النص المفهرس

صفحات 1-20

نفسِِّيُ الطَّيُرى
جَامِعُ الْبَّيَانِ عَنْ تَأْوِيلِ آَ الْقُرآنِ
لِأَبِ جَعَفَر محمّد بن جَرِيْ الطَّبَرِىّ
(٢٢٤هـ - ٣١٠ هـ )
تحقيق
الدكتورعدالنَّد بن عبد الحسن التركى
بالتعاون مع
مركز البحوث والدراسات العربية والإسلامية
بدارهجر
٠
الدكتور عبد السنة حسن عامة
الجزء الرابع عشر
هجر
للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان

حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى
القاهرة ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠١ م
مركز البحوث والدراسات العربية والإسلامية
بدار هجر
الدكتور عبد السند حسن يمامة
مكتب : ٤ ش ترعة الزمر - المهندسين - جيزة
ت : ٣٢٥١٠٢٧
مطبعة : ٣٢٥٢٥٧٩ - فاكس : ٣٢٥١٧٥٦
:

١٫٧٥
تَفِيُ الطَّبرىّ
جَامِعُ البَّانِ عَنْ تَأْوِيلِ آَ القُرآنِ

.

٥
سورة الحجر : الآية ١
١/١٤
/ تفسير سورةِ الحِجرِ
بسم اللّهِ الرحمن الرحيم
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿الَرَّ تِلْكَ ءَايَتُ الْكِتَبِ وَقُرْءَانٍ ◌ُِّينٍ
أما قولُه جلَّ ثناؤه وتقدَّست أسماؤه: ﴿الَرَّ﴾. فقد تَقَدَّم بيانُنا ) فيما مضى
ء (٢)
قبلُ(٢) .
وأما قولُه: ﴿تِلْكَ ءَايَتُ الْكِتَبِ﴾. فإنه يَعْنى: هذه الآياتُ آيَاتُ الكُتُب
التى كانت قبلَ القرآنِ، كالتوراةِ والإنجيلِ، ﴿ وَقُرْءَانٍ﴾. يقولُ: وَآيَاتُ قرآنٍ
﴿ قُبِينٍ﴾. يقولُ: يَبِينُ لمن(٣) تَأَمَّله وتَدَتَّره رُشْدُه وهُداه .
كما حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةً :
﴿ وَقُرْءَانٍ مُبِينٍ﴾ ، قال: يَبِينُ واللّهِ هداه ورُشْدُه وخيرُه (٤)
٠
حدَّثنا المُنَّى، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا سفيانُ، عن مجاهدٍ: ﴿الَرَّ﴾:
فوائحُ يَفْتَتِحُ اللَّهُ(٥) بها كلامَه، ﴿ِلْكَ ءَايَتُ الْكِتَبِ﴾. قال: التوراةُ
(١) فى م: (( بيانها)).
(٢) تقدم فى ٢٠٤/١ وما بعدها .
(٣) فى م: ((من)).
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٩٢/٤ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم.
(٥) ليست فى : ص ، م، ت٢ ، ف.

٦
سورة الحجر : الآيتان ٢،١
١
ءـ (١)
والإنجيلُ(١).
حدَّثنى المُنَّى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال: ثنا هشامٌ، عن عمرٍو، عن سعيدٍ ، عن
قتادةً فى قوله: ﴿الَرَّ تِلْكَ ءَايَتُ اَلْكِتَبِ﴾. قال: الكتُبُ التى كانت قبل
(٢)
القرآنِ (٢) .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ
مُسْلِمِينَ
اختلفت القرأةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿رُبَمَا﴾ ؛ فقرَأْت ذلك عامةُ قرَأَةِ أهلِ المدينةِ
وبعضُ الكوفيين: ﴿رُبَمَا﴾. بتخفيفِ الباءِ. وقرأته عامةُ قرأةِ الكوفة والبصرةِ
(٣)
بتشدیدِها(٢) .
والصوابُ [١٦٩/٢و] مِن القول فى ذلك عندَنا أن يقالَ: إنهما قراءتان
مشهورتان ، ولغتان معروفتان ، بمعنى واحدٍ، قد قرَأ بكلٍ واحدةٍ منهما أئمةٌ مِن
القرأةِ ، فبأيتِهما قرَأ القارئُّ فهو مُصِيبٌ .
٢/١٤
/واختلف أهلُ العربيةِ فى معنى ((ما)) التى مع ((رُبَّ))؛ فقال بعضُ نحوِی
البصرةِ: أَدْخِلَ مع ((ربَّ)) ((ما))؛ ليُتَكَلَّمَ بالفعلِ بعدها، وإن شِئْتَ جعَلت ((ما))
بمنزلةِ شىءٍ ، فكأنَّك قلتَ: ربَّ شىءٍ يَوَدُّ. أى: ربَّ وُدِّ يَوَدُّه الذين كفروا.
وقد أنكر ذلك مِن قولِه بعضُ نحوِّى الكوفةِ، وقال: المصدرُ لا يحتاج إلى
عائدٍ، و((الوُدُّ)) قد وقَع على ((لو)): ربما يَوَدُّون لو كانوا؛ أن يَكُونوا. وقال: وإذا
(١) أخرج أوله ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٩٢١/٦، ٢٠٩٨/٧ (١١٣١٦) من طريق ابن جريج ، عن
مجاهد، وينظر ما تقدم فى ١/ ٢٠٥.
(٢) تقدم تخريجه فى ١٢/ ١٠٥، وهو تمام الأثر المتقدم قبله .
(٣) بالتخفيف قرأ عاصم ونافع، وبالتشديد قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائى. ينظر
التيسير ص ١١٠، وحجة القراءات ص ٣٨٠.

٧
سورة الحجر : الآية ٢
أُضْمِر الهاءُ فى ((لو)) ليس ١٢ بمفعولٍ، وهو موضعُ المفعولِ، ولا يَنْبَغِى أن يُتَرْجَمَ
المصدرُ بشىءٍ، وقد ترجمَه بشىءٍ، ثم جعَله ◌ُدًّا، ثم أعاد عليه عائدًا، فكان
الكسائىُّ والفرَّاءُ يقولان: لا تكادُ العربُ تُوقِعُ ((رُبَّ)) على مستقبلٍ، وإنما
يُوقِعونها على الماضى مِن الفعلِ، كقولهم: رَما فعَلتُ كذا. و: ربما جاءنى أخوك.
قالا : وجاء فى القرآنِ مع المستقبلِ: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ﴾. وإنما جاز ذلك؛ لأن ما كان
فى القرآنِ مِن وعدٍ ووعيدٍ وما فيه، فهو حقٌّ، كأنه عِيانٌ ، فجرَى الكلامُ فيما لم
يَّكُنْ بعدُ منه مجراه فيما كان، كما قيل: ﴿ وَلَوْ تَرَىّ إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَكِسُواْ
رُهُوِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ [السجدة: ١٢]. وقوله: ﴿ وَلَوْ تَرَىَ إِذْ فَرِعُواْ فَلَاَ
فَوْتَ﴾ [سبأ: ٥١]. كأنه ماضٍ وهو منتظَرٌ؛ لصدقِه فى المعنى - وأنه لا مكذِّبَ
له - وإن القائل ليقولُ إذا نَهَى أو أمَر فعصاه المأمورُ: أما واللَّهِ لرِّبَّ ندامةٍ لك تَذْكُرُ
قولى فيها . لعلمِه بأنه سيَنْدَمُ ويقولُ، واللَّهُ ووعدُه أصدقُ مِن قولِ المخلوقين .
وقد يجوزُ أن يَصْحَبَ ((ربّما)) الدائمُ(٢)، وإن كان فى لفظِ ((يَفْعَلُ))، يقالُ:
ربّما يموتُ الرجلُ فلا يُوجَدُ له كفنٌ. وإن أُوليتِ الأسماءَ، كان معَها ضميرٌ
(( كان))، كما قال أبو (٤) دُوادٍ(٥) :
وعَناجِيجُ بينَهن المهارُ
ربّما الجاملُ(١) المؤَيَّلُ(٦) فيهم
(١) فى م: ((فليس)).
(٢) معانى القرآن ٢/ ٨٢.
(٣) المراد بالدائم عند الكوفيين اسم الفاعل . مصطلحات النحو الكوفى ص ٥٠.
(٤) فى ص، ت١، ت٢، ف: ((ابن)).
(٥) ديوانه ( دراسات فى الأدب العربى) ص ٣١٦.
(٦) الجامل: جماعة من الإبل تقع على الذكور والإناث، لا واحد لها من لفظها. ينظر اللسان (ج م ل).
(٧) المؤبلة: الإبل إذا كانت للقنية . الصحاح (أب ل ).
(٨) العناجيج، واحدها عنوج: النجيب من الإبل، وقيل: هو الطويل العنق من الإبل والخيل . اللسان (ع ن ج).

٨
سورة الحجر : الآية ٢
فتأويلُ الكلام : ربما يودُّ الذين كفروا باللهِ ، فجحَدوا وحدانيته ، لو كانوا فى
دارٍ الدنيا مسلمين .
كما حدَّثنا علىُّ بنُ سعيدِ بنِ مسروقٍ الكندىُّ، قال : ثنا خالدُ بنُ نافع
الأشعرىُّ، عن سعيدِ بنِ أبى بُؤدةً، عن أبى بُردةَ، عن أبى موسى ، قال: بلَغنا أنه إذا
كان يومُ القيامةِ ، واجتَمع أهلُ النارِ فى النارِ، ومعهم مَن شاء اللّهُ مِن أهلِ القبلةِ ، قال
الكفارُ لمن فى النارِ مِن أهلِ القبلةِ: ألستم مسلمين؟ قالوا : بلى . قالوا : فما أغنى
عنكم إسلامُكم، وقد صِرْتم معَنا فى النارِ؟ قالوا: كانت لنا ذُنوبٌ فأُخِذنا بها .
فسمِعِ اللَّهُ ما قالوا ، فأمَر بكلِّ مَن كان مِن أهلِ القبلةِ فى النارِ فأُخْرِجوا ، فقال مَن فى
النارِ مِن الكفارِ: يا ليتنا كنا مسلمين. ثم قرَأ رسولُ اللَّهِ عَهِ: ((﴿الَرَّ تِلْكَ ءَايَتُ
الْكِتَبِ وَقُرْءَانٍ مُّبِينٍ جَ زُبَمَا يَوَدُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ﴾))(١).
٣/١٤
احدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ الهيثمِ أبو قَطَنِ القُطَعِىُّ
ورَوْمُ بنُ عبادةَ القَيْسىُ وعفانُ بنُ مسلم - واللفظُ لأبى قَطَنٍ - قالوا: ثنا
القاسمُ بنُ الفضلِ، "عن عبيد٢ٍ اللَّهِ بنِ أبى جَرْوةَ، قال: كان ابنُ عباسٍ وأنسُ
ابنُّ مالكٍ يتأؤَّلان هذه الآيةَ: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ﴾.
قالا : ذاك يومَ يَجْمَعُ اللَّهُ أهلَ الخطايا مِن المسلمين والمشركين فى النارِ. وقال
عفان : حين يُحْبَسُ أهلُ الخطايا مِن المسلمين والمشركين - فيقولُ المشركون: ما
أَغْنَى عنكم ما كنتم تَعْبُدون - زاد أبو قَطَنِ: قد مجمِعنا وإياكم - وقال أبو قَطَنِ
(١) أخرجه ابن أبى عاصم فى السنة (٨٤٣)، وابن أبى حاتم فى تفسيره - كما فى تفسير ابن كثير ٤٤٣/٤ -
والطيرانى - كما فى تفسير ابن كثير ٤٤٣/٤، والبداية والنهاية ١٨٠/٢٠، والحاكم ٢٤٢/٢، والبيهقى فى
البعث والنشور (٨٥) من طريق خالد بن نافع الأشعرى به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٩٢/٤ إلى ابن
مردویه .
(٢ - ٢) فى النسخ: ((بن عبد)). والمثبت من مصدرى التخريج، وينظر الجرح والتعديل ٣١٤/٥.

٩
سورة الحجر : الآية ٢
وعفانُ: فَيَغْضَبُ اللَّهُ لهم بفضلٍ رحمته. ولم يَقُلْه رَوحُ بنُ عُبادةَ. وقالوا
جميعًا: فيُخْرِجُهم اللَّهُ، وذلك حينَ يقولُ اللَّهُ: ﴿ رُبَمَا يَوَدُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ
كَانُواْ مُسْلِمِينَ﴾(١).
حدَّثنا الحسنُ، قال: ثنا عفانُ، قال: ثنا أبو عَوانةَ ، قال: ثنا عطاءُ بنُ السائبِ ،
عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ فى قوله: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ
مُسْلِمِينَ﴾. قال: يُدْخِلُ الجنةَ وَيَرْحَمُ ، حتى يقولَ فى آخرِ ذلك: مَن كان مسلمًا
فلْيَدْخلِ الجنةَ. قال: فذلك قوله: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ
مُسْلِمِينَ﴾(٢).
حدَّثنى المنُتَّى، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال: ثنى معاويةُ، عن علىٍّ ، عن
ابنِ عباسٍ فى قوله: ﴿ رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ﴾: ذلك يومَ
القيامةِ ، يَتَمَنَّی الذین کفَروا لو كانوا موحّدين " .
حدَّثنا أحمدُ بنُ إِسحاقَ ، قال: ثنا أبو أحمدَ ، قال: ثنا سفيانُ، عن سلمةَ بنِ
كُهَيلٍ، عن أبى الزعراءِ، عن عبدِ اللَّهِ فى قوله: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ
مُسْلِمِينَ﴾. قال: هذا فى الجَهَنَّمِيين إذا رأْؤْهم يَخْرُجون [١٦٩/٢ظ] مِن النارِ.
(١) أخرجه البيهقى فى البعث والنشور (٨٢) من طريق روح، عن القاسم به، وأخرجه الحسين فى زوائده على
زهد ابن المبارك (١٦٠٢) من طريق القاسم به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٩٢/٤ إلى ابن أبى شيبة وابن
المنذر .
(٢) أخرجه البيهقى فى البعث والنشور (٨١) من طريق أبى عوانة به، وأخرجه هناد فى الزهد (١٩٠) من
طريق عطاء به . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٩٢/٤ إلى سعيد بن منصور وابن المنذر.
(٣) أخرجه البيهقى فى البعث والنشور (٨٠) من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٩٢/٤ إلى ابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٤) أخرجه البيهقى فى البعث والنشور (٨٦) من طريق سلمة بن كهيل به .

١٠
سورة الحجر : الآية ٢
حدَّثنى المُثُنَّى، قال : أخبرَنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ ، قال : ثنا القاسمُ ، قال : ثنا ابنُ
أبى جَزوةَ (١) العبدىُّ، أن ابنَ عباسٍ وأنسَ بنَ مالك كانا يتأوَّلان هذه الآيةَ: ﴿رُّبَمَا
يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ﴾. يتأوّلانها: يومَ يَخْبِسُ اللَّهُ أهلَ الخطايا مِن
المسلمين مع المشركين فى النارِ . قال : فيقولُ لهم المشركون : ما أُغْنَى عنكم ما كنتُم
تَعْبُدون فى الدنيا؟ قال: فيَغْضَبُ اللَّهُ لهم بفضلٍ رحمتِه فيُخْرِجُهم، فذلك حين
يقولُ: ﴿رُبَمَا يَوَدُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ﴾ (١).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال : ثنا جريرٌ، عن عطاءِ بنِ السائبِ ، عن مجاهدٍ ، عن ابنِ
عباسٍ، قال: ما يَزالُ اللَّهُ يُدْخِلُ الجنة ويَرْحَمُ ويُشَفِّعُ، حتى يقولَ: مَن كان مِن
المسلمين فلْيَدْخُلِ الجنةَ. فذلك قوله: ﴿ رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ
مُسْلِمِينَ﴾(١).
حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ ، قال: ثنا ابنُ عُليةَ، عن هشام الدَّسْتوائىِّ ، قال : ثنا
حمادٌ، قال: سألتُ إبراهيمَ عن هذه الآية: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ
مُسْلِمِينَ﴾. قال: حُدِّثت أن المشركين قالوا لمن دخل النارَ مِن المسلمين: ما أغْنَى
عنكم ما كنتم تَعْبُدون؟ قال: فيَغْضَبُ اللَّهُ لهم، فيقولُ للملائكةِ والنبيين:
اشْفَعوا. فيَشْفَعُون، فيَخْرُجون مِن النارِ، حتى إن إبليسَ ليَتَطاولُ رجاءَ أن يَخْرُجَ
معهم، قال: فعندَ ذلك ﴿يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ﴾(١).
/حدَّثنى المُثُنَّى، قال: ثنا حجاجٌ، قال: ثنا حمادٌ، عن إبراهيمَ أنه قال فى قولٍ
٤/١٤
(١) فى النسخ، وتفسير ابن كثير: ((فروة)). وتقدم على الصواب.
(٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٤٤٢/٤ عن المصنف.
(٣) أخرجه الحاكم ٣٥٣/٢ - وعنه البيهقى فى البعث والنشور (٨١) - من طريق جرير به.
(٤) أخرجه الحسين فى زوائده على زهد ابن المبارك (١٢٧٠) عن ابن علية به .

١١
سورة الحجر : الآية ٢
اللَّهِ عزَّ وجلَّ: ﴿ُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُوْ مُسْلِمِينَ﴾ . قال : يقولُ مَن فى
النارِ مِن المشركين للمسلمين: ما أُغْنَت عنكم: لا إلهَ إلا اللّهُ؟ قال: فَيَغْضَبُ اللَّهُ
لهم، فيقولُ: مَن كان مسلمًا فَلْيَخْرُجْ مِن النارِ. قال: فعندَ ذلك: ﴿يَوَدُ الَّذِينَ
كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ﴾ .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن
حمادٍ، عن إبراهيمَ فى قولِهِ: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ ﴾ قال:
إن أهلَ النارِ يَقُولون: كنا أهلَ شِرْكِ وكُفْرٍ، فما شأنُ هؤلاء الموحّدين، ما أغْنَى عنهم
عبادتُهم إياه ؟ قال: فيُخْرِجُ مِن النارِ مَن كان فيها مِن المسلمين . قال: فعندَ ذلك
﴿يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ﴾(١).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال : أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا الثورىُّ، عن
حمادٍ، عن إبراهيمَ، و "عن خُصَيفٍ، عن مجاهدٍ، قالاً(٢) : يقولُ أهلُ النّارِ
للموحّدين: ما أَعْنَى عنكم إيمانُكم؟ قال: فإذا قالوا ذلك، قال: أخْرِجوا مَن كان فى
قلبِهِ مِثقالُ ذرّةٍ. فعندَ ذلك "قولُه: ﴿رُبَمَاْ يَوَدُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ
مُسْلِمِينَ﴾(٥).
حدَّثنى المُنَّى، قال: ثنا مسلمٌ، قال: ثنا هشامٌ، عن حمادٍ ، قال: سأَلْتُ
إبراهيمَ عن قولِ اللَّهِ عزَّ وجلّ: ﴿رُبَمَا يَوَدُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ﴾:
قال الكفارُ يُعَيِّرون أهلَ التوحيدِ: ما أغْنَى عنكم: لا إلهَ إلا اللَّهُ؟ فَيَغْضَبُ اللَّهُ لهم،
(١) تفسير عبد الرزاق ٣٤٥/١.
(٢) سقط من النسخ، والمثبت من تفسير عبد الرزاق. وينظر تهذيب الكمال ٢٣٣/٢، ٢٥٧/٨.
(٣) فى م: ((قال)).
(٤ - ٤) سقط من : م.
(٥) تفسير عبد الرزاق ٣٤٥/١. وأخرجه هناد فى الزهد (٢٠٩) من طريق الثورى، عن خصيف ، عن مجاهد.

١٢
سورة الحجر : الآية ٢
فِيَأْمُرُ النبيِّين والملائكةَ فيَشْفَعون، فيَخْرُجُ أهلُ التوحيدِ ( مِن النارِ"، حتى إن إبليسَ
لِيَتَطاولُ رجاءَ أن يَخْرُجَ. فذلك قوله: ﴿رُبَمَا يَوَدُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ
مُسْلِمِينَ﴾.
حدَّثنا أحمدُ ، قال: ثنا أبو أحمدَ ، قال: ثنا عبدُ السلام، عن خُصَيف ، عن
مجاهدٍ، قال: هذا فى الجَهَنَّمِيين إذا رأوهم يَخْرُجون مِن النارِ: ﴿يَوَدُّ الَّذِينَ
كَفَرُواْ لَوْ كَانُوْ مُسْلِمِينَ﴾(١).
حدَّثنى المُثُّنَّى، قال : ثنا الحجاجُ بنُ المنهالِ، قال: ثنا حمادٌ، عن عطاءِ بنِ
السائبِ، عن مجاهدٍ، قال: إذا فرَغ اللَّهُ مِن القضاءِ بينَ خلقِه، قال: مَن كان
مسلمًا فَلْيَدخُلِ الجنةَ. فعندَ ذلك: ﴿ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ﴾ .
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، وحدَّثنى الحسنُ، قال: ثنا شبابةُ ،
قال : ثنا ورقاءُ، وحدَّثنى المنُنَى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال : ثنا شبلٌ ، عن ابنٍ أبى
نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ﴾. قال :
.(٢)
يومَ القيامةِ(١).
حدَّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريج، عن
مجاهدٍ مثله .
حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عبدُ الوهابِ بنُ عطاءٍ، عن جوییٍ،
عن الضحاكِ فى قوله: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ﴾ .
(١ - ١) سقط من: م، ت١، ت٢، ف.
(٢) أخرجه البيهقى فى البعث والنشور (٨٣) من طريق عبد الكريم ، عن مجاهد بنحوه.
(٣) تفسير مجاهد ص ٤١٥.

١٣
سورة الحجر : الآيتان ٢، ٣
[١٧٠/٢ و] قال: فيها وجهان اثنان؛ يقولون: إذا حضَر الكافرَ الموتُ ودَّلو كان مسلمًا .
ويقولُ آخرون: بل يُعَذِّبُ اللَّهُ ناسًا مِن أهلِ التوحيدِ فى النارِ بِذُنوبِهم، فِيَعْرِفُهم / ٥/١٤
المشركون فيَقُولون : ما أَغْنَت عنكم عبادةُ ربِّكم وقد ألقاكم فى النارِ؟ فَيَغْضَبُ لهم،
فيُخْرِجُهم، فيقولُ: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ﴾ .
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال : ثنا أبى ، عن أبى جعفرٍ ، عن الربيع، عن أبى العالية فى
قوله: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُوْ مُسْلِمِينَ﴾. قال: نزَلت فى الذين
يخرجون مِن النارِ .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿رُبَمَا يَوَدُ الَّذِينَ
كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ﴾: وذلك واللهِ يومَ القيامةِ، وَدُوا لو كانوا فى الدنيا
مسلمين .
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال : ثنا محمدُ بنُ ثورٍ ، عن معمرٍ ، عن قتادةَ:
﴿ُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ﴾ .
حدّثنا ابنُ حمیدٍ ، قال : ثنا جريرٌ، عن عطاءٍ، عن مجاهدٍ ، عن ابنِ عباسٍ،
قال : ما يَزَالُ اللَّهُ يُدْخِلُ الجنةَ ويُشَفِّعُ، حتى يقولَ: مَن كان مِن المسلمين فَلْيَدْخُلِ
الجنةَ. فذلك حين يقولُ: ﴿رُبَّمَا يَوَدُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُوْ مُسْلِمِينَ﴾ .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ذَرَهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلَّهِهِ الْأَمَلُ
فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ(
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ عَّهِ: ذَرْ يا محمدُ هؤلاء المشركين يَأْكُلوا فى
هذه الدنيا ما هم آكِلوه، ويَتَمَتَّعوا مِن لذاتِها وشهواتِهم فيها، إلى أجَلِهم الذى
(١) فى ت٢، ف: ((شهواتها)).

١٤
سورة الحجر : الآيات ٣ - ٥
أَجَلْتُ لهم، ويُلْهِهِمُ الأُملُ عن الأُخْذِ بحظّهم مِن طاعةِ اللهِ فيها، وتزؤُّدِهم لمعادِهم
منها بما يقرِّبُهم مِن ربِّهم، فسوف يعلمون غدًا إذا ورَدوا عليه وقد هلكوا على
كُفْرِهم باللّهِ وشِرْكِهم، حين يُعايِنون عذابَ اللَّهِ ، أنهم كانوا مِن تَمتُّعِهم بما كانوا
يَتَمَتَّعون فيها مِن اللذّاتِ والشهواتِ، كانوا فى خَسارٍ وتَبابٍ.
القولُ فى تأويلِ قوله: ﴿ وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَمَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ ﴾﴾.
يقولُ تعالى ذكره: وما أهْلُكْنا يا محمدُ ﴿مِن ﴾ أهلِ قريةٍ من أهلِ القُرى التى
أهْلَكْنا أهلَها فيما مضى، ﴿إِلَّا وَلَمَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ﴾. يقولُ: إلا ولها أجلٌ
مُؤَقَّتْ ، ومدةٌ معروفةٌ ، لا نُهْلِكُهم حتى يَتْلُغوها ، فإذا بلَغوها أهْلَكناهم عندَ ذلك .
فيقولُ(١) لنبيّه محمدٍ عَّله: فكذلك أهلُ قريتِك التى أنت منها، وهى مكةُ ، لا
نُهْلكُ(٢) مشركى أهلِها إلا بعدَ بلوغ كتابِهم أجلَه؛ لأن مِن قضائى ألَّ أُهْلِكَ أهلَ
قريةٍ إلا بعدَ بُلوغٍ كتابِهِم أجله .
/القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿مَّا نَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا
٥
يَسْتَشْخِرُونَ
٦/١٤
يقولُ تعالى ذكره: ما يَتَقَدَّمُ هلاكُ أمةٍ قبلَ أجلِها الذى جعَله اللَّهُ أجلاً
الهلاكِها ، ولا يَسْتَأْخِرُ هلاكُها عن الأجلِ الذى جعَل لها أجلاً .
كما حدَّثنى المنُنَى ، قال: أخبرَنا إسحاقُ، قال : ثنا عبدُ الرزاقِ ، عن معمرٍ ،
عن الزهرىِّ فى قوله: ﴿ مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَشْخِرُونَ﴾. قال: نَرَى (١)
(١) بعده فى ت ١: (( من)).
(٢) فى ص، ت١، ت٢، ف: ((فقوله)).
(٣) فى ص، ت٢: (( يهلك)).
(٤) فی ت٢، ف: ( یری)).

١٥
سورة الحجر : الآيات ٥ - ٧
أنه إذا حضَر أجلُه، فإنه لا يُؤَخَّرُ ساعةً ولا يُقَدَّمُ، وأما ما لم يَحْضُرْ أجلُهُ(١) ، فإن اللَّهَ
يُؤَخِّرُ ما شاء، ويُقَدِّمُ ما شاء(١).
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَقَالُواْ يَأَيُّهَا الَّذِى نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ
٧
لَمَجْنُونٌ ﴿ لَّوْ مَا تَأْتِنَا بِالْمَلَئِكَةِ إِن كُنْتَ مِنَ الصَّدِقِينَ
يقولُ تعالى ذكرُه: وقال هؤلاء المشركون لك، مِن قومِك، يا محمدُ :
يَأَيُّهَا الَّذِىِ نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾؛ وهو القرآنُ الذى ذَكَّر اللّهُ بما (٢) فيه " من
المواعظِ) خلقَه، ﴿إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ فى دعائِك إيانا إلى أن نتََّعَك ونَذَرَ آلهتنا ،
﴿لَوْ مَا تَأْتِنَا بِالْمَلَئِكَةٍ ﴾. قالوا : هَلَّا تَأْتِينا بالملائكةِ شاهدةً لك على صدقِ ما
تقولُ، ﴿إِن كُنْتَ مِنَ الصَّدِقِينَ﴾. يَعْنى: إن كنت صادقًا فى أن اللَّهَ بعَثك
إلينا رسولا ، وأَنزَل عليك كتابًا ، فإِنَّ الربَّ الذى فعَل ما تَقُولُ بك، لا يَتَعَذَّرُ
عليه إرسالُ ملَكِ مِن ملائكتِهِ معَك، حجةً لك علينا، وآيةً لك على نبؤَّتِك
وصدقِ مقالتِك .
والعربُ تَضَعُ موضِعَ ((لوما)) ((لولا))، وموضِعَ ((لولا)) ((لوما))، ومن
ذلك قولُ ابنٍ مُقْبِلٍ() :
ببعضِ ما فيكما إذ عِبُما عَوَرِى
لَوْما الحياءُ ولَوْما الدينُ عِثُكما
يُريدُ: لولا الحياءُ .
(١) فى ت٢، ف: ((آجالا)).
(٢) جامع معمر (٢٠٣٨٦)، وفيه زيادة من قول ابن المسيب .
(٣) سقط من: م، وفى ص، ت٢، ف: ((بها))، وفى ت ١: ((به)). وهو تصحيف عما أثبتناه .
(٤ - ٤) فى م: ((مواعظ)).
(٥) ليست فى : ص ، م، ت٢ ، ف .
(٦) ديوانه ص ٧٦. وفيه: ((لولا)). فى الموضعين، والبيت كما استشهد به المصنف فى مجاز القرآن ٣٤٦/١.

١٦
سورة الحجر: الآيات ٦ - ٨
[١٧٠/٢ظ] وبنحوِ الذى قُلْنا فى معنى ((الذكرِ)) قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى المُنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زهيرٍ، عن جويبرٍ، عن
الضحاكِ: ﴿نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾. قال: القرآنُ(١).
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿مَا نُنَزِّلُ(١) اُلْمَلَئِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُواْ إِذَا
مُنظَرِينَ (
٨
٧/١٤
/اختلفت القرأةُ فى قراءةٍ قولِه: ﴿مَا نُنَزِّلُ(٢) الْمَلَتَمِكَةَ﴾. فقرَأ ذلك عامةٌ
قرأةِ المدينةِ والبصرةِ : ( ما تَزَّلُ الملائِكَةُ). بالتاءِ مِن ((تَزَّلُ))، وفتْحِها، ورَفْعِ(٤)
((الملائكة))(٥). بمعنى: ما تَتَزَّلُ الملائكةُ، على أن الفعلَ للملائكةِ.
وقرَأَ ذلك عامةُ قرأةِ أهلِ الكوفةِ: ﴿مَا نُنَزِّلُ الْمَلَئِكَةَ ﴾ . بالنونِ فى
((نُنَزِّلُ))، وتشديدِ الزاي، ونَصْبِ ((الملائكةِ))(١)، بمعنى: ما نُتَزِّلُها نحن.
و ((الملائكةُ)) حينئذٍ منصوبٌ بوقوع ((نُنَزِّلُ)) عليها .
وقرأه بعضُ قرأةِ أهلِ الكوفةِ : ( ما تُتَزَّلُ الملائكةُ). برفع ((الملائكةِ))، والتاءِ
فى ((تُتَزَّلُ)) وضَمِّها، على وجهِ ما لم يُسَمَّ فاعلُهُ(٧) .
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٩٤/٤ إلى المصنف.
(٢) فى ص، ت١، ت٢: ((تنزل)). قراءة كما سيأتى.
(٣) فى ت١، ت٢، ف: (( تنزل)).
(٤) فى ص، ت١، ت٢، ف: (( فتح)).
(٥) وهى قراءة ابن كثير ونافع وأبى عمرو وابن عامر. السبعة لابن مجاهد ص ٣٦٦.
(٦) وهى قراءة حمزة والكسائى وحفص عن عاصم. السابق .
(٧) وهى قراءة عاصم فى رواية أبى بكر. السابق.

١٧
سورة الحجر : الآية ٨
قال أبو جعفرٍ: وكلَّ هذه القراءاتِ الثلاثِ متقارباتُ المعانى، وذلك أن
الملائكةَ إِذا نَزَّلها اللَّهُ على (١) رسولٍ مِن رسِلِهِ، تَنَزَّلَت إليه، وإذا تَزَّلت إليه ، فإنما تَنْزِلُ
بإنزالِ اللَّهِ إياها إليه. فبأىِّ هذه القراءاتِ الثلاثِ قرَأُ ذلك القارئُ ، فمصيبٌ
الصوابَ فى ذلك ، وإن كنتُ أَحِبُّ لقارئه ألا يَعْدُوَ فى قراءته إحدى القراءتين اللتين
ذكرت مِن قراءةِ أهلِ المدينة ، والأخرى التى عليها جمهورُ قرأةٍ الكوفيين؛ لأن ذلك
هو القراءةُ المعروفةُ فى العامةِ؛ والأُخرى - أعنى قراءةَ من قرَأ ذلك: ( ما تُتَزَّلُ).
بضمِّ التاءِ مِن (( تُنَزَّلُ)) ورفعِ ((الملائكةِ)) - شاذّةٌ(٢) ، قليلٌ مَن قرأ بها(٣).
فتأويلُ الكلام: ما نُنَزِّلُ ملائكِتَنَا إلا بالحقِّ. يعنى بالرسالةِ إلى رُسُلِنا، أو
بالعذابِ لمن أردنا تعذيبه، ولو أرسَلنا إلى هؤلاء المشركين على ما يَشْأَلُون إرسالَهم
معَك آيةً فكفَروا ، لم يُنْظَروا فیؤځّروا بالعذابِ ، بل ◌ُوجِلوا به، كما فعلنا ذلك بمن
قبلَهم مِن الأمم حين سألوا الآياتِ ، فكفَروا حين أتَتْهم الآياتُ ، فعاجلناهم بالعقوبةِ.
وبنحوِ الذى قُلْنا فى تأويلٍ قولِهِ: ﴿ مَا نُنَزِّلُ الْمَئِكَةَ إِلَّا بِالْحَقّ﴾. قال أهلُ
التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى. وحدَّثنی
الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءٌ، وحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ ، قال : ثنا
شبابةُ ، قال: ثنا ورقاءُ، وحدَّثنى المُنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةً، قال: ثنا شبلٌ، جميعا
عن ابنٍ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قولِه: ﴿مَا تُنَزِّلُ الْمَلَبِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِ﴾. قال:
(١) فى ص، ت١، ت٢، ف: ((إلى)).
(٢) فى ص، ت١، ت٢، ف: (( شاذ)).
(٣) القراءة بذلك ليست شاذة ، بل متواترة .
( تفسير الطبرى ٢/١٤ )

١٨
:
سورة الحجر : الآيتان ٨، ٩
بالرسالةِ والعذابِ (١) .
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريجٍ، عن
مجاهدٍ مثله .
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَفِظُونَ
٩
يقولُ تعالى ذكره: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ وهو القرآنُ، ﴿وَإِنَّا لَهُ
◌َحَفِظُونَ﴾. قال: وإنا للقرآنِ لحافظون، مِن أَن يزادَ فيه باطلٌ ما ليس منه، أو يُنْقَصَ
منه ما هو منه ؛ مِن أحكامِه وحدودِه وفرائضِه .
والهاءُ فى قولِه: ﴿لَهُ﴾. مِن ذكرِ ((الذكرٍ)).
وبنحوِ الذى قُلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
/ ذكرُ مَن قال ذلك
٨/١٤
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، وحدَّثنى الحسنُ، قال: ثنا شبابةُ ،
قال: ثنا ورقاءُ، وحدَّثنى المُنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنٍ أبى
نجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قوله: ﴿ وَإِنَّا لَهُ لَفِظُونَ﴾. قال: عندَنا(١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريجٍ، عن
مجاهدٍ مثلَه .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا
(١) تفسير مجاهد ص ٤١٥. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤ /٩٤ إلى ابن أبى شيبة وابن المنذر وابن أبى حاتم .

١٩
سورة الحجر : الآيات ٩ - ١١
الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَفِظُونَ﴾: و(١) قال فى آيةٍ أُخرى: ﴿لََّ يَأْتِهِ الْبَطِلُ﴾ - والباطلُ
إبليسُ - ﴿مِنْ بَيْنِ يَدَيِّهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ،﴾ [فصلت: ٤٢]. فأَنزَله اللَّهُ ثم حفِظه، فلا
يَسْتَطيعُ إبليسُ أن يَزِيدَ فيه باطِلًا، ولا يَنْتَقِصَ منه حقًّا، حفظه اللَّهُ مِن ذلك(٢).
حدَّثنى محمدُ بنُ عبدِ الأُعلى، قال: ثنا [١٧١/٢ و] محمدُ بنُّ ثورٍ ، عن معمرٍ ،
عن قتادةَ: ﴿ وَإِنَّا لَهُ لَفِظُونَ﴾. قال: حفظه اللَّهُ مِن أن يزيدَ فيه الشيطانُ باطلًا ،
أو يَنْقُصَ منه حقًّا(٢) . وقيل: إن(٤) الهاءَ فى قولِهِ: ﴿ وَإِنَّا لَهُ لَفِظُونَ﴾. مِن ذكرِ
محمدٍ عَ له ، بمعنى: وإنا لمحمدٍ حافظون ممن أراده بسوءٍ مِن أعدائِه.
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِى شِيَعِ الْأَوَِّينَ ﴿ وَمَا
يَأْتِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا كَانُواْ بِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ عَظِلّهِ: ولقد أرسَلْنا يا محمدُ من قبلك فى الأمم
الأَوَّلين رسلاً. وترَك ذِكْرَ الرسلِ اكتفاءً بدلالةِ قوله: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ﴾
عليه .
وعَنَى ب﴿ شِيَعِ اٌلْأَوَّلِينَ﴾ أمَمَ الأَوَّلين، واحدتُها شِيعَةٌ، ويقال أيضًا لأولياءٍ
الرجلِ : شیعتُه .
وبنحوِ الذى قُلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
(١) ليست فى: ص، م، ت٢ ، ف .
(٢) أخرجه ابن الضريس فى فضائله (١٢٢) من طريق يزيد به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٩٤/٤ إلى ابن
المنذر وابن أبى حاتم ، وفى ٣٦٧/٥ إلى عبد بن حميد، وينظر ما سيأتى فى ٢٠/ ٤٤٤.
(٣) تفسير عبد الرزاق ٣٤٥/١ عن معمر به، وأخرجه ابن الضريس فى فضائله (١٢٣) من طريق عقبة بن
زياد ، عن قتادة .
(٤) سقط من : م.

٢٠
سورة الحجر : الآيات ١٠ - ١٣
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى المُنَّى ، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ ، قال: ثنى معاويةُ ، عن علىّ ، عن ابنِ عباسٍ :
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِى شِيَعَ الْأَوَّلِينَ﴾ . يقولُ: أممِ الأوَّلين(١).
حدَّثْنى المُنَّى ، قال : أخبرنا إسحاقُ ، قال: ثنا هشام، عن عمرو، عن سعيدٍ ،
عن قتادةَ فى قوله: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِ شِيَعِ الْأَوَّلِينَ﴾. قال: فى الأممِ.
وقولُه: ﴿ وَمَا يَأْتِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا كَانُواْ بِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ﴾ . يقولُ : وما يأتى
شِيعَ الأوَّلين مِن رسولٍ مِن اللَّهِ يُؤْسِلُه إليهم بالدعاءِ إلى توحيدِه والإذعانِ بطاعتِهِ،
﴿ إِلَّا كَانُواْ بِهِ، يَسْنَهْزِءُونَ﴾، يقول: إلا كانوا يَسْخَرون بالرسولِ الذى يُؤْسِلُه اللَّهُ
إليهم، عُتَوَّا منهم وتَوْدًا على ربِّهم.
٩/١٤
/ القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ، فِ قُلُوبِ اَلْمُجْرِمِينَ
١٣
يُؤْمِنُونَ بِّ، وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ
@ لا
يقولُ تعالى ذكرُه: كما سلَكنا الكفرَ فى قلوبٍ شِيَع الأوَّلين؛ الاستِهزاء(٣)
بالرسلِ، كذلك نَفْعَلُ ذلك فى قلوبٍ مشركى قومِك، الذين أجرَموا الكفرَ()
باللّهِ. ﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِّ﴾. يقولُ: لا يُصَدِّقون بالذكرِ الذى أَنزَلْتُهُ(٤) إليك.
والهاءُ فى قولِهِ: ﴿ نَسْلُكُمُ﴾. مِن ذكرِ الاستهزاءِ بالرسلِ والتكذيبِ بهم.
كما حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ، قال : ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ :
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٩٤/٤ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٢) فى م، ف: ((بالاستهزاء )).
(٣) فى م: (( بالكفر)).
(٤) فى م، ت ١، ت٢، ف: ((أنزل)).