يَقْدِرُ على إعادتِه بعدَ ((إلا)) لخفضِ اليدِ الثانيةِ(٢)، ولكنْ
مَعْنَى ((إلَّا)) معنَى ((غير)) ويَسْتَشْهِدُ أيضًا بقولِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ: ﴿لَوْ كَانَ فِهِمَآ ءَإِهَةٌ
إِلَّا اللَّهُ﴾ [الأنبياء: ٢٢]،: ((إلا)) بمعنَى ((غَيْرِ)) فى هذا الموضعِ .
وكان غيرُه يقولُ: إنما هذا على كلامين؛ يُريدُ: وما أَرْسَلْنا مِن قبلِك إلا
رجالاً ، أرْسَلْنا بالبيناتِ والزُّبُرِ. قال: وكذلك قولُ القائلِ: ما ضرَب إلا أخوك
زيدًا. معناه: ما ضرّب إلا أخوك. ثم يَتَدِئُ: ضرَب زيدًا. وكذلك ما مَرَّ إلا أخوك
بزيدٍ . ما مرَّ إلا أخوك. ثم يقولُ: مرّ بزيدٍ. ويَسْتَشْهِدُ على ذلك ببيتِ الأَعْشَى(٢):
وليس مُجِيرًا إن أَتَى الحىَّ خائفٌ ولا قائلاً(٤) إلا هو المُعَيِّبَا
ويقولُ : لو كان ذلك على كلمةٍ لَكان خطأً؛ لأن المُعَيَّا مِن صلةِ القائلِ(٥) ،
ولكن جاز ذلك على كلامين(٢). وكذلك قولُ الآخرِ(٧):
نُبِّئْتُهم عذَّبوا بالنارِ جارَهم وهل يُعَذِّبُ إلا اللَّهُ بالنّارِ
/ فتأويلُ الكلام إذن: وما أرْسَلنا مِن قبلِك إلا رجالًا نُوحِى إليهم،
أَرْسَلْناهم بالبيناتِ والزُّبُرِ، وأَنْزَلْنا إليك الذكرَ. والبيناتُ هى الأدلةُ والحُجْجُ
١١١/١٤
(١) يعنى باليد الثانية: ((يد)) التى جاءت بعد قوله: ((إلا)) التى بمعنى غير أول الشطر الثانى للبيت.
(٢) سقط من : م.
(٣) ديوانه ص ١١٣، وينظر معانى القرآن ٢/ ١٠١.
(٤) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((قائل)).
(٥) يعنى بـ: ((القائل)) لفظة ((قائلا)) فى البيت.
(٦) يعنى: لا قائلًا إلا هو. قائلًا - أو قال - : المتعيبا .
(٧) معانى القرآن ٢/ ١٠١، وشرح التصريح ٢٨٤/١. وعند الأول ((جارتهم)) بدل ((جارهم)).

٢٣١
سورة النحل : الآية ٤٤
التى أعطاها اللّهُ رسلَه؛ أدلةً" على نبوتِهم، شاهدةً لهم على حقيقةِ ما أَتَوْا
به إليهم مِن عندِ اللَّهِ .
والزُّبُرُ هى الكتبُ . وهى جمعُ زَبُورٍ . مِن زَبَوْتُ الكتابَ وذَبَوْتُه . إِذا كتَبْتَه .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى ، قال: ثنى عمى ، قال: ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ، ﴿يِلْبِيِّنَتِ وَالزُّبْرِ ﴾. قال: الزُّبُرُ الكتبُ(٢).
حدَّثنا محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبى نجيح ، عن مجاهدٍ ،
بِالْبَغِنَتِ﴾. قال: الآياتِ. ﴿وَالزُّبِّرِ﴾ قال(٣) : الكتبِ(٤) .
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال : ثنا شِئْلٌ، عن ابنِ أبى نجيح، عن
مجاهدٍ قال : الزُّبُرُ الكتبُ .
حُدِّثْتُ عن الحسينِ ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: ثنا عُبيدُ بنُ سليمانَ ، قال :
سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ فى قوله: ﴿ وَالزُّبْرٍّ﴾(٥) يَغْنى: بالكتبِ(٤).
(١ - ١) فى ص: ((أعطى الله رسله أدلته))، وفى ت١: ((أعطاها الله رسوله أدلة))، وفى ت ٢، ف:
((أعطاها الله رسوله أدلته)).
(٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٤٩٣/٤.
(٣) سقط من : م.
(٤) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٤ / ٤٩٣، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١١٩/٤ إلى المصنف وابن أبى شيبة
وابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٥) فى النسخ: ((وبالزبر)). والمثبت هو صواب القراءة.
(٦) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٤٩٣/٤.

٢٣٢
سورة النحل : الآيتان ٤٤، ٤٥
وقولُه: ﴿وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الذِّكْرَ﴾. يقولُ: وأَنزَلْنا إليك يا محمدُ هذا
القرآنَ؛ تذكيرًا للناسِ، وعِظَةٌ(١) لهم. ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ﴾. يقولُ: لتُعَرِّفَهم ما
نُزِّل(٢) إليهم مِن ذلك. ﴿ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾. يقولُ: ولِيَتَذَكّروا فيه ، ويَعْتَبِروا
(٣) ؟!
بما (٣) أَنْزَلْنا إليك.
وقد حدَّثنى المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال : ثنا عبدُ الرزاقِ ، قال : ثنا
الثورىُّ، قال: قال مجاهدٌ: ﴿ وَلَعَلَّهُمْ يَفَكَّرُونَ﴾. قال: يُطِيعون(٤).
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُواْ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اَللَّهُ بِهِمُ
٤٥
اَلْأَرْضَ أَوْ يَأْنِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ
يقولُ تعالى ذكره : أفأمِن الذين ظلموا المؤمنين مِن أصحابٍ رسولِ اللَّهِ عَلَّهِ ،
فراموا أن يَفْتِنوهم عن دينهم ، مِن مشركى قريشٍ - الذين قالوا ، إذ قيل لهم: ماذا
أَنْزَلَ ربُّكم؟ قالوا (١): أساطيرُ الأوَّلين. صدًّا منهم، لمن أراد الإيمانَ باللَّهِ، عن قصدٍ
السبيلِ - أن يَخْسِفَ اللّهُ بهم الأرضَ، على كفرِهم وشركِهم، أو يَأْتِيَهم عذابُ اللَّهِ
مِن مكانٍ لا يُشْعَرُ به، ولا يُدرَى مِن أين يأتيه؟ وكان مجاهٌ يقولُ: عَنَى بذلك
تُخْرُودَ بنَ كَتْعانَ .
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقَاءُ، وحدَّثنى المثنى، قال: ثنا إسحاقُ،
(١) فى ص، ت ٢: ((عطية))، وفى ف: ((غطية)).
(٢) فى م: ((أنزل)).
(٣) فى ص، ت ٢، ف: ((به))، وفى م: ((به أى بما)).
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١١٩/٤ إلى المصنف.
(٥) سقط من : م.

٢٣٣
سورة النحل : الآيات ٤٥ - ٤٧
قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن وَرْقَاءَ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، / عن مجاهدٍ: ﴿أَفَأَمِنَ ١١٢/١٤
الَّذِينَ مَكَرُواْ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ اْأَرْضَ﴾ إلى قولِه: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى
تَخَوُّفٍ﴾. قال: هو تُمُرُودُ بنُ كَتْعانَ وقومُه(١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريجٍ، عن
مجاهدٍ مثله .
وإنما اخْتَرْنا القولَ الذى قُلْناه فى تأويل ذلك؛ لأن ذلك تهديدٌ مِن اللَّهِ أهلَ
الشركِ به، وهو عَقِيبُ قولِه: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِىّ إِلَيْهِمْ فَسْئَلُواْ
أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونٌ﴾. فكان تهديدُ مَن لم يُقِرَّ بِحُجّةِ اللهِ ، الذی جرّی
الكلامُ بخطابِهِ قبلَ ذلك ، أخْرَى مِن الخبرِ عمَّن انْقَطَع ذکرُه عنه .
وكان قتادةُ يقولُ فى معنى السيئاتِ فى هذا الموضعِ، ما حدَّثنا به بشرُ بنُ
معاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُواْ
السَّيِئَاتِ﴾. أى: الشركَ(٢) .
٤٦
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِى تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ
أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِمُ
(٤٧
يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِى تَقَلُّبِهِمْ﴾ أو يُهْلِكَهم فى تصرفِهم
فى البلادِ، وتردُّدِهم فى أسفارِهم. ﴿فَمَاهُم بِمُعْجِزِينَ﴾ . يقولُ جلَّ ثناؤه : فإنهم
لا يُعْجِزون اللَّهَ مِن ذلك، إن أراد أخْذَهم كذلك. وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال
أهلُ التأويلِ .
(١) تفسير مجاهد ص ٤٢١، ٤٢٢ من طريق ورقاء به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١١٩/٤ إلى ابن أبى
شيبة وابن المنذر .
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١١٩/٤ إلى المصنف وابن أبى حاتم.

٢٣٤
سورة النحل : الآيتان ٤٦، ٤٧
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى المثنى وعلىُّ بنُ داودَ ، قالا: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال: ثنى معاويةُ،
عن علىِّ عن ابنِ عباسٍ قوله: ﴿أَوْ بَأْخُذَهُمْ فِى تَقَلِهِمْ﴾. يقولُ: فى
(١)
اختلافهم
٠
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى ، قال : ثنى عمى ، قال : ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ أَوْ بَأْخُذَهُمْ فِى تَقَلُّبِهِمْ فَمَاهُم بِمُعْجِزِينَ﴾. قال: إن
شئتَ أَخَذْتَه فى سفرِه (٢) .
حدَّثنى محمدُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال : ثنا محمدُ بنُ ثورٍ ، عن معمرٍ ، عن قتادةً :
أَوْ بَأْخُذَهُمْ فِى تَقَلُبِهِمْ﴾ : فى أسفارِهم (٣).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ ، قال: ثنا سعيدٌ ، عن قتادةً مثلَه .
وقال ابنُ جريجٍ فى ذلك ما: حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال: ثنى
حجاجٌ، عن ابن جريجٍ: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِى تَقَلِبِهِمْ﴾. قال: التَّقُلُّبُ أن يَأْخُذَهم
بالليلِ والنهارٍ(9) .
وأما قولُه : ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُفٍ ﴾ . فإنه يعنى : أُو يُهْلِگھم بتخُّفٍ ،
وذلك بنقصٍ مِن أطرافِهم ونَواحيهم ، الشىءَ بعدَ الشىءٍ ، حتى يُهْلِكَ جميعهم ،
(١) ذكره البغوى فى تفسيره ٥/ ٢١، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١١٩/٤ إلى المصنف وابن أبى حاتم.
(٢) فى م: ((سفر)). والأثر ذكره أبو حيان فى البحر المحيط ٤٩٥/٥ بنحوه، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
١١٩/٤ للمصنف وابن أبى حاتم .
(٣) تفسير عبد الرزاق ٣٥٦/١ عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور إلى المصنف وابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٤) ذكره أبو حيان فى البحر المحيط ٤٩٥/٥.
(٥) فى ص، ت ١: ((أصوافهم))، وفى ت ٢: ((أصوابهم))، وفى ف: ((أصواتهم)).

٢٣٥
سورة النحل : الآية ٤٧
يقالُ منه: تخَوَّف مالَ فلانٍ الإنفاقُ. إذا انْتَقَصَه . ونحوُ تخَوُّفِه - مِن التَّخوُّفِ -
بمعنى التنقُّصِ، قولُ الشاعرٍ (١) :
١١٣/١٤
/تخَوَّف السيرُ منها تامِكًا قَرِدًا
كما تخَوَّف عُودَ النَّبْعةِ السَّفَنُ(١)
يعنى بقولِه: تخَوَّف السيرُ. تنَقَّص سَنامَها. وقد ذَكَوْنا عن الهيثم بنٍ
عدىّ (٤) أنه كان يقولُ: هى لغةٌ لِأَزْدِ شَئُوءةَ ، معروفٌ لهم .
ومنه قولُ آخَرَ(٥) :
سَلاسلَ فى الحُلُوقِ لها صَلِيلُ(١)
تخرُّفُ غَدْرِهِمْ(٢) مالى وأُحدِى
وكان الفرَّاءُ يقولُ(٧): العربُ تقولُ: («تحوَّقْتُه - أْ: تنَقَّصْتُه - تحَوْفًا ◌ُ) .
أى: أخَذْتُه مِن حافاتِهِ وأطرافِه. قال: فهذا الذى سمِعْتُهُ(١) ، وقد أتَى التفسيرُ
(١) البيت لابن مقبل، كما فى ديوانه ص ٤٠٥، ولسان العرب (خ وف). ونسبه صاحب سمط اللآلئ
٧٣٨/٢ لقعنب ابن أم صاحب ، ونسبه الزمخشری فی أساس البلاغة (خ و ف) لزهیر ولیس فی دیوانه،
ونسبه القرطبى فى تفسيره ١٠/ ١١٠، والشيخ زاده فى حاشيته على تفسير البيضاوى ١٧٩/٣ لأبى كبير
الهذلى وليس فى ديوان الهذليين، ونسبه ابن منظور فى اللسان (س ف ن) لذى الرمة وليس فى ديوانه .
(٢) تامكا : التامك: السّنام ما كان. وقيل: هو السنام المرتفع وناقة تامك: عظيمة السنام. قرِدا : القَرَد : ما
تمعط من الوبر والصوف وتلبّد . وقرِد الشعرُ والصوفُ - بالكسر - يقرَد قَرَدا فهو قرِد، وتقرَّد: تجعَّد
وانْعَقَدَت أطرافُه . التَّبعة: النَّع شجر من أشجار الجبال تُنَّخذ منه القِسى. والسفَن: الحديدة التى تُبُرد بها
القِسیّ. لسان العرب (ت م ك ، ق ر د ، ن ب ع، س ف ن).
(٣ - ٣) سقط من: ت ١، ت ٢، ف.
(٤) ينظر تفسير القرطبى ١١٠/١٠، والبحر المحيط ٤٩٥/٤.
(٥) البيت فى مجاز القرآن ٣٦٠/١، والتبيان ٣٨٦/٦، وتفسير القرطبى ١١٠/١٠، وفتح القدير ١٦٥/٣.
(٦) فى م، ص، والتبيان، وفتح القدير: ((عدوهم)). والمثبت من مجاز القرآن وتفسير القرطبى ؛ فبه يستقيم السياق.
(٧) معانى القرآن ٢/ ١٠١، ١٠٢.
(٨ - ٨) فى ت ١، ف: ((تخوفته أى تنقصته تخوفا)).
(٩) فى ص، ت ١، ف: (( سمعه)).

٢٣٦
سورة النحل : الآية ٤٧
بالخاءِ(١)، وهو (٢) بمعنى. قال(٣): ومثلُه ما قُرِئ بوجهيْن؛ قولُه: إن لك فى النهارِ
سَبْحًا وَسَبْخًا (٤).
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا أبى، عن المسعودىِّ، عن إبراهيم بنٍ عامٍ بنٍ
مسعودٍ، عن رجلٍ، عن عمرَ، أنه سألهم عن هذه الآية: ﴿أَوَ يَأْخُذَهُمْ فِى تَقَلُبِهِمْ
فَمَاهُم بِمُعْجِزِينَ ﴿ أَوْ بَأْخُذَّهُمْ عَلَى تَخَوُفٍ﴾. فقالوا: ما نَرَى إلا أنه عندَ تنقُّصٍ(٥) ما
نُرَدِّدُهُ (١) مِن الآياتِ. فقال عمرُ: ما أَرَى (١) إلا أنه على ما تَنْتَقِصون مِن معاصى اللَّهِ.
قال : فخرج رجلٌ ممن كان عندَ عمرَ، فَلَقِى أعرابيًّا، فقال: يا فلانُ، ما فعَل ريُّك (٨)؟
قال: قد تخَيَفْتُه؛ يعنى تنَقَّصْتُهُ(١) . قال: فرجَع إلى عمرَ فأخْبَرَه، فقال: قدَّر اللّهُ
(١) فى م، ت ١، ت ٢، ف: ((بالحاء)).
(٢) فى م: ((هما)).
(٣) أى الفراء.
(٤) فى ت ١، ت ٢، ف: ((سبحا)). وهى الآية السابعة من سورة المزمل. والقراءة بالخاء من القراءات
الشاذة، وهى قراءة أبى وائل وعكرمة ويحيى بن يعمر وابن أبى عبلة ، كما فى مختصر الشواذ لابن خالويه
ص ١٦٤، ينظر القرطبى ٤٢/١٩، والبحر المحيط ٣٦٣/٨، والسبخ: السعة، والسبح نحوه. ينظر معانى
القرآن ٢/ ١٠٢.
(٥) سقط من: ت ١. وفى ص، ت ٢، ف: ((نقص)).
(٦) فى م، ت ١، ت ٢، ف: ((يردده))، وفى ص غير منقوطة ، والمثبت موافق لما فى الدر المنثور.
(٧) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((أدرى)).
(٨) كذا فى النسخ والدر المنثور، وفى تفسير القرطبى: ((دَيْنُك)). والمعنى متوجُّه على ((ربك)) فهو السيد
والمولی، كما هو معروف من معانیه .
(٩) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((انتقصته)).

٢٣٧
سورة النحل : الآية ٤٧
(١)
ذلك(١) .
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی ابی ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى [٢٠٢/٢ظ] تَخُوُّفٍ﴾. يقولُ: إنْ شئتُ أَخَذْتُه
على أثرٍ موتِ صاحبِهِ، نُخَوِّفُ(٢) بذلك(٣).
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال : ثنى حجاجٌ، عن ابن جريج ، عن عطاء
الخراسانيّ، عن ابنِ عباس: ﴿عَى تَخُوفٍ﴾. قال: التنقُّصِ والتَّفْريع().
احدَّثنی محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال : ثنا عيسى ، عن ابنٍ أبى ١١٤/١٤
تَجِيحِ، عن مجاهدٍ: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾: على تنقُّصٍ(٥).
حدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ(١)، قال: ثنا وَرْقَاءُ، وحدَّثنى المثنى، قال :
أخبرنا إسحاقُ ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن وَرْقاءَ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيحِ، عن
(١) أشار الحافظ فى الفتح ٣٨٦/٨ إلى رواية المصنّف، وذكره القرطبى مطولا ببعض اختلاف فى تفسيره
١١٠/١٠، ١١١، وعنده: ((قال سعيد بن المسيب: بينما عمر على المنبر قال ... )) وفيه أن مفسّر التخوف
شيخ من بنى هذيل، وفيه ذكر بيت الشعر (( ... تامكًا فردًا ... )) ونسبته لأبى كبير الهذلى. ووقع فى الدر
المنثور ١١٩/٤ ذِكر المتن، لكن سقط ذِكْر العزو فدخل ذلك مع عزو الأثر الثالث هنا للمصنّف، من طريق
عطاء اخراسانی عن ابن عباس .
(٢) فى م، والدر المنثور: ((تخوف))، وفى ت١ غير واضحة، وفى ف: ((يخوف)).
(٣) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٤٩٤/٤، وعنده: ((تخوفه)). وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١١٩/٤ إلى
المصنف وابن أبى حاتم .
(٤) فى م: ((التفزيع))، وفى ص، ت ٢: غير منقوطة.
والأثر ذكره الطوسى فى التبيان ٣٨٦/٦ بلفظ: ((التفزيع)). والقرطبى فى تفسيره ١٠٩/١٠ - ١١١،
والبحر المحيط ٤٩٥/٥، والشوكانى فى فتح القدير ١٦٥/٣ بلفظ: ((على تقريع بما قدموه من ذنوبهم)).
(٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١١٩/٤ إلى المصنف وابن أبى شيبة وابن المنذر، بلفظ: ((يأخذهم بنقص
بعضهم )) .
(٦) فى ص، ت ١، ف: ((الحسين)). والحسن هو ابن موسى الأشيب، ينظر ترجمته فى تهذيب الكمال
٣٢٨/٦، ٠٣٢٩

٢٣٨
سورة النحل : الآية ٤٧
مُجاهدٍ : ﴿عَلَى تَخَوُّفٍ﴾ . قال : تنقُّصٍ .
حدَّثنى المثنى، قال : ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنٍ أبى نجيحٍ، عن
مجاهدٍ مثله .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى
تَخُوُّفٍ﴾، فيُعاقِبَ أو يَتَجاوزَ(١).
حدَّثنى يونُسُ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله : ﴿ أَوْ
يَأْخُذَهُمْ عَى تَخُوُفٍ﴾. قال: كان يقالُ : التخوُّفُ التَنقُّصُ ؛ يَنْتَقِصُهم مِن البُلدانِ مِن
الأطرافِ(٢).
حُدِّثتُ عن الحسين ، قال : سمِعْتُ أبا معاذٍ يقولُ : ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ ، قال :
سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ فى قولِهِ: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوْفٍ﴾. يعنى: يَأْخُذُ العذابُ
طائفةٌ ، وَيَتْرُكُ أخرى، و(٢) يُعَذِّبُ القريةَ ويُهْلِكُها، ويَتْكُ أخرى إلى جَنْبِها(٤).
وقولُه: ﴿فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾. يقولُ: فإن ربَّكم إن لم يَأْخُذْ هؤلاء
الذين مكَروا السيئاتِ بعذابٍ مُعَجَّل لهم، وأخَذَهم بالموتِ وتنقُّصِ بعضِهم فى
أثرٍ بعضٍ، لَرءوفٌ بخلقِه، رحيمٌ بهم، ومِن رأفتِه ورحمتِهِ بهم لم يَحْسِفْ بهم
الأرضَ ، ولم يُعَجّلْ لهم العذابَ، ولكن يُخَوِّفُهم ويُنَقِّصُهم بموتٍ.
(١) ذكره القرطبى فى تفسيره ١٠/ ١١١، وأبو حيان فى البحر المحيط ٥/ ٤٩٥، والشوكانى فى فتح القدير
٠١٦٥/٣
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١١٩/٤ إلى المصنف وابن أبى حاتم .
(٣) زيادة من: م.
(٤) أخرجه الثورى فى تفسيره ص ١٦٥، بإسناده عن الضحاك، وذكره القرطبى فى تفسيره ١٠/ ١١٠،
وأبو حيان فى البحر المحيط ٤٩٥/٥.
٠
(٥) فى م: ((بوت)).

٢٣٩
سورة النحل : الآية ٤٨
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شَىْءٍ يَنَفَيَّوْاْ ظِلَلُهُ
٤٨
عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَابِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ
اخْتَلَفَتِ القَرَأةُ فى قراءةٍ ذلك؛ فقرأَتْه عامةُ قرَأَةِ الحجازِ والمدينةِ والبصرةِ :
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ بالياءِ على الخبرِ عن الذين مكَروا السيئاتِ. وقرَأْ ذلك بعضُ قرأةٍ
الكوفيين : (أوَ لَمْ تَرَوا) بالتاءِ على الخطابِ (١).
وأولى القراءتين عندى بالصوابِ قراءةُ مَن قرَأ بالياءِ، على وجهِ الخبرِ عن الذين
مكَروا السيئاتِ؛ لأن ذلك فى سياقٍ قَصَصِهم والخبرِ عنهم، ثم عَقِبَ ذلك
الخبرُ " عن ذَهابِهم٢ عن حجةِ اللّهِ عليهم، وتركهم النظرَ فى أدلتِهِ، والاعتبارَ بها .
فتأويلُ الكلام إذن: أو لم يَرَ هؤلاء الذين مكَروا السيئاتِ ، إلى ما خلَق اللهُ مِن
جسم قائم؛ شجرٍ أو جبلٍ أو غيرِ ذلك. ﴿يَنَفَيَّوْاْ ظِلَلُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَابِلِ ﴾ .
يقولُ : يَرْجِعُ مِن موضعٍ إلى موضعٍ، فهو فى أولِ النهارِ على حالٍ ، ثم يَتَقَلَّصُ، ثم
يَعودُ إلى حالٍ أُخرى فى آخرِ النهارِ .
وكان جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ يقولون فى اليمين والشَّمائلِ ما :
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، / عن قتادةً قولَه: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى ١١٥/١٤
مَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شَىْءٍ يَنَفَيَّواْ ظِلَلُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَآَيِلِ﴾. أما اليمينُ فأولُ النهارِ ،
وأما الشمائلُ( ) فَآخرُ النهارِ " .
(١) قرأ حمزة والكسائى: (أو لم تروا إلى ما) بالتاء، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم ﴿أو
لم يروا﴾ بالياء. وقرأ أبو عمرو: (تتفيأ) بالتاء، وقرأ الباقون بالياء. السبعة ص ٣٧٣، ٣٧٤، والتيسير فى
القراءات السبع ص ١١٢.
(٢ - ٢) سقط من: ت ١، ت ٢، ف .
(٣) فى م: ((الشمال)). وهو لفظ رواية البغوى.
(٤) تفسير عبد الرزاق ٣٥٦/١ عن معمر عن قتادة، وذكره البغوى فى تفسيره ٥/ ٢٢، وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ١١٩/٤ بنحوه، إلى المصنف وابن المنذر وابن أبى حاتم .

٢٤٠
سورة النحل : الآية ٤٨
حدّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال : ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ ، عن قتادةً
بنحوه .
حدَّثنا القاسمُ؛ قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ:
﴿يَنَفَيَّوْاْ ظِلَلُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَآيِلِ﴾. قال: الغُدُوِّ والآصالِ، إذا فاءَت الظِّلالُ
- ظلالُ كلِّ شىءٍ - بالغدوِّ سجَدَت للّهِ، وإذا فاءَت بالعَشِيِّ سجَدَت للّهِ(١).
مُحدِّثتُ عن الحسينِ ، قال : سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ : ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ ، قال :
سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ فى قولِه: ﴿ يَنَفَيَّوْاْ ظِلَلُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَابِلِ ﴾ . يعنى :
بالغدوِّ والآصالِ، تَسْجُدُ الظِّلالُ للّهِ غُدْوةً، إلى أن يَفِىءَ الظلُّ، ثم تَسْجُدُ للّهِ إِلى
الليلِ . يعنى ظلَّ كلِّ شيءٍ.
وكان ابنُ عباسٍ يقولُ فى قولِه: ﴿ يَنَفَيَّوْاْ ظِلَلْهُ ﴾ ما:
حدَّثنا المثنى ، قال: أخبرنا أبو صالح، قال: ثنى معاويةُ، عن علىٍّ ، عن ابنِ
عباسٍ، قولَه: ﴿يَنَفَيَّوْاْ ظِلَلُهُ﴾. يقولُ: تَتَمَيَّلُ(٢) .
واخْتُلِف فى معنى قوله: ﴿ سُجَّدًا لِلِّ﴾. فقال بعضُهم: ظلُّ كلِّ شيءٍ
سجوده .
١
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ ، عن معمرٍ ، عن قتادةَ :
﴿يَنَفَيَّوْاْ ظِلَلُهُ﴾. قال: ظلُّ كلِّ شيءٍ سجودُهُ(١).
(١) ذكره السيوطى فى الدر المنثور ١٢٠/٤ لكن من قول مجاهدٍ، وعزاه إلى المصنف وابن المنذر.
(٢) عزاه الشوكانى فى فتح القدير ١٦٧/٣ إلى المصنف وابن أبى حاتم .
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١١٩/٤ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبى حاتم.