النص المفهرس

صفحات 601-620

٦٠١
سورة إبراهيم : الآية ٧
رُبَّ ثاوِ يُمَلُّ منه الثَّوَاءُ
آذَنَتْنا بِبَيْنِها أسماءُ
يعنى بقولِه : آذَنَتَنا ، أعلَمَتنا .
.وذُكِر عن ابنٍ مسعودٍ رضِى اللَّهُ عنه، أنه كان يقرأُ ﴿ وَإِذْ تَذَّنَ رَبُّكُمْ﴾
(وَإِذْ قَالَ رَبِّكُمْ)(١) .
..
/حدَّثنى بذلك الحارثُ، قال: ثنى عبدُ العزيزِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ١٨٦/١٣
الأعمشِ عنه .
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَإِذْ
تَأَذَّبَ رَبُّكُمْ﴾. قال: وإذ قال ربُّكم، ذلك التَّأذُّنُ.
وقولُه: ﴿لَيِنِ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾. يقولُ: لئن شكرتم ربَّكم بطاعتِكم
إیاہ فیما أمر کم ونها کم . ﴿ لَأَزِيدَنَّكُمْ ﴾ : فی أیادیه عندَ كم ، ونِعَمِه علیکم ، على
ما قد أعطاكم مِن النجاةِ مِن آلٍ فرعونَ، والخلاصِ مِن عذابِهم ".
وقيل فى ذلك قولٌ غيرُه ، وهو ما حدَّثنا الحسنُ [١٤٧/٢ وابنُ محمدٍ ، قال: ثنا
الحسينُ بنُ الحسنِ، قال: أخبرنا ابنُ المباركِ ، قال: سمِعتُ علىَّ بنَ صالح، يقولُ
فى قولِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ: ﴿لَيِنِ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَّكُمْ﴾. قال: أى مِن طاعتى(١).
حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا يزيدُ ، قال: أخبرنا ابنُ المباركِ، قال: سمِعت علىَّ
ابنَ صالح. فذكر نحوه .
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ ، قال: ثنا سفيانُ: ﴿لَین
(١) وهى قراءة شاذة ينظر البحر المحيط ٤٠٧/٥.
(٢) فى ت ١، ت ٢: ((أعدائهم)) .
(٣) أخرجه البيهقى فى الشعب (٤٥٣٠) من طريق ابن المبارك به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧١/٤ إلى
ابن المبارك وابن أبى حاتم .

٦٠٢
سورة إبراهيم : الآيتان ٧ ، ٨
شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾. قال: مِن طاعتى (١).
حدَّثنى الحارثُ ، قال : ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا مالكُ بنُ مِغْوَلٍ ، عن أبانِ بنِ
أبى عياشٍ، عن الحسنِ فى قولِه: ﴿لَيِنِ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾. قال: مِن
(٢)
طاعتی
.
ولا وجهَ لهذا القولِ يُفْهَمُ ؛ لأنه لم يَجْرِ للطاعةِ فى هذا الموضع ذكرٌ فيقالَ : إِن
شكَر تمونى عليها زدتُكم منها . وإنما جرَى ذكرُ الخبرِ عن إنعامِ اللَّهِ على قومٍ موسى
بقوله: ﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ أَذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾. ثم أخبرَهم أن
اللَّهَ أعلَمهم إن شكَروه على هذه النعمةِ زادَهم . فالواجبُ فى المفهومِ أن يكونَ معنى
الكلامِ: زادَهم مِن نعمِه . لا مما لم يَجْرِ له ذكرٌ مِن الطاعةِ ، إلا أن يكونَ أُريد به : لئن
شكَرتم فأطَعْتمونى بالشكرِ، لأزيدتَّكم مِن أسبابِ الشكرِ ما يُعينُكم عليه . فيكونَ
ذلك وجهًا .
وقولُه: ﴿ وَلَيِنِ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِ لَشَدِيدٌ﴾. يقولُ: ولئن كفرتم أيُّها القومُ
نعمةَ اللَّهِ فجحَد تموها بتركِ شكرِه عليها ، وخلافِه فى أمره ونهيه ، ورُكوبِكم معاصيَه
﴿ إِنَّ عَذَابِ لَشَدِيدٌ﴾، أعذِّبُكم كما أعذِّبُ مَن كفَربى مِن خلقى.
وكان بعضُ البصريِّين يقولُ فى معنى قوله: ﴿ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ﴾: وتأذَّن
ربّكم. ويقولُ: ((إذ)) من حروفِ الزوائدِ ، وقد دلَّلنا على فسادٍ ذلك فيما مضى
* (٣)
قبلُ(٣).
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَقَالَ مُوسَىَ إِن تَكْفُرُواْ أَنْثُمْ وَمَن ◌ِ الْأَرْضِ جَمِيعًا
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧١/٤ إلى المصنف وابن أبى حاتم .
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧١/٤ إلى المصنف.
(٣) ينظر ما تقدم فى ٤٦٧/١ وما بعدها .

٦٠٣
سورة إبراهيم : الآية ٨، ٩
فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِىُّ حِيدٌ
٨
يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿ وَقَالَ مُوسَى﴾ لقومِهِ ﴿إِن تَكْفُرُواْ﴾ أيُّها القومُ،
فتجحدوا نعمةَ اللَّهِ التى أنعَمها عليكم ﴿أَنْثُمْ﴾، ويَفْعَلُ فى ذلك مثلَ فعلِكم ﴿ مَنْ
فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾، ﴿فَإِنَ اللَّهَ لَغَنِىُّ﴾ عنكم وعنهم / مِن جميع خلقِه، لا حاجةَ ١٨٧/١٣
به إلى شكرٍ كم إياه على نعمِه عندَ جميعِكم ﴿ حَمِيدٌ﴾ ذو حَمْدٍ إلى خلقِه بما أنعم به
عليهم .
كما حدَّثنى المُثَنَّى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ هاشم ، قال :
أخبرَنا سيفٌ، عن أبى رَوْقٍ، عن أبى أيوبَ، عن علىٍّ: ﴿فَإِنَ اللَّهَ لَغَنِىُّ ﴾ .
قال: غنىٌّ عن خلقِه. ﴿حَمِيدٌ﴾. قال: مُسْتَحْمِدٌ إليهم .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ أَلَمَّ يَأْتِكُمْ نَبَؤُأْ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ
وَعَادٍ وَثَمُودُ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَآءَتَّهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَتِ
فَرَدُّواْ أَيْدِيَهُمْ فِيِّ أَفْوَهِهِمْ وَقَالُواْ إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ، وَإِنَّا لَفِى شَاقٍ مِّمَا
تَدْعُونَنَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ
يقولُ تعالى ذكرُه مخبِرًا عن قيلِ موسى لقومِه: يا قومٍ ﴿أَلَمْ يَأْتِّكُمْ نَبَؤُأ
الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾. يقولُ: خبرُ الذين مِن قبلِكم مِن الأمم التى مضَت
قبلكم، ﴿قَوْمِ نُوجِ وَعَادٍ وَثَمُودٌ﴾. و((قومٍ نوحٍ(١))، فبينٍّ بهم عن ((الذين))،
و ((عادٍ)) معطوفٌ بها على ((قومٍ نوحٍ))، ﴿ وَاَلَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾. يعنى: مِن
بعدِ قومٍ نوحٍ وعادٍ وثمودَ، ﴿لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾. يقولُ: لا يُحصِى عددهم،
ولا يَعْلَمُ مبلّغَهم إلا اللَّهُ .
(١) فى النسخ: ((عاد)).

٦٠٤
سورة إبراهيم : الآية ٩
كما حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبى
إسحاقَ، عن عمرو بنٍ ميمونٍ: ﴿ وَعَادٍ وَثَمُودٌ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ
إِلَّا اللَّهُ ﴾. قال: كذَب النسَّابون(١) .
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ ، قال : ثنا إسرائيلُ، عن أبى إسحاقَ ،
عن عمرو بن ميمونٍ ، عن عبد الله بن مسعودٍ بمثل ذلك .
حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ ، قال: ثنا شبابةٌ، قال : أُخبرَنا إسرائيلُ، عن أبى
إسحاقَ ، عن عمرو بنٍ ميمونٍ، قال: ثنا ابنُ مسعودٍ أنه كان يَقْرَؤُها : (وعادًا وَثِمُودَ
وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّ اللَّهُ). ثم يقولُ: كذَب النسابون(٢).
حدَّثنى ابنُ المثنى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال: ثنا عيسى بنُ جعفرٍ، عن سفيانَ ،
عن أبى إسحاقَ، عن عمرٍو بنِ ميمونٍ، عن عبدِ اللَّهِ مثلَه .
وقولُه: ﴿جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَتِ﴾. يقولُ: جاءت هؤلاءِ الأممَ رسلُهم
الذين أرسَلهم اللَّهُ إليهم، بدعائِهم إلى إخلاصِ العبادةِ له، ﴿ بِالْبَيْنَتِ﴾. "يقولُ:
بحُجَجٍ ودلالاتٍ ، على حقيقةٍ ما دعَوهم إليه، معجزاتٍ ) .
وقولُه: ﴿فَرَدُّوَأْ أَيَدِيَهُمْ فِىَ أَفْوَهِهِمْ﴾. اختلف أهلُ التأويلِ فى تأويلٍ
ذلك ؛ فقال بعضُهم : معنى ذلك : فعضُّوا على أصابعهم ، تغيُّطًا عليهم فى دعائهم
إياهم إلى [١٤٧/٢ظ] ما دعوهم إليه .
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧٢/٤ إلى ابن أبى شيبة وابن المنذر ..
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٧١، ٧٢ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم.
(٣ - ٣) فى م: ((يعنى بالحجج الواضحات، والدلالات الظاهرات، على حقيقة ما دعوهم إليه من
معجزات )) .

٦٠٥
سورة إبراهيم : الآية ٩
١٨٨/١٣
/ ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ ومحمدُ بنُ المُنَّى، قالا: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال : ثنا
سفيانُ، عن أبى إسحاقَ، عن أبى الأحوصِ، عن عبدِ اللَّهِ: ﴿فَرَدُّواْ أَيْدِيَهُمْ فِىّ
أَفْوَهِهِمْ﴾ . قال: عضُّوا عليها تَغَيُّظًا .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال : أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال : أخبرنا الثورىُّ، عن
أبى إسحاقَ، عن أبى الأحوصِ، عن عبدِ اللَّهِ فى قولِه: ﴿فَرَدُّوَاْ أَيْدِيَهُمْ فِىِّ
أَفْوَهِهِمْ﴾. قال: غيظًا، هكذا. وعضَّ يدَه (١).
حدَّثنى المُثَنَّى، قال : ثنا أبو نعيم ، قال : ثناسفيانُ ، عن أبى إسحاقَ ، عن أبى
الأحوصِ، عن عبدِ اللهِ: ﴿فَرَدُّواْ أَيْدِيَهُمْ فِ أَنْوَهِهِمْ﴾. قال: عَضُّوها(٢) .
حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ رجاءِ البصرىُّ ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن
أبى إسحاقَ، عن أبى الأحوصِ، عن عبدِ اللَّهِ فى قولِ اللهِ عزَّ وجل: ﴿فَرَدُوَأْ
أَيْدِيَهُمْ فِيَّ أَفْوَهِهِمْ﴾. قال: عَضُّوا على أصابِعِهم(٣) .
حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا الحِمَّانِىُّ، قال: ثنا شَرِيكٌ، عن أبى إسحاقَ ، عن
أبى الأحوصِ، عن عبدِ اللهِ: ﴿فَرَدُّوَأْ أَيَدِيَهُمْ فِيَّ أَفْوَهِهِمْ﴾. قال: عَضُّوا على
أطراف أصابعِهم .
حدَّثنا محمدُ بنُّ المُثَنَّى ، قال : ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال : ثنا شعبةُ ، عن أبى
(١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٤١، ومن طريقه الحاكم ٣٥١/٢ وأخرجه الطبرانى فى الكبير (٩١١٩) من
طريق سفيان به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧٢/٤ إلى الفريابى وأبى عبيد وابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٢) أخرجه الطبرانى فى الكبير (٩١١٨) من طريق أبى نعيم به .
(٣) أخرجه الحاكم ٣٥٠/٢ من طريق إسرائيل به .

٦٠٦
سورة إبراهيم : الآية ٩
إسحاقَ، عن هُبِيرةَ، عن عبدِ اللَّهِ، أَنه قال فى هذه الآيةِ: ﴿فَرَدُّوَأْ أَيْدِيَهُمْ فِىِّ
أَفْوَهِهِمْ﴾ . قال : أَن يَجْعَلَ إصبعه فی فیه .
حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ ، قال: ثنا أبو قَطَنِ ، قال : ثنا شعبةُ، عن أبى إسحاقَ ،
عن هبيرةَ، عن عبدِ اللهِ فى قولِ اللَّهِ جلّ وعزّ: ﴿فَرَدُّواْ أَيْدِيَهُمْ فِىِّ أَفْوَهِهِمْ﴾
ووضَع شعبةُ أطرافَ أناملِه اليسرى على فيه .
حدَّثنا الحسنُ، قال: ثنا يحيى بنُ عبّادٍ، قال: ثنا شعبةُ، قال: أخبرَنا أبو
إسحاقَ، عن هبيرةَ، قال: قال عبدُ اللَّهِ: ﴿فَرَدُّواْ أَيَدِيَهُمْ فِيِّ أَفْوَهِهِمْ﴾. قال :
هكذا . وأدخل أصابعه فى فيه .
حدَّثنا الحسنُ، قال: وحدثناه عفانُ، قال: ثنا شعبةُ، قال أبو إسحاقَ: أنبأَنَا
عن هبيرةَ، عن عبدِ اللَّهِ أنه قال فى هذه الآيةِ: ﴿فَرَدُّواْ أَيْدِيَهُمْ فِيِّ أَفْوَهِهِمْ﴾
قال أبو علىٍّ: وأرانا عفانُ، وأدخَل أطرافَ أصابع كفِّه مبسوطةً فى فيه، وذكَر أن
شعبةَ أراه كذلك .
حدَّثنا أحمدُ ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ وإسرائيلُ، عن أبى
إسحاقَ، عن أبي الأحوصِ، عن عبدِ اللَّهِ : ﴿فَرَدُوَاْ أَيْدِيَهُمْ فِيَّ أَفْوَهِهِمْ﴾.
قال: عَضُّوا على أناملِهم. وقال سفيانُ: عَضُّوا غيظًا(١).
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله :
﴿ فَرَدُّوَأْ أَيْدِيَهُمْ فِيِّ أَفْوَهِهِمْ﴾. فقرَأ: ﴿عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ
اُلْغَيَظِ﴾ [آل عمران: ١١٩] قال: هذا: ﴿فَرَدُّوَاْ أَيْدِيَهُمْ فِيَّ أَفْوَهِهِمْ﴾. قال:
(١) ينظر تفسير ابن كثير ٤ / ٤٠١.
(٢) فى م: ((ومعنى)).

٦٠٧
سورة إبراهيم : الآية ٩
أدخلوا أصابعَهم فى أفواهِهم. وقال: إذا اغتاظَ الإنسانُ عضَّ يدَه(١).
وقال آخرون : بل معنى ذلك : أنهم لمّاً سمِعوا كتابَ اللَّهِ عجِبوا منه ، ووضَعوا
أيديهم على أفواهِهم .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ: / ﴿فَرَدُّوَأْ أَيْدِيَهُمْ فِيَّ أَفْوَهِهِمْ﴾ . قال: لما سمِعوا كتاب
اللَّهِ عجِبوا، ورجعوا بأيديهم إلى أفواهِهم(٦) .
١٨٩/١٣
وقال آخرون: بل معنى ذلك أنهم كذَّبوهم بأفواهِهم.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال : ثنا أبو عاصم، قال : ثنا عيسى ، عن ابنٍ أُبی
نجيحٍ، عن مجاهدٍ، ح وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابنٍ
أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قولِ اللَّهِ: ﴿فَرَدُّواْ أَيْدِيَهُمْ فِيَ أَفْوَهِهِمْ﴾. قال: ردُّوا
عليهم قولَهم وكذَّبوهم(٣).
حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ ، قال: ثنا شبابةُ ، قال : ثنا ورقاءُ، عن ابنٍ أبى نجيحٍ ،
عن مجاهدٍ مثلَه .
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن
مجاهدٍ مثلَه .
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧٢/٤ إلى ابن أبى حاتم .
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧٢/٤ إلى المصنف وابن أبى حاتم .
(٣) تفسير مجاهد ص ٤١٠، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧٢/٤ إلى أبى عبيد وابن المنذر.

٦٠٨
سورة إبراهيم : الآية ٩
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿جَاءَتْهُمْ
رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَتِ فَرَدُّوَاْ أَيْدِبَهُمْ فِيَ أَفْوَهِهِمْ﴾. يقولُ: قومُهم كذَّبوا رُسُلَهم،
وردُّوا عليهم ما جاءوا به مِن البيّناتِ،، وردُّوا عليهم بأفواهِهم، وقالوا: ﴿ إِنَّا لَفِى
شَاقٍ مِّمَا تَدْعُونَنَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ .
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال : ثنا محمدُ بنُ ثورٍ ، عن معمرٍ ، عن قتادةً فی
قوله: ﴿فَرَدُّواْ أَيْدِيَهُمْ فِىِّ أَفْوَدِهِمْ﴾. قال: ردُّوا على الرسلِ ما جاءت به(١).
وكأن مجاهدًا وجَّه قولَه: ﴿فَرَدُّوَاْ أَيْدِيَهُمْ فِىَ أَفْوَهِهِمْ﴾ . إلى معنى: ردُّوا
أيادىَ اللَّهِ التى لو قبلوها كانت أيادىَ ونعمًا له عندهم، فلم يقبلوها. ووجّه قولَه :
فِيِّ أَفْوَهِهِمْ﴾ إلى معنى: بأفواهِهم، يعنى: بألسنتِهم التى فى أفواهِهم. وقد
ذُكِر عن [١٤٨/٢ و] بعضِ العربِ سماعًا: أدخلَك اللَّهُ بالجنةِ . يَعْنون: فى الجنةِ.
ويُنْشَّدُ هذا البيتُ(٢) :
ولكننى عن سِتْبِسٍ لستُ أَرْغَبُ(٣)
وأَرْغَبُ فيها عن لَقِيطِ ورَهْطِه
يريدُ: وأرغب فيها ، يَعْنى " بابنةٍ له٢٢ ، عن لقيطٍ، ولا أرْغَبُ بها عن قبيلتى.
وقال آخرون : بل معنى ذلك أنهم كانوا يَضّعون أيديهم على أفواهِ الرسلِ ، ردًّا
علیهم قولهم وتكذيبًا لهم .
وقال آخرون: هذا مَثَلٌ ، وإنما أُرِيد أنهم كقُوا عما أُمِروا بقبولِه مِن الحقِّ ، ولم
يُؤمِنوا به ولم يُسْلِموا، وقال: يقالُ للرجلِ إذا أمْسَك عن الجوابِ فلم يُجِبْ : ردَّ يدَه
(١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٣٤١/١ عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧٢/٤ إلى عبد بن
حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٢) البيت فى معانى القرآن ٢/ ٧٠، ٢٢٣، واللسان (ذ رأ).
(٣ - ٣) فى م: ((أرغب بها)).

٦٠٩
سورة إبراهيم : الآيتان ٩، ١٠
فی فمِه .
وذكر بعضُهم أن العربَ تقولُ : كلَّمتُ فلانًا فى حاجةٍ ، فردَّ يدَه فى فيه . إذا
سكَت عنه فلم يُجِبْ ، وهذا أيضًا قولٌ لا وجه له ؛ لأن اللَّهَ عَزَّ ذكرُه ، قد أخبَر عنهم
أنهم قالوا: ﴿ إِنَّا كُغَرِّنَا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ﴾، فقد أجابوا بالتكذيبِ.
وأشبهُ هذه الأقوالِ عندى بالصوابِ فى تأويلِ هذه الآيةِ ، القولُ الذى ذكرناه
عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ؛ أنهم ردُّوا أيديهم فى أفواهِهم، فعضُّوا عليها غيظًا على
الرسلِ، كما وصَف اللَّهُ عزَّ وجلّ به إخوانَهم مِن / المنافقين، فقال: ﴿ وَإِذَا خَلَوْاْ
عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيَظِ ﴾ [آل عمران: ١١٩]. فهذا هو الكلامُ المعروفُ،
والمعنى المفهومُ مِن ردِّ اليدِ إلى الفم.
١٩٠/١٣
وقولُه: ﴿ وَقَالُواْ إِنَّا كَفَرَّنَا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ،﴾. يقولُ عزَّ وجلّ: وقالوا
المُسُلِهم: إنا كفَرنا بِما أرْسَلَكم به مَن أرْسَلَكم، مِن الدعاءِ إلى تركِ عبادة الأوثانِ
والأصنام، ﴿ وَإِنَّا لَفِى شَكٍ﴾ مِن حقيقةِ ما تَدْعوننا إليه، مِن توحيدِ اللَّهِ،
﴿ مُرِيبٍ﴾ . يقولُ: يُرِيئنا ذلك الشُّ، أى يُوجِبُ لنا الرّيبةَ والتهمةَ فيه، يقالُ
منه : أراب الرجلُ : إذا أتى بريبةٍ ، يُرِيب إرابةٌ .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِىِ اللَّهِ شَكٌ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ
وَاُلْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَىَ أَجَلٍ مُسَنَّىَّ قَالُواْ إِنْ
أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ ءَآبَاؤُنَا فَأَتُوْنَا بِسُلْطَانٍ
◌ُپین
يقولُ تعالى ذكرُه: قالت رسلُ الأمم التى أتَتْها رسلُها: ﴿ أَفِ اللَّهِ﴾ أنه
المستحِقُّ عليكم أيُّها الناسُ الألوهةَ والعبادةَ، دونَ جميع خلقِه، ﴿شَكٌّ﴾؟
( تفسير الطبرى ٣٩/١٣ )
م

٦١٠
سورة إبراهيم : الآيتان ١٠، ١١
وقولُه: ﴿ فَاطِرِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾. يقولُ: خالقِ السماواتِ والأرضِ.
يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ﴾. يقولُ: يَدْعُوكم إلى توحيدِه وطاعتِهِ،
◌ْ لِيَغْفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ﴾. يقولُ: فيستُرَ عليكم بعضَ ذنوبِكم بالعفوِ
عنها، فلا يُعاقِبَكم عليها، ﴿وَيُؤَخِّرَكُمْ﴾. يقول: ويُنْسئَ فى آجالِكم، فلا
يُعاقبَكم فى العاجلِ فِيُهْلِكَكم ، ولكن يؤخرُ كم إلى الوقتِ الذى كتب فى أمّ الكتابِ
أنه يَقْبِضُكم فيه. وهو الأجلُ الذى سمَّى لكم، فقالت الأممُ لهم: ﴿إِنْ أَنْتُمْ ﴾
أيُّها القومُ ﴿ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ فى الصورةِ والهيئةِ، ولستم ملائكةٌ، وإنما تُرِيدون
بقولِكم هذا الذى تَقُولون لنا ﴿ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ ءَبَاؤُنَا﴾. يقولُ:
إنما تُرِيدون أن تَصْرِفونا بقولِكم عن عبادةٍ ما كان يعبدُه مِن الأوثانِ آباؤنا، ﴿ فَأَتُونَا
بِسُلْطَانِ تُّبِينٍ﴾. يقولُ: فَأَتُونا بحُجَّةٍ على ما تقولون، تُبَيِّنُ لنا حقيقتَه
وصحتَه ، فَتَعْلَمَ أنكم فيما تقولون مُحِقُّون .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن ◌َّحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ
وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَمَا كَانَ لَنَا أَن تَأْنِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّ
بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَ كَّلِ الْمُؤْمِنُونَ
يقولُ تعالى ذكرُه: قالت الرسلُ التى أتتهم لهم١): ﴿إِن نَّحْنُ إِلَّا بَشَرٌ
مِثْلُكُمْ﴾، صدَقتم فى قولِكم: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ [إبراهيم: ١٠]. فما
١٩١/١٣ نحن إلا بشرٌ مِن بنى آدمَ، إنش مثلُكم، ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى / مَن يَشَآءُ مِنْ
عِبَادِهِ، ﴾. يقولُ: ولكنّ اللَّهَ يتفَضَّلُ على مَن يشاءُ من خلقِه، فيهدِيه ويوفّقُه
(١ - ١) فى ص، ت ٢، فى: ((قالت الأمم التى أتتهم الرسل رسلهم))، وفى م: ((قال الأمم التى أتتهم الرسل
لرسلهم)) .

٦١١
سورة إبراهيم : الآيات ١١ - ١٤
للحقِّ ، ويفضِّلُه على كثيرٍ من خلقِه، ﴿ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ تَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ﴾ .
يقولُ: وما كان لنا أن نأتيَكم بحُجةٍ وبرهانٍ على ما ندعُوكم إليه، ﴿ إِلَّا بِإِذْنِ
اللهِ﴾. يقولُ: إلا بأمرِ اللَّهِ لنا بذلك، ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَ كَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾. يقولُ:
وباللَّهِ فَلْثِقْ به مَن آمن به وأطاعه، فإنا به نثِقُ ، وعليه نتوكلُ .
حدَّثنا [١٤٨/٢ ظ] القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ
جريج، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿فَأَتُونَا بِسُلْطَانِ مُّبِينٍ﴾. قال: السلطانُ المبينُ:
البرهانُ والبيّنةُ. وقوله: ﴿مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ، سُلْطَانًا﴾ [آل عمران: ١٥١]. قال:
بينةً وبرهانًا (١).
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَا لَنَآ أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَىنَا
سُبُلَنَا وَصَّبِرَنَّ عَلَى مَآ ءَاذَيْتُمُونًا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَنَوَكَّلِ الْمُتَوَُّونَ
يقولُ تعالى ذكرُه مخبِرًا عن قيلِ الرسلِ لأيمها: ﴿ وَمَا لَنَآ أَلَّا نَوَ كَّلَ عَلَى
اللّهِ﴾، فنثقَ به وبكفايته ودفاعِه إياكم عنا، ﴿ وَقَدْ هَدَلنَا سُبُلَنَا﴾. يقولُ :
وقد بصَّرنا طريقَ النجاةِ مِن عذابِهِ، فَبَّين لنا، ﴿وَلَصَبِرَنَّ عَلَى مَآ ءَاذَيْتُمُونَا﴾ فى
اللَّهِ ، وعلى ما نلقَى منكم من المكروهِ فيه ، بسببٍ دعائِنا إليكم إلى ما ندعُو كم إليه،
من البراءةِ من الأوثانِ والأصنامِ، وإخلاصِ العبادةِ له، ﴿وَعَلَى اَللَّهِ فَلْيَتْوَكَّلِ
الْمُتَوَّكُّونَ﴾. يقولُ: وعلى اللَّهِ فليتوكلْ مَن كان به واثقًا من خلقِه ، فأمّا مَن كان به
كافرًا، فإنّ وليّه الشيطانُ .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِ جَنَّكُم مِّنْ
وَنُسْكِنَنَّكُمُ
أَرْضِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِى مِلَّتِنَا فَأَوْحَىَ إِلَيْهِمْ رَتُهُمْ لَتُهُلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (َ
(١) تقدم تخريجه ٦١٩/٧.

٦١٢
سورة إبراهيم : الآيتان ١٣، ١٤
١٤
اُلْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِى وَخَافَ وَعِيدٍ
يقولُ عزّ ذكرُه: وقال الذين كفروا باللَّهِ لرسلِهم الذين أُرسِلوا إليهم ، حين
دعَوْهم إلى توحيدِ اللَّهِ، وإخلاصِ العبادةِ له، وفراقٍ عبادة الآلهةِ والأوثانٍ:
﴿لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَآَ ﴾ يعنُون: من بلادِنا، فنطرُدَ كم عنها، ﴿أَوْ لَنَعُودُتَّ فِى
مِلَتِنَّاً﴾ يعنُون : إلا أن تعودوا فى ديننا الذى نحن عليه من عبادة الأصنامِ.
وأُدخِلت فى قوله: ﴿لَتَعُودُنَ﴾ لام، وهو فى معنى شرطٍ ، كأنه جوابٌ
لليمين ، وإِنما معنى الكلام: لنخرجتَّكم من أرضِنا، أو تعودون (١) فى ملتنا .
ومعنى ((أو)) هلهنا معنى ( إلا)) أو معنى ((حتى))، كما يقالُ فى الكلام:
الأَضرِبنك أو تُقِّلى. فمن العربِ مَن يجعَلُ ما بعد ((أو)) فى مثلِ هذا الموضعِ عطفًا
علی ما قبله ؛ إن كان ما قبله جزما جزمُوه ، وإن کان نصبًا نصبُوه ، وإن كان فيه لام
١٩٢/١٣ جعَلوا فيه / لامًا؛ إذ كانت ((أو)) حرفَ نْقٍ، ومنهم مَن ينصِبُ ما بعدَ ((أو)) بكل
حالٍ ، ليُعلمَ بنصبِه أنه عن الأوَّلِ منقطعٌ عما قبلَه، كما قال امرُؤُ القيسِ(١):
وأيْقَنَ أَنَّا لاحِقانٍ بقَيْصَرَا
بَكَى صَاحبِى لَّا رأى الدَّرْبَ دُونَهُ
نحاوِلُ مُلْكا أو نَّمُوتَ فَتُعْذَرَا
فَقُلْتُ لَه: لاتَبْكِ عَيْنُكَ إِنََّا
فنصَب ((نموتَ فنعذرا))، وقد رفَع ((نحاولُ))؛ لأنه أراد معنى: إلا أن نموتَ،
أو حتى نموتَ، ومنه قولُ الآخرِ(١):
أو يَصْنَعَ الْحُبُّ بِى غيرَ الذِى صَنَعا
. لا أُسْتَطِيعُ نُزُوعًا عَنْ مَوَدَّتِها
(١) فى م: ((تعودن)) .
(٢) دیوانه ص ٦٥، ٦٦.
(٣) هو الأحوص الأنصارى، والبيت فى ديوانه ص ١٥٣، وينسب أيضًا للمجنون وهو فى ديوانه ص ٢٠٠.
ء

٦١٣
سورة إبراهيم : الآيتان ١٣، ١٤
وقولُه: ﴿فَأَوْحَىَ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَتُهُلِكَنَّ الَّالِمِينَ﴾. الذين ظلموا أنفسَهم،
فأوجبوا لها عقابَ اللَّهِ بِكُفرِهم، وقد يجوزُ أن يكونَ قيل لهم: الظالمون . لعبادتهم
مَنْ لا تجوزُ عبادتُه من الأوثانِ والآلهةِ، فيكونَ بوضعِهم العبادةَ فى غيرِ موضعِها ، إذ
كان ظلمًا ، سُُّوا بذلك(١).
وقولُه: ﴿ وَلَنُسْكِنَتَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾. هذا وعدٌ مِن اللَّهِ مَن وَعَد من
أنبيائِه النصرَ على الكفَرةِ به من قومِه. يقولُ: لما تمادت أمم الرسل فى الكفرِ ، وتوَّدوا
رسلَهم بالوقوعِ بهم، أوحَى اللَّهُ إليهم بإهلاكِ مَن كفَر بهم من أيمهم، ووعدهم
النصرَ، وكلُّ ذلك كان من اللَّهِ وعيدًا وتهديدًا لمشركى قومٍ نبيّنا محمدٍ عَ الِ، على
كفرِهم به، وجراءتهم على نبيّه، وتثبيتًا لمحمدٍ عَّهِ، وأمرًا له بالصبرِ على ما لَقِى من
المكروهِ فيه، مِن مشركى قومِه، كما صبَّر مَن كان قبلَه من أولى العزمِ من رسلِه ،
ومعرِّفَةُ أن عاقبةً أمرٍ مَن كَفَر به الهلاكُ، وعاقبتَه النصرُ عليهم؛ ﴿ سُنَّةَ اللَّهِ فِىِ الَِّينَ
خَلَوْاْ مِن قَبْلُ﴾ [الأحزاب: ٦٢].
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ وَنُسْكِنَتَّكُمُ الْأَرْضَ
مِنْ بَعْدِهِمْ﴾. قال: وعدَهم النصرَ فى الدنيا، والجنةَ فى الآخرةِ(١).
وقولُه: ﴿ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِى وَخَافَ وَعِيدٍ ﴾. يقولُ جلّ ثناؤه : هكذا
فِعلى بمَن(٢) خاف مَقَامَهُ بين يدىَّ، وخاف وعيدى، فاتَّقانى بطاعتِه، وتجنّب
سُخْطِى، أَنصُرُه على مَن [١٤٩/٢ و] أراد به سوءًا، وبغاه مكروهًا من أعدائى، أُهلِكُ
عدوَّه وأُخزيه، وأُورِثُه أرضَه وديارَه. وقال: ﴿ لِمَنْ خَافَ مَقَامِى﴾. ومعناه ما
(١) بعده فى م: ((ظالمين)).
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧٢/٤ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم.
(٣) فى م: ((لمن)).

٠٦١٤
سورة إبراهيم : الآيتان ١٤، ١٥
قلتُ ، من أنه: لمن خاف مقامَه بين يدىَّ، بحيث أُقيمُه هنالك للحسابِ . كمًا
١٩٣/١٣ قال: ﴿ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَّكُمْ / أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢]. معناه: وتجعلون رزقى
إِيَّاكم أنكم تكذِّبون . وذلك أن العربَ تُضِيفُ أفعالَها إلى أنفسِها ، وإلى ما أوقعت
عليه ، فتقولُ : قد سُرِرتُ برؤيتك، وبرؤيتى إِيَّاك . فكذلك ذلك.
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿وَأَسْتَفْتَحُواْ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ
عَنِیدٍ
١٥
يقولُ تعالى ذكره : واستفتَحت الرسلُ على قومِها. أى استنصَرت اللَّهَ عليها،
﴿ وَخَابَ كُلُّ جَبَارٍ عَنِيدٍ﴾. يقولُ: هَلَك كلَّ متكبّرٍ جائرٍ عن الإقرارِ
بتوحيدِ اللَّهِ ، وإخلاصِ العبادةِ له . والعنيدُ والعاندُ والعَنُودُ ، بمعنى واحدٍ ، ومن الجبارِ
تقولُ: هو جبارٌ بِّنُ الجَبَرِيَّةِ وَالْجَرِيَّةِ(١) والجَبَرْوَّةِ ( والجَتَرُوَّةِ() والجَبَرُوتِ.
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدَّثنى
الحارثُ، قال : ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح ، عن مجاهدٍ :
﴿ وَأَسْتَفْتَحُواْ﴾. قال: الرسلُ كلُّها. يقولُ: استنصَروا. ﴿عَنِيدٍ﴾. قال:
معانِدٍ للحقِّ ، مجانِبِه "(٤) .
(١) رسمت فى ص، ت ١، ت ٢، ف هكذا: ((حبرسه)) غير منقوطة، وفى م: ((الجبروتية)). وقد عدَّله
صاحب التاج ثمانية عشر مصدرا . التاج (ج ب ر).
(٢ - ٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢.
(٣ - ٣) فى م: ((على أعدائهم ومعانديهم، أى على من عائد عن اتباع الحق وتجنبه)). وينظر مصدرى التخريج.
(٤) تفسير مجاهد ص ٤١٠، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧٣/٤ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبى حاتم .

٦١٥
سورة إبراهيم : الآية ١٥
حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ ، قال: ثنا شبابةُ ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابنٍ أبى نجيحِ ،
عن مجاهدٍ مثلَه .
حدَّثنى المُثَنَّى ، قال : ثنا أبو حذيفةَ ، قال : ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن
مجاهدٍ ، ح وحدَّثنى الحارثُ ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ ، عن ابنٍ أبی
نجيحِ، عن مجاهدٍ فى قوله: ﴿وَأَسْتَفْتَحُواْ﴾. قال: الرسلُ كلُّها استنصَروا،
﴿ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾. قال: معاندٍ للحقِّ مجانبِه .
حدَّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريجٍ، عن
مجاهدٍ مثلَه . وقال ابنُ جريج: استفتَحوا على قومِهم(٢).
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ وَأَسْتَفْتَحُواْ وَخَابَ كُلُّ جَتَارٍ عَنِيدٍ﴾ . قال: كانت
الرسلُ والمؤمنون يستضعِفُهم قومُهم، ويَقْهَرونهم ويكذّبونهم ويدْعُونهم إلى أن
يعودوا فى ملَّتِهم، فأبى اللَّهُ عزّ وجلّ لرسلِه وللمؤمنين أن يعودوا فى ملَّةِ الكفرِ،
وأمرهم أن يتوَكَّلوا على اللَّهِ ، وأمرهم أن يستفتِحوا على الجبابرةِ، ووعَدهم أن
يُشْكِنَهم الأرضَ من بعدِهم، فأنْجَرَ اللَّهُ لهم ما وعَدهم، ﴿ وَأَسْتَفْتَحُواْ﴾ كما
أمرهم اللَّهُ أن يستفتِحوا، ﴿وَخَابَ كُلُّ جَتَارٍ عَنِيدٍ﴾(١).
حدَّثنى المُثَنَّى ، قال : ثنا الحجاج بنُ المنهالِ ، قال: ثنا أبو عوانةَ، عن المغيرةِ ،
عن إبراهيمَ فى قوله: ﴿عَنِيدٍ﴾. قال: هو الناكبُ عن الحقِّ(٢).
حدَّثنى المُثَنَّى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال: ثنا مطرفٌ، عن(٢) بشرٍ، عن هشيمٍ،
(١) ينظر التبيان ٦/ ٢٨٢.
(٢) بعده فى م: ((أى الحائد عن اتباع طريق الحق)). والأثر عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧٣/٤ إلى المصنف.
(٣) فى ص، ف: ((بن)).

٦١٦
سورة إبراهيم : الاية ١٥
عن مغيرةً، عن سماكِ، عن إبراهيمَ: ﴿ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾. قال :
الناكبُ عن الحقِّ .
١٩٤/١٣
/ حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:
﴿ وَأَسْتَفْتَحُواْ﴾. يقولُ: استنصَرت الرسلُ على قومِها. قولَه: ﴿وَخَابَ كُلُّ
جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾: والجبارُ العنيدُ: الذى أتَى أن يقولَ: لا إلهَ إلا اللَّهُ.
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال : ثنا محمدُ بنُ ثورٍ ، عن معمرٍ ، عن قتادةً :
وَأَسْتَفْتَحُواْ﴾. قال: استنصَرت الرسلُ على قومِها. ﴿ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ
عَنِيدٍ﴾. يقولُ: عنيدٍ (١) عن الحقِّ، مُعرِضٍ عنه .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن
قتادةَ مثلَه، وزاد فيه: معرضٍ عنه، أتَى أن يقول: لا إله إلا اللَّهُ(٢).
حدَّثنى يونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله : ﴿ وَخَابَ
كُلُّ جَبَارٍ عَنِيدٍ﴾. قال: العنيدُ عن الحقِّ، الذى يَعنِدُ عن الطريقِ. قال:
والعربُ تقولُ: شرّ الإبلِ(٢) العنيدُ، الذى يخرجُ عن الطريقِ.
حدَّثنى يونسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَأَسْتَفْتَحُواْ
وَخَابَ كُلُّ جَبَارٍ عَنِيدٍ﴾. قال: الجبارُ هو المتجبُّ).
وكان ابنُ زيدٍ يقولُ فى معنى قوله: ﴿وَأَسْتَفْتَحُواْ﴾ خلافَ قولٍ هؤلاءِ،
(١) فى م: ((بعيد)).
(٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٤١، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧٣/٤ إلى ابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٣) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((الأهل)) وينظر تفسير القرطبى ٣٥٠/٩.
(٤ - ٤) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.

٦١٧
سورة إبراهيم : الآيات ١٥ - ١٧
ويقولُ : إنما استفتَحت الأمم فأجيبت .
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه :
وَأَسْتَفْتَحُواْ ﴾. قال: استفتاحُهم بالبلاءِ، قالوا: ﴿اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا﴾
الذى أتَى به محمدٌ ﴿هُوَ الْحَقَ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ﴾
كما أمطرتَها على قوم لوطٍ، ﴿أَوِ أَثْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ [الأنفال: ٣٢]. قال : كان
استفتاحُهم بالبلاءِ، كما استفتح قومُ هودٍ: ﴿فَأَنْنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنْتَ مِنَ
الصَّدِقِينَ﴾ [الأعراف: ٧٠]. قال: فالاستفتاح: العذابُ. قال: قيل لهم: إن لهذا
أجلاً. حين سألوا اللَّهَ أن يُنزِلَ عليهم، فقال: بل نؤخرُهم إلى يومِ القيامةِ".
فقالوا: لا نريدُ أن نؤخَّ إلى يوم القيامةِ؛ ﴿ رَبََّا عَجِّلِ لَّنَا قِطَّنَا ﴾ عذابَنا ﴿ قَبْلَ يَوْمِ
اَلْحِسَابِ﴾ [ص: ١٦]. وقرأ: ﴿وَيَسْتَعِْلُونَكَ بِالْعَذَابٍ [١٤٩/٢ ظ] وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمَّى
◌َجََّ هُ الْعَذَابُّ﴾ حتى بلَغ ﴿ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُواْمَا كُمْ تَعْمَلُونَ
(٢)
[ العنكبوت: ٥٣ - ٥٥] .
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿مِّنْ وَرَبِهِ، جَهَّمُ وَيُسْقَى مِن ◌ٍَّ
يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ, وَيَأْتِهِ الْمَوْثُ مِن كُلّ
صَدِيدٍ
١٧
مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَآبِهِ، عَذَابٌ غَلِظٌ
يقولُ عَّ ذكرُه: ﴿مِّنْ وَرَآَبِهِ،﴾ من أمامٍ كلِّ جبارٍ ﴿جَهَّمُ﴾ يَرِدُونها .
و ((وراء)) فى هذا الموضع، بمعنى ((أمام))، كما يقالُ: إن الموتَ مِن ورائك: أى
قُدَّامَك، وكما قال الشاعرُ() :
(١ - ١) فى م: ((ليوم تشخص فيه الأبصار)).
(٢) ينظر التبيان ٦/ ٢٨٢، وتفسير ابن كثير ٤٠٣/٤.
(٣) هو جرير، والبيت فى ديوانه ص ٤٢٩ .

٦١٨
سورة إبراهيم : الآية ١٧
كَذَبْتَ لَتَقْصُرَنَّ يَداكَ() دُونِى
أَتُوعِدُنِى وَرَاءَ بَنِى رِياحٍ
/ يعنى : وراءَ بنى رياحٍ: قدامَ بنى رياحِ وأمامَهم .
١٩٥/١٣
وكان بعضُ نحوِّى أَهلِ البصرةِ يقولُ: إنما: ﴿مِّن وَرَآَبِهِ،﴾. بمعنى: مِن
أمامِه؛ لأنه وراءَ ما هو فيه، كما يقولُ لك: وكلُّ هذا من ورائِك. أى: سيأتى
عليك ، وهو من وراءٍ ما أنت فيه؛ لأن ما أنت فيه قد كان قبل ذلك ، وهو من ورائه .
وقال: ﴿ وَرَآءَ هُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف: ٧٩]. من هذا المعنى،
أى: كان وراءَ ما هم فيه، أمامَهم .
وكان بعضُ نحوِيِّى أهلِ الكوفةِ يقولُ: أكثر ما يجوزُ هذا، فى الأوقاتِ؛ لأن
الوقتَ يمرُّ عليك، فيصيرُ خلفَك إذا مُجُزْتَه، وكذلك ﴿كَانَ وَرَآءَهُم مَّلِكُ ﴾ لأنهم
يجوزُونه ، فيصيرُ وراءهم .
وكان بعضُهم يقولُ: هو من حروف الأضدادِ ، يعنى ((وراء)) يكونُ قدامًا
وخلفًا .
وقولُه: ﴿وَيُسْقَى مِن مَّآءٍ صَدِيدٍ﴾. يقولُ: ويُسقَى من ماءٍ. ثم بينَّ ذلك
الماءَ جلّ ثناؤُه، وما هو، فقال: هو صديدٌ . ولذلك ردَّ الصديدَ فى إعرابِه على الماءِ؛
لأنه بيانٌ عنه، والصديدُ: هو القَتْحُ والدَّمُ. وكذلك تأوّلَه أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال : ثنا عيسى؛ وحدَّثنى
الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، ح وحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ ، قال : ثنا
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((بذاك)).

٦١٩
سورة إبراهيم : الآيتان ١٦، ١٧
شبابةُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ فى قوله: ﴿مِن ◌َّآءٍ
صَدِيدٍ﴾. قال: قَيْحٌ ودمُ(١).
حدَّثنا المُثَنَّى ، قال: ثنا أبو حذيفةَ ، قال : ثنا شبلٌ، عن ابنٍ أبى نجيحٍ، عن
مجاهدٍ مثله .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿وَيُسْقَى مِن ◌َّآءِ
صَدِيدٍ﴾ . والصديدُ: ما يسيلُ من(١) لحمِه وجلدِه(٢).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن
قتادةً فى قوله: ﴿ وَيُسْقَى مِن مَّآءٍ صَدِيدٍ﴾. قال: ما يسيلُ من بين لحمِه
(٤)
وجلده(4) .
حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا هشامٌ، عمن ذكَرِه، عن
الضحاكِ: ﴿ وَيُسْقَى مِن مَّآءٍ صَدِيدٍ﴾ . قال: يعنى بالصديدِ ما يخرجُ من جوفٍ
الكافرِ ، قد خالط القيحَ والدمَ .
وقولُه: ﴿ يَتَجَزَّعُهُ﴾﴾: يتحسَّاه، ﴿ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ﴾. يقولُ:
ولا يكادُ يزدَرِدُه من شدَّةِ كراهتِه، وهو مُسِيغُه(٥) .
والعربُ تجعلُ ((لا يكاد)) فيما قد فُعِل، وفيما لم يُفْعَلْ. فأما ما قد فُعِل، فمنه
(١) تفسير مجاهد ص ٤١٠، ومن طريقه البيهقى فى البعث والنشور (٦٠٧).
(٢) بعده فى م: (( دمه و)).
(٣) أخرجه ابن أبى الدنيا فى صفة النار (٨٧) من طريق سعيد به .
(٤) تفسير عبد الرزاق ١ / ٣٤١، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧٤/٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى
حاتم .
(٥) فى م: ((يسيغه من شدة العطش)).

٦٢٠
سورة إبراهيم : الآيتان ١٦، ١٧
هذا؛ لأن اللَّهَ جلّ ثناؤه جعَل لهم ذلك شرابًا؛ وأمّا ما لم يُفْعلْ، وقد دخلت فيه
((كاد))، فقوله: ﴿إِذَا أَخْرَجَ بَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَهَا﴾ [النور: ٤٠]. فهو لا يراها .
وبنحوٍ ما قلنا من أن معنى قوله: ﴿ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ﴾: وهو يسيغُه -
جاء الخبر عن رسولِ اللَّهِ عَ له .
ذكرُ الروايةِ بذلك
١٩٦/١٣
حدَّثنى محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال : ثنا إبراهيمُ أبو إسحاقَ الطالقانيُ ، قال : ثنا ابنُ
المباركِ، عن صفوانَ / بن عمرو، عن عبيدِ اللَّهِ بنِ بُسرٍ (١)، عن أبى أمامةَ، عن النبيِّ
يَتَجَرَّعُهُ﴾: ((فإذا شَرِبَهُ قَطَّعَ
١٦
عَ لَه فى قوله: ﴿وَ يُسْقَى مِن مَّاءٍ صَدِيدٍ
أَمْعاءَهُ، حتى يَخْرُجَ مِنْ دُبُرِه، يقولُ اللَّهُ عزّ وجلّ: ﴿وَسُقُواْ مَآءُ حَمِيعًا فَقَطَّعَ
أَمَّعَاءَ هُمْ﴾ [محمد: ١٥]، ويقولُ: ﴿ وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَانُواْ بِمَآءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِى
اُلْوُجُوهُ بِئْسَ الشَّرَابُ)))(٢) [الكهف :
حدَّثنا ابنُ المُثَنَّى، قال: ثنا معمرٌ، عن ابنِ المباركِ ، قال : ثنا صفوانُ بنُ
عمٍو، عن عبيدِ اللَّهِ بنِ بُشْرٍ، عن أبى أمامةَ، عن النبيِّ ◌َلَّه فى قوله: ﴿ وَيُسْقَى مِن
مَّاءٍ صَدِيدٍ﴾. فذكر مثله، إلا أنه قال: ﴿ سُقُواْ مَآءَ خَمِيمًا﴾ .
حدَّثنى محمدُ بنُ خلفِ العَشْقلانيُ ، قال: ثنا حَيْوةُ بنُ شُرَيْح الحِمْصِىُّ ، قال :
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((بشر))، وينظر تهذيب الكمال ١٣/١٩.
(٢) الزهد لابن المبارك (٣١٤ - زوائد نعيم)، ومن طريقه أحمد ٢٦٥/٥ (٢٢٣٣٩ - ميمنية)، وفى الزهد
ص٢٠٠، والترمذى (٢٥٨٣)، والنسائى فى الكبرى (١١٢٦٣)، وابن أبى الدنيا فى صفة النار (٧٣)،
والطيرانى فى الكبير (٧٤٦٠)، والحاكم ٢/ ٣٥١، وأبو نعيم فى الحلية ١٨٢/٨، والبيهقى فى البعث
(٦٠٢)، والبغوى فى تفسيره ٣٤٢/٤ وفى شرح السنة (٤٤٠٥)، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧٣/٤ إلى
أبی یعلی وابن المنذر وابن مردويه .