النص المفهرس
صفحات 501-520
٥٠١
سورة الرعد : الآية ١٧
مجاهدٍ - يزيدُ أحدُهما على صاحبِهِ - فى قوله: ﴿ فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾. قال :
بملئِّها. ﴿ فَاحْتَعَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَِّيَاً﴾. قال: الزَّبَدُ السيلُ. ﴿ أَبْتِغَاءَ حِيَةٍ أَوْ مَتَحِ
ج
زَبَدٌ مِثْلَهُ﴾. قال: حَبَثُ الحديدِ والحليةِ. ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءٌ﴾ . قال:
جمودًا فى الأرضِ. ﴿ وَأَمَّا مَا يَنَفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِ اُلْأَرْضِ﴾. قال: الماءُ، وهما
مِثَلان للحقِّ والباطلِ .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَنَزَّلَ مِنَ
السَّمَاءِ مَآءُ فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ الصغيرُ بصِغَرِهِ، والكبيرُ بكِبَرِهِ، ﴿فَأَحْتَمَلَ
السَّيْلُ زَبَدًا رَّبِيَاً﴾: أى عالميًا، ( وَمِمَا تُوقُدُونَ عَلَيْهِ فِ النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَجِ زَبَدٌ
مِثْلُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَطِلُّ فَأَمَّا الزََّدُ فَيَذْهَبُ جُفَأٍَ)، والجُفَاءُ ما يَتَعَلَّقُ
بالشجرِ ، ﴿ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِ الْأَرْضِ﴾. هذه ثلاثةُ أمثالٍ ، ضرَبها اللَّهُ فِى
مَثَلٍ واحدٍ . يقولُ: كما اضْمَحَلَّ هذا الزبدُ ، فصار جُفاءً لا يُنْتَفَعُ به ولا تُوْجَى (١)
بَرَ كَتُه، كذلك يَضْمَحِلُّ الباطلُ عن أهلِه كما اضْمَحَلَّ هذا الزبدُ ، وكما مكث هذا
الماءُ فى الأرضِ، فأمْرَعت هذه الأرضُ وأخرَجت نباتَها، كذلك يَثْقَى الحقُّ لأهلِه
كما بَقِى هذا الماءُ فى الأرضِ، فَأُخرَج اللَّهُ به ما أخرَج مِن النباتِ . قولُه: ( وَمِقَا
تُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِ النَّارِ ) الآيةُ، كما يَثْقَى خالصُ الذهبِ والفضةِ حينَ أُدْخِل النارَ
وذهَب خَبْتُه، كذلك يَتْقَى الحقُّ لأهلِه. قولُه: ﴿أَوْ مَتَحِ زَبَدٌ مِثْلُ﴾. يقولُ : هذا
ج
الحديدُ والصُّفْرُ الذى يُنْتَفَعُ به فيه منافعُ ، يقولُ: كما يَبقى خالصُ هذا الحديدِ وهذا
الصُّفْرِ حينَ أَدْخِل النارَ وذهَب خبثُه، كذلك يَتْقَى الحقُّ لأُهلِه، كما بَقِى
(٢)
خالصهما
(١) فی ت ٢، س، ف: ( یرجی)).
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥٥/٤ إلى المصنف وابن أبى حاتم وأبى الشيخ.
٥٠٢
سورة الرعد : الآية ١٧
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال ثنا : محمدُ بنُ ثورٍ ، عن معمرٍ ، عن قتادةً :
﴿ فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ الكبيرُ بقدْرِهِ، والصغيرُ بقدْرِهِ، ﴿زَبَدًا رَّابِيًا﴾. قال:
رَبَا فوقَ الماءِ الزَّبَدُ ، ( وَمِمَا تُوقُدونَ عَلَيْهِ فِ النَّارِ ). قال: هو الذهبُ إذا أَدْخِل النارَ
بَقِى صَفْؤُه، ونُفِى ما كان مِن كَدَرِهِ ، وهذا مثلٌ ضربه اللَّهُ للحقِّ والباطلِ، ﴿فَأَمَّا
الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَأَةُ﴾ يتعلق بالشجرِ فلا يكونُ شيئًا، هذا (١) مَثَلُ الباطلِ، ﴿وَأَمَّا مَا
يَنَفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِ اَلْأَرْضِّ﴾، وهذا يُخرِجُ النباتَ، وهو مثلُ الحقِّ، ﴿ أَوْ مَتَعِ زَبَدٌ
ج
مِثْلُ﴾. قال: المتاعُ الصُّفْرُ والحديدُ(١).
١٣٧/١٣
/ حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ ، قال: ثنا هَوْذةُ بنُ خليفةَ، قال: ثنا عوفٌ ، قال :
بلَغنى فى قوله: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءٍ فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾. قال: إنما هو مَثلٌ
ضرَبه اللَّهُ للحقِّ والباطلِ، ﴿فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا ﴾: الصغيرُ على قَدْرِهِ، والكبیرُ
على قَدْرِهِ، وما بينَهما على قَدْرِه، ﴿فَاحْتَعَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّبِيًا﴾. يقولُ: عظيمًا ،
وحيثُ استقرَّ الماءُ يَذْهَبُ الرَّبَدُ جفاءً، فَتَطِيرُ به الريحُ، فلا يَكُونُ شَيئًا ، ويَبقَى
صريحُ الماءِ الذى يَنْفَعُ الناسَ؛ منه شرابُهم ونباتُهم ومَنْفَعتُهم، ﴿أَوْ مَنَعِ زَبَدٌ
ج
مِثْلٌ﴾، ومِثْلُ الزَّبَدِ كلُّ شىءٍ يُوقَدُ عليه فى النارِ؛ الذهب والفضةُ والنُّحاسُ
والحديدُ ، فيَذْهَبُ خَبْتُه، ويَتْقَى ما يَنْفَعُ فى أيديهم، والحَبَثُ والزَّبَدُ مَثَلُ الباطلِ،
والذى يَنْفَعُ الناسَ مما تحصَّل فى أيديهم مما يَنْفَعُهم المالُ الذى فى أيديهم .
حدَّثنى يونُسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال : قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ( وَمِمَا
تُوقُدونَ عَلَيْهِ فِ النَّارِ أَبْتِغَاءَ حِلِيَةٍ أَوْ مَتَحِ زَبَدٌ مِّثْلُهُ). قال: هذا مَثَلٌ ضرَبِهِ اللَّهُ للحقِّ
ج
(١) سقط من: م.
(٢) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٣٣٤/١، ٣٣٥ عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥٥/٤ إلى
ابن المنذر وابن أبى حاتم .
٥٠٣
سورة الرعد : الآية ١٧
والباطلِ. فقرَأ: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءٍ فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا
ج
رَّبِيًّاً﴾، هذا الزَّبَدُ لا يَنْفَعُ، ﴿ أَوْ مَتَعِ زَبَدٌ مِثْلُهُ﴾ هذا لا يَنْفَعُ أيضًا، قال: وبَقِى
الماءُ فى الأرضِ فنفَع الناسَ ، وبَقى الحُلُ الذى صلَح مِن هذا، فانْتَفَع الناسُ به،
فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَدَ، وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمَكُثُ فِ الْأَرْضِّ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ
اُلْأَمْثَالَ﴾. وقال: هذا مثلٌ ضرّبه اللَّهُ للحقِّ والباطلِ .
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ، قال : ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريجٍ، قال : قال
ابنُ عباسٍ: ﴿أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾. قال: الصغيرُ بصِغَرِهِ، والكبيرُ بكِبَرِهُ (١) .
[١٣٣/٢و] حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ ، قال: ثنا طلحةُ بنُ
عمرٍو، عن عطاءٍ : ضرَب اللَّهُ مثلًا للحقِّ والباطلِ، فضرَب مَثَلَ الحقِّ كمَثَلِ السيلِ
الذى يَمْكُثُ فى الأرضِ، وضرَب مَثَلَ الباطلِ كَمَثَلِ الزَّبَدِ الذى لا يَنْفَعُ الناسَ .
وعنَى بقولِه: ﴿ رَّبِيَاً﴾: عاليًا مُنْتَفِخًا، مِن قولهم: ربَا الشىءُ يَزُبُورُبُوًّا فهو
رابٍ. ومنه قيل للنَّشَرِ مِن الأرضِ كهيئةِ الأكَمَةِ: رابيةٌ . ومنه قولُ اللَّهِ تعالى:
﴿ أَهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [الحج: ٥]، [فصلت: ٣٩].
وقيل للنُّحاسِ والرّصاصِ والحديدِ فى هذا الموضع: المتامُ. لأنه يُسْتَمْتَعُ به ،
وكلُّ ما يَتمثَّعُ به الناسُ فهو متائٌ؛ كما قال الشاعرُ() :
سَبَقْتَ به المماتَ هو المتاعُ
تَمَتَّعْ يا مُشَعَثُ إِنَّ شيئًا
(١) بعده فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((الماء)).
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥٥/٤ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبى حاتم وأبى الشيخ.
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥٥/٤ إلى المصنف وأبى الشيخ.
(٤) البيت للمشعث العامرى، وهو فى الأصمعيات ص ١٤٨، ومعجم الشعراء ص ٤٤٧، ومجاز القرآن
٣٢٨/١، واللسان (م ت ع).
٥٠٤
سورة الرعد : الآية ١٧
وأما الجُفَاءُ، فإنى حُدِّثت عن أبى ◌ُبيدةَ مَعْمَرٍ بن المثنى قال: قال أبو عمرو بنُ
العلاءِ، يقالُ : قد أجْفَأَتِ القِدرُ؛ وذلك إذا غَلَتْ فانْصَبَّ زَبَدُها، أو سكنت فلا
يَبْقَى منه شىءٌ (١).
وقد زعَم بعضُ أهلِ العربيةِ مِن أهلِ البصرةِ أن معنى قوله: ﴿ فَيَذْهَبُ
جُفََةٌ﴾: تَنْشَفُه الأرضُ. وقال: يُقالُ: جَفا الوادى وأجْفَى فى معنى نَشِف،
وانْجَفَى الوادى: إذا جاء بذلك الغُثاءِ، وغَثى الوادى، فهو يَغْثِى غَنْيًا وَغَثَيانا. وذَكَر
١٣٨/١٣ عن / العربِ أنها تَقُولُ: جَفَأْتُ القِدْرَ أَجْفَؤُها: إذا أُخرَجتَ جُفاءَها، وهو الَّبَدُ
الذى يَعْلُوها، وأجْفَأَتُها إِجْفَاءً، لغةٌ. قال: وقالوا: جَفَأْتُ الرجلَ جَفْئًا: صرَعتُه.
وقيل: ﴿فَيَذْهَبُ جُفَأَّةٍ﴾ بمعنى جَفْئًا؛ لأنه مصدرٌ مِن قولِ القائلِ: جَفَأ
الوادى غُثَاءَه جُفاءً (١) . فخَرَج مخرَجَ الاسمِ وهو مصدرٌ. كذلك تفعَلُ العربُ فى
مصدرٍ كلِّ ما كان مِن فعلِ شىءٍ اجْتَمع بعضُه إلى بعضٍ كالقُماشِ(٣) والدُّقَاقِ
والحُطام والغُتاءِ. تُخْرِجُه على مذهبِ الاسم، كما فعَلت ذلك فى قولهم : أَعْطَيتُه
عطاءً، بمعنى الإعْطاءِ . ولو أريد مِن القُماشِ المصدرُ على الصحةِ لقيل: قد قَمَشْتُه
قَمْشًا .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوْ لِرَبِهِمُ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ
يَسْتَجِيبُواْ لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِ الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَاَفْتَدَوْاْ بِه٤ِ أُوْلَكَ لَهُمْ سُوَءُ
١٨
الْحِسَابِ وَمَأْوَنُهُمْ جَهٌَّ وَبِئْسَ لِلْهَادُ
يقولُ تعالى ذكره : أما الذين استجابوا للَّهِ فَآمَنوا به حينَ دعاهم إلى الإيمانِ به
(١) مجاز القرآن ٣٢٩/١.
(٢) سقط من: م.
(٣) القماش: ما يكون على وجه الأرض من قُتات الأشياء. الوسيط (ق م ش).
٥٠٥
سورة الرعد : الآية ١٨
وأطاعوه، فاتَّبعوا رسولَه وصدَّقوه فيما جاءهم به مِن عندِ اللَّهِ، فإن لهم الحسنَى ؛
وهی الجنةُ .
كذلك حدَّثنا بشرٌّ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لِلَّذِينَ
أُسْتَجَابُواْ لِرَبِهِمُ الْحُسْنَى﴾: وهى الجنةُ .
وقولُه: ﴿ وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُم مَا فِىِ الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ
مَعَهُ لَأَفْتَدَوْاْ بِه٤َِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه : وأما الذين لم يَسْتَجِيبوا له حينَ دعاهم إلى
توحيدِه والإقرارِ بُرُبوبيتِه، ولم يُطِيعوه فيما أمرهم به ، ولم يَتَبِعوا رسولَه فيُصَدِّقوه
فيما جاءهم به من عندِ ربِّهم ، فلو أنَّ لهم ما فى الأرضِ جميعًا من شىءٍ ومثلَه معه
مِلْكًا لهم ثم قُبِلَ (١) مِثْلُ ذلك، وقُبِل ذلك منهم بدلًا مِن العذابِ الذى أعدَّه اللَّهُ
لهم(٢) فى نارٍ جهنمَ وعِوضًا، لاقْتَدَوْا به أنفسهم منه .
يَقُولُ اللَّهُ: ﴿ أُوْلَئِكَ لَهُمْ سُوَءُ الْحِسَابِ﴾. يقولُ: هؤلاء الذين لم يَسْتَجِيبوا
لَّهِ ﴿لَمْ سُوَءُ الْحِسَابِ﴾. يقولُ: لهم عندَ اللَّهِ أن يَأْخُذَهم بذُنوبِهم كلِّها، فلا
يَغْفِرَ لهم منها شيئًا، ولكن يُعَذِّبُهم على جميعِها .
كما حدَّثنا الحسنُ بنُ عرفةَ ، قال : ثنا يونسُ بنُ محمدٍ ، قال: ثنا عونٌ، عن
فَوْقَدِ السَّبَخِىّ، قال: قال لنا شهرُ بنُّ حَوْشَبِ: ﴿سُوَءُ الْحِسَابِ﴾ أن لا يَتَجاوزَ
له (٣) عن شىءٍ(٤).
(١) سقط من: م.
(٢) سقط من: س. وفى ص، ت ٢، ف: ((له)).
(٣) فى م: ((لهم)).
(٤) أخرجه سعيد بن منصور فى سننه (١١٦٦ - تفسير) عن عون بن موسى به، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٥٦/٤ إلى ابن المنذر وابن أبى حاتم .
٥٠٦
سورة الرعد : الآيتان ١٨، ١٩
حدَّثْنى يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ ، قال : ثنى الحجاجُ بنُ أبى عثمانَ ، قال :
ثنى فَرْقَدٌ السَّبَخِىُّ، قال: قال إبراهيمُ النَّخَعِىُّ: يا فرقدُ، أتدرى ما سوءُ الحسابِ؟
قلتُ : لا. قال: هو أن يُحاسَبَ الرجلُ بذنبِهِ كلِّه، لا يُغفَرُ له منه شىءٌ(١).
وقولُه: ﴿ وَمَأْوَنُهُمْ جَهٌَّ﴾. يقولُ: ومَشكتُهم الذى يَسْكُنُونه يومَ القيامةِ
جهنمُ. ﴿وَبِئْسَ لِلْهَادُ﴾. يقولُ: وبئسَ الفِراشُ والوطاءُ جهنمُ التى هى مأواهم يومَ
القيامةِ .
/ القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿أَفَّنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّيِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ
١٩
أَعْمَّ إِنَّا يَنَذَكَّرُ أُوْلُواْ الْأَلْبَبِ
٠١٣٩/١٣
يقولُ تعالى ذكره : أهذا الذى يَعْلمُ أن الذى أُنزَله اللَّهُ عليك يا محمدُ حقٌّ ،
فيؤمنُ به ويصدِّقُ ويعملُ بما فيه، كالذى هو أعْمَى ، فلا يَعْرِفُ مَوْقِعَ حُجةِ اللَّهِ عليه
به ، ولا يَعْلَمُ ما ألزَمه(٢) اللّهُ مِن فرائضِه.
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثْنَا إِسِحاقُ، قال: ثنا هشامٌ، عن عمرٍو، عن سعيدٍ، [١٣٣/٢ظ] عن قتادةً
فى قولِه: ﴿ أَفَمَن يَعْلَمُ أَتَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ لْحَقُّ﴾. قال: هؤلاء قومٌ انْتَفَعوا بما
سمِعوا مِن كتابِ اللهِ، وعقَلوه ووَعَوْه. قال اللّهُ: ﴿كَمَنْ هُوَ أَعْمَ﴾. قال : عن
الخيرِ فلا يُبْصِرُهُ .
(١) أخرجه سعيد بن منصور فى سننه (١١٦٧ - تفسير) من طريق آخر عن إبراهيم بمعناه ، وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ٥٦/٤ إلى أبى الشيخ.
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((أكرمه)).
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥٦/٤ إلى المصنف وابن أبى حاتم وأبى الشيخ.
٥٠٧
سورة الرعد : الآيات ١٩، ٢٠، ٢١
وقولُه: ﴿ إِنَّا يَذَكَّرُ أُوْلُواْ الْأَلْبُبِ ﴾. يقولُ: إِنما يَتَّعِظُ بِآيَاتِ اللَّهِ ويَعْتَبِرُ بها
ذوو العقولِ ؛ وهى الألبابُ، واحدُها : لُبِّ .
٢٠
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿ الَّذِينَ يُفُونَ بِعَهْدِ الَّهِ وَلَا يَنَقُضُونَ الْمِثَقَ
٢١
وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ اَللَّهُ بِهِّ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوَءَ اُلْحِسَابٍ
يقولُ تعالى ذكره : إنما يَتَّعِظُ ويَعْتَبِرُ بآياتِ اللَّهِ أولو الألبابِ ، الذين يُوفون
بوصيةِ اللَّهِ التى أوصاهم بها (١)، ﴿ وَلَا يَنَقُضُونَ الْمِيثَقَ﴾: ولا يُخالِفون العهد الذى
عاهَدُوا اللَّهَ عليه إلى خِلافِه، فيَعْمَلُوا بغيرِ ما أمَرهم به، ويخالِفوا إلى ما نهَى عنه .
وقد بيَّنَا معنى العهْدِ والميثاقِ فيما مضَى بشواهدِه ، فأغنى عن إعادتِه فى هذا
(٢)
الموضعِ ().
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنی المثنی ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال : ثنا هشام ، عن عمرو ، عن سعيد ، عن
قتادةَ، قال: ﴿ إِنَّا يَذَكَّرُ أُوْلُواْ الْأَلْبِ﴾، فبينَّ مَن هم، فقال: ﴿ الَّذِينَ يُفُونَ بِعَهْدِ
اللَّهِ وَلَا يَنَقُضُونَ الْمِيثَقَ ﴾، فعليكم بوفاءِ العهدِ، ولا تَنْقُضُوا هذا الميثاقَ، فإِن اللَّهَ
تعالى قد نهَى وقدَّم فيه أشدَّ التقدِمةِ ، فذكره فى بضع وعشرين موضعًا، نصيحةً
لكم، وتَقْدِمةً إليكم، ومحجّةً عليكم، وإنما (" تَعْظُمُ الأُمور٣ُ) بما عظّمه اللَّهُ به عندَ أهل
الفَهْمِ والعقلِ، فعظِّموا ما عظَّم اللَّهُ. قال قتادةُ: وذُكِر لنا أن رسولَ اللَّهِ مَئِلٍ كان يقولُ
(١) سقط من: م.
(٢) تقدم فى ١/ ٤٣٥.
(٣ - ٣) فى م: ((يعظم الأمر)).
٥٠٨
سورة الرعد : الآيتان ٢١،٢٠
فى خُطبِه : (( لا إيمانَ لمن لا أمانةَ (١) له، ولا دِينَ لمن لا عهد له)) (١).
١٤٠/١٣
/ وقولُه: ﴿ وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ﴾. يقولُ تعالى ذكره:
والذين يَصِلُون الرَّحِمَ التى أمَرهم اللَّهُ بوصلِها، فلا يَقْطَعُونها. ﴿ وَخْشَوْنَ
رَبَّهُمْ﴾. يقولُ: ويخافون اللَّهَ فى قطعِها أن يَقْطَعوها ، فيعاقِبَهم على قطعِها ، وعلى
خلافِهم أمرَه فيها .
وقولُه: ﴿ وَيَخَافُونَ سُوَءَ اَلِسَابِ﴾. يقولُ: ويحذَرون مناقشةَ اللَّهِ إياهم فى.
الحسابِ، ثم لا يَصْفَحُ لهم عن ذنبٍ، فهم لرهبتِهم ذلك جادُّون فى طاعتِهِ،
محافظون على حدوده .
كما حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ ، قال : ثنا عقَّانُ، قال: ثنا جعفرُ بنُ سليمانَ ،
عن عمرو بنِ مالكِ، عن أبى الجوزاءِ(١) فى قوله: ﴿ وَيَخْشَوْنَ رَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوَءَ
الْحِسَابٍ﴾. قال: المناقشةُ(٤) بالأعمالِ(٥) .
قال: ثنا عفانُ، قال: ثنا حمادٌ، عن فَوْقَدٍ، عن إبراهيمَ، قال: ﴿سُوَءَ
الِسَابٍ﴾ أن يُحاسَبَ مَن لا يُغْفَرُ له .
(١) فى ت ١، ت ٢، س، ف: ((أمان)).
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥٦/٤ إلى المصنف وابن أبى حاتم وأبى الشيخ، والحديث المرفوع أخرجه
أحمد. ٣٧٥/١٩، ٣٢/٢٠، ٣٣، ٤٢٣ (١٢٣٨٣، ١٢٥٦٧، ١٣١٩٩) وغيره من طرق عن قتادة
عن أنس .
(٣) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((الحفنا)) وهو أوس بن عبد الله الرَّبَعى. وينظر ترجمته فى تهذيب
الكمال ٣/ ٣٩٢.
(٤) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((المقايسة)).
(٥) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١/ ٣٣٥، وابن أبى شيبة ٤٤/١٤ من طريق جعفر بن سليمان به، وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ٥٦/٤ إلى ابن المنذر وابن أبى حاتم وأبى الشيخ .
٥٠٩
سورة الرعد : الآيتان ٢٢،٢١
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَخَافُونَ
سُوَءَ الْحِسَابِ﴾. قال: فقال: وما سوءُ الحسابِ؟ قال: الذى لا جوازَ فيه .
حدَّثنى ابنُ سنانِ القزَّزُ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن الحجاج، عن فَرْقَدٍ ، قال :
قال لى إبراهيمُ : تَدرِى ما سوءُ الحسابِ؟ قلتُ : لا أدرِى. قال: يُحاسَبُ العبدُ
بذنبِهِ كلِّه لا يُغْفَرُ له منه شىءٍ(١).
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿ وَِّيْنَ صَبَرُواْ أَبْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِهِمْ وَقَامُواْ الصَّلَوَةَ
وَأَنْفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَهُمْ سِرَّا وَعَلَئِيَّةٌ وَيَدْرَهُونَ بِالْحَنَةِ السَِّئَةَ أُوْلَكَ لَمْ عُقْبِىَ
الدَّارِ يّ
يقولُ تعالى ذكره: ﴿ وَلَّذِينَ صَبَرُواْ﴾ على الوفاءِ بعهدِ اللَّهِ، وتركٍ نَقْضٍ
الميثاقِ، وصلة الرحم؛ ﴿أَثْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ﴾. ويعنى بقولِه: ﴿أَبْتِغَاءَ وَجْدٍ
رَبِهِمْ﴾ : طلَبَ تعظيم اللَّهِ، وتنزيهًا له أن يُخالَفَ فى أمرِه، أو يأتىَ أمرًا كَرِه إتيانَه
فِيَعْصِيَه به، ﴿ وَأَقَامُواْ الصَّلَوةَ﴾. يقولُ: وأدَّوا الصلاةَ المفروضةَ بحدودِها فى
أوقاتِها، ﴿ وَأَنْفَقُواْ مِمَا رَزَقْنَهُمْ سِرََّ وَعَلَائِيَّةٌ﴾. يقولُ: وأدَّوا مِن أموالهم زكاتَها
المفروضةَ، وأَنْفَقوا منها فى السُّبلِ التى أمَرهم اللَّهُ بالنفقةِ فيها، سِرًّا فى خفاءٍ،
وعلانيةٌ فى الظاهرِ .
كما حدَّثنى المثنى، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ ، عن عليٍّ،
عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ﴾. يعنى: الصلواتِ الخمسَ، ﴿ وَأَنَفَقُواْ مِمَّا
رَزَقْنَهُمْ سًَِّّ وَعَلَئِيَّةٌ﴾. يقولُ: الزكاةُ.
حدَّثنى يونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال : قال ابنُ زيدٍ : الصبرُ الإقامةُ.
(١) تقدم تخريجه فى ص ٥٠٦.
٥١٠
سورة الرعد : الآيات ٢٢، ٢٣، ٢٤
قال: وقال: الصبرُ فى هاتين؛ فصبرٌ للَّهِ على ما أحبَّ وإن ثَقُل على الأنفسِ
والأبدانِ، وصبرٌ [٢/ ١٣٤و] عما يَكَّرَهُ وإن نازَعت إليه الأهواءُ، فمَن كان هكذا
فهو مِن الصابرين. وقرّأ: ﴿سَهُّ تَتَكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَىَ اُلَّارِ
٢٤
وقولُه: ﴿ وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَةِ السَِّئَةَ﴾. يقولُ: وَيَدْفَعون إساءةَ مَن أساء إليهم
مِن الناسِ بالإحسانِ إليهم .
١٤١/١٣
/ كما حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال : قال ابنُ زيدٍ فى قولِه :
:
وَيَدْرَهُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾. قال: يَدْفَعون الشرَّ بالخيرِ، لا يُكافِئون الشرَّ
بالشرّ، ولكن يَدْفَعونه بالخيرِ(١).
وقولُه: ﴿أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ﴾. يَقُولُ تعالى ذكرُه : هؤلاء الذين وصَفنا
صِفتَهم هم الذين لهم عقبى الدارِ ، يَقُولُ: هم الذين أَعْقَبهم اللَّهُ دارَ الجنانِ مِن
دارِهم التى لو لم يَكُونوا مؤمنين كانت لهم فى النارِ ، فأعقَبهم اللَّهُ مِن تلك هذه.
وقد قيل : معنى ذلك : أولئك الذين لهم عَقِيبَ طاعتِهم ربّهم فى الدنيا دارُ الجنانِ .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿جَنَّتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنْ ءَابَآِهِمْ وَأَزْوَجِهِمْ
سَلَمُ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقُّبِىَ
٢٣
وَذُرِّيَّتِهِمِّ وَالْمَلَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَاٍ
٢٤٦
الدَّارِ
يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿حَنَّكُ عَدْنٍ﴾؛ ترجمةٌ عن ﴿عُقْىَ الدَّارِ﴾
[الرعد: ٢٢]. كما يقالُ: نِعْمَ الرجلُ عبدُ اللَّهِ. فعبدُ اللَّهِ هو الرجلُ المقولُ له :
نعم الرجلُ . وتأويلُ الكلام : أولئك لهم عقِیبَ طاعتِھم ربّهم الدائُ التی هی جناتٌ
عدنٍ .
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥٧/٤ إلى المصنف.
٥١١
سورة الرعد: الآيتان ٢٣، ٢٤
وقد بيّنا معنى قوله: ﴿ عَدٍْ﴾، وأنه بمعنى الإقامةِ التى لا ظَعْنَ معها (١).
وقولُه: ﴿ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ ءَابَِهِمْ وَأَزْوَجِهِمْ وَذُرِينَتِهِمْ﴾ . يقولُ تعالى ذكرُه:
جنات عدنٍ يَدْخُلُها هؤلاء الذين وَصَفْتُ صفتَّهم، وهم الذين يُوفُون بعهدِ اللَّهِ ،
والذين يَصِلون ما أَمَر اللَّهُ به أن يُوصَلَ، ويَخْشَون ربّهم ، والذين صبَروا ابتغاءَ وجهِ
ربِّهم، وأقاموا الصلاةَ، وفعَلوا الأفعالَ التى ذكّرها جلَّ ثناؤه فى هذه الآياتِ
الثلاثِ، ﴿ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ ءَابَِّهِمْ وَأَزْوَجِهِمْ﴾ ، وهى نساؤُهم وأهلوهم وذرِّياتُهم.
وصلاحُهم إيمانُهم باللّهِ، واتباعُهم أمرَه وأمرَ رسولِه عليه الصلاةُ والسلامُ.
كما حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ ، قال: ثنا شَبابةُ، قال: ثنا وَرْقَاءُ، عن ابنِ أبی
نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿ وَمَن صَلَحَ مِنْ ءَابَآِهِمْ﴾. قال: مَن آمَن فى الدنيا(١) .
حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنٍ أبى نجيحٍ، عن
مجاهدٍ ، وثنا إسحاقُ قال: ثنا عبدُ اللَّهِ ، عن ورقاءَ، عن ابنٍ أبى نجيح ، عن مجاهدٍ
مثله .
.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاج، عن ابنٍ جريجٍ، عن
مجاهدٍ قوله: ﴿ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ ءَابَآِهِمْ﴾. قال: مَن آمَن مِن آبائهم وأزواجِهم
وذرِیاتھم .
سَلَمُ عَلَيْكُم بِمَا صَبَْتُمْ ﴾ .
وقولُه: ﴿ وَاَلْمَلَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ (®)
يقولُ تعالى ذكرُه: وتَدْخُلُ الملائكةُ على هؤلاء الذين وصَف جلّ ثناؤه صفتَهم فى
هذه الآياتِ الثلاثِ، فى جناتٍ عَدْنٍ، مِن كلِّ بابٍ منها، يقولون لهم: ﴿سَلَمُّ
(١) تقدم فى ٥٥٩/١١.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥٧/٤ إلى المصنف وابن أبى شيبة وابن المنذر وابن أبى حاتم وأبى الشيخ.
٥١٢
سورة الرعد : الآيتان ٢٤،٢٣
عَلَيْكُمْ بِمَا صَبْتٌ﴾ على طاعةِ ربِّكم فى الدنيا، ﴿فَنِعْمَ عُقْبَىَ الدَّارِ﴾
وذُكِر أن لجناتٍ عَدْنٍ خمسةَ آلافٍ بابٍ .
حدَّثنى المثنى، قال : ثنا إسحاقُ، قال: ثنا علىُّ بنُ جريرٍ، قال: ثنا حمادُ بنُ
١٤٢/١٣ سلمةَ، عن يعلى بنِ / عطاءٍ، عن نافعٍ بنِ عاصم، عن عبدِ الله بن عمرو ، قال : إن
فى الجنةِ قصرًا يقالُ له: عَدْنٌ ، حولَه البُروجُ والمُروج ، فيه خمسةُ آلافِ بابٍ ، على
كلِّ بابٍ خمسةُ آلافٍ حِبَرةٍ ، لا يَدْخُلُه إلا نبٌ أو صدِّيقٌ أو شهيدٌ(١).
قال : ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَغْراءَ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ
فى قوله: ﴿حَثَتُ عَدْنٍ﴾. قال: مدينةُ الجنةِ ، فيها الرسلُ والأنبياءُ والشهداءُ وأئمةُ
الهدى، والناسُ حولَهم بعدُ، والجنات٢ُ) حولَها (١).
وحُذِف من قولِه: ﴿ وَاَلْمَلَتِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ سَلَمُّ عَلَيْكُمْ﴾
((يقولون)) اكتفاءً بدَلالةِ الكلام عليه، كما حُذِف ذلك مِن قوله: ﴿ وَلَوْ تَرَىّ إِذِ
اُلْمُجْرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا﴾ [السجدة: ١٢].
حدَّثنى المثنى، قال : ثنا سويدٌ ، قال: أخبرنا ابنُ المباركِ، عن بقيةَ بنِ الوليدِ ،
قال: ثنى أرطاةُ بنُ المنذرٍ، قال: سمِعتُ رجلًا مِن مشيخةِ الجندِ يقال له : أبو
الحجاجِ. يقولُ: جلَستُ إلى أبى أمامةَ، فقال: إن المؤمنَ ليكونُ متكئًا على أَرِيكتِّه
إذا دخَل الجنةَ، وعندَه سِماطان (٤) مِن خدَم، وعندَ طَرَفِ السّماطَين ("بابٌ مبوبٌْ)،
(١) تقدم تخريجه فى ١١/ ٥٦٣.
(٢ - ٢) فى م: ((بعدد الجنات)).
(٣) تقدم تخريجه فى ١١/ ٥٦٤.
(٤) السماط: الصف. التاج (س م ط).
(٥ - ٥) فى م: ((سور))، وفى ت ١، ت ٢، س، ف: ((مبوب)).
٥١٣
سورة الرعد : الآيتان ٢٣، ٢٤
فيُقبِلُ المَلَكُ يَسْتَأْذِنُ، فيقولُ ((أقصى الخدم) للذى(٢) يليه: ملَكٌ يَسْتَأَذِنُ(٣).
ويقولُ الذى يليه للذى يَليه: مَلَكٌ يَسْتَأْذِنُ. حتى يَتْلُغَ المؤمنَ، فيقولُ: ائذَنوا . فيقولُ
أقربُهم إلى المؤمنِ: ائذَنوا. ويقولُ [١٣٤/٢ظ] الذى يليه للذى يليه: ائذَنُوا. فكذلك
حتى يَتْلُغَ أقصاهم الذى عندَ البابِ ، فيفتحَ له، فيدخلَ فيُسَلِّمَ ثم يَنْصَرِفَ(٤).
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا سويدٌ ، قال: أخبرنا ابنُ المباركِ، عن إبراهيمَ بنِ
محمدٍ، عن سهيلٍ بن أبى صالح، عن محمدِ بنِ إبراهيمَ، قال: كان النبيُّ عَ لّه
يأتى قبورَ الشهداءِ على رأسٍ كلِّ حولٍ فيقولُ: ((السلامُ عليكم بما صَبَرْتم، فنِعْمَ
عُقْبَى الدَّارِ)). وأبو بكرٍ وعمرُ وعثمانُ(٦) .
وأما قولُه : ﴿سَلَمُ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ ﴾ . فإن أهلَ التأويلِ قالوا فى ذلك نحوَ
قولِنا فيه .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال : ثنا عبدُ الرزاقِ ، عن جعفرِ بنِ سليمانَ ،
عن أبي عمرانَ الجَوْنِيٌّ أنه تلا هذه الآيةَ: ﴿سَلَمُ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْثٌ﴾. قال : على
(٧)
دینکم(٢).
(١ - ١) سقط من النسخ، وكذلك سقط من تفسير ابن كثير، وأثبتناه من الدر المنثور.
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((الذى)).
(٣) بعده فى م: (( ويقول الذى يليه للذى يليه)).
(٤) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٣٧٤/٤ عن ابن المبارك به ، وعزاه إلى المصنف ، وأخرجه ابن أبى حاتم فى
تفسيره - كما فى تفسير ابن كثير - من طريق أرطاة به .
(٥) فى م: ((سهل)).
(٦) أخرجه عبد الرزاق فى مصنفه (٦٧١٦) من طريق سهيل بن أبى صالح به. وأخرجه البيهقى فى دلائل
النبوة ٣٠٦/٣ من طريق آخر موصولًا فقال: عن عباد بن أبى صالح عن أبيه عن أبى هريرة بنحوه .
(٧) تفسير عبد الرزاق ٣٣٥/١، وأخرجه ابن أبى الدنيا فى الصبر (٢٣)، وأبو نعيم فى الحلية ٣١٠/٢ من
طريق جعفر بن سليمان به نحوه .
( تفسير الطبرى ٣٣/١٣ )
٥١٤
سورة الرعد : الآيات ٢٣، ٢٤، ٢٥
حدَّثنى يونسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ سَلَمُ
عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْيٌ﴾. قال: حينَ صبَروا للَّهِ بما ( يحبُّه اللَّهُ) فقدَّموه. وقرَأ: ﴿وَجَزَهُم
بِمَا صَبَرُواْ جَّةً وَحَرِيرًا﴾ حتى بلَغ: ﴿وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُورًا﴾ [الإنسان: ١٢ - ٢٢].
وصبروا عما كرِهِ اللَّهُ وحرَّم عليهم، وصبروا على ما ثَقُل عليهم وأحَبَّه اللَّهُ، فسلَّم
سَلَمُ عَلَيْكُمْ بِمَا
٢٣
عليهم بذلك. وقرَأ: ﴿ وَالْمَلَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَنْهِمِ مِن كُلِّ بَاٍ
صَبَرْتُمْ فَعْمَ عُقْبَىَ الَّارِ﴾ .
وأما قولُه: ﴿فَنِعْمَ عُقْبِىَ الدَّارِ﴾. فإن معناه إن شاء اللَّهُ كما حدَّثنى المثنى،
قال : ثنا إسحاقُ ، قال ثنا عبدُ الرزاقِ ، عن جعفرٍ، عن أبى عِمْرانَ الجَوْنىِّ فى قوله :
﴿فَنِعْمَ عُقْىَ الَّارِ﴾. قال: الجنةُ مِنْ(١) النارِ.
/القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَالَذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنَّ بَعْدِ مِشَقِ
وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اَللَّهُ بِهِ- أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِى الْأَرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوَءُ
الدَّارِ ٥
١٤٣/١٣
يقولُ تعالى ذكرُه: وأمَّا: ﴿وَالَّذِيْنَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ ﴾. ونَقْضُهم ذلك
خِلافُهم أمرَ اللَّهِ، وعَمَلُهم بمَعْصِيتِه، ﴿مِنْ بَعْدٍ مِثَقِهِ﴾. يقولُ: مِن بعدٍ ما وَثَّقوا
على أنفسِهم للَّهِ أن يَعْمَلوا بما عهِد إليهم، ﴿ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اَللَّهُ بِهِ، أَن يُوصَلَ
يقولُ: وَيَقْطَعون الرحمَ التى أمَرَهم اللَّهُ بوَصْلِها، ﴿وَيُفْسِدُونَ فِ اُلْأَرْضِ،
وإفسادُهم فيها عملُهم فيها (٢) بمعاصى اللَّهِ، ﴿أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّْنَةُ ﴾. يقولُ : فهؤلاء
لهم اللعنةُ، وهى البُعدُ مِن رحمتِه، والإقصاءُ مِن جَنابِه١٢ُ، ﴿وَمُمْ سُوَهُ الدَّارِ ﴾ .
(١ - ١) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((يحبون)).
(٢) فى ت ١، ت ٢، س، ف: ((و)).
(٣) سقط من: م
(٤) فى م: ((جنانه))، وفى ت ١، ت ٢: ((جناته)، وفى ف: ((حياته))، وغير منقوطة فى ص . ..
٥١٥
سورة الرعد : الآية ٢٥
يقولُ: ولهم ما يسوءُهم فى(١) الدار الآخرةِ.
حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال: ثنی معاويةُ ، عن علىّ ، عن
ابنِ عباسٍ، قال: أكبرُ الكبائرِ الإشراكُ باللَّهِ؛ لأن اللَّهَ يقولُ: ﴿وَمَن يُشْرِكِ بِاللَّهِ
فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ اُلَّيْرُ ﴾ [الحج: ٣١]، ونقضُ العهدِ، وقطيعةٌ
الرحم ؛ لأن اللَّهَ يقولُ: ﴿أُوْلَكَ لَهُمُ الَّعْنَةُ وَهُمْ سُوَّهُ الدَّارِ﴾. يعنى: سوءُ العاقبةِ(٢).
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، قال : قال ابنُ جريجٍ فى
قوله: ﴿وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اللَّهُ بِهِ، أَنْ يُوصَلَ﴾. قال: بلَغنا أن النبىَّ عَ الِ قال: ((إذا
لم تَمْشِ إلى ذى رَحمِك بِرِجْلِكَ، ولم تُعْطِهِ مِن مالِكَ، فقد قَطَعْتَه))(٣).
حدَّثنى محمدُ بنُّ المثنى، قال : ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ ، عن عمرو
ابنِ مُرَّةً، عن مُصْعبٍ بنِ سعدٍ ، قال: سألتُ أبى عن هذه الآيةِ: ﴿قُلْ هَلْ تُلِئَكُمْ
اُلَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَوَةِ اُلُّنْيَا﴾ [الكهف: ١٠٣، ١٠٤]. أهُمْ
١٠٣
بِالْأَخْسَرِنَ أَعْمَلًا
الحَرَّوريّةُ؟ قال: لا. ولكنَّ الحَرَوريَّةَ ﴿وَالَّذِينَ يَنَقُضُونَ عَهْدَ اَللَّهِ مِنَّ بَعْدِ مِشَقِهِ،
وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اللَّهُ بِهِ، أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِ اُلْأَرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الَّعْنَةُ وَمْ سُوَءُ
الدَارٍ﴾. فكان سعدٌ يُسَمِّيهم الفاسقين(٥).
حدَّثنا ابنُّ المثنى، قال: ثنا أبو داودَ ، قال: ثنا شعبةُ، عن عمرٍو بنٍ مُؤَّةَ ، قال :
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((من)).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره - كما فى الإتقان ٢١/٢ - والطبرانى فى الكبير (١٣٠٢٣) من طريق
عبد الله بن صالح به مطولا وقال الهيثمى فى المجمع ٧/ ١١٦: إسناده حسن.
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥٦/٤ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.
(٤) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((ضمرة)). وينظر تهذيب الكمال ٢٣٢/٢٢.
(٥) سيأتى تخريجه فى سورة الكهف.
٥١٦
سورة الرعد : الآيتان ٢٦،٢٥
سمِعتُ مُصْعبَ بنَ سعدٍ ، قال : كنتُ أَمْسِكُ على سعدٍ المصحفَ ، فأتى على هذه
الآيةِ . ثم ذكَر نحوَ حديثِ محمدِ بنِ جعفرٍ .
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿اللَّهُ يَسُطُ الْرِزْقَ لِمَن كَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُواْ بِالْحَيَّوَةِ
ج
٢٦
الذُّنْيَا وَمَا الْخَيَوَةُ الدُّنْيَا فِى الْآَخِرَةِ إِلَّ مَتَهٌ
يقولُ تعالى ذكرُه: اللَّهُ يُوَسِّعُ على مَن يشاءُ مِن خلقِه فى رزقه ، فيَبْسُطُ له منه ؛
١٤٤/١٣ لأن منهم مَن لا يُصْلِحُه / إلا ذلك، ﴿وَيَقْدِرُ﴾. يقولُ: ويُقَتِّدِ على مَن يشاءُ منهم
فى رزقِه وعَيْشِه، فيُضَيِّقُه عليه؛ لأنه لا يُصْلِحُه إلا الإقتارُ.
﴿وَفَرِحُواْ بِالْحَيَوَةِ الدُّنْيَا﴾. يقول تعالى ذكره: وفرح هؤلاء الذين بسِط لهم فى
الدنيا مِن الرزقِ على كفرِهم باللّهِ ومَعْصِيتهم إياه، بما بُسِط لهم فيها، [١٣٥/٢ و]
وجهِلوا ما عندَ اللَّهِ لأَهلِ طاعتِه والإيمانِ به فى الآخرةِ من الكرامةِ والنعيم .
ثم أخبَر جلَّ ثناؤه عن قَدْرِ ذلك فى الدنيا، فيما لأهلِ الإيمانِ به عندَه فى
الآخرةِ، وأعلَم عبادَه قِلَّتَه فقال: ﴿ مَا الْخِيَّةُ الدُّنْيَا فِ الْآَخِرَةِ إِلَّ مَتَهٌ﴾. يقولُ:
وما جميعُ مَا أَعْطِى هؤلاء فى الدنيا مِن السعةِ، وبُسِط لهم فيها مِن الرزقِ وَرَغَدِ
العيش، فيما١) عندَ اللَّهِ لأهل طاعتِه فى الآخرةِ، إلا متاعٌ قليلٌ، وشىءٌ حقيرٌ
ذاهبٌ .
كما حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ ، قال: ثنا شبابةُ ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابنٍ أبى
نجيح، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿إِلَّا مَتٌَ﴾. قال: قليلٌ ذاهبٌ(٢).
(١) فى ص، ت ٢، س، ف: ((فيها))، وغير واضحة فى ت ١.
(٢) تفسير مجاهد ص ٤٠٦، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥٨/٤ إلى ابن أبى شيبة وابن المنذر وابن أبى
حاتم وأبى الشيخ .
٠
٥١٧
سورة الرعد : الآيتان ٢٧،٢٦
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةً، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنٍ أبى نجيحٍ، عن
مجاهدٍ ، قال : وثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن ورقاءً، عن ابنِ أبى نجيحٍ ، عن
مجاهدٍ: ﴿وَمَا الََّةُ الدُّنْيَا فِىِ الْآَخِرَةِ إِلَّ مَتَعٌ﴾ . قال : قليلٌ ذاهبٌ .
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن الأعمشِ، عن بُكَيرِ بنِ الأُخْنَسِ، عن
عبد الرحمنِ بنِ سابطٍ فى قوله: ﴿وَفَرِحُواْ بِالْحَوَةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَوَةُ الدُّنْيَا فِ الْآَخِرَةِ إِلَّا
مَتَعُ﴾. قال: كزادِ الراعى، يُزَوِّدُه أهلُه الكفَّ مِن التمرِ، أو الشىءَ مِن الدقيقِ، أو
الشىءَ يُشْرَبُ عليه اللبنُ(١) .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوَلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌ مِّن رَّةٍ،
قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِىّ إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ(
٣٧
يقولُ تعالى ذكره : ويقولُ لك يا محمدُ مشركو قومِك: هلَّا أُنْزِل عليك آيَةٌ
مِن رَبِّك؛ إما مَلَكٌ يكونُ معك نذيرًا، أو يُلْقى إليك كَثْرٌ. فقلْ(٢): إِنَّ اللَّهَ يُضِلُ
مِنکم مَن یشاءُ أيُّها القوم ، فيخْذُلُه عن تصدیقی والإيمانِ بما جئتُه به مِن عندِ ربى ،
ويَهْدِى إليه مَن أناب فرجع إلى التوبةِ مِن كفرِهِ، والإيمانِ به، فيوفِّقُه لاتِباعى
وتصديقى ) على ما جئتُه به مِن عندِ ربِّه، وليس ضلالُ مَن يَضِلُّ منكم بأن لم يُزَلْ
علىَّ آيَةٌ مِن ربى، ولا هدايةُ مَن يهتدى مِنكم بأنها أُنْزِلت علىَّ - بيدى(٤)، وإنما
ذلك بيدِ اللَّهِ ، يُوفِّق مَن يشاءُ منكم للإيمانِ، ويَخْذُلُ مَن يشاءُ منكم فلا يؤمنُ .
وقد بيَنتُ معنى الإنابةِ فى غيرِ موضعٍ مِن كتابِنا هذا بشواهدِه، بما أغنَى عن
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥٨/٤ إلى المصنف وابن أبى حاتم وأبى الشيخ .
(٢) فى ص: ((فقال لهم))، وفى ت ١، ت ٢، س، ف: ((فقال)) ..
(٣) بعده فى م: (( به)).
(٤) ليست فى ص، م، ت ٢، س ، ف.
٥١٨
سورة الرعد : الآيات ٢٧ - ٢٩
إعادته فى هذا الموضع (١) .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَيَهْدِىّ إِلَيْهِ مَنْ
أَنَبَ﴾. أى: مَن تاب وأقبَلُ(١).
/ القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا
اُلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ طُوبَى لَهُمْ
بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَيِنُّ الْقُلُوبُ
١٤٥/١٣
٢٩
وَحُسْنُ مَئَابٍ
يقولُ تعالى ذكرُه: ويَهْدِى إليه مَن أناب بالتوبةِ الذين آمنوا. و ﴿ الَّذِينَ
ءَامَنُواْ﴾ فى موضعِ نصبٍ، ردِّ(١) على ﴿مَنْ﴾؛ لأن ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ هم ﴿مَنْ
أَنَابَ﴾ ، تُرجِّم بها عنها .
وقولُه: ﴿وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللهِ﴾. يقولُ: وَتَشْكُنُ قلوبُهم وتَشْتَأْنِسُ
بذ کرِ اللَّهِ .
كما حدَّثْنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَتَطْمَپنُّ
قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللهِ ﴾. يقولُ: سكَنت(٤) إلى ذكرِ اللَّهِ وَاسْتَأْنَستْ به(٢).
وقولُه: ﴿أَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾. يقولُ: ألا بذكرِ اللَّهِ تَسْكُنُ
وتَسْتَأْنِسُ قلوبُ المؤمنين. وقيل: إنه عنَى بذلك قلوب المؤمنين من أصحاب
رسولِ اللهِ عَلَّهِ.
(١) ينظر ما تقدم فى ٤٩٣/١٢، ٥٤٨ وما بعدها، وليس فيما تقدم شاهد على معنى الإنابة، وينظر أيضًا ما
سيأتى فى مواضعه من التفسير .
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥٨/٤ إلى المصنف وابن أبى حاتم وأبى الشيخ.
(٣) بعده فى ص: ((نصبا)).
(٤) فى ص، ف: ((مست))، وفى ت ١: ((هشت)).
٥١٩
سورة الرعد : الآيتان ٢٩،٢٨
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ ، قال: ثنا شبابةٌ ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابنٍ أبى نجيحِ ،
عن مجاهدٍ قوله: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾: لمحمدٍ وأصحابِهُ(١) .
حدَّثنى المثنى، قال : ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، وحدَّثنى المُثُنَّى ، قال: ثنا
إسحاقُ ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن ورقاءً، عن ابنِ أبى نجيح، عن مجاهدٍ: ﴿أَلَا
بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾. قال: لمحمدٍ وأصحابِهِ .
قال : ثنا إسحاقُ ، قال: ثنا أحمدُ بنُ يونسَ، قال: ثنا سفيانُ بنُ عيينةً فى
قوله: ﴿وَتَطْمَيِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللهِ﴾. قال: هم أصحابُ محمدٍ عَه(١).
وقولُه: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾: الصالحات مِن الأعمالِ،
وذلك العملُ بما أَمَرهم ربّهم، ﴿طُوَبَ لَهُمْ﴾. و﴿ طُوبَ﴾ فى موضعٍ رَفْعٍ
بـ ﴿لَهُمْ﴾. وكان بعضُ أهلِ البصرة والكوفةِ يقولُ: ذلك رفعٌ، كما يقالُ فى
الكلامِ: ويلٌّ لعمٍو. وإنما أُوثِر الرفعُ فى ﴿لطُوبَى﴾ لحُسْنِ(٣) الإضافةِ فيه بغيرِ لامٍ،
وذلك أنه يقالُ فيه: طوباك. كما يقالُ : ويلَك ووَيْتَك . ولولا حسنُ الإضافةِ فيه
بغيرِ لامٍ ، لكان النصبُ فيه أحسنَ وأفصحَ، كما النصبُ فى قولِهم : تَعْسًا لزيدٍ ،
وبُعْدًا له، وسُحقًا. أحسنُ، إذ كانت الإضافةُ فيها بغيرٍ لامٍ لا تَحْسُنُ .
وقد [١٣٥/٢ظ] اختلف أهلُ التأويلِ فى تأويلِ قولِه: ﴿طُوَ لَهُمْ﴾. فقال
بعضُهم : معناه : نِعمَ ما لهم .
(١) تفسير مجاهد ص ٤٠٧، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥٨/٤ إلى ابن أبى شيبة وابن المنذر وأبى الشيخ.
(٢) أخرجه سعيد بن منصور فى سننه (١١٦٩ - تفسير)، عن سفيان .
(٣) فی ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((بحسن)).
٥٢٠
سورة الرعد : الآيتان ٢٨، ٢٩
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى جعفرُ بنُ محمدِ البُزُورِىُّ مِن أهلِ الكوفةِ ، قال : ثنا أبو زكريا الكلبىُّ،
عن عمرو بنِ نافع، قال: سُئل عكرمةُ عن: ﴿طُوبَ لَهُمْ﴾. قال: نعمَ ما
(١)
لهم().
١٤٦/١٣
/ حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ ، قال: ثنا عمرُو بنُ نافعٍ، عن
عكرمةَ فى قولِه: ﴿طُوبَ لَهُمْ ﴾. قال: نِعْمَ ما لهم .
حدَّثنى الحارثُ ، قال : ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنى عمرُو بنُ نافع، قال: سمِعتُ
عكرمةَ فى قوله: ﴿طُوبَ لَهُمْ ﴾. قال : نِعْمَ ما لهم.
وقال آخرون : معناه : غِبْطةٌ لهم .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو هشام، قال: ثنا أبو خالدِ الأحمر، عن جوييرٍ، عن الضحاكِ:
﴿طُوَبَ لَهُمْ﴾. قال: غِبْطٌ لهم(٢) .
حدَّثنى المثنى ، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَغْراءَ ، عن جويبٍ ،
عن الضحاكِ مثلَه، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ ، قال: أخبرنا هشيمٌ ، عن تجُوَيبٍ، عن
الضحاكِ مثلَه .
وقال آخرون : معناه : فَرَحْ وقُرَّةُ عينٍ .
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥٨/٤ إلى المصنف وابن أبى شيبة وهناد وابن المنذر وابن أبى حاتم وأبى
الشيخ .
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥٨/٤ إلى المصنف وأبى الشيخ.