النص المفهرس
صفحات 681-700
٦٨١
سورة إبراهيم : الآيتان ٣٢، ٣٣
القولُ فى تأويلٍ قولِه عزَّ وجلَّ: ﴿ اَللَّهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ
مِنَ السَّمَآءِ مَآءُ فَأَخْرَجَ بِهِ، مِنَ الثَّمَرَتِ رِزْقًا لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِىَ فى
٠٢
الْبَحْرِ بِأَمْرِفِهُ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَرَ
يقولُ تعالى ذكره : اللَّهُ الذى أنشَأ السماواتِ والأرضَ مِن غيرِ شىءٍ ، أيُّها
الناسُ، وأَنْزَل مِن السماءِ غَيْثًا أُحْيا به الشجرَ والزرعَ، فَأَثْمَرَت رزقًا لكم تَأْكُلونه،
﴿ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ﴾ وهى السفنُ، ﴿لِتَجْرِىَ فِ الْبَحْرِ بِأَمْرِةٍ﴾ لكم،
تَوْكَبونها وتَحْمِلون فيها أمتعتَكم مِن بلدٍ إلى بلدٍ ، ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَرَ﴾؛
ماؤُها شرابٌ لكم. يقولُ تعالى ذكرُه : الذى يَشْتَحِقُّ عليكم العبادةَ وإخلاصَ
الطاعةِ له، مَن هذه صفته، لا مَن لا يَقْدِرُ على ضُرِّ ولا نفع، لنفسِه ولا لغيرِهِ، مِن
أوثانِكم، أيُّها المشركون، وآلهتكم .
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال : ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقَاءُ، وحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ ، يعنى
الزَّعْفَرانيَّ، قال: ثنا شَبابةُ، قال: ثنا وَرْقَاءُ، وحدَّثنى المُثَنَّى، قال: أخبرنا
إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، وحدَّثنى المثَنَّى [١٥٩/٢ و] قال: ثنا أبو حُذيفةً، قال:
ثنا شبلٌ، جميعًا عن ابنٍ أبى نَجِيحِ، عن مجاهدٍ فى قوله: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ
اُلْأَنْهَرَ ﴾. قال : بكلِّ بَلْدةٍ(١).
القولُ فى تأويلِ قولِه عزَّ وجلَّ: ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَابِبَيْنِّ وَسَخَّرَ
لَكُمُ الَّلَ وَاَلنَّهَارَ
٣٣
يقولُ تعالى ذكره : اللَّهُ الذى خلق السماواتِ والأرضَ، وفعَل الأفعالَ التى
(١) تفسير مجاهد ص ٤١٢ من طريق ورقاء به، وذكره السيوطى فى الدر المنثور ٤ /٨٥ عن مجاهد به، وعزاه
إلى المصنف وابن المنذر وابن أبى حاتم .
٦٨٢
سورة إبراهيم : الآيتان ٣٣، ٣٤
وصَف ، وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ يَتَعاقَبان عليكم ، أيُّها الناسُ ، بالليلِ والنهارِ ؛
لصلاح أنفسكم ومعاشِکم ، دائبین فی اختلافهما علیکم .
وقيل : معناه أنهما دائِبان فى طاعةِ اللهِ .
حدَّثنا خلفُ بنُ واصلٍ ، عن رجلٍ ، عن مُقاتِلٍ بنِ حَيَّانَ ، عن عكرمةَ ، عن ابنِ
عباسٍ فى قوله: ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَابِبَيْنِ﴾. قال: دُعُوبُهما فى
.. (١)
طاعةِ اللَّهِ(١) .
وقولُه: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الَّلَ وَاَلنَّهَارَ﴾: يَخْتَلِفان عليكم باعْتِقَابٍ ، إذا
ذهَب هذا جاء هذا، ( وإذا ذهَب هذا جاء هذا٢ ، بمنافعِكم وصلاح أسبابِكم،
فهذا لکم لتصژُّفِکم فیه لمعاشکم، وهذا لكم للشّگنِ، تشكنون فیه ، ورحمةٌ منه
بكم .
القولُ فى تأويلِ قولِه عزَّ وجلَّ: ﴿ وَءَاتَنَّكُم مِّنِ كُلِّ مَا سَأَلْتُهُوَةٌ ﴾.
٢٢٦/١٣
/ يقولُ تعالى ذكره: وأعطاكم - مع إنعامِه عليكم بما أنعم به علیکم ؛ مِن
تسخيرِ هذه الأشياءِ التى سخَّرها لكم، والرزقِ الذى رزَقكم مِن نباتِ الأرضِ
وغروسِها - مِن كلِّ شىءٍ سأَلْتُموه ورغِّثُم إليه شيئًا. وحذَف الشىءَ الثانىَ اكْتِفاءً بـ
((ما)) التى أُضِيفَت إليها ((كلِّ))، وإنما جاز حذفُه؛ لأن ((مِن)) تُبَعِّضُ ما بعدَها،
فكفَتْ بدَلالتِها على التبعيضِ مِن المفعولِ ، فلذلك جاز حذفُه، ومثلُه قولُه تعالى:
﴿ وَأُوِيَتْ مِن كُلِّ شَىْءٍ ﴾ [النمل: ٢٣]. يعنى به: وأُوتِيَت مِن كلِّ شيءٍ فى
زمانِها شيئًا .
(١) ذكره البغوى ٣٥٣/٤ عن ابن عباس به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨٥/٤ إلى المصنف.
(٢ - ٢) سقط من: م، ت١، ت٢، ف .
٦٨٣
سورة إبراهيم : الآية ٣٤
وقد قيل : إن ذلك إنما قيل على التكثيرِ ، نحوَ قولِ القائل : فلانٌ يَعْلَمُ كلَّ
شىءٍ ، وأتاه كلُّ الناسِ. وهو يعنى بعضَهم، وكذلك قولُه: ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَبَ
كُلِّ شَىْءٍ﴾ [الأنعام: ٤٤].
وقيل أيضًا: إنه ليس شىءٌ إلا وقد سأله بعضُ الناسِ، فقيل: ﴿ وَءَاتَنْكُمْ مِّن
كُلِّ مَا سَأَلْتُوهُ ﴾ . أى: قد آتَى بعضكم منه شيئًا ، وآتَى آخرَ شيئًا مما قد سأَله .
وهذا قولُ بعضِ نحوبى أهلِ البصرةِ .
وكان بعضُ نحوبى أهلِ الكوفةِ يقولُ: معناه: وآتاكم مِن كلِّ ما سأَلْتُموه لو
سأَلْتُموه، كأنه قيل: وآتاكم مِن كلِّ سُؤْلِكم (١) ، وقال: ألا تَرَى أنك تَقولُ للرجلِ
لم يَسْأَلْك شيئًا: واللَّهِ لأَعْطِيْنَك سُؤْلَك ما بلَغَتْ مسألتُك وإن لم تَسْأَلْ.
فأما أهلُ التأويلِ، فإنهم اخْتَلَفوا فى تأويلٍ ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه :
وآتاكم مِن كلِّ ما رغِبْتُم إليه فيه .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، وحدَّثنى الحسنُ بنُ محمدٍ ، قال : ثنا
شَبابةُ ، قال : ثنا وَرْقَاءُ، جميعًا عن ابنِ أبى نَجيح، عن مجاهدٍ: من كلِّ ما سأَلْتُموه
ورغبتُم إليه فيه(٢) .
حدَّثنى المُنَّى ، قال: ثنا أبو حذيفةَ ، قال : ثنا شبلٌ، عن ابنٍ أبى نجيح، عن
مجاهدٍ ، وحدَّثنى المُثَنَّى، ("قال: ثنا إسحاق٣ُ)، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن وَرْقَاءَ، عن
(١) فى معانى الفراء ٧٨/٢: ((وآتاكم كل سؤلكم)).
(٢) تفسير مجاهد ص ٤١٢، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨٥/٤ إلى ابن المنذر.
(٣ - ٣) سقط من: م، وفى ت١: ((قال ثنا أبو إسحاق)).
٦٨٤
سورة إبراهيم : الآية ٣٤
ابنِ أبى نجيح، عن مجاهدٍ، وحدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال: ثنى حجاجٌ ،
عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ ، مثلَه (١).
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عن مَعْمٍ، عن
الحسنِ: ﴿ وَءَاتَنْكُمْ مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُوَةٌ﴾. قال: مِن كلِّ الذى سأَلْتُموه.
وقال آخرون : بل معنى ذلك: وآتاكم مِن كلِّ الذى سأَلْتُموه والذى لم
تَسْأَلُوه .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ ، قال : ثنا خلفٌ ، يعنى ابنَ هشام ، قال : ثنا محبوبٌ ،
عن داودَ بنِ أبى هِنْدٍ، "عن ركانةَ بنِ هاشم": ﴿مِن كُلِّ مَا سَأَلْتُوهُ﴾. قال:
ما سأَلْتُموه وما لم تَشْأَلوه .
وقرَأ ذلك آخرون: (وآتاكم مِن كلِّ ما سأَلْتُموه)(٣) بتنوينٍ ((كل))،
وتركِ إضافتها إلى ((ما))، بمعنى: وآتاكم مِن كلِّ شيءٍ لم تَشْأَلُوه ولم تَطْلُبُوه
منه ؛ وذلك أن العبادَ لم يَسألوه الشمسَ والقمرَ والليلَ والنهارَ، وخلَق ذلك
لهم مِن غيرِ أن يَشْأَلُوه .
(١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٣٤٣/١ عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨٥/٤ إلى المصنف.
(٢ - ٢) فى ص ((عن ركان بن هاشم))، وسقط من: ت١، وفى ت٢: ((عن ابن هشام))، وفى ف: ((عن
ابن هاشم)). وينظر تهذيب الكمال ٢٢١/٩.
(٣) القراءة شاذة ، وهى قراءة ابن عباس والضحاك والحسن ومحمد بن على وجعفر بن محمد وعمرو بن
قائد وقتادة وسلام ويعقوب ونافع فى رواية. البحر المحيط ٤٢٨/٥، ونسبت للحسن والأعمش فى إتحاف
فضلاء البشر ص ١٦٥ .
٦٨٥
سورة إبراهيم : الآية ٣٤
٢٢٧/١٣
/ ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى أبو حَصِينٍ عبدُ اللَّهِ بنُ أحمدَ بنِ يُونُسَ، قال: ثنا بَزِيعُ(١)، عن الضحاكِ
ابنِ مُزاحِمٍ فى هذه الآية : (وآتاكم مِن كلِّ ما سأَلْتُموه). قال: ما لم تَسْأَلُوه(٢).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال : ثنا يحيى بنُ واضح ، قال: ثنا عبيدٌ ، عن الضحاكِ ، أنه
كان يُقْرأُ : (مِن كلِّ ما سأَلْتموه)، ويُفَسِّرُه: أعطاكم أشياءَ ما سأَلْتُموها ولم
تَلْتَمِسوها، ولكن أعْطَيْتُكم برحمتى وسَعَتى . قال الضحاكُ : فكم مِن شىءٍ أعطانا
اللَّهُ ما سأَلْناه ولا طلَتْنَاهُ(٢).
حُدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفرج، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عبيدٌ(٣)،
قال : سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ فى قوله: ( وآتاكم من كلِّ ما سأَلْتُموه). يقولُ:
أعطاكم أشياءَ ما طلَبْتُموها ولا سأَلْتُموها، صدَق اللَّهُ، كم مِن شىءٍ أَعْطاناء اللَّهُ ما
سأَلْناه إياه، ولا خطَر لنا على بالٍ (٢).
[٥٩/٢ ١ظ] حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال : ثنا محمدُ بنُ ثورٍ ، عن معمرٍ ،
عن قتادةَ: (وآتاكم مِن كلِّ ما سأَلْتُموه). قال: لم تَسْأَلُوه مِن كلِّ الذى آتاكم(٤).
والصوابُ مِن القولِ فى ذلك عندَنا : القراءةُ التى عليها قَرَأَةُ الأمصارِ ؛ وذلك
إضافةُ ((كلِّ)) إلى ((ما))، بمعنى: وآتاكم من (٢) سُؤْلِكم شيئًا، على ما قد بيَّنا قبلُ ؛
لإجماعِ الحَُّةِ مِن القرَأةِ عليها، ورفضِهم القراءةَ الأخرى .
(١) فى ت٢: ((وكيع بن بزيع)). وينظر تهذيب الكمال ٢٩٢/١٣.
(٢) ذكره أبو حيان فى البحر ٤٢٨/٥ عن الضحاك به .
(٣) بعده فى م: ((بن عبيد)).
(٤) أخرجه عبد الرزاق ٣٤٣/١ من طريق معمر به .
(٥) سقط من: ص ، ت١، ت٢، ف .
٦٨٦
سورة إبراهيم : الآيات ٣٤، ٣٥، ٣٦
القولُ فى تأويل قوله عزَّ وجلَّ: ﴿ وَإِن تَعُذُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُصُوهَاْ إِنَ
٣٤
الْإِسَنَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ
يقولُ تعالى ذكرُه : وإن تَعُدُّوا، أيُّها الناسُ، نعمةَ اللَّهِ التى أَنْعَمَها عليكم ، لا
تُطِيقوا إحصاءَ عددِها، والقيامَ بشكرِها، إلا بعونِ اللَّهِ لكم عليها، ﴿إِنَّـ
اُلْإِنْسَنَ لَظَلُومٌ كَفَارٌ﴾. يقولُ: إن الإنسانَ الذى بدَّل نعمةَ اللَّهِ كفرًا
﴿لَظَلُومٌ﴾. يقولُ: لشاكرٌ غيرَ مَن أَنْعَم عليه، فهو بذلك - مِن فعلِه - ، واضحٌ
الشكرَ فى غيرِ موضعِه، وذلك أن اللَّهَ هو الذى أَنْعَم عليه بما أنْعَم ، واسْتَحَقَّ عليه
إخلاصَ العبادةِ له ، فعبد غيرَه ، وجعَل له أندادًا ليُضِلَّ عن سبيلِه ، وذلك هو ظلمُه .
وقولُه: ﴿كَفَّارٌ ﴾. يقولُ: هو جَحودٌ نعمةَ اللَّهِ التى أَنْعَم بها عليه؛ لصرفِه
العبادةَ إلى غيرِ مَن أَنْعَم عليه، وتركِه طاعةً مَن أَنْعَم عليه .
حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ ، قال : ثنا يزيدُ بنُ هارونَ ، قال: ثنا مِشْعَرٌ ، عن سعد
ابنِ إبراهيمَ ، عن طَلْقِ بنِ حَبيبٍ ، قال: إن حقَّ اللَّهِ أثقلُ مِن أن يَقومَ به العبادُ ، وإنَّ
نعمَ اللَّهِ أكثرُ مِن أَن يُخْصِيَها العبادُ، ولكن أَصْبِحوا تَوَّابِين، وأمْسُوا توابين(١).
القولُ فى تأويلِ قولِه عزَّ وجلّ: ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ ءَإِمِنًا
رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِّ فَمَنْ تَبَّعَنِىِ
وَأَجْتُبْنِ وَبَنِىَ أَنْ تَّعْبُدَ اُلْأَصْنَامَ الْهَبّ
٣٦
فَإِنَّهُ مِنِّى وَمَنْ عَصَانِ فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
/ يقولُ تعالى ذكرُه: واذْكُوْ يا محمدُ ﴿ إِذْ قَالَ إِبْزَهِيمُ رَبٍّ أَجْعَلْ هَذَا
٢٢٨/١٣
الْبَلَدَ ءَاِنًا﴾: يعنى الحرمَ، بلدًا آمنًا أهلُه وسكانُه، ﴿وَأَجْتُبْنِى وَيَتِىَّ أَنْ ثَّعْبُدَ
(١) أخرجه البيهقى فى الشعب (٤٥٢٢) من طريق يزيد بن هارون به . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨٥/٤
إلى ابن أبى شيبة .
٦٨٧
سورة إبراهيم : الآيتان ٣٥، ٣٦
اُلْأَصْنَامَ ﴾. يقالُ منه: جنَبْتُه الشرّ، فأنا أَجْتُبُه جَنْبًا، وجَّبْتُه الشرّ، فأنا أُجَنَُّه
تَجْنِيبًا، وأجْتَبْتُه ذلك، فأنا أَجْنِبُه إجنابًا، ومِن ((جنَبْتُ)) قولُ الشاعرِ(١):
وتَجْنُبُه قلائصَنا الصِّعابَا
وتَنْفضُ مهدَه شفَقًا عليه
ومعنى ذلك : أَبْعِدْنى وبَنِىَّ مِن عبادة الأصنامِ . والأصنامُ جمعُ صنمٍ ، والصنمُ
هو التمثالُ المصوَّرُ، كما قال رُؤْبةُ بنُ العَجَّاج فى صفةِ امرأةٍ () :
وَهْنانةٌ كَالزُّونِ(٣) يُجْلَى صَنَمُهْ
تَضْحَكُ عن أَشْنَبَ عَذْبٍ مَلْثَمُهُ
وكذلك كان مجاهدٌ يقولُ .
حدَّثنى المُنَّى ، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنٍ أبى نجيحٍ، عن
مجاهدٍ: ﴿ وَ إِذْ قَالَ إِبْرَهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ ءَامِنًا وَأَجْتُبْنِى وَبَنِىَّ أَنْ تَّعْبُدَ
اُلْأَصْنَامَ ﴾. قال: فاسْتَجاب اللَّهُ لإبراهيمَ دعوتَه فى ولدِه، قال: فلم يَعْبُدْ أحدٌ مِن
ولدِه صنمًا بعدَ دعوتِه - والصنمُ: التمثالُ المُصَوَّرُ، ما لم يَكُنْ صنمًا (٩) فهو وَثَنِّ -
قال: واسْتجاب اللَّهُ له، وجعَل هذا البلدَ آمنًا، ورزَق أهلَه مِن الثمراتِ، وجعَله
إمامًا، وجعَل مِن ذريتِه مَن يُقِيمُ الصلاةَ، وتقَبَّل دعاءَه، فأراه مَناسِگه، وتاب
(٥)
عليه(٥) .
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، قال: كان إبراهيمُ التيمىُّ
(١) البيت فى مجاز القرآن ٣٤٢/١ بدون نسبة .
(٢) ديوانه ص ١٥٠ .
(٣) فى ص، ت١، ت٢، ف: ((كالزور)). والزُّون: الصنم، وكل ما يعبد من دون اللَّه، وهو موضع تجمع
فيه الأنصاب . ينظر اللسان ( زون ).
(٤) كذا فى النسخ، ولعل الصواب: ((مصوَّرا))، فقد جاء فى لسان العرب (ص ن م): الصنم ما كان له
جسم أو صورة ، فإن لم يكن له جسم أو صورة فهو وثن .
(٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨٦/٤ إلى المصنف .
٦٨٨
سورة إبراهيم : الآيتان ٣٥، ٣٦
يَقُصُّ، ويقولُ فى قَصصِه: مَن يَأْمَنُ (١) البلاءَ بعدَ خليلِ اللَّهِ إبراهيمَ حينَ يقولُ: رَبّ
اْنُبْنِى وَيَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنامَ(٢).
وقولُه: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ﴾. يقولُ(٣): يا ربِّ، إن
الأصنامَ [١٦٠/٢و] ﴿أَضْلَلْنَ﴾، يقولُ: أَضْلَلْنَ) كثيرًا مِن الناسِ عن طريقٍ
الهُدَى وسبيلِ الحقِّ، حتى عبَدوهن، وكفَروا بك.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ إِنَّهُنَّ أَضْلَْنَ
كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ﴾. يعنى: الأوثانَ.
حدَّثنى المُثُنَّى ، قال: ثنا إسحاقُ ، قال: ثنا هشامٌ، عن عمرٍو، عن سعيدٍ ، عن
قتادةَ: ﴿ إِنَهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ﴾. قال: الأصنامُ.
٢٢٩/١٣
وقولُه: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِى فَإِنَّهُ مِنِّى﴾. يقولُ: فَمَن تَبِعنى على ما أنا عليه مِن
الإيمانِ بك، وإخلاص العبادةِ لك، وفراقٍ عبادة الأوثانِ، ﴿فَإِنَُّ مِنِىٌ﴾. يقولُ:
فإنه مُسْتَنٌّ بسُنَّتى، وعاملٌ بمثلٍ عملى، ﴿ وَمَنْ عَصَانِى / فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
يقولُ: ومَن خالَف أمرى، فلم يَقْبَلْ منى ما دعَوْتُه إليه، وأَشْرَك بك ، فإِنك غفورٌ
الذنوبِ المُذْنِبين الخَطَّائين بفضلِك، رحيمٌ بعبادِك، تَعْفو عمن تَشاءُ منهم.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَمَنْ تَبِّعَنِىِ
فَإِنَُّ مِنِّ وَمَنْ عَصَانِى فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾: اسْمَعُوا إلى قولِ خليلِ اللَّهِ إبراهيمَ ، لا
واللَّهِ ، ما كانوا طَّانين ولا لقَّانين، وكان يقالُ: إِن مِن أشرٌ عبادِ اللَّهِ كلَّ طعَّانٍ
(١) بعده فى م: ((من)).
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨٦/٤ إلى المصنف وابن أبى حاتم.
(٣) فى ت٢: (( يعنى الأوثان حدثنى المثنى قال)).
(٤) فى م: ((أزلن)).
٦٨٩
سورة إبراهيم : الآيات ٣٥، ٣٦، ٣٧
لَّانٍ، قال نبيُ اللَّهِ ابنُ مريمَ عليه السلامُ: ﴿إِن تُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ
فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ [المائدة: ١١٨].
حدَّثنى المُتَّى ، قال : ثنا أصبغُ بنُ الفرج، قال : أخبرنى ابنُ وهبٍ ، قال : ثنا
عمرُو بنُّ الحارثِ ، أن بكرَ بنَ سَوَادةَ حدَّثه ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ جبيرٍ ، عن عبدِ اللَّهِ
ابنِ عمرٍو بنِ العاصِ، أن رسولَ اللّهِ وَ ظَه تلا قولَ إبراهيمَ: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا
مِّنَ النَّاسِ فَمَن تَبِّعَنِىِ فَإِنَّلُ مِنٍِّّ وَمَنْ عَصَانِ فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، وقالَ(٢) عيسى:
﴿ إِن تُعَذِّبَهُمْ فَإَِهُمْ عِبَادُكٌ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَبِزُ الْحَكِيمُ ﴾ [المائدة: ١١٨].
فرفَع يديه، ثم قال: ((اللهم أُمَّتى، اللهم أمَّتى)) . وبكى ، فقال اللهُ تبارك وتعالى : يا
جبريلُ ، اذْهَبْ إلى محمدٍ - وربُّك أعلمُ - فاشْأَلْه ما يُتْكِيهِ(٣) ؟ فأتاه جبريلُ فسأله،
فأخْبَره رسولُ اللَّهِ بِهِ مَا(٤) قال. قال: فقال اللَّهُ: يا جبريلُ، اذْهَبْ إلى محمدٍ فقلْ
له : إنا سنُوْضِيك فى أمتِك ولا نَسُوءُك(٥).
القولُ فى تأويل قولِه عزّ وجلَّ : ﴿رَبَّنَا إِنَّ أَسْكَنْتُ مِن ذُرِيَّتِ بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ
عِندَ بَيْنِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلَوَةَ فَأَجْعَلْ أَفْئِدَةُ مِّنَ النَّاسِ تَهْوِىّ إِلَيْهِمْ
٣٧
وَأَرْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ
وقال إبراهيمُ خليلُ الرحمنِ هذا القولَ ، حينَ أَسْكن إسماعيلَ وأمَّه هاجَرَ -
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨٦/٤ إلى عبد بن حميد والمصنف وابن المنذر وابن أبى حاتم.
(٢) قال النووى: هكذا هو فى الأصول: ((وقال عيسى))، قال القاضى عياض: قال بعضهم: قوله:
((قال)) هو اسم للقول لا فعل، يقال: قال قولًا وقالًا وقيلًا، كأنه قال: وتلا قول عيسى. صحيح مسلم
بشرح النووي ٧٨/٣ .
(٣) فى ت١، وصحيح مسلم: (( بيكيك)).
(٤) فى صحيح مسلم: ((بما)).
(٥) صحيح مسلم (٢٠٢/٣٤٦) من طريق ابن وهب به .
( تفسير الطبرى ٤٤/١٣ )
٦٩٠
سورة إبراهيم : الآية ٣٧
فیما ذُكِر - مكةً .
كما حدَّثنی يعقوبُ بنُ إبراهيمَ والحسنُ بنُ محمدٍ ، قالا : ثنا إسماعيلُ بنُ
إبراهيمَ ، عن أيوبَ ، قال: نُكُمتُ عن سعيد بن جبيرٍ ، أنه حدَّث عن ابنِ عباسٍ،
قال: إن أولَ مَن سعَى بينَ الصفا والمروةِ لَأمُّ إسماعيلَ، وإن أولَ ما أَحْدَث نساءُ
العربِ جَرّ الدُّيولِ لمِن(١) أُمّ إسماعيلَ(٢). قال: لما فرّت مِن سارةَ أَرْحَت مِن ذيلها ؛
لُعَفِّىَ أَثْرَها ، فجاء بها إبراهيمُ ومعها إسماعيلُ ، حتى انْتَهَى بهما إلى موضعِ البيتِ ،
فوضَعَهما ثم رجَع، فاتَّبَعَت فقالت : إلى إِيشْ(٢) تَكِلُنا؟ إلى طعامِ تَكِلُنا ؟ إلى شراب
تَكِلُنا؟ فجعَل لا يَرُدُّ عليها شيئًا ، فقالت: آللَّهُ أَمَرَك بهذا؟ قال: نعم . قالت: إذن لا
يُضَيِّعَنا. قال: فرجَعَت ، ومضَى حتى إذا اسْتَوى على ثَنِيَّةِ كَدَاءٍ، أَقْبَل على
الوادى، فدعا فقال: ﴿رَبَّنَا إِنَّ أَسْكَنْتُ مِن ذُرِيَّتِى بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ عِندَ بَيْئِكَ
الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَوَةَ فَأَجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِىّ إِلَيْهِمْ وَأَرْزُقْهُم مِّنَ
الثَّمَرَتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾. قال: ومع الإنسانةِ شَنَّةٌ فيها ماءٌ، فنفِد الماءُ، فعطِشَت
١٣ ١ / وانْقَطَع لبنُها، فعطِش الصبىُ، فنظَرَت: أىُّ الجبالِ أَدْنَى مِن الأرضِ؟ فصعِدَت
بالصفا ، فتسَمَّعَت هل تَسْمَعُ صوتًا ، أو تَرَى أنيسًا؟ فلم تَسْمَعْ، فانْحَدَرت ، فلمَّا
اتّت على الوادى سعَت ، وما تُرِيدُ السعىَ، كالإنسانِ المجهودِ الذى يَسْعَى ، وما يُرِيدُ
السعىَ، فنظَرَت: أىُّ الجبالِ أدنى من الأرضِ؟ فصعِدَت المروةَ، فتسمَّعَت هل
تَسْمَعُ صوتًا، أو تَرَى أنيسًا؟ فسمِعَت صوتًا، فقالت كالإنسانِ الذى يُكَذِّبُ
سمعَه: صَهٍ. [١٦٠/٢ظ] حتى اسْتَيقَنَت، فقالت: قد أُسْمَعْتَنى صوتَك فأغِثْنى،
(١) فى ص، ت١، ت٢، ف: ((لهن)).
(٢) سياق العبارة فى التاريخ: ((وإن أول من أحدث من نساء العرب جرّ الذيول لأم إسماعيل)).
(٣) فى م، وتاريخ الطبرى: ((أى شىء)).
٦٩١
سورة إبراهيم : الآية ٣٧
فقد هلَكْثُ وهلَك مَن معى . فجاء الملَكُ، فجاء بها، حتى انْتَهَى بها إلى موضعٍ
زمزمَ، فضربَ بقدمِه ففارَت عينًا، فعجِلتْ الإنسانةُ، فجعَلتْ تُفْرِغُ (١) فى شَنِّها،
فقال رسولُ اللهِ عَّهِ: ((رحم اللهُ أَمَّ إسماعيلَ، لولا أنها عجِلَت لَكانت زمزمُ عينًا
مَعِينًا)). وقال لها الملَكُ: لا تَخافى الظَّمَأَ على أهلِ هذا البلدِ، فإنما هى عينٌ لشربِ
ضِيفانِ اللَّهِ. وقال: إن أبا هذا الغلام سيَجِىءُ، فيَبْنيان للَّهِ بيتًا هذا موضعُه. قال:
ومرّت رُفْقَةٌ مِن بجرْهُمَ تُرِيدُ الشامَ ، فرأوا الطيرَ على الجبلِ، فقالوا: إن هذا الطيرَ
لَعائفٌ على ماءٍ، فهل عِلِمْتُم بهذا الوادى مِن ماءٍ؟ فقالوا: لا. فأشْرَفوا، فإذا هم
بالإنسانةِ ، فَأَتَوْها فطلبوا إليها أن يَنْزِلوا معها ، فَأَذِنَت لهم . قال: وأُتَّى عليها ما يأتى
على هؤلاء الناسِ مِن الموتِ ، فماتتْ ، وتزوَّج إسماعيلُ امرأةٌ منهم ، فجاء إبراهيمُ،
فسأل عن منزلِ إسماعيلَ حتى دُلَّ عليه، فلم يَجِدْه ووجَد امرأةً له فَظَّةٌ غَليظةً ، فقال
لها : إذا جاء زوجك فقولى له : جاء هاهنا شيخٌ مِن صفتِه كذا وكذا، وإنه يقولُ
لك: إنى لا أَرْضَى لك عَتَبَةَ بابِك فحوّلْها. وانْطَلَق، فلمَّا جاء إسماعيلُ أَخْبَرَتْه،
فقال : ذاك أبى، وأنتِ عَتَبةُ بابى. فطلَّقها وتزوَّج امرأةً أخرى منهم، وجاء إبراهيمُ
حتى انْتَهَى إلى منزلِ إسماعيلَ، فلم يَجِدْه ووجَد امرأةً له سهلةً طَليقةً ، فقال لها :
أين انْطَلَق زوجك؟ فقالت: انْطَلَق إلى الصيدِ. قال: فما طعامُكم؟ قالت : اللحم
والماءُ. قال : اللهم بارِكْ لهم فى لحمِهم ومائهم ، اللهم بارِكْ لهم فى لحمِهم ومائِهم.
ثلاثًا ، وقال لها: إذا جاء زوجك فأخْبِرِيه، قُولى: جاء هاهنا شيخٌ مِن صفتِه كذا
وكذا، وإنه يقولُ لك: قد رضِيتُ لك عَتَبَةَ بابِك فأَتْبِتْها. فلما جاء إسماعيلُ
أَخْبَرَته . قال: ثم جاء الثالثةَ، فرفَعا القواعدَ مِن البيتِ(١)
(١) سقط من النسخ ، أثبتناها من التاريخ .
(٢) أخرجه الطبرى فى تاريخه ٢٥٧،٢٥٥/١، والبغوى فى تفسيره ٣٥٥/٤، ٣٥٦ من طريق سعيد به بنحوه.
٦٩٢
سورة إبراهيم : الآية ٣٧
حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ ، قال: ثنى يحيى بنُ عبَّادٍ ، قال: ثنا حمادُ بنُ
سلمةَ، عن عطاءِ بنِ السائبِ ، عن سعيدِ بنِ جببرٍ ، عن ابنِ عباسٍ، قال : جاء
إبراهيمُ نبُّ اللَّهِ بإسماعيلَ وهاجَرَ، فوضَعَهما بمكةً فى موضع زمزمَ ، فلما مضى
نادَته هاجَرُ : يا إبراهيمُ ، إنما أَسْأَلُك - ثلاثَ مراتٍ - مَن أمَرك أَن تَضَعَنی بأرضٍ
ليس فيها زرعٌ، ولا ضرعٌ، ولا أنيسٌ، ولا ماءٌ، ولا زادٌ؟ قال: ربى أمَرَنى.
قالت: فإنه لن يُضَيِّعَنا. قال: فلما قفًّا إبراهيمُ قال: ﴿ رَبَّنَآ إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِى
وَمَا نُعْلِنٌ﴾. يعنى من الحزنِ، ﴿ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِن شَىْءٍ فِ اٌلْأَرْضِ وَلَا فِى
اُلسَّمَآءِ ﴾، فلما ظمِئ إسماعيلُ جعَل يَدْحَضُ(١) الأرضَ بعَقِهِ، فذهَبَت هاجرُ
حتى عَلَت الصفا، والوادى يومَئذٍ لاخ، يعنى: عميقٌ، فصعِدَت الصفا، فَأَشْرَفَت
لِتَنْظُرَ هل تَرَى شيئًا؟ فلم تَرَ شيئًا، فانْحَدَرَت فَبَلَغَت الوادىَ فسَعَت فيه، حتى
خَرَجَت منه، فَأَتَّت المروةَ، فصعِدَت، فاسْتَشْرَفَت، هل تَرَى شيئًا؟ فلم تَرَ شيئًا ،
١٣١/١٣ فَفعَلَت ذلك سبعَ مراتٍ، ثم جاءت مِن المروةِ إلى إسماعيلَ وهو يَدْحَضُ /الأرضَ
بعقبِهِ، وقد نبَعَت العينُ، وهى زمزمُ، فجعَلَت تَفْحَصُ الأرضَ بيدِها عن الماءِ ،
فكلما اجتمع ماءٌ أَخَذَته بقَّدَحِها، وأَفْرَغَته فى سِقائِها. قال: فقال النبيُّ عَ لَّهِ:
((يَرْحَمُها اللَّهُ لو ترَكَتْها لَكانت عينًا سائحةً تَجْرِى إلى يوم القيامةِ)). قال: وكانت
جُرْهُمُ يومَئذٍ بوادٍ قريبٍ مِن مكةَ. قال : ولزِمت الطيرُ الوادىَ حينَ رأت الماءَ، فلمَّا
رأْت ◌ُجُرْهُمُ الطيرَ لزِمَت الوادىَ. قالوا: ما لزِمَته إلا وفيه ماءٌ. فجاءوا إلى هاجَرَ
فقالوا : إن شئتِ كنا معكِ وآنَشْناكِ، والماءُ مَاؤُكِ . قالت: نعم. فكانوا معها حتى
شبَّ إسماعيلُ ، وماتت هاجَرُ، فتزَوَّج إسماعيلُ امرأةٌ منهم ، قال : فاسْتَأَذن إبراهيم
سارَةَ أَن يأْتِىَ هاجَرَ، فأذِنَت له ، وشرَّطت عليه ألا يَنْزِلَ ، فقدِم إبراهيمُ ، وقد ماتت
(١) فی التاریخ: ((یدحص))، و کلاهما بمعنی یفحص ویبحث ویحرك التراب. ينظر التاج(دح ض، دح ص).
٦٩٣
سورة إبراهيم : الآية ٣٧
هاجَرُ، فذهَب إلى بيتِ إسماعيلَ ، فقال لامرأتِه : أين صاحبُكِ ؟ قالت : ليس
هاهنا، ذهَب يَتَصَيَّدُ. وكان إسماعيلُ يَخْرُجُ مِن الحرمِ فَيَتَصَيَّدُ ثم يَرْجِعُ، فقال
إبراهيمُ : هل عندَك ضِيافةٌ ؟ هل عندَك طعام أو شرابٌ ؟ قالت : ليس عندى ، وما
عندى أحدٌ . فقال إبراهيمُ : إذا جاء زوجك فأقْرِئيه السلامَ، وقُولى له : فلْيُغَيِّرْ عتبةً
بابِهِ . وذهَب إبراهيمُ ، وجاء [١٦١/٢ و] إسماعيلُ، فوجَد رِيحَ أبيه ، فقال لامرأتِه :
هل جاءك أحدٌ ؟ فقالت: جاءنى شيخٌ، كذا وكذا - كالمُسْتَخِقَّةِ بشأنِه - قال : فما
قال لكِ؟ قالت : قال لى: أَقْرِئى زوجَك السلامَ، وقُولى له: فَلْيُغَيِّرْ عتبةً بابِه .
فطلَّقها وتزَوَّج أخرى، فلبِث إبراهيمُ ما شاء اللَّهُ أن يَلْبَثَ، ثم اسْتَأْذَن سارَةَ أَن يَزُورَ
إسماعيلَ، فَأُذِنَت له، وشرَطَت عليه ألا يَنْزِلَ، فجاء إبراهيمُ حتى انْتَهَی إلی بابِ
إسماعيلَ ، فقال لامرأتِه: أين صاحبُكِ؟ قالت : ذهَب يَتصَيَّدُ، وهو يَجِىءُ الآن إن
شاء اللَّهُ ، فانْزِلْ يَرْحَمُك اللَّهُ. قال لها: هل عندَك ضِيافةٌ؟ قالت : نعم . قال : هل
عندَك خبزٌ أو بُرّ أو تمرٌ أو شعيرٌ؟ قالت: لا . فجاءت باللبنِ واللحم، فدعا لهما
بالبركةِ ، فلو جاءت يومَئذٍ بخبزٍ أو بُرِّ أو شعيرٍ أو تمرٍ، لكانت أكثرَ أرضِ اللَّهِ بُرًا
وشعيرًا وتمرًا، فقالت له: انْزِلْ حتى أَغْسِلَ رأسَك. فلم يَنْزِلْ، فجاءته بالمَقَامِ
فوضَعَته عن شِقِّه الأيمنِ، فوضَع قدمَه عليه ، فبقِى أثرٌ قدمِه عليه ، فغسَلَت شِقَّ رأسِه
الأيمنَ ، ثم حوَّلت الْمَقَامَ إلى شقِّه الأيسرِ، فغسَلَت شقَّه الأيسرَ، فقال لها : إذا جاء
زوجك فأقْرِئيه السلامَ ، وقُولى له : قد اسْتَقامَت عَتَبَةُ بابِك. فلما جاء إسماعيلُ
وجَد رِيحَ أبيه ، فقال لامرأته : هل جاءك أحدٌ؟ فقالت: نعم، شيخٌ أحسنُ الناسِ
وجهًا، وأطيئُه رِيحًا، فقال لى: كذا وكذا، وقلتُ له: كذا وكذا، وغسَلْتُ
رأسَه، وهذا موضعُ قدمَيْهُ ١ على المَقامِ. قال: وما قال لكِ؟ قالت: قال لى: إذا
(١) فى م، ت١، ت٢، ف: ((قدمه)).
٦٩٤
سورة إبراهيم : الآية ٣٧
جاء زوجُك فأْرِئيه السلامَ، وقُولى له : قد اسْتَقامت عتبةُ بابِك. قال : ذاك إبراهيم .
فلبِث ما شاء اللَّهُ أَن يَلْبَثَ، وأَمَره اللَّهُ ببناءِ البيتِ ، فبناه هو وإسماعيلُ ، فلمَّا بَنَياه قيل:
أَذِّن فِ النَّاسِ بِالْحَجِ﴾ [الحج: ٢٧]. فجعَل لا يُرُّ بقومٍ إلا قال: أيُّها الناسُ ، إنه
قد بُنِى لكم بيتٌ فَحُجُّوه، فجعَل لا يَسْمَعُه أحدٌ؛ صخرةٌ، ولا شجرةٌ(١)، ولا
شىءٌ، إلا قال: لبيك اللهم لبيك. قال: وكان بينَ قولِه: ﴿ رَبَّنَآ إِنَّ أَسْكَنتُ مِن
ذُرِّيَّقِ بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ عِندَ بَيْنِكَ الْمُحَرَّمْ﴾. وبينَ قولِهِ: ﴿ اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى وَهَبَ
لِ عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ﴾ [إبراهيم: ٣٩]. كذا وكذا عامًا. لم يَحْفَظْ
(٢)
عطاءٌ(٢).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿رَّبَّنَا إِِّ
أَسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِى / بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ عِندَ بَيْئِكَ الْمُحَرَّمْ﴾. وإنه بيتٌ طَّره اللَّهُ مِن
السُّوءِ، وجعَله قِبْلةً، وجعَله حَرَمَه، اخْتَارَه نبىُ اللَّهِ إبراهيمُ لولدِه(٣).
٢٣٢/١٣
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال : ثنا محمدُ بنُ ثورٍ ، عن معمرٍ ، عن قتادةً :
﴿غَيْرِّ ذِى زَرْعٍ﴾. قال: مكةَ، لم يَكُنْ بها زرعٌ يومَئذٍ(٤).
حدَّثنا القاسمُ، قال : ثنا الحسينُ، قال : ثنی حجاجٌ، عن ابن جريج، قال :
أخبرنى ابنُ كثيرٍ - قال القاسمُ فى حديثه : قال أخبرنى عمرُو بنُ كثيرٍ - قال أبو
جعفرٍ : فغيَّرْتُه أنا فجعَلْتُه: قال: أخبرنى ابنُ كثيرٍ، وأَسْقَطْتُ عمرًا؛ لأنى لا أَعْرِفُ
إنسانًا يقال له : عمرُو بنُ کثیرٍ حدَّث عنه ابنُ جریج، وقد حدَّث به معمرٌ عن کثیر
(١) فى ص، ت١، ت٢، ف: ((شجر)).
(٢) تاريخ الطبرى ٢٥٧/١ - ٢٥٨.
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨٧/٤ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٤) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٣٤٣/١ عن معمر به .
٦٩٥
سورة إبراهيم : الآية ٣٧
ابنِ كثيرٍ بنِ المطلبٍ بن أبى وَدَاعَةَ ، وأَخْشَى أن يكونَ حديثُ ابن جريج أيضًا عن
کثیرٍ بن کثیرٍ - قال : كنتُ أنا وعثمانُ بنُ ابی سلیمانَ فی أناسٍ مع سعيد بن جبيرٍ
ليلاً ، فقال سعيدُ بنُ جبيرٍ للقومِ: سَلُونى قبلَ أَلَّ تَسْأَلونى(١). فسأَلَه القومُ فأكْثَروا،
وكان فيما سُئِل عنه أن قيل له : أحقٌّ ما سمِعْنا فى المَقَامِ؟ فقال سعيدٌ : ماذا سمِعْتُم؟
قالوا : سمِعْنا أن إبراهيمَ رسولَ اللَّهِ حينَ جاء مِن الشامِ، كان حلَف لامرأتِه ألا يَنْزِلَ
مكةَ حتى يَرْجِعَ، فَقُرِّب له المَقَامُ، فنزَل عليه، فقال سعيدٌ: ليس كذاك، حدَّثنا ابنُ
عباسٍ ، ولكنه حدَّثنا حينَ كان بينَ أمّ إسماعيلَ وسارَةَ ما كان ، أَقْبَل بإسماعيلَ ، ثم
ذكَّر مثلَ حديثِ أيوبَ، غير أنه زاد فى حديثه، قال: قال أبو القاسمِ عَّهِ :
((ولذلك طاف الناسُ بينَ الصفا والمروةِ)). ثم حدَّث، وقال: قال أبو القاسمِ عَلَّه:
((طلَبوا النزولَ معها وقد أحَبَّت أمُّ إسماعيلَ الأنْسَ، فنزَلُوا وبعثوا إلى أهلِهم فقدِموا،
وطعامُهم الصيدُ ، يَخْرُجون مِن الحرمِ ، ويَخْرُجُ إسماعيلُ معهم يَتَصَيَّدُ ، فلمَّا بلَغ
أَنْكَحوه، وقد تُؤُفِّيَت أمُّه قبلَ ذلك)). قال: وقال رسولُ اللَّهِ عَمِ: (( لما دعالها(٢) أن
يُبارَكَ لهم فى اللحم والماءِ ، قال لها : هل مِن حَبٍّ أو غيرِهِ مِن الطعامِ ؟ قالت : لا . ولو
وجَد يومَئذٍ لها حبًّا لدعا لها بالبركةٍ فيه)). قال ابنُ عباسٍ: ثم لبث ما شاء اللَّهُ أن
يَلْبَثَ، ثم جاء فوجَد إسماعيلَ قاعدًا تحتَ دَوْحةٍ إلى ناحيةِ البئرِ ، يَتْرِى نَبْلًا له ، فسلّم
عليه، ونزَل إليه ، فقعَد معه، وقال: يا إسماعيلُ، إن اللَّهَ قد أمَرنى بأمرٍ. قال [٢]
(٦ ١ظ] إسماعيلُ: فَأَطِعْ ربَّك فيما أمَرك. قال إبراهيمُ: أمَرنى أن أَبْنىَ له بيتًا . قال
إسماعيلُ : أَيْنَ؟ قال ابنُ عباسٍ : فأشار له إبراهيمُ إلى أُكَمةٍ بينَ يديه مرتفعةٍ على ما
حولَها ، يَأْتِيها السيلُ مِن نَواحِيها ولا يَرْكَبُها . قال: فقاما يَحْفِران عن القواعدِ ،
(١) سقط من: ص، ت١، ت٢، ف .
(٢) فى م، ف: ((لهما)).
٦٩٦
سورة إبراهيم : الآية ٣٧
يَرْفَعانها، ويقولان: ﴿ رَبَّنَا نَقَبَّلْ مِنَّاً إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾ [البقرة: ١٢٧]،
ربََّا تقَبَّلْ منا إنك سميعُ الدعاءِ . وإسماعيلُ يَحْمِلُ الحجارةَ على رقبته، والشيخُ
إبراهيمُ يَثْنِى ، فلمَّا ارْتَفع البنيانُ ، وشقَّ على الشيخ تناؤُلُهُ، قَرَّب إليه إسماعيلُ هذا
الحجرَ، فجعَل يقومُ عليه ويَبْنى، ويُحَوِّلُه فى نواحى البيتِ حتى انْتَهَى. يقولُ ابنُ
عباسٍ : فذلك مَقامُ إبراهيمَ وقيامُه عليه(١) .
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن شَرِيكِ، عن عطاءِ بنِ السائبِ ، عن
سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿رَّبَّنَآ إِنِّيِّ أَسْكَنْتُ مِن ذُرِيَّتِ بِوَادٍ غَيْرِ ذِى
زَرْجِ﴾. قال: أسْكَن إسماعيلَ وأمَّه مكةً(١).
٢٣٣/١٣
/ حدَّثنا أحمدُ بنُ إِسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا شَريكٌ، عن عطاءِ بنِ
السائبِ ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ: ﴿إِنِّ أَسْكُنْتُ مِن ذُرِّيَّتِ بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعِ﴾ قال :
.(٣)
حينَ وَضَع إسماعيل(
قال أبو جعفرٍ رحِمه اللَّهُ: فتأويلُ الكلام إذن : ربَّنا إنى أسْكَنْتُ بعضَ ولدى
بوادٍ غيرِ ذى زرعٍ، وفى قولِه ◌َِّ هذا دليلٌ على أنه لم يَكُنْ هنالك يومَئذٍ ماءٌ؛ لأنه
لو كان هنالك ماء، لم يَصِفْه بأنه غيرُ ذى زرعٍ، عندَ بيتِك الذى حرَّمْتَه على جميع
خلقِك أن يَسْتَحِلُوه .
وكان تحريُه إياه فيما ذُكِر، كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ ، قال: ثنا سعيدٌ ،
عن قتادةَ ، قال: ذُكِر لنا أن عمرَ بنَ الخطابِ قال فى خطبتِه : إن هذا البيتَ أولُ مَن
(١) أخرجه عبد الرزاق فى المصنف ١٠٥/٥ (٩١٠٧) من طريق كثير بن كثير به، وتاريخ الطبرى ٢٥٩/١ -
٢٣٠ من طريق كثير به مختصرا .
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨٧/٤ إلى المصنف.
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨٧/٤ إلى المصنف وابن أبى حاتم .
١
٦٩٧
سورة إبراهيم : الآية ٣٧
ولِيه أُناسٌ مِن طَشْم، فعصَوْا ربَّهم، واسْتَحَلَّوا حُرْمتَه، واسْتَخَقُّوا بحقّه،
فأهْلَكهم اللَّهُ، ثم ولِيَّه أُناسٌ مِن جُرْهُمَ، فعصَوْا ربَّهم، واسْتَحَلُّوا حُزْمتَه،
واسْتَخَقُوا بحقٌّه، فأهْلَكَهم اللَّهُ، ثم ولِيتُموه معاشرَ قريشٍ، فلا تَعْصُوا ربَّه، ولا
تَشْتَحِلُّوا حرمته، ولا تَسْتَخِقُوا بحقٌّه، فواللَّهِ لصَلاةٌ فيه أحبُّ إلىَّ مِن مائةٍ صلاةٍ
بغيرِهِ ، واعْلَموا أن المعاصىَ فيه على نحوٍ مِن ذلك(١).
وقال : ﴿ إِنِّ أَسْكَنْتُ مِن ذُرِيَّتِ بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْع﴾ ولم يَأْتِ بما وقع عليه
الفعلُ ، وذلك أن حظَّ الكلام أن يُقالَ : إنى أُسْكَنْتُ مِن ذریتی جماعةً ، أو رجلًا ،
أو قومًا . وذلك غيرُ جائزٍ مع ((مِن))، لدلالتِها على المرادِ مِن الكلام، والعربُ تَفْعَلُ
ذلك معها كثيرًا، فتقولُ: قتَلْنا مِن بنى فلانٍ، وطعِمْنا مِن الكلاً، وشرِبنا مِن الماءِ .
ومنه قولُ اللَّهِ عزَّ وجلَّ: ﴿أَنْ أَفِضُواْ عَلَيَّنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ:
ج
[ الأعراف : ٥٠ ] .
فإن قال قائلٌ: وكيف قال إبراهيمُ حينَ أسْكَن ابنَه مكةً : ﴿ إِنَّ أَسْكَنتُ مِن
ذُرِّيَّتِ بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ عِندَ بَيْنِكَ الْمُحَرَّمِ﴾. وقد روَيْتَ فى الأخبارِ التى ذكرْتَها
أن إبراهيمَ بنَى البيتَ بعدَ ذلك بمدةٍ ؟
قيل: قد قيل فى ذلك أقوالٌ، قد ذكَرْتُها فى سورةِ ((البقرةِ))(١) ، منها أن
معناه : عندَ بيتِك المحرم، الذى كان قبلَ أن تَزْفَعَه مِن الأرضِ، حينَ رفَعْتَه أيامَ
الطُّوفانِ، ومنها : عندَ بيتِك المحرم الذى قد مضى فى سابقٍ علمِك أنه يَحْدُثُ فى
هذا البلدِ .
وقولُه: ﴿اَلْمُحَرَّمِ﴾ على ما قاله قتادةُ، معناه: المحرَّمُ مِن استحلالِ
حُرُماتِ اللَّهِ فيه ، والاسْتِخْفافِ بحقٌّه .
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨٧/٤ إلى المصنف وابن أبى حاتم .
(٢) تقدم فى ٥٤٠/٢ - ٥٤٣ .
٦٩٨
سورة إبراهيم : الآية ٣٧
وقولُه: ﴿رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلَوَةَ﴾. يقولُ: فَعَلْتُ ذلك يا ربَّنا؛ كى تُؤَدَّى
فرائضُك، مِن الصلاةِ التى أوْجَبْتَها عليهم فى بيتك المحرمِ .
وقولُه: ﴿فَأَجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِىّ إِلَيْهِمْ﴾. يُخْبِرُ بذلك تعالى
ذكرُه عن خليله إبراهيمَ، أنه سأله فى دعائِه أن يَجْعَلَ قلوبَ بعضٍ خلقِه تَنْزِعُ إلى
مساكنٍ ذريتِهِ ، الذين أُسْكَنهم بوادٍ غيرِ ذى زرعٍ ، عندَ بيتِه المحرمِ ، وذلك منه دعاءٌ
لهم بأن يَرْزُقَهم حجّ بيته الحرامِ .
کما حدّثنا ابنُ حمیدٍ ، قال : ثنا حَكّامُ بنُ سَلْم ، عن عمرو بنِ أبی قیسٍ ، عن
13
عطاءٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ: ﴿أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِىّ إِلَيْهِمْ﴾: ولو قال: أفئدةَ
الناسِ تَهْوِى إليهم، لحَجَّت اليهودُ والنصارى والمجوسُ، ولكنه قال: ﴿ أَفْئِدَةً مِّنَ
النَّاسِ تَهْوِىّ ◌ِلَيْهِمْ﴾ فهم المسلمون(١).
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ ، قال : ثنا عبدُ الرحمنِ ، قال : ثنا سفيانُ ، عن منصورٍ ،
٢٣٤/١٣ عن مجاهدٍ: ﴿فَأَجْعَلْ / أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِىّ ◌ِلَتْهِمْ﴾. قال: لو كانت":
أفئدةَ الناسِ، لَازْدَحَمَت عليه فارسُ والرومُ، [١٦٢/٢و] ولكنه: ﴿أَفْئِدَةً مِّنَ
(٣)
﴾().
اُلنَّاسِ
حدَّثنا ابنُ حميدٍ وابنُ وكيع، قالا : ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ :
﴿ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِىّ ◌ِلَيْهِمْ﴾. قال: لو قال: أفئدةَ الناسِ تَهْوِى
إليهم، لَازْدَحَمت عليهمٌ) فارسُ والرومُ .
(١) تفسير البغوى ٣٥٧/٤ عن سعيد بن جبير به .
(٢) فى ت١: ((قال)).
(٣) تفسیر سفيان ص ١٥٧ .
(٤) فى ص، ت٢: ((عليه)).
(٥) أخرجه ابن أبى شيبة ١١٢/٤ عن جرير به، تفسير البغوى ٣٥٧/٤، وتفسير ابن كثير ٤٣٢/٤ عن
مجاهد به .
٦٩٩
سورة إبراهيم : الآية ٣٧
حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ ، قال : ثنا عليٌّ ، يعنى ابنَ الجَعْدِ ، قال : أخبرنا جريرٌ،
عن منصورٍ ، عن مجاهدٍ مثله .
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن
الحكم، قال: سأَلْتُ عكرمةَ عن هذه الآية: ﴿ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةُ مِّنَ النَّاسِ تَهْوِىّ
إِلَيْهِمْ﴾ . فقال : قلوبُهم تَهْوِى إلى البيتِ .
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن شعبةَ، عن الحكم، عن عكرمةَ وعطاءٍ
وطاوس: ﴿فَأَجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِىّ ◌ِلَيْهِمْ﴾ : البيتُ تَهْوِى إليه قلوبُهم؛
(٢)
يَأْتُونه(٢).
حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ ، قال: ثنا يحيى بنُ عبَّادٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن
الحكم ، قال: سأَلْتُ عطاءً وطاوسًا وعكرمةَ عن قولِه: ﴿فَأَجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ
تَهْوِىّ إِلَيْهِمْ﴾ . قالوا : الحجّ .
حدَّثنا الحسنُ، قال: ثنا شَبَابةُ وعلىُ بنُ الجَعْدِ ، قالا: أخبرنا شعبة (١) ، عن
الحكم، عن عطاءٍ وطاوسٍ وعكرمةً فى قوله: ﴿فَأَجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِىّ
إِلَيْهِمْ﴾. قالوا: هواهم إلى مكةَ أن يَحُوا(٣).
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا آدمُ ، قال: ثنا شعبةُ ، عن الحكم ، قال: سألْتُ طاوسًا
وعكرمةَ وعطاءَ بنَ أبى رَباح عن قولِه: ﴿فَأَجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِىّ
إِلَيْهِمْ﴾. فقالوا: اجْعَلْ هواهم الحجّ.
حدَّثنا الحسنُ، قال: ثنا يحيى بنُ عبادٍ ، قال: ثنا حمادُ بنُ سلمةَ ، عن عطاءِ بنِ
(١) أخرجه ابن أبى شيبة عن وكيع ١١١/٤، عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨٧/٤ إلى المصنف وابن أبى شيبة
وابن أبى حاتم .
(٢) فى النسخ: ((سعيد)). والمثبت من مصدر التخريج.
(٣) أخرجه البغوى فى الجعديات (٢٤٩) عن على بن الجعد عن شعبة به .
٧٠٠
سورة إبراهيم : الآية ٣٧
السائبِ ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: لو كان إبراهيمُ قال : فاجْعَلْ
أفئدةَ الناسِ تَهْوِى إليهم. لَحَبَّه اليهودُ والنصارى والناسُ كلَّهم، ولكنه قال:
﴿أَفْئِدَةٌ مِنَ النَّاسِ تَهْوِىٌ إِلَيْهِمْ﴾(١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿فَأَجْعَلْ أَفْئِدَةً
مِّنَ النَّاسِ تَهْوِىٌّ إِلَيْهِمْ﴾. قال: تَنْزِعُ إليهم(٢).
حدَّثنا الحسنُ، قال : ثنا عبدُ الوهابِ بنُ عطاءٍ، عن سعيدٍ ، عن قتادةَ مثلَه .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال : أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن
(٣)
قتادةَ مثلَه(٣) .
وقال آخرون : إنما دعا لهم أن يَهْوَوُا الشُكْنى بمكةً .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى ، قال : ثنى عمى ، قال : ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَأَجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِىّ إِلَيْهِمْ﴾. قال: إن
إبراهيمَ خليلَ الرحمنِ سأَلَ اللَّهَ أن يَجْعَلَ أُناسًا مِن الناسِ يَهْوَوْن سُكْنَى - أو سَكَنَ -
مكةً(٤).
وقولُه: ﴿ وَأَرْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَتِ ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وازْزُقْهم مِن ثمراتِ
٢٣٥/١٣ النباتِ والأشجارِ / ما رَزَقْتَ سكانَ الأريافِ والقرى، التى هى ذواتُ المياهِ
(١) تفسير مجاهد ص ٤١٢ من طريق عطاء به، والبيهقى فى الشعب ٤٣٨/٣ (٣٩٩٦) من طريق عطاء به ،
وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨٧/٤ إلى المصنف وابن المنذر .
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨٧/٤ إلى المصنف وابن المنذر.
(٣) تفسير عبد الرزاق ٣٤٣/١ به .
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨٧/٤ إلى المصنف وابن أبى حاتم وابن مردويه .