النص المفهرس
صفحات 201-220
٢٠١
سورة النحل : الآية ٢٥
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ
كَامِلَةٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: أى ذنوبَهم وذنوبَ الذين يُضِلَّونهم بغيرِ علم، ﴿أَلَاسَآءُ
مَا يَزِرُونَ﴾
/حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن ٩٦/١٤
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قوله: ﴿لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَئِمَةٌ وَمِنْ أَوْزَارِ
فے
الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾. يقولُ: يَحْمِلُون ذُنوبَهم، وذلك مِثْلُ قولِه:
( وَأَثْقَالَا مَّعَ أَثْقَاِهِمٌ﴾ [العنكبوت: ١٣]. يقولُ: يَحْمِلُون مع ذُنوبِهم ذُنوبَ الذين
يُضِلُّونهم بغيرِ علم ".
حدَّثنى المثنى ، قالَ : أخبرنا إسحاقُ ، قال: ثنا عبدُ اللّهِ بنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه،
عن الربيع: ﴿لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُونَهُم
بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ﴾. قال: قال النبىُّ عَِّ: ((أَيُما داعٍ دعا إلى ضلالةٍ
فاتُّبِع، فإن عليه مِثْلَ أوزارٍ مَن اتَّبَعَه مِن غيرٍ أَن يَنْقُصَ مِن أوزارِهم شىءٌ؛ وأيُّما داع
دعا إلى هُدّى فَاتُبِع، فله مثلُ أجورِهم مِن غيرِ أن يَنْقُصَ مِن أجورِهم شىءٍ(١) .
حدَّثنى المثنى ، قال : أخبرنا سويدٌ ، قال: أخبرنا ابنُ المباركِ ، عن رجلٍ، قال :
قال زيدُ بنُ أسلَمَ أنه بلَغه أنه يَتَمَّثَّلُ للكافرِ عملُه فى صورةٍ أَقْبَح ما خلَق اللّهُ وجهًا ،
وأنتَنِهِ ريحًا، فيَجْلِسُ إلى جَنْبِه كلَّما أفزَعه شىءٌ زادَهُ(٤)، وكلَّما تخوّف شيئًا) زادَه
(١ - ١) سقط من: ت ٢.
(٢) ذكره ابن كثير ٤٨٤/٤ عن العوفى عن ابن عباس به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١١٦/٤ إلى
المصنف وابن أبى حاتم .
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١١٧/٤ إلى المصنف وابن أبى حاتم، وأصله فى مسلم (٢٦٧٤).
(٤) بعده فى م: ((فزعا)).
(٥) فى ت ٢: (( شىء)).
٢٠٢
سورة النحل : الآيتان ٢٥ ، ٢٦
خوفًا . فيقولُ : بئس الصاحبُ أنت ، ومن أنت؟ فيقولُ: وما تَعْرِفُنى؟ فيقولُ: لا.
فيقولُ: أنا عمَلُك، كان قبيحًا، فلذلك تَرَانى قبيحًا، وكان مُنتِنًا، فلذلك تَرَانى
مُثِنًا، طَأْطِئْ إلَىَّ(١) أَرْكَبْك، فطالما ركِبتنى فى الدنيا. فيَرْكَبُه، وهو قولُه:
◌ْ لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةٌ يَوْمَ الْقِيَمَةٌ﴾(١).
القولُ فى تأويل قولِه عزَّ وجلَّ: ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَنَى اللَّهُ
بُنْيَنَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وَأَتَنْهُمُ الْعَذَابُ مِنْ
حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ
يقولُ تعالَى ذكره : قد مكر الذين من قبلِ هؤلاء المشركين ، الذين يَصُدُّون عن
سبيلِ اللّهِ من أراد اتباعَ دينِ اللّهِ، فرامُوا (٢) مغالبةَ اللّهِ ببناءٍ بَنَوْه، يُريدون بزعمِهم
الارتفاعَ إلى السماءِ لحربٍ مَن فيها . وكان الذى رام ذلك - فيما ذُكِر لنا - جبارًا
من جبابرةِ الَّبَطِ ، فقال بعضُهم: هو نُمرودُ بنُ كَتْعانَ . وقال بعضُهم: هو بُخْتُنَصَّرَ.
وقد ذكرتُ بعضَ أخبارِهما فى سورةِ ((إبراهيمَ)) (٤). وقيل: إن الذى ذُكِر فى هذا
الموضع هو الذى ذكره اللّهُ فى سورةٍ [١٩٧/٢ظ] ((إبراهيمَ)).
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ ، عن السدىِّ ،
قال: أَمَر الذى حاجَّ إبراهيمَ فى ربِّه بإبراهيمَ فأُخْرِج - يعنى: من مدينتِه - قال(٥):
(١) فى ص: ((لی)).
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١١٧/٤ إلى المصنف.
(٣) سقط من : ف .
(٤) ينظر ٧١٨/١٣ وما بعدها .
(٥) سقط من: ت ١.
٢٠٣
سورة النحل : الآية ٢٦
فأُخرِج () فلقِى لوطًا على بابِ المدينةِ ، وهو ابنُ أخيه ، فدعاه ، فآمَن به، وقال : ﴿ إِنِ
مُهَاجِرُ إِلَى رَبِّ﴾ [العنكبوت: ٢٦]، وحلَف تُمرودُ أن (١) يطلبَ إلهَ إبراهيمَ، فأخذ(١)
أربعةَ أفراخ (٩) من أفراخٍ(٥) / التُّسورِ، فرباهنَّ باللحمِ والخبزِ()، حتى كَبِرْنَ وغلُظنَ ٩٧/١٤
واستعلَجنَ(١) ، فربطَهنَّ فى تابوتٍ، وقعَد فى ذلك التابوتِ، ثم رفَع رِجْلًا من لحم لهنَّ
فطِرْنَ، حتى إذا ذهَبنَ فى السماءِ، أشرَف يَنظُرُ إلى (٨) الأرضِ، فرأَى الجبالَ تَدِبُّ
كدبيبِ النملِ، ثم رفَع لهنَّ اللحمَ، ثم نظرَ فرأى الأرضَ يُحيطُ(٢) بها بحرٌ، كأنها
فَلَكَةٌ(١٠) فى ماءٍ، ثم رفَع طويلًا فوقَع فى ظلمةٍ، فلم يَرَ ما فوقَه و((١لم يرَ (١) ما تحتَه،
ففزع، فألقى اللحمَ، فَاتَّبَعْنَه مُنقَضَّاتٍ؛ فلمَّا نظَرتَ الجبالُ إليهنَّ، وقد أَقْبَلْنَ
مُنقضَّاتٍ ، وسمِعِنَ(١٢) حفيفَهنَّ، فزِعَت الجبالُ، وكادت أن تزولَ من أمكنتِها ، ولم
يفعلْنَ، وذلك قولُ اللّهِ: ﴿وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ
مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ [إبراهيم: ٤٦]. وهى فى قراءةِ ابنِ مسعودٍ: ( وَإِنْ
(١) سقط من: م.
(٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.
(٣) بعده فى ت ٢: ((أحد)).
(٤) فى ص، ت ٢، ف: ((أفرخ)).
(٥) فى ص، ت ٢، ف: ((فراخ)).
(٦) فى ص، ف: ((الحمر)). وفى ت ٢: ((الخمر)).
(٧) فى م: ((واستعجلن)).
(٨) فى ف: ((ليرين)).
(٩) فى م: ((محيطا)). وفى ت ١: ((محيط)).
(١٠) الفَلَكُ : قطع من الأرض تستدير وترتفع عما حولها، الواحدة فَلكة، بفتح اللام، وقيل: بتسكينها .
اللسان (ف ل ك).
(١١ - ١١) ليست فى: م، ت١، ت٢، ف.
(١٢) فى م: ((سمعت)).
٢٠٤
سورة النحل : الآية ٢٦
كادَ(١) مَكْرُهُمْ). فكان طَيْرُورَتُهن(١) به من بيتِ المقدسِ ووقوعُهن به فى جبلٍ
الدخانِ ، فلمّا رأَى أنه لا يُطِيقُ شيئًا، أَخَذ فى بُنيانِ الصرح، فبَنى حتى إذا
أَستَده (٢) إلى السماءِ ارتقَى فوقَه يَنْظُرُ()، يَزِعْمُ، إلى إلهِ إبراهيمَ، فأحدث، ولم
يكن يُحدِثُ، وأَخَذَ اللّهُ بُنْيَانَهُ مِنَ القَوَاعد، ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ
وَأَتَنَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾ ، يقولُ: من مأمنهم. وأخَذهم من
أساسٍ الصَّرْح، فتنَقَّضَ بهم، يسقُطُ(١) ، فتَبَلْبِلَتْ ألسنُ الناسِ يومئذٍ من الفزعِ،
فتكلَّموا بثلاثةٍ وسبعين لسانًا ، فلذلك سُمِّيَتْ بابلَ. و "إنما كان لسانُ الناسِ من " قبلٍ
ذلك بالسريانية .
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمِّی ، قال : ثنی أبى، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَنَى اللَّهُ بُّنْيَنَهُم
مِنَ الْقَوَاعِدِ﴾. قال: هو نُمرودُ حينَ بنى الصرحَ().
حدَّثنی المثنی ، قال : أخبرنا إسحاقُ ، قال : ثنا عبدُ الرزاق ، عن معمرٍ ، عن زيد
ابنِ أسلمَ : إن أوّلَ جبارٍ كان فى الأرضِ نُمرودُ ، فبعث اللهُ عليه بعوضةً ، فدخلت فى
مَنخَرِهِ ، فمكث أربعمائة سنةٍ يُضْرَبُ رأسُه بالمطارقِ ، أرحمُ الناسِ به مَن جمعَ يديه
(١) فى ت ١، ت ٢، ف: ((كان)). وينظر ما تقدم فى ٧١٨/١٣.
(٢) فى ت ٢: ((طيروروهن)). يقال: طار يطير طيرًا وطيرورةٌ.
(٣) فى م، ف: (( شیده)) .
(٤) سقط من: ت ٢.
(٥) فى ت ١: ((يناس))، وفى ت ٢: ((أيناس)).
(٦) فى م: ((فسقط)).
(٧ - ٧) سقط من: ت ١، ت ٢.
(٨) ذكره ابن كثير ٤٨٥/٤ عن العوفى عن ابن عباس به وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١١٧/٤ إلى
المصنف ، وابن أبى حاتم .
٢٠٥
سورة النحل : الآية ٢٦
فضَرَب بهما رأسَه ، وكان جبارًا أربعمائةِ سنةٍ ، فعذَّبه اللّهُ أربعمائة سنةٍ كمُلْكِه ، ثم
أماته اللّهُ؛ وهو الذى كان بنى صَرْحًا إلى السماءِ، وهو الذى قال اللّهُ: ﴿فَأَنَ اللَّهُ
بُثْيَنَهُم مِّنَ اُلْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ﴾
وأما قولُه: ﴿فَأَنَى اللَّهُ بُلْيَئِنَهُم مِّنَ اُلْقَوَاعِدِ﴾. فإن معناه: هدَم اللّهُ
بنيانَهم من أصلِه . والقواعدُ جمعُ قاعدةٍ ، وهى الأساسُ، فكان (١) بعضُهم يقولُ:
هذا مثَلٌ للاستئصالِ، وإنما معناه أن اللّهَ استأصَلهم. وقال: العربُ تقولُ ذلك إذا
استُؤْصِل الشىءُ.
وقولُه: ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ﴾. اختلف أهلُ التأويلِ فى معنى
ذلك ؛ فقال بعضُهم(١) : فخرّ عليهم السقفُ من فوقهم : أعالى بيوتهم من فوقِهم .
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿قَدْ مَڪَرَ
الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَنَى اللَّهُ بُلْيَنَهُم مِّنَ اُلْقَوَاعِدِ﴾: "إى واللّهِ، لأَتَاهَا(٤) أمرٌ
اللّهِ من أصلِها، ﴿فَخَرَّ عَلَتِهِمُ السَّقُفُ مِن فَوْقِهِمْ﴾. والسقفُ أعالى البيوتِ.
فَائْتِفَكتْ (١) بهم بيوتُهم، فأهلكهم اللّهُ ودمَّرهم، ﴿ وَأَتَنْهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا
(٦)
يَشْعُرُونَ﴾(١).
(١) فى م: (( وكان)).
(٢) بعده فى ص، م، ت ٢، ف: (( معناه)).
(٣ - ٣) سقط من: ت ١.
(٤) فى ص، ت ٢، ف: ((لأتاهم)). وينظر مصدر التخريج .
(٥) ائتفكت : انقلبت . اللسان (أف ك).
(٦) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١١٧/٤ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم .
٢٠٦
سورة النحل : الآية ٢٦
٩٨/١٤
/حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال : ثنا محمدُ بنُ ثورٍ ، عن معمرٍ ، عن قتادة :
﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ﴾. قال: أَتَّى اللّهُ بنياتّهم من أصولِه، فخرّ
( (١)
عليهم السقفُ(١).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمروٍ ، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدَّثنى
الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، وحدَّثنى المثنى، قال: أخبرنا أبو
حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ؛ وحدَّثنى المثنى، قال : أخبرنا إسحاقُ ، قال : ثنا عبدُ اللهِ ،
عن ورقاء، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح: ﴿فَأَنَى اللَّهُ بُلْيَنَهُم مِّنَ اُلْقَوَاعِدِ﴾.
قال : [١٩٨/٢و] مَكْرُ نُمرودَ بنِ كَتْعانَ الذى حاجَ إبراهيمَ فی ربِّه (١) .
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن
مجاهدٍ مثله .
وقال آخرون: عنَى بقولِه: ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ﴾. أن العذابَ
أتاهم من السماءِ .
ذكر من قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال: ثنى أبى ، قال: ثنى عمِّى، قال ثنى أبى، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ﴾. يقولُ : عذابٌ
من السماءِ، لَّ رأَوْه استسلموا وذَلُّوا .
وأولى القولين بتأويل الآيةِ قولُ مَّن قال : معنى ذلك: تساقطتْ عليهم سقوفُ
(١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٣٥٥/١ من طريق معمر به .
(٢) تفسير مجاهد ص ٤٢١ من طريق ورقاء به. وذكره ابن كثير ٤٨٥/٤، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
١١٧/٤ إلى ابن أبى شيبة والمصنف وابن المنذر.
٢٠٧
سورة النحل : الآيتان ٢٦، ٢٧
بيوتِهم ، إذ أتَى أصولَها وقواعدَها أمرُ اللّهِ، فَائْتَفَكتْ بهم منازلُهم؛ لأن ذلك هو
الكلامُ المعروفُ من قواعدِ البنيانِ وخَرِّ السقفِ ، وتوجيهُ معانى كلام اللّهِ إِلى الأشهرِ
الأعرف منهما(١) أولى من توجيهِها (٢) إلى غيرِ ذلك ما وُجِد إليه سبيلٌ.
﴿ وَأَتَنْهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ ﴾. يقولُ تعالَى ذكره : وأتى هؤلاء
الذين مكَرُوا من قَبْلِ مشركى قريشٍ، عذابُ (١) اللّهِ من حيثُ لا يدرُون أنه أتاهم
منه .
القولُ فى تأويل قوله عزَّ وجلَّ: ﴿ ثَُّ يَوْمَ الْقِيَمَةِ يُخْرِيِهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَاءِىَ
الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَقُّونَ فِيهِمَّ قَالَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْىَ الْيَوْمَ وَالسُّوْءَ عَلَى
الْكَفِرِينَ
٢٧
يقولُ تعالَى ذكرُه: فَعَل اللّهُ بهؤلاء الذين مكَروا، الذين وصَف اللّهُ
جلَّ ثناؤُه أمرَهم، ما فعل بهم فى الدنيا، من تعجيلِ العذابِ لهم والانتقامِ،
بكفرِهم وجحودِهم وحدانيته، ثم هو مع ذلك يومَ القيامةِ مُخزِيهم فمذلُهم
بعذابٍ أليمٍ، وقائلٌ لهم عندَ ورودِهم عليه: ﴿ أَيْنَ شُرَكَاءِىَ الَّذِينَ كُنْتُمْ
تُشَقُونَ فِيهِمْ﴾ ؟ أصلُه من شاققتُ فلانًا، فهو يُشاقُّنى، وذلك إذا فعَل كلُّ
واحدٍ منهما بصاحبِه ما(٤) يَشُقُّ عليه. يقولُ تعالَى ذكرُه يومَ القيامةِ، تقريعًاً(٢)
للمشركين بعبادتهم الأصنامَ: ﴿أَيْنَ شُرَكَلِىَ﴾. يقولُ: أين الذين كنتم
(١) فى م: ((منها)).
(٢) فى ص: ((توجيههما)). وفى ت ١، ت ٢: ((توجيهه)).
(٣) بعده فى ت ١: ((من)).
(٤) فى ت ١، ت ٢، ف: ((ما)).
(٥) فى ص، ت ١، ت ٢: ((تعريفًا)).
٢٠٨
سورة النحل : الآيتان ٢٧، ٢٨
تزعُمون فى الدنيا أنهم شركاء فيَّ" اليومَ، ما لهم لا يحضُرونكم ، فيدفعُوا عنكم
ما أنا مُحِلِّ بكم من العذابِ ، فقد كنتم تعبدونهم فى الدنيا ، وتتولّونهم، والولئُّ
يَنْصُرُ ولِيَّه. وكانت مشاقَّتُهم اللّه فى أوثانِهم مخالفتَهم إياه فى عبادتهم.
كما حدَّثنى المثنى، قال : ثنا عبدُ اللّهِ بنِ صالح، قال ثنى معاويةُ، عن علىٍّ ، عن
ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿أَيْنَ شُرَكَلِىَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَّقُونَ فِهِمَّ﴾. يقولُ: تخالفِونى(١).
/ وقولُه: ﴿ قَالَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْىَ الْيَوْمَ وَالشُّوَءَ عَلَى الْكَفِرِينَ﴾.
يعنى : الذِّلَةَ () والسوءَ. يعنى: عذابَ اللّهِ على الكافرين.
٩٩/١٤
القولُ فى تأويلِ قولِه عزَّ وجلَّ: ﴿ الَّذِينَ تَوَقَُّهُمُ الْمَلَئِكَةُ ظَالِمِيّ أَنفُسِهِمٌّ فَاَلْفَوَأْ
٢٨
اَلْسَلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوَّ بَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
يقولُ تعالَى ذكرُه : قال الذين أوتوا العلمَ: إن الخزىَ اليومَ والسوءَ على مَن كفَر
باللّهِ، فجَحَد وحدانيته، ﴿ الَّذِينَ تَنَوَقَُّهُمُ الْمَئِكَةُ﴾. يقولُ: الذين تقْبِضُ
أرواحهم الملائكةُ، ﴿ ظَالِّ أَنْفُسِهِمْ﴾. يعنى: وهم على كفرِهم وشركِهم باللّهِ .
وقيل : إنه عنَى بذلك من قُتِل من قريشٍ ببدرٍ ، وقد أُخرِج إليها كَوْهًا .
حدَّثنى المثنى، قال: أخبرنا إسحاقُ ، قال: ثنا يعقوبُ بنُ محمدِ الزُّهرىُّ،
قال : ثنى سفيانُ بنُ عيينةً، عن عمرو بن دينارٍ ، عن عكرمةَ، قال: كان ناسٌ بمكةً
أَقَرُوا بالإِسلامِ(٤) ولم يهاجِرُوا، فأُخرِج بهم كَرْهًا إلى بدٍ ، فَقُتِل بعضُهم، فأنزل اللّهُ
(١ - ١) فى م: (( شر کائی)).
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١١٧/٤ إلى المصنف وابن أبى حاتم.
(٣) بعده فى م: (( والهوان)).
(٤) سقط من : ص .
٢٠٩
سورة النحل : الآيات ٢٨ - ٣٠
فيهم: ﴿ الَّذِينَ تَوَقَُّهُمُ الْمَلَئِكَةُ ظَالِمِىّ أَنْفُسِهِمّ
وقولُه: ﴿فَأَلْقَواْ السَّلَمَ﴾. يقولُ: فاستسلَموا لأمرِه، وانقادُوا له حينَ عاينُوا
الموتَ قد نزَل بهم؛ ﴿ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوْعٍ﴾ . وفى الكلامِ محذوفٌ استُغنِى
بفَهْم سامعيه ما (١) دلّ عليه الكلامُ عن ذكرِه، وهو: قالوا(١): ﴿ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن
سُوْعٌ﴾، يُخْبِرُ(٣) عنهم بذلك أنهم كذَبوا وقالوا: ما كنا نعصِى اللّهَ. اعتصامًا(٤)
منهم بالباطلِ، رجاءَ أن ينجُوا بذلك، فكذَّبهم اللّهُ، فقال: بل قد(٥) كنتم تعملون
السوءَ، وتصدُّون عن سبيلِ اللّهِ، ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. يقولُ: إن
اللّهَ ذو علم بما كنتم تعملون فى الدنيا من معاصيه، وتأتُون فيها ما يُسخِطُهُ .
[١٩٨/٢ ظ] القولُ فى تأويل قوله عزَّ وجلَّ: ﴿فَادْخُلُواْ أَبْوَبَ جَهَتَمَ خَلِين
فِيَهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَِّنَ
٢٩
يقولُ تعالَى ذكرُه: يُقالُ(١) لهؤلاء الظلمةِ أنفسِهم حينَ يقولون لربِّهم: ﴿ مَا
كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوْءٍ﴾: ﴿فَادْخُلُواْ أَبْوَبَ جَهَنَّمَ﴾ . يعنى: طبقاتِ جهنمَ .
خَلِينَ فِهَا﴾. يعنى: ماكثين فيها. ﴿فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَِّينَ﴾. يقولُ:
فلبئس منزلُ مَن تكبّر على اللّهِ ، ولم يُقِّ بربوبيتِهِ، ويصدِّقْ بوحدانيته - جهنمُ .
وَقِلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْ مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ
القولُ فى تأويلِ قولِه عزَّ وجلَّ : ﴿
خَبْأُ لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِ هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَّهُ وَلَدَارُ اٌلْأَخِرَةِ خَرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ
(١) فى ص، ت ١، ت ٢: ((بما)).
(٢) فى ت ١: ((قوله)) .
(٣) فى ت ١، ف: ((مخبر)).
(٤) فى ت ١: ((استعصاما)).
(٥) سقط من: م، ت ١.
(٦) فى م، ف: ((يقول)).
( تفسير الطبرى ١٤/١٤ )
٢١٠
سورة النحل : الآية ٣٠
٣٠
اٌلْمُتَّقِينَ
١٠٠/١٤
/ يقولُ تعالَى ذكرُه: وقيل للفريقِ الآخَرِ (١)، الذين هم أهلُ إيمانٍ وتقوَى اللّهِ:
﴿ مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ﴾؟ قالوا: ﴿خَبْرَأْ﴾. يقولُ: قالوا: أَنزَل خيرًا .
وكان بعضُ أهلِ العربيةِ من الكوفيين يقولُ : إنما اختلف الإعرابُ فى قوله:
قَالُواْ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [النحل: ٢٤]. وقوله: ﴿خَيْرَأْ﴾. والمسألةُ قبلَ
الجوابين كليهما واحدةٌ، وهى قولُه: ﴿مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ﴾. لأن الكفارَ جَدوا
التنزيلَ، فقالوا حين سمِعوه: ﴿أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾. أى: هذا الذى جِئْتَ به
أساطيرُ الأوّلين: ولم يُنزِل اللّهُ منه شيئًا. وأما المؤمنون فصدَّقوا التنزيلَ، فقالوا :
خَيْرً ﴾. بمعنى أنه أَنزَل خيرًا . فانتصَب بوقوع الفعلِ من اللّهِ على الخيرِ ، فلهذا
افترقا. ثم ابتدَأُ الخبرَ، فقال: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ ﴾ . وقد بيَّنَا
ج
القولَ فى ذلك فيما مَضَى قبلُ، بما أغنَى عن إعادته(١).
ج
وقولُه: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِ هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَّةٌ﴾. يقولُ تعالَى ذكرُه:
للذين آمنوا باللّهِ فى هذه الدنيا ورسوله، وأطاعوه فيها، ودعَوا عبادَ اللهِ إلى الإيمانِ
والعملِ بما أمَرِ اللّهُ به، ﴿حَسَنَّةٌ﴾. يقولُ: كرامةٌ من اللّهِ .
ج
﴿ وَلَدَارُ الْأَخِرَةِ خَيْرٌ﴾. يقولُ: ولدارُ الآخرة خيرٌ لهم من دارِ الدنيا،
وكرامةُ اللّهِ التى أعدَّها لهم فيها أعظمُ من كرامته التى عَّلها لهم فى الدنيا .
( وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾. يقولُ: ولنعم دارُ الذين خافوا اللّهَ فى الدنيا فاتَّقَوْا
عقابَه بأداءِ فرائضِه ، وتجنّبٍ معاصيه ، دارُ الآخرةِ .
(١) سقط من: ت ٢.
(٢) ينظر ما تقدم فى ص ١٩٨.
٢١١
سورة النحل : الآيتان ٣٠، ٣١
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ
أَثَّقَوَأْ مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ خَيْرَاً لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ ﴾ وهؤلاء
ج
مؤمنون، فيقالُ(١) لهم: ﴿ مَاذَا أَنَزَلَ رَبُّكُمْ﴾؟ فيقولون: ﴿خَيْأ﴾. ﴿لِلَِّينَ
ج
أَحْسَنُواْ فِ هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَّةٌ﴾. أى: آمَنُوا باللّهِ، وأمَروا بطاعةِ اللّهِ، وحَتُّوا أهلَ(١)
طاعةِ اللّهِ على الخيرِ ودعَوْهم إليه (٣).
القولُ فى تأويلِ قولِه عزَّ وجلّ: ﴿جَنَّتُ عَدْنٍ يَدْ خُلُونَهَا تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ
٣١
لَهُمْ فِيَهَا مَا يَشَآءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِى اللَّهُ الْمُنَّقِينَ
يعنى تعالَى ذكرُه بقولِه: ﴿جَنَّتُ عَدْنٍ﴾: بساتينُ للمُقَامِ(٤). وقد بيّنا
اختلافَ أهلِ التأويلِ فى معنى ((عَدْنٍ)) فيما مَضَى، بما أغنَى عن إعادته(٥).
يَدْ خُلُونَهَا﴾. يقولُ: يدخلون جناتٍ عدنٍ. وفى رفع ((جنات)) أوجة
ثلاثةٌ : أحدُها أن يكونَ مرفوعًا على الابتداءِ ، والآخرُ بالعائدِ من الذكرِ فى قولِه :
﴿ يَدْخُلُونَهَا﴾. والثالثُ على أن يكونَ خبرًا لـ ((نعم))، فيكونُ المعنى إذا جُعِلَتْ خبرًا
لـ ((نعم)): ولنعمَ دارُ المتقين جنَّاتُ عدْنٍ. ويكونُ ﴿يَدْخُلُونَهَا﴾ فى موضعٍ حالٍ ،
كما يُقالُ: نعم الدارُ دارٌ تسكنُها أنتَ . وقد يجوزُ أن يكونَ - إذا كان الكلامُ بهذا
(١) فى ص، فى: ((فقال)).
(٢) سقط من : ص، ت ٢.
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١١٧/٤ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٤) فى ص، ت ٢، ف: ((المقام)) .
(٥) تقدم فى ٥٥٩/١١ - ٥٦٤.
٢١٢
سورة النحل: الآيتان ٣٢،٣١
التأويل - ﴿ يَدْخُلُونَهَا﴾ من صلةٍ ﴿ جَنَّتُ عَدْنٍ﴾ .
وقولُه: ﴿ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرٌ﴾.
١٠١/١٤
/ يقولُ: تجرِى مِن تحتِ أشجارِها الأنهارُ، ﴿لَهُمْ فِهَا مَا يَشَاءُونَ﴾
يقولُ: للذين أحسنوا فى هذه الدنيا فى جناتِ عدنٍ ما يشاءون، مما تَشْتَهِى
أنفسهم ، وتَلَذُّ أعينُهم، ﴿ كَذَلِكَ يَجْزِى اللَّهُ الْمُنَّقِينَ﴾. يقولُ: كما يَجْزِى اللّهُ
هؤلاء الذين أحسنوا فى هذه الدنيا، بما وصَف (١) لكم أيها الناسُ أنه جَزَاهم به فى
الدنيا والآخرةِ ، كذلك يجزِى الذين اتقَوه بأداءِ فرائضِه واجتنابِ مَعاصِیه .
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿ الَِّنَ نَقَّهُمُ الْمَلَبِكَةُ طَيِِّينٌ يَقُولُونَ سَلَمُ
عَلَيْكُمْ أَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
(٣٢
يقولُ تعالى ذكره: كذلك يجزِى اللَّهُ المتقين الذين تَقْبِضُ أرواحَهم ملائكةٌ
اللَّهِ، وهم طَيّون بتَطْبِيبِ اللَّهِ إِيَّهم(٢) بنَظافةِ الإِيمانِ وَطُهْرِ الإسلامِ، فى حالٍ
حیاتهم وحالٍ مماتهم .
کما حدَّثنی محمدُ بنُ عمرو، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عیسی ، عن ابنٍ
أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ،
وحدَّثنى المثنى، قال: أخبرنا أبو حُذيفةً، قال: ثنا شبلٌ، وحدَّثنى المثنى، قال :
أخبرنا إسحاقُ ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن ورقاءَ، جميعًا عن ابن أبى نجيحٍ، ("عن
مجاهدٍ فى قولِه: ﴿ الَّذِينَ نَّفَُّهُمُ الْمَلَئِكَةُ طَيِِّينٌ﴾. قال: أحياءً وأمواتًا، قدَّر
(١) فى ت ٢، ف: ((وصفت)).
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((إياها)).
(٣ - ٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.
٢١٣
سورة النحل : الآية ٣٢
اللَّهُ ذلك لهم(١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريجٍ، عن
مجاهدٍ مثله .
وقولُه: ﴿ يَقُولُونَ سَلَمُ عَلَيْكُمٌ ﴾. يعنى جلَّ ثناؤُه أن الملائكةَ تَقْبِضُ أرواحَ
هؤلاء المتقين وهى تقولُ لهم: سلامٌ عليكم، صِيروا إلى الجنةِ . بِشارةٌ مِن اللَّهِ ،
تُبَشِّرُهم بها الملائكةُ .
كما حدَّثنى يونسُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال : أخبرنا ابنُ وهب ، قال: أخبرَنى أبو
صَخْرٍ ، أنه سمِع محمدَ بنَ كعبِ القُرَظِىَّ يقولُ: إذا اسْتَنْقَعَتْ(٢) نفسُ العبدِ المؤمنِ،
جاءه مَلَكٌّ فقال: السلامُ عليك ولىَّ اللّهِ، اللّهُ يقرَأَ عليك السلامَ. ثم نزَع (١) بهذه
الآيةِ: ﴿ الَّذِيْنَ نَّهُمُ الْمَلَئِكَةُ طَيِينٌ﴾ إلى آخرِ الآيةِ(٤) .
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريج، عن عطاءٍ
الخراسانىٌّ، عن ابنِ عباس قولَه: ﴿فَسَلَهٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَبِ الْيَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩١].
(١) تفسير مجاهد ص ٤٢١ من طريق ورقاء به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١١٧/٤ إلى المصنف وابن
المنذر وابن أبى حاتم .
(٢) فى ص: ((اسنبفت))، وفى ت ٢: ((استيفعت))، وفى الحلية: ((انتزعت))، وفى الشعب:
((استنفقت))، وفى الدر المنثور: ((استفاقت)). واستنقعت نفس المؤمن: إذا اجتمعت فى فيه تريد الخروج،
كما يَسْتَنْقِع الماءُ فى قراره، وأراد بالنَّفْس الرُّوح. لسان العرب (ن ق ع).
(٣) نزع: تَثَّل أو استنبط، ففى تاج العروس (ن زع): انتزع بالآية والشعر: تَمَثَّل. ويقال للرجل إذا استنبط
معنى آية : قد انتزع معنًى جيدًا، وهو مجاز.
(٤) أخرجه أبو الشيخ فى العظمة ص ١٥٧، وأبو نعيم فى الحلية ٣/ ٢١٧، من طريق أبى صخر به. والبيهقى
فى شعب الإيمان (٤٠٢) من طريق يزيد بن أبى زياد عن محمد بن كعب. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
١١٧/٤ إلى ابن المنذر وابن أبى حاتم وابن منده فى كتاب الأحوال .
٢١٤
سورة النحل : الآيتان ٣٢، ٣٣
قال : الملائكةُ يَأْتُونه(١) بالسلامِ مِن قِبَلِ اللّهِ، وتُخبِرُه أنه من أصحابِ اليمينِ(٢).
حدَّثْنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا الأشْيَبُ(٢) أبو علىٍّ، عن أبى رجاءٍ،
عن محمدِ بنِ مالك، عن البَرَاءِ، قال: قولُه: ﴿سَلَمُ قَوْلاً مِّن رَّبٍ زَّحِيمٍ﴾
[ يس: ٥٨]. قال: يُسلِّمُ عليه عندَ الموتِ (٤).
وقولُه: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. يقولُ: بما كنتم تُصِيبون فى الدنيا - أيامَ
حياتِكم فيها - طاعةً اللَّهِ ، وطَلَبَ مرضاتِه .
/القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلََّ أَن تَأْنِيَهُمُ الْمَلَبِكَةُ أَوْ بَأْتِىَ
١٠٢/١٤
أَمْرُ رَبِّكَّ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُواْ أَنفُسَهُمْ
يَظْلِمُونَ
٣
يقولُ تعالى ذكره : هل يَنتظِرُ هؤلاء المشركون إلا أن تأتيهم الملائكةُ لقبضٍ
أرواحِهم، أو يأتىَ أَمرُ ربّك بحشرِهم لموقفِ القيامةِ، ﴿كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن
قَبْلِهِنَّ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤه: كما يَفعَلُ هؤلاء مِن انتظارِهم ملائكةَ اللّهِ لقبضٍ
أرواحِهم ، أو إتيانِ أمرِ اللَّهِ ، فَعَلَ أسلافُهم مِن الكفرةِ باللَّهِ ؛ لأن ذلك فى كلِّ مشركٍ
باللّهِ ، ﴿ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤه: وما ظلَمهم اللّهُ بإحلالٍ سُخْطِه
بهم ، ﴿ وَلَكِنْ كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ بمعصیتھم ربَّهم و کفرِهم به ، حتى
اسْتَحَقُّوا عقابه، فعُجّل لهم .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((يأتونهم)).
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٦٧/٦ إلى المصنف وابن المنذر.
(٣) فى م، ت ١، ت ٢: ((الأشب)). وفى ف غير واضحة. وهو الحسن بن موسى الأشيب أبو على
البغدادى. ترجمته فى تاريخ بغداد ٤٢٦/٧، والأنساب ١٧٣/١، وتهذيب الكمال ٣٢٨/٦.
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٦٦، ٢٦٧ إلى المصنف.
٢١٥
سورة النحل : الآيات ٣٣ - ٣٥
ذکرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا
أَنْ تَأْنِيَهُمُ الْمَلَبِكَةُ﴾. قال(١): بالموتِ. وقال فى آيةٍ أُخرَى: ﴿وَلَوْ تَرَىّ إِذْ يَتَوَّ
الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمَلَبِكَةُ ﴾ [الأنفال: ٥٠]: وهو مَلَكُ الموتِ، وله رُسُلٌ، قال اللَّهُ
تعالى: ﴿أَوَ يَأْتِىَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾. و(٢) ذاكم يومَ القيامةِ(٣).
حدَّثنى المثنى، قال: أخبرنا أبو حُذيفةً، قال : ثنا شبلٌ، عن ابنٍ أبى نَجِيحِ، عن
مجاهدٍ : ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّ أَنْ تَأْنِيَهُمُ الْمَلَتِكَةُ﴾. يقولُ: عندَ الموتِ حين
تَتَوَفَّاهم. ﴿ أَوَ يَأْتِىَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾: ذلك يومَ القيامةِ" .
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿ فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُواْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ
بِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ
٣٤
يقولُ تعالى ذكرُه : فأصاب هؤلاء الذين فعَلوا مِن الأمم الماضيةِ فِعْلَ هؤلاء
المشركين مِن قريشٍ، ﴿ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُواْ﴾ . يعنى: عقوباتُ ذنوبِهم، ونِقَمُ
مَعاصِيه التى اكْتَسَبوها، ﴿وَحَاقَ بِهِم ◌َّا كَانُواْ بِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ﴾. يقولُ: وحلّ بهم
مِن عذابِ اللَّهِ ، ما كانوا بهُ ) يستهزِئون منه، ويَسْخَرون عندَ إنذارِهم ذلك رُسُلُ
اللّهِ ، ونزَل ذلك بهم دونَ غيرِهم مِن أهلِ الإيمانِ باللَّهِ .
[١٩٩/٢ ظ] القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَآءَ اللَّهُ مَا
(١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.
(٢) سقط من: م .
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١١٧/٤ إلى عبد بن حميد والمصنف وابن المنذر وابن أبى حاتم.
(٤) عزاه السيوطى فى الدرالمنثور ١١٧/٤ إلى المصنف.
(٥) سقط من : م .
٢١٦
سورة النحل: الآيتان ٣٥ ، ٣٦
عَبَدْنَا مِن دُونِهِ، مِن شَىْءٍ نَّحْنُ وَلَآ ءَابَآؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن دُونِهِ، مِن شَىْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ
٣٥
الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمَّ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّ الْبَلَغُ الْمُبِينُ
١٠٣/١٤
/يقولُ تعالى ذكره: وقال الذين أشرَكوا باللّه، فعبّدوا الأوثانَ والأصنامَ مِن
دونِ اللَّه : ما نَعْبُدُ هذه الأصنامَ إلا لأنَّ اللَّهَ قد رضِى عبادَتَنَاها (١) ، ولا نُحَرِّمُ ما حَرَّمْنا
مِن البَحَائِ والسَّوائبِ، إلا أنَّ اللَّهَ شاء منا ومِن آبائِنا تَحْرِيمِنَاها ورَضِيّه، لولا ذلك لقد
غَيَّر ذلك ببعضِ عقوباتِه ، أو بهدايته إيَّنا إلى غيرِهِ من الأفعالِ .
يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿ كَذَلِكَ فَعَلَ اَلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ مِن الأممِ المشركةِ
الذين اسْتَنَّ هؤلاء سُنَّتَهم ، فقالوا مثلَ قولِهم، وسلَكوا سبيلَهم فى تكذیبٍ رسلٍ
اللَّه ، واتِّبَاعٍ أفعالِ آبائِهم الضُّلَّالِ .
وقولُه : ﴿فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَغُ الْمُبِينُ﴾؟ يقولُ جلَّ ثناؤه : فهل أيُّها
القائلون: لو شاء اللَّهُ ما أشرَكنا ولا آباؤنا. على رسلِنا الذين نُوْسِلُهم لإنذارِ كم
عقوبتنا على كفرِكم - ﴿إِلَّا الْبَغُ الْمُبِينُ﴾. يقولُ: إلا أن تُبُلِّغَكم ما أَرْسَلنا
إليكم مِن الرسالةِ . ويعنى بقولِه: ﴿اَلْمُبِينُ﴾. الذى يُبِينُ عن معناه لِمْ أَبْلَغَه ،
ويُفْهِمُه مَن أُرْسِل إليه .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلّ أُمٍَّ رَّسُولًا أَنِ أَعْبُدُواْ
اللَّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُم مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الصَّلَلَةُ
ج
فَسِيْرُواْ فِىِ الْأَرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ
يقولُ تعالى ذكره : ولقد بَعَثْنا أيها الناسُ فى كلِّ أمةٍ سلَفَتْ قبلَكم رسولًا ،
كما بعثنا فيكم، بأن اعبدوا اللَّهَ وحدَه لا شريكَ له، وأُفْرِدوا له الطاعةَ، وأخْلِصوا له
(١) فى م: ((عبادتنا هؤلاء)).
٢١٧
سورة النحل : الآيتان ٣٦، ٣٧
العبادةَ، ﴿ وَأَجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتٌ﴾. يقولُ: وابْعُدُوا مِن الشيطانِ، واحْذَروه(١) أن
يُغْوِيَكم، ويَصُدَّكم عن سبيلِ اللَّه، فَتَضِلُّوا. ﴿فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللَّهُ﴾. يقولُ:
فيمِمَّن بعَثْنا فيهم رسلَنا مَن هدَى اللَّهُ ، فَوَقَّقه لتصديقِ رسلِهِ والقَبُولِ منها ، والإيمانِ
باللّه، والعمل بطاعتِه، ففاز وأَفْلَح، ونجا مِن عذابِ اللَّه. ﴿وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ
ج
عَلَيْهِ الصَّلَلَةُ ﴾٣). يقولُ: وممن بَعَثْنا رسلَنا إليه مِن الأمم، آخرون حقت عليهم
الضلالة فجاروا عن قَصْدِ السبيل، فكفَروا باللّه، وكذَّبوا رسلَه، واتَّبَعوا الطاغوتَ،
فأهلكهم اللَّهُ بعقابِهِ، وأَنزَل بهم (١) بأسَه الذى لا يُرَدُّ عن القوم المجرمين. ﴿فَسِيرُواْ
فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾. يقول تعالى ذكرُه لمشركى
قريشٍ : إن كنتم أيها الناسُ غيرَ مصدِّقى رسولِنا فيما يُخبِرُكم به عن هؤلاء الأمم،
الذين حلَّ بهم ما حلَّ مِن بأسِنا، بكفرِهم باللّه وتكذييهم رسولَه، فسيروا فى
الأرضِ التى كانوا يَشْكُنونها ، والبلادِ التى كانوا يَعْمُرُونها، فانظروا إلى آثارِ اللَّه
فيهم ، وآثارِ سُخْطِه النازلِ بهم، كيف أَعْقَبَهم تكذييُهم رسلَ اللَّه ما أَعْقَبَهم ، فإنكم
تَرَوْن حقيقةً ذلك، وتعلمون به صحةَ الخبرِ الذى يُخبِرُكم به محمدٌ عَلَّهِ .
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿إِن تَحْرِصِّ عَلَى هُدَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى مَن
٣٧
يُضِلُّ وَمَا لَهُم مِّن نَّصِرِينَ
/ يقولُ تعالى ذكرُه النبيِّه محمدٍ مَّ اله: إن تحرِصْ يا محمدُ على هُدَى هؤلاء ١٠٤/١٤
المشركين إلى الإيمانِ باللَّهِ واتباعِ الحقِّ ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى مَن يُضِلُّ﴾.
اخْتَلَفَت القَرَأَةُ فى قراءةِ ذلك ؛ فقرأتْه عامَّةُ قرأَةِ الكوفيين: ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهَدِى
(١) فى م: ((احذروا)).
(٢) فى م: ((عليهم)) .
٢١٨
سورة النحل : الآية ٣٧
مَن يُضِلُّ﴾ بفتح الياءِ مِن ﴿يَدِى﴾، وضمُّها مِن ﴿يُضِلُّ﴾(١). وقد اخْتَلَف
فى معنى ذلك قارِئوه كذلك؛ فكان بعضُ نَحْوبى الكوفةِ يَزْعُمُ أن معناه : فإن
اللَّهَ مَن أضَلَّه لا يَهْتَدِى. وقال: العربُ تقولُ: قد هَدَى الرجلُ. يريدون: قد
اهْتَدَى. (" وهَدَى٢) واهْتَدَى بمعنَى واحدٍ(٢). وكان آخرون منهم يَزْعُمون أن
معناه: فإن اللَّهَ لا يهدِى مَن أضلَّه. بمعنى أن مَن أضلَّه اللَّهُ، فإن اللّهَ لا
يَهْديه (٤) . وقرَأ ذلك عامَّةُ قرأةِ المدينةِ والشامِ والبصرةِ : (فإنَّ اللّهَ لا يُهْدَى) بضمّ
الياءِ مِن ( يُهْدَى) ومِن ( يُضِلَّ) وفتح الدالِ مِن (يُهدَى) (٢). بمعنى: مَن أضلَّه
اللّهُ فلا هاديَ له .
[٥٢٠٠/٢] وهذه القراءةُ أولى القراءتین عندی بالصواب؛ لأَن يَهْدِی بمعنى
يَهْتَدِى(١) قليلٌ فى كلام العربِ غيرُ مُسْتَفيضٍ ، وأنه لا فائدةَ فى قولِ قائلِ: مَن أضلَّه
اللّهُ فلا يَهْدِيه. لأن ذلك مما لا يَجْهَلُه كثيرُ (٧) أحَدٍ. وإذ كان ذلك كذلك، فالقراءةُ
بما كان مستفيضًا فى كلام العربٍ مِن اللغةِ بما فيه الفائدةُ العظيمةُ ، أَوْلَى وأُخْرَى .
فتأويلُ الكلام - لو كان الأمرُ على ما وَصَفْنا - إن تَحَرِصْ يا محمدُ على
هُداهم ، فإن مَن أضلَّه اللّهُ منهم(٧) فلا هاديَ له، فلا تُجْهِدْ نفسَك فى أمرِه ، وبَلِّغْهما
أُرْسِلْتَ به لتَِمَّ عليه الحُجَّةُ.
(١) هى قراءة عاصم وحمزة والكسائى. ينظر السبعة ص ٣٧٢، والتيسير فى القراءات السبع ص ١١٢.
(٢ - ٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف .
(٣) ينظر معانى القرآن ٢/ ٩٩، وتفسير القرطبى ١٠/ ١٠٤.
(٤) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((يهدى)).
(٥) هى قراءة ابن كثير وأبى عمرو ونافع وابن عامر. ينظر المصدرين السابقين.
(٦) فى ص، ت ٢، ف: ((يهدى)). وفى ت ١ غير واضحة .
(٧) سقط من : م .
٢١٩
سورة النحل : الآيتان ٣٧، ٣٨
﴿ وَمَا لَهُم مِّن نَّصِرِينَ﴾. يقولُ: وما لهم مِن ناصرٍ يَنْصُرُهم مِن اللّهِ إذا
أراد عقوبتَهم، فيَحُولُ بينَ اللّهِ وبينَ ما أراد مِن عقوبتهم.
وفى قولِه: ﴿إِن تَحْرِضِ﴾. لغتان ؛ فمِن العربِ مَن يقولُ: حرّص يَحْرِصُ .
بفتحِ الراءِ فِى فَعَل وكسرِها فى يَفْعِل. و: حَرِص يَخْرَصُ. بكسرِ الراءِ فى فَعِل،
وفتحِها فى يَفْعَل. والقراءةُ على الفتح فى الماضى، والكسرِ فى الْمُسْتَقْبَلِ(١)، وهى
لغةُ أهلِ الحجازِ .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَأَفْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَنْمَنِهِمٌّ لَا يَبَعَثُ اللَّهُ مَنْ
يَمُوتْ بَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ
يقولُ تعالى ذكره: وحلَف هؤلاء المشركون مِن قريشِ ﴿بِاللَّهِ جَهْدَ
أَيْمَئِنِهِمْ﴾ حَلِفَهم: ﴿لَا يَبَّعَثُ اَللَّهُ مَن يَمُوتُ﴾. بعدَ مماتِهِ، وكذَبوا وبَطَلُوا (٢)
فى أيمانِهِم التى حَلَفوا بها كذلك، بل سيَبْعَثُه اللّهُ بعدَ مماتِه ﴿وَعْدًا عَلَيْهِ ﴾ أن
يَبْعَثَهم؛ وَعْدَ عبادِه، واللَّهُ لا يُخلِفُ الميعادَ. ﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا
يَعْلَمُونَ﴾. يقولُ: ولكن أكثرَ قريشِ لا يعلمون وَعْدَ اللّهِ عبادَه، أنه باعثُهم يومَ
القيامةِ بعدَ مماتِهم أحياءً .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةً قولَه:
(١) يعنى أن القراءة عند القرأة فى قوله تعالى: ﴿إن تحرص﴾ على فتح الراء فى الفعل الماضى ((حرص))،
وكسرها فى المضارع ((يَخْرِص)).
(٢) فى م: ((أبطلوا)). وبطَل الشىء يبطُل بُطْلا وبُطُولا وبُطْلانا ذهب ضياعًا وخسراً فهو باطل. وأبطَل : جاء
بالباطل . لسان العرب (ب ط ل).
٢٢٠
سورة النحل : الآية ٣٨
﴿ وَأَقْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ / أَيْمَئِهِمٌّ لَا يَبَعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوثٌ﴾: تكذيبًا بأمرِ اللّهِ -
١٠٥/١٤
أو: بأمرِنا - فإن١ الناسَ صاروا فى البعثِ فريقينَ(٢) ؛ مُكَذِّبٌ وَمُصَدِّقٌ، ذُكِر لنا أن
رجلًا قال لابن عباسٍ : إن ناسًا بهذا العراقِ يَزْعُمون أن عليًّا مبعوثٌ قبلَ يومِ القيامةِ ،
ويَتَأَوَّلون هذه الآيةَ. فقال ابنُ عباسٍ: كَذَب أولئك، إنما هذه الآيةُ للناسِ عامَّةً ،
ولَعَمْرِى لو كان علىِّ مبعوثًا قبلَ يومِ القيامةِ، ما أَنْكَحْنا نساءَه، ولا قَسَمْنا ميراثَه .
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأَعلى ، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ ، عن معمرٍ ، عن قتادةَ ،
قال : قال ابنُ عباسٍ : إن رجالًا يقولون : إن عليًّا مبعوثٌ قبلَ يوم القيامةِ ، ويتأوَّلون:
وَأَقْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَنِهِمْ لَا يَبَعَثُ اللّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ
أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾. قال: لو كُنَّا نَعْلَمُ أن عليًّا مبعوثٌ، ما تَزوَّجْنا
نساءَه، ولا قَسَمْنا ميراثَه، ولكنْ هذه للناسِ عامَّةٌ(١).
حدَّثْنى المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ فى
قوله: ﴿ وَأَقْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَِهِمٌّ لَا يَبَعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ﴾. قال: حلَف
رجلٌ مِن أصحابِ النبيِّ عَلِ عندَ رجلٍ مِن المُكَذِّبين، فقال: والذى يرسِلُ الرُّوحَ مِن
بعدِ الموتِ . فقال : وإنك لتزعُمُ أنك مبعوثٌ مِن بعدِ الموتِ. وأقسَم باللّهِ جهدَ يمينِه :
لا يَبْعَثُّ اللَّهُ مَن يموتُ .
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن أبى جعفرٍ، عن
الرَّبيع، عن أبى العاليةِ ، قال : كان لرجلٍ من المسلمين على رجلٍ من المشركين دَيْنٌ ،
فأتاه يَتَقاضاه، فكان فيما تَكَلَّم به: والذى أرجوه بعدَ الموتِ إِنه لكذا. فقال
(١ - ١) فى ص: ((بأمر فإن))، وفى ت ١: ((فإن))، وفى ت ٢: ((بأمن فإن))، وفى ف: ((يأمن فإن)).
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((فرقتين)).
(٣) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٣٥٥/١ عن معمر به .