النص المفهرس
صفحات 481-500
٤٨١ سورة الرعد : الآية ١٣ ١٢٦/١٣ / ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ذُكِر لنا أن رجلاً أنكَر القرآنَ، وكذَّب النبىَّ ◌َّهِ، فأرسَل اللَّهُ عليه صاعقةً فأهلَكته ، فأنزل اللَّهُ عزَّ وجلَّ فيه: ﴿وَهُمْ يُجَدِلُونَ فِ اللَّهِ وَهُوَ شَدِيْدُ لِلْحَالِ﴾(١). وقال آخرون : نزَلت فى أَرْبَدَ أُخى لَبيدٍ بنٍ ربيعةً، وكان هَمَّ بقتلِ رسولِ اللَّهِ عَلَهِ هو وعامرُ بنُ الطفيلِ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريج، قال : نزَلت، يَعْنى قولَه: ﴿ وَيُرْسِلُ الصَّوَعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَآءُ﴾ فى أزْبَدَ أُخى لبيدِ بنِ ربيعةً؛ لأنه قَدِم أَرْبَدُ وعامرُ بنُ الطفيلِ بنِ مالكِ بنِ جعفرٍ على النبيِّ عَّهِ، فقال عامرٌ: يا محمدُ، أَأَسْلِمُ وأكونُ الخليفةَ من بعدِك؟ قال: (((لا)). قال": فأكونُ على أهلِ الوَبَرِ وأنتَ على أهلِ المَدَرِ؟ قال: ((لا)). قال: فما ذاك؟ قال: (( أُعْطِيك أعِنَّةَ الخيل تُقاتِلُ عليها، فإنك رجلٌ فارسٌ)). قال: أو ليستْ أَعنَّةُ الخيلِ بَيَدِى، أما واللَّهِ لأَمْلأنَّها عليك خيلاً ورجالً(١٢) مِن بنى عامرٍ. و(٤) قال لأربَدَ: إما أن تَكْفِيَتِيه وأضربَه بالسيفِ، وإما أن أكْفِيَكَه وتضربَه بالسيفِ. قال أربدُ: اكْفِيهِ(٥) وأضربُه. فقال الطفيلُ: يا محمدُ ، إن لى إليك حاجةً. قال ((ادْنُ)). فلم يَزَلْ يَدْنُو، (١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥٢/٤، إلى المصنف والخرائطى. (٢ - ٢) سقط من: ت ١، ت ٢، س، ف . (٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف. (٤) سقط من: ص، ت ٢، س. (٥) فى النسخ: ((أكفيكه))، والمثبت ما يقتضيه السياق . ( تفسير الطبرى ٣١/١٣ ) ٤٨٢ سورة الرعد : الآية ١٣ ويقولُ النبىُ عَلَّهِ: ((ادْنُ)). حتى وضَع يَدَيه على ركبتيه، وحنَى عليه، واستلَّ أَرْبَدُ السيفَ، فاسْتَلَّ منه قليلاً؛ فلما رأى النبيُّ عَ لَه بَرِيقَه، تعوَّدْ بآيةٍ كان يَتَعَوَّذُ بها، فيَبِسَتِ يدُ أربدَ على السيفِ ، فبعَثِ اللَّهُ عليه صاعقةً فأخْرَقَتْهُ(١) ، فذلك قولُ (٢) أخيه(٢) : أَرْهَبُ نَوْءَ السماكِ والأَسَدِ أخشى على أَرْبَدَ الحتوفَ ولا ـغارسِ يومَ الكريهةِ النَّجُدِ(٤) فجَّعَنى البرقُ(٢) والصواعقُ بالـ وقد ذكرتُ قبلُ خبرَ عبد الرحمنِ بنِ زيدٍ بنحوِ هذه القصةِ . وقولُه: ﴿وَهُمْ يُجَدِلُونَ فِ اللَّهِ﴾. يقولُ: وهؤلاء الذين أصابهم اللَّهُ بالصواعقِ، أصابهم بها(١) فى حالٍ خُصومتِهم فى اللَّهِ عزَّ وجلَّ لرسولِه ◌ِ له . وقولُه: ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْحَالِ ﴾. يقولُ تعالى ذكره: واللّهُ شديدةٌ مُماحلتُه فى عقوبةِ مَن طغَى عليه وعَتَا، وتمادى فى كفرِهِ. والمِحالُ مصدرٌ مِن قولِ القائلِ : ما حَلتُ فلانًا. فأنا أُماحِلُه ◌ُماحلةً ومِحالًا، وفَعَلْتُ منه: مَحَلتُ أَمْحَلُ محْلًا: إذا عرّض رجلٌ رجلًا لما يُهْلِكُه؛ ومنه قولُهُ(٧): ((وماحلٌ مُصَدَّقٌ))(٨)؛ ومنه قولُ أعشى (١) فى ص: ((فاحترق)). (٢) البيتان للبيد بن ربيعة وقد تقدما فى ص ٤٧٠. (٣) فى الديوان، وفيما تقدم الموضع السابق: ((الرعد)). (٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥٢/٤ إلى المصنف وأبى الشيخ . (٥) انظر ما تقدم فى ص ٣٧٩ . (٦) سقط من : م. (٧) أى: قول النبى معَّائه . (٨) هذا جزء من حديث أخرجه ابن حبان فى صحيحه (١٢٤ - إحسان) من حديث جابر بلفظ: ((القرآن مشفع، وماحل مصدق ... )). ٤٨٣ سورة الرعد : الآية ١٣ ،(١) بنى ثعلبةً(١) : ــدٍ غزيرُ النَّدى شديدُ المِحالِ(٢) ١٢٧/١٣ / فَرْعُ نَبْعِ يَهْتَزُّ فى غُصُنِ المجـ هكذا كان يُنْشِدُه مَعْمرُ بنُ المثنَّى، فيما حُدِّثتُ عن (١) علىِّ بنِ المغيرةِ عنه، وأما الرواةُ بعدُ فإنهم يُنشِدُونه : ـدِ كثيرُ النَّدى عظيمُ المِحَالِ فرعُ فرعِ يَهْتَرُّ فى غُصُنِ المجـ وفسَّر ذلك مَعمرُ بنُ المثنى، وزعم أنه عَنَى به العقوبةَ والمكرَ والنكالَ ؛ ومنه قولُ الآخرِ (٩) : ولبَّس بينَ أقوام فكلٌّ أعدَّ له الشَّغازِبَ() والمِحالا وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ . ذكرُ مَن قال ذلك [١٣٠/٢و] حدَّثنى المُثُنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ هاشم، قال : ثنا سيفٌ ، عن أبى رَوْقٍ، عن أبى أيوبَ، عن علىِّ رضِى اللَّهُ عنه: ﴿ وَهُوَ شَدِيدُ اَلِحَالِ﴾، قال: شديدُ الأخذِ(٨). (١) هو ميمون بن قيس الملقب بالأعشى الكبير، والبيت فى ديوانه ص ٧. ومجاز القرآن ٣٢٥/١، واللسان (م ح ل). (٢) النبعُ: شجر صلب تتخذ منه القِسئُّ ومن أغصانه السهام ، ينبت فى قُلة الجبل: أى أعلاه. والندى : الكرم، والمحال: العقوبة والمكر. ديوان الأعشى الكبير ص ٧، والوسيط (ق ل ل). (٣) فى م: ((على)). (٤) فى ص: ((اهتزّ)). (٥) فى ت ٢: (( كبير)). (٦) هو ذو الرمة، والبيت فى ديوانه ٣/ ١٥٤٤. (٧) الشغازب: الكيد والخصومة. ديوان ذى الرمة ٣/ ١٥٤٤. (٨) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥٣/٤، إلى المصنف. ٤٨٤ سورة الرعد : الآية ١٣ حدَّثنا أحمدُ بنُ إِسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبى يحيى، عن مجاهدٍ: ﴿ وَهُوَ شَدِيدُ الْحَالِ﴾. قال: شديدُ القوَّةِ(١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْحَالِ ﴾. أى: القوَّةِ والحيلةِ(٢) . حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الحسنِ: ﴿شَدِيدُ اَلِحَالِ ﴾. يعنى الهلاكَ، قال: إذا محَل فهو شديدٌ . وقال قتادةُ : شديدُ الحيلةِ(١٢). حدَّثْنى الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا رجلٌ، عن عكرمةَ: ﴿ وَهُمْ يُجَدِلُونَ فِ اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْحَالِ﴾. قال(٤): جدالُ أَرْبَدَ، ﴿ وَهُوَ شَدِيدُ اْحَالِ﴾. قال: ما أصاب أربدَ مِن الصاعقةِ . حدَّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريج: ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْحَالِ﴾. قال: قال ابنُ عباسٍ: شديدُ الحَوْلِ(٥). حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَهُوَ شَدِيدُ اَلِحَالِ ﴾. قال: شديدُ القُوَّةِ، المِحالُ: القوَّةُ. والقولُ الذى ذكّرناه عن قتادةَ فى تأويلِ المِحالِ أنه الحيلةُ ، والقولُ الذى ذكره (١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥٣/٤ إلى ابن أبى حاتم. (٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥٣/٤، إلى عبد الرزاق وابن أبى حاتم وأبى الشيخ. (٣) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٣٣٣/١، عن معمر به. ووقع فى تفسير عبد الرزاق: ((قتادة)) بدل ((الحسن))، وهو خطأ. وإسناد معمر عن الحسن من الأسانيد الدوارة . (٤) بعده فى م: ((المحال)). وهو مقحم فى الكلام. (٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥٣/٤ إلى المصنف . ٤٨٥ سورة الرعد : الآية ١٣، ١٤ ابنُ جريج عن ابنِ عباسٍ يَدُلان على أنهما كانا يقرأان: (وهُوَ شَدِيدُ المَحَالِ ) بفتح الميم؛ لأن الحيلةَ لا يأتى مصدرُها مِحالًا بكسرٍ الميم، ولكن قد يأتى على تقديرٍ المَفْعَةِ منها ، فيكونُ مَحالةً، / ومن ذلك قولُهم: المرءُ يَعْجِزُ لا مَحالةً . والمحالةُ فى هذا الموضع المفْعَلةُ من الحيلةِ . فأما بكسرِ الميم، فلا تكونُ إلا مصدرًا من: ماحَلتُ فلانًا أُماحِلُه مِحالًا . والمماحلةُ بعيدةُ المعنى مِن الحيلةِ ، ولا أعلمُ أحدًا قرأه بفتحِ الميم . ١٢٨/١٣ فإذ كان ذلك كذلك، فالذى هو أولى بتأويل ذلك ما قلنا مِن القولِ . القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْمَنُّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ، لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَىْءٍ إِلَّ كَبَسِطِ كَفَّتَّهِ إِلَى الْمَآءِ لِبَلُغَ فَهُ وَمَا هُوَ بِبَلِهٍ، وَمَا دُعَّهُ الْكَفِينَ إِلَّا فِ ضَلَلٍ ١٤ يقولُ تعالى ذكره: للَّهِ مِن خلقِه الدعوةُ الحقُّ. والدعوةُ هى الحقُّ، كما أُضِيفت الدارُ إلى الآخرةِ فى قولِه: ﴿ وَلَدَارُ الْآَخِرَةِ﴾. وقد بيَّنا ذلك فيما مضَى(٢) . وإنما عنَى بالدعوةِ الحقِّ توحيدَ اللَّهِ ، وشهادة أن لا إلهَ إلا اللَّهُ. وبنحوِ الذى قلنا تأؤَّله أهلُ التأويلِ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ ، قال: ثنا إِسرائيلُ، عن سماكٍ ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾. قال: لا إلهَ إلا اللَّهُ(٣). (١) فى ت ٢، س: ((تدعون)) وهذه قراءة اليزيدى عن أبى عمرو بن العلاء. ينظر البحر المحيط ٣٧٦/٥. (٢) ينظر ما تقدم فى ٣٨١، ٣٨٢. (٣) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٣٣٤/١، والطبرانى فى الدعاء (١٥٨٠)، والبيهقى فى الأسماء = ٤٨٦ سورة الرعد : الآية ١٤ حدَّثنَى الْمُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنى معاويةُ ، عن علىّ ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَيّ﴾. قال: شهادةُ أن لا إلهَ إلا اللَّهُ(١). قال : ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ هاشم، قال: ثناسيفٌ، عن أبى رَوْقٍ، عن أبى أيوبَ، عن علىّ رضِى اللَّهُ عنه: ﴿لَمُ دَعْوَةُ الْحَيّ﴾. قال: التوحيدُ(٢). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَمُ دَعْوَةٌ اٌلْحَقُّ﴾. قال: لا إلهَ إلا اللَّهُ(٢). حدَّثُنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال : ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريج، قال : قال ابنُ عباسٍ فى قولِهِ: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَيُّ﴾. قال: لا إلهَ إلا اللَّهُ. حدَّثنى يونسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُّ زيدٍ فى قوله: ﴿لَعُ دَعْوَةٌ اَلْحَقُّ﴾: لا إلهَ إلا اللَّهُ، ليست تَنْبَغى لأحدٍ غيرِهِ، لا يَنْتَغى أن يقال: فلانٌ إِلهُ بنى(١) فلانٍ(٢) . وقولُه: ﴿ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِء﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: والآلهةُ التى يَدْعونها المشركون أربابًا وآلهةً. وقولُه: ﴿مِن دُونِهِ﴾. يقولُ: مِن دونِ اللَّهِ. وإنما عنَى بقوله: ﴿مِن دُونِهِ﴾ الآلهةَ، أنها مقصِّرةٌ عنه، وأنها لا تكونُ إلهًا ، ولا يجوزُ أن يكونَ إِلهَا إلا اللَّهُ الواحدُ القهارُ، ومنه قولُ الشاعرِ(٤) : = والصفات (٢٠٤) من طريق إسرائيل به، والطبرانى فى الدعاء (١٥٨١) من طريق آخر عن سماك به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥٣/٤ إلى الفريابى وابن المنذر وابن أبى حاتم وأبى الشيخ . (١) أخرجه الطبرانى فى الدعاء (١٥٨٢) من طريق عبد الله بن صالح به . (٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥٣/٤ إلى المصنف وأبى الشيخ. (٣) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((اين)) وهو خطأ . (٤) هو جرير بن عطية الخطفى والبيت فى ديوانه ١/ ٤٢٩، ومجاز القرآن ٣٢٦/١. ٤٨٧ سورة الرعد : الآية ١٤ ١٢٩/١٣ كَذَبتَ لتَقْصُرَنَّ يدَاكِ دُونی / أتُوعدُنى وراءَ بنى رِياحٍ يعنى : لتَقْصُرنَّ يَداكُ عِنِّى . وقولُه: ﴿لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَىْءٍ﴾﴾. يقولُ: لا تُجِيبُ هذه الآلهةُ التى يَدْعُوها هؤلاء المشركون آلهةٌ ، بشىءٍ يُريدونه، مِن نفع أو دفع ضُرّ، ﴿إِلَّا كَبَسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ﴾. يقولُ: لا يَنْفَعُ داعىَ الآلهةِ دعاؤه إِيَّاها، إلا كما يَنْفَعُ باسطَ كَفَّيه إلى الماءِ بسطُه إياهما(١) إليه مِن غيرِ أن يَرْفعَه إليه فى إناءٍ (١، ولكن ليرتفِعَ إليه (٤) بدعائِه إياه (٥) ، وإشارته(٢) إليه، وقبضِه(٧) عليه، والعربُ تَضْرِبُ لمن سعَى فيما لا يُدْرِكُه مثلًا بالقابضِ على الماءِ، كما قال بعضُهم(٨) : كقابضٍ ماءٍ لم تَسِقْهُ(٩) أنامِلُه فإنى وإياكم وشَوْقًا إليكُمْ يَغْنى بذلك: أنه ليس فى يدِه مِن ذلك، إلا كما فى يدِ القابض على الماءِ؛ لأن القابضَ على الماءِ لا شىءَ فى يدِه. وقال آخَرُ (١٠): (١) ينظر مجاز القرآن ٣٢٦/١. (٢) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((إياها)). (٣) بعده فى ص، ت ٢، س: ((أو)). (٤) فِى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((الله)). (٥) بعده فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((إليه)). (٦) فى ص، ت ٢، س، ف: ((وأشار به)) . (٧) سقط من: ص، ف. (٨) هو ضابُ بنُ الحارث البرمجمى، والبيت فى مجاز القرآن ٣٢٧/١، والخزانة ٣٢٣/٩ وفى الخزانة ((تُطِعه)» مکان «تَسقْه)). (٩) تَسِقْه من الوسق، والوسق مصدر وسقت الشىء: جمعته وحملته . (١٠) هو أبو دَهْتَل الجُمحى، والبيت فى ديوانه ص ١١٥، والأغانى ١٣٩/٧، والدر الفريد ١٢٩/٤، الزهرة ١٨٣/١ ونسب فيه للأحوص ولا يصح. ٤٨٨ سورة الرعد : الآية ١٤ " مِن الوُدِّ مثلَ القابض الماءَ باليدِ فأصبحتُ ممّا كان بينى وبينَها [١٣٠/٢ظ] وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى المُنَّى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال: ثنا سیفٌ ، عن أبی رَوْقٍ ، عن أبى أيوبَ ، عن علىِّ رضِى اللَّهُ عنه فى قوله: ﴿إِلَّ كَبَسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَآءِ لِبَلْغَ فَهُ وَمَا هُوَ بِكَلِغِهِ، ﴾. قال: كالرجلِ العطشانِ يَمُدُّ يدَه إلى البئرِ ليَرتَفِعَ الماءُ إليه، وما هو (٢) ببالغِه(٢) . حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ ، قال: ثنا شبَابةُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه. ﴿ كَبَسِطِ كَفَّتِهِ إِلَى الْمَآءِ﴾: يدعو الماءَ بلسانِه ، ويشير إليه بيده ، ولا يأتيه أبدًا (٣). قال: ثنا حجاجٌ، عن ابن جريج، قال: أخبرَنى الأعرج، عن مجاهدٍ: ﴿لِيَلُغَ فَاهُ﴾: يَدْعوه ليأتيه ، وما هو بآتيه ، كذلك لا) يَستجيبُ مَن هو دونَه . /حدّثنی محمدُ بنُ عمرو، قال : ثنا أبو عاصم، قال : ثنا عیسی ، عن ابنِ أبی ١٣٠/١٣ نجيح، عن مجاهدٍ: ﴿كَبَسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَآءِ﴾: يَدْعو الماءَ بلسانِه ، ويُشِيرُ إِليه بيدِه ، فلا يأتيه أبدًا . حدَّثنى المُنَّى ، قال: ثنا أبو حذيفةً، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنٍ أبى نجيحٍ، عن (١ - ١) فى مصادر التخريج: ((سوى ذكرها كالقابض)). (٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥٣/٤ إلى المصنف . (٣) تفسير مجاهد ص ٤٠٥، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥٣/٤ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبى حاتم. (٤) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف. ٤٨٩ سورة الرعد : الآية ١٤ مجاهدٍ ؛ قال: وثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ ، قال: ثنا وَرْقَاءُ، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثله . حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريجٍ، عن مجاهدٍ ، مثلَ حديثِ الحسنِ، عن حجاجٍ . قال ابنُ جريجٍ: وقال الأعرج، عن مجاهدٍ: ﴿ لِبَّلُغَ فَاءُ﴾. قال: يَدْعوه لأنْ يأتيَه ، وما هو بآتيه، فكذلك لا يَسْتَجيبُ مَن (١) دونَه . حدَّثْنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ، لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَىْءٍ إِلَّ كَبَسِطِ كَفَّتِهِ إِلَى الْمَاءِ لِتَلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بَِالِهِ ﴾ . وليس ببالغِه حتى يَتَمَزَّعَ عنقُه، ويَهْلِكَ عَطَشًا. قال اللّهُ تعالى: ﴿وَمَا دُعَُّ اُلْكَفِرِينَ إِلَّا فِى ضَلَلٍ ﴾. هذا مَثَلٌ ضرَبه اللَّهُ؛ أى هذا الذى يَدْعو مِن دونِ اللهِ هذا الوَثَنَ وهذا الحَجَرَ، لا يَستَجيبُ له بشىءٍ أبدًا، ولا يَسُوقُ إليه خيرًا ، ولا يَدْفَعُ عنه سوءًا، حتى يأتيه الموتُ، كمثَلٍ هذا الذى بسَط ذراعَيْهِ إِلى الماءِ ليَبْلُغَ فاه ، ولا يَبْلُغُ فاه ، ولا يَصِلُ ذلك إليه، حتى يموتَ عَطَشًا(٢) . وقال آخرون : معنى ذلك : والذين يَدْعون مِن دونِه لا يَسْتَجِيبون لهم بشىءٍ ، إلا كباسطٍ كفَّيْه إلى الماءِ؛ ليتناولَ خيالَه فيه، وما هو يبالغ ذلك . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى المُنَّى ، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال : ثنى معاويةُ ، عن على بن أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قوله: ﴿ كَبَسِطِ كَفَتِهِ إِلَى الْمَآءِ لِتَلُغَ فَاهُ ﴾. فقال: هذا مَثَلُ (١) بعده فى م: ((هو)). (٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥٣/٤ إلى المصنف وأبى الشيخ. ٤٩٠ سورة الرعد : الآية ١٤ المشركِ مع اللَّهِ غيرَه، فمثَلُه كمثَلِ الرجلِ العطشانِ الذى يَنْظُرُ إلى خيالِه فى الماءِ مِن بعيدٍ ، فهو يريدُ أن يَتَناولَه ولا تَقْدِرُ عليه(١). وقال آخرون فى ذلك ما حدَّثنی به محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی أبی ، قال: ثنی عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ، لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَىْءٍ﴾ إلى: ﴿ وَمَا دُعَّهُ الْكَفِرِينَ إِلَّا فِ ضَلَالٍ﴾. يقولُ: مَثَلُ الأوثانِ الذين يُعْبَدُون مِن دونِ اللَّهِ ، كمثلٍ رجلٍ قد بلَغه العَطَشُ، حتى كرَبه الموتُ، وكفَّاه فى الماءِ قد وضَعهما لا يَتْلغان فاه . يقولُ اللَّهُ: لا تَشْتجيبُ له(٢) الآلهةُ، ولا تَنْفَعُ الذين يَعْبُدونها ، حتى يَبْلُغَ كفَّ هذا فاه، وما هما ببالغتَين فاه أبدًا . حدَّثنى يونسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ، لَا يَسْتَجِبُونَ لَهُم بِشَىْءٍ إِلَّ كَبَسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَآءِ لِتَلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بَلِغِهِ، ﴾. قال: لا يَنْفعونهم بشىءٍ إلا كما يَنْفَعُ هذا بكفَّيه، يعنى بَسْطَهما إلى ما لا يُنالُ أبدًا . وقال آخرون فى ذلك ما حدَّثنا به محمدُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال : ثنا محمدُ بنُ ثورٍ ، عن معمرٍ، عن قتادةً: ﴿إِلَّا كَبَسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِتَلُغَ فَاهُ﴾ وليس الماءُ ببالغٍ ١٣١/١٣ فاه ما قام باسطًا كفَّيْه لا يَقْبِضُهما، ﴿ وَمَا / هُوَ بِبَلِفِ، وَمَا دُعَّهُ الْكَفِرِينَ إِلَّا فِى ضَلٍ ﴾. قال: هذا مَثَلٌ ضرَبه اللَّهُ لمن اتخَذ مِن دونِ اللَّهِ إلهًا أنه غيرُ نافِعِه، ولا يَدْفَعُ عنه سوءًا ، حتى يموتَ على ذلك(٤). (١) أخرجه ابن أبى حاتم - كما فى تغليق التعليق ٢٣٠/٤ - من طريق أبى صالح به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥٣/٤ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ. (٢) سقط من : ص، م. (٣) كذا فى النسخ، وفى تفسير عبد الرزاق: ((مادام)). (٤) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٣٣٤/١، عن معمر به . ٤٩١ سورة الرعد : الآية ١٤، ١٥ وقولُه: ﴿ وَمَا دُعَّهُ الْكَفِرِينَ إِلَّا فِ ضَلَالٍ﴾. يقولُ: وما دعاءُ مَن كَفَر باللَّهِ ما يَدْعو مِن الأوثانِ والآلهةِ، ﴿إِلَّا فِي ضَلَلٍ﴾. يقولُ: إلا فى غيرِ استقامةٍ ولا هُدِّى؛ لأنه يُشْرِكُ باللَّهِ . القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهَا وَظِلَلُهُمْ بِلْغُدُوِّ وَالْأَصَالِ الشَّـ يقولُ تعالى ذكرُه: فإن امتنع هؤلاء الذين يَدْعون مِن دونِ اللَّهِ الأوثانَ والأصنامَ للَّهِ شركاءَ؛ من إفرادِ الطاعةِ وإخلاصِ العبادةِ له، فللهِ يَسْجُدُ مَن فی السماواتِ مِن الملائكةِ الكرامِ، ومَن فى الأرضِ مِن المؤمنين به طوعًا، فأما الكافرون به ، فإنهم يَسْجُدون له كَرْها حينَ يُكْرَهون [١٣١/٢و] على السجودِ. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾. فأما المؤمنُ فيَسْجُدُ طائعًا، وأما الكافرُ فَيَسْجُدُ كارِهًا(١). حدَّثنى المُنَّى، قال: ثنا سويدٌ، قال: أخبرنا ابنُ المباركِ ، عن سفيانَ ، قال : كان ربيعُ بنُ خُثَيم إذا تلا هذه الآيةَ: ﴿ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ طَوَعًا وَكرهًا﴾ . قال : بلى يا ربّاه(١) . حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِهِ: ﴿ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهَا﴾. قال: مَن دخَل طائعًا هذا طوعًا، وكَرْهًا مَن لم يَدخُلْ إلا بالسيفِ(٢) . (١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥٤/٤ إلى المصنف وابن أبى حاتم وأبى الشيخ. (٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥٤/٤ إلى المصنف. ٤٩٢ سورة الرعد : الآية ١٥ وقولُه: ﴿ وَظِلَلُهُم بِالْغُدُوِ وَالْأَصَالِ﴾. يقولُ: ويَسْجُدُ أيضًا ظلالُ كلِّ مَن سجَد للَّهِ طوعًا وكَوْهًا، بالغَدَواتِ والعَشَايا، وذلك أن ظِلَّ كلّ شخصٍ فإنه يَفىءُ بالعشىِّ، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شَىْءٍ يَنَفَيَّوْاْ ظِلَلُهُ عَنِ اَلْيَمِينِ وَالشَّمَآئِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾ [النحل: ٤٨]. وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی ابی ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قوله: ﴿وَظِلَلُهُمْ بِلْغُدُقِّ وَالْأَصَالِ﴾. يَعْنى: حينَ يَفِىءُ ظلُّ أحدِهم عن يمينه أو شمالِه(١). حدَّثنى المُثُنَّى ، قال : ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ الزييرِ، عن سفيانَ ، قال فى تفسيرِ مجاهدٍ : ﴿ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَلُهُم ◌ِلْغُدُوِّ وَلْأَصَالِ﴾. قال: ظِلُّ المؤمنِ يَسْجُدُ طوعًا وهو طائعٌ، وظِلُّ الكافرِ يَشْجُدُ طوعًا(٢ (٣) وهو کارٍةٌ(٣). حدَّثنى يونسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿وَظِلَلُهُم بِالْغُدُوِّ وَالْأَصَالِ﴾. قال: ذُكِر أن ظلالَ الأشياءِ كلِّها تسجدُ له، وقرأ: ﴿سُجَّدًا لِلّهِ وَهُمْ دَخِرُونَ ﴾ [النحل: ٤٨]. قال: تلك الظلالُ / تَسْجُدُ للَّهِ(٤). ١٣٢/١٣ (١) تفسير سفيان ص ١٥٣، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥٤/٤ إلى المصنف وابن أبى حاتم . (٢) فى مصدرى التخريج: ((كرها)). (٣) ذكره القرطبى فى تفسيره ٩/ ٣٠٢، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥٣/٤، ٥٤ إلى المصنف وابن المنذر . (٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥٤/٤ إلى المصنف وابن أبى حاتم . ٤٩٣ سورة الرعد : الآية ١٥، ١٦ والآصالُ جمعُ أُصُلٍ، والأُصُلُ : جمعُ أصيلٍ، والأصيلُ : هو العَشِىُّ، وهو ما بينَ العصرِ إلى مغربِ الشمسِ؛ قال أبو ذؤَّيبٍ(١) : وأَقْعُدُ(٢) فى أفيائِه(٣) بالأصائلِ العَمْرِى لأَنتَ البيتُ أُكرِمُ أهْلَه القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِّن دُونِ أَوْلِيَّءَ لَا يَعْلِكُونَ لِأَنْسِ نَفْعَا وَلَا ضَرَّاً﴾ . يقولُ تعالى ذكرُه لنبِّه محمدٍ عَّه: قل يا محمدُ لهؤلاء المشركين باللّهِ: مَنْ ربُّ السماواتِ والأرضِ ومدبرُها، فإنهم سيقولون: اللَّهُ. وأَمَر اللَّهُ نبيَّه عَِّلٍ أن يقولَ: اللَّهُ. فقال له : قلْ يا محمدُ: ربُّها الذى خلَقَها وأنشأَها، هو الذى لا تَصْلُغُ العبادةُ إلا له، وهو اللَّهُ. ثم قال: فإذا أجابوك بذلك، فقُلْ لهم: أفاتَّخَذْتم مِن دونٍ ربِّ السماواتِ والأرضِ أولياءَ لا تَمْلِكُ لأنفسِها نفعًا تَجْلِبُه إلى نفسِها، ولا ضَرًّا تَدْفَعُه عنها، وهى إذ لم تَمْلِكْ ذلك لأنفسِها، فمِنْ مِلكِهِ لغيرِها أبعدُ(٤) ، فعبَدُموها وترَكثُم عبادةَ مَن بيدِه النفعُ والضَّرُّ، والحياةُ والموتُ، وتدبيرُ(٥) الأشياءِ كلِّها ! ثم ضرّب لهم جلَّ ثناؤُه مثلًا فقال: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾. القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ نَسْتَوِى اُلُّلُمَتُ وَاَلْتُوِّ ◌َمْ جَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَّةَ خَلَفُواْ كَخَلْقِهِ، فَتَشَبَّهَ الْخَلَقُ عَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَلِقُ كُلِّ شَىْءٍ وَهُوَ اُلْوَجِدُ اُلْقَهَّرُ (١) ديوان الهذليين ١/ ١٤١، وشرح الديوان ١/ ١٤٢. (٢) فى الديوان: ((أجلس)). (٣) أفيائه: جمع فىء؛ وهو ما كان شمسًا فنسخه الظل. اللسان (ف ى أ). (٤) فى ص، ت ٢، س: (( بعد ) . (٥) فى ت ١، ت ٢، س، ف: ((يدبر). ٤٩٤ سورة الرعد : الآية ١٦ يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ مِ ◌ّهِ: قل يا محمدُ لهؤلاء المشركين الذين عبَدوا مِن دونِ اللَّهِ الذى بيدِه نفعُهم وضَرُهم، ما لا يَنْفَعُ ولا يَضُرُّ: هل يَسْتَوى الأعمى الذى لا يُنْصِرُ شيئًا، ولا يَهْتدى لمحََّةٍ يَسْلُكُها، إِلا بأن يُهْدَى، والمصيرُ الذى يَهدى الأعمى لمحجَّةِ الطريقِ الذى لا يُتْصِرُه ، إنهما لا شكَّ لَغَيرُ مستوِيَين، يقولُ : فكذلك لا يَسْتَوى المؤمنُ الذى يُنْصِرُ الحقَّ فِيَتْبَعُه، ويَعْرِفُ الهُدَى فِيَسْلُكُه؛ وأنتم أيها المشركون، الذين لا تَعْرِفون حقًّا، ولا تُبْصِرون رُشدًا . ١٣٣/١٣ /وقولُه: ﴿أَمْ هَلْ تَسْتَوِى اُلُّلُمَتُ وَالنُّورَّ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وهل تَسْتَوَى الظُّلُماتُ التى لا تُرَى فيها المَحَجَّةُ فتُسْلَكَ، ولا يُرَى فيها السبيلُ فيُركَبَ ، والنورُ الذى تُبصَرُ به الأشياءُ، ويَجلو ضوءُه الظلامَ؟ يقولُ: إِنَّ هذين لا شكَّ لَغَيرُ مستوِيَين، فكذلك الكفرُ باللَّهِ إنما صاحبُه منه فى خَيْرةٍ، يَضْرِبُ أبدًا فى غَمْرةٍ لا يَرْجِعُ منه إلى حقيقةٍ، والإيمانُ باللَّهِ صاحبُه منه فى ضياءٍ، يَعمَلُ على علمٍ بربِّه، ومعرفةٍ منه بأنَّ له [١٣١/٢ظ] مُثيبًا يُتِبُه على إحسانِه، ومعاقِبًا يُعاقبُه على إساءتِه، ورازقًا يَرْزُقُه ، ونافعًا يَنْفَعُه . وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى المُنَّى، قال : ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنٍ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ : ﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الْأَعْمَىِ وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ نَسْتَوِى الْقُلُمَتُ وَالُورِ﴾: أما الأعمى والبصيرُ، فالكافرُ والمؤمنُ، وأما الظلماتُ والنورُ، فالهُدى والضلالةُ(١). (١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥٤/٤ إلى المصنف. ٤٩٥ سورة الرعد : الآية ١٦ وقولُه: ﴿أَمَّ جَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَّكَ خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ، فَتَشَبَهَ الْخَلْقُ عَلَهِمَّ﴾ . يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ عَ ◌ّهِ: قل يا محمدُ لهؤلاءِ المشركين: أَخلَق أوثانُكم التى اَّخَذْتُوها أولياءَ مِن دونِ اللَّهِ خلْقًا كخلقِ اللَّهِ، فاشْتَبَه عليكم أمرُها فيما خلَقتْ وخلقَ اللَّهُ، فجعَلتُموها له شركاءَ مِن أجلِ ذلك، أم إنما بكم الجهلُ والذَّهابُ عن الصوابِ؟ فإنه لا يُشْكِلُ على ذى عقلٍ أن عبادةَ ما لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ مِن الفعلِ جهلٌ، وأن العبادةَ إنما تَصْلُحُ للذى يُوْجَى نَفْعُه، ويُخْشَى ضَرُه، كما أن ذلك غيرُ مُشكِلٍ خطؤُه وجهلُ فاعلِه، كذلك لا يُشْكِلُ جهلُ مَن أُشرَك فى عبادةٍ مَن يَرْزُقُه ويَكْفُلُه ويُونُه، عبادةَ مَن لا يَقْدِرُ له على ضَرِّ ولا نفع . وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال بعضُ أهلِ التأويلِ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنٍ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَمْ جَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَّكَّةَ خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ ﴾ : حمَلهم ذلك على أن شَكُوا فى الأوثانِ(١). حدَّثنى المُنَى ، قال: ثنا إسحاقُ ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن ورقاءَ، عن ابنٍ أبى نجيحِ، عن مجاهدٍ مثلَه . حدَّثنا القاسمُ، قال : ثنا الحسينُ ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ نجريجٍ ، عن مجاهدٍ: ﴿أَمْ جَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَةَ خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ، فَتَشَبَهَ اٌلْخَلْقُ عَلَهِمْ﴾ خلقوا كخلقِه (١) تفسير مجاهد ص ٤٠٦، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥٤/٤ إلى ابن أبى شيبة وابن المنذر وابن أبى حاتم وأبى الشيخ . ٤٩٦ سورة الرعد : الآية ١٦، ١٧ فحمَلهم ذلك على أن شكُوا فى الأوثانِ . حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ ، قال: ثنا شبابةُ ، قال : ثنا ورقاءُ، عن ابنٍ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثله . قال : ثنا حجاجٌ ، عن ابنِ جريجٍ ، قال : قال ابنُ كثيرٍ : سمِعتُ مجاهدًا يقولُ : ﴿ أَمَ جَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَةَ خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ، فَتَشَبَهَ اْخَلْقُ عَلَيْهِمْ﴾: ضُرِبَت مثلًا . وقولُه: ﴿قُلِ اَللَّهُ خَلِقُ كُلِّ شَىْءٍ﴾. يَقُولُ تعالى ذكرُه النبيِّه محمدٍ عَّهِ : قلْ لهؤلاءِ / المشركين إذا أَقَرُّوا لك أن أوثانَهم التى أشرَكوها فى عبادةِ اللَّهِ لا تَخْلُقُ شيئًا : فاللَّهُ خالِقُكم وخالِقُ أوثانِكم، وخلق كلٌّ شىءٍ، فما وجهُ إشراكِكم ما لا تَخْلُقُ ولا تَضُرُ(١) ؟ ١٣٤/١٣ وقولُه: ﴿ وَهُوَ اُلْوَحِدُ اٌلْقَهَّرُ﴾. يقولُ: وهو الفردُ الذى لا ثانىَ له ، القهارُ الذى يَشْتَحقُّ الألوهةَ والعبادةَ، لا الأصنامُ والأوثانُ، التى لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ . القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَعَلَ الشَّيْلُ زَبَدًا رَّبِيًّاً وَمِمَا يُوقِّدُونَ عَلَيْهِ فِ النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلِيَةٍ أَوْ مَتَجِ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كَذَلِكَ ج يَضْرِبُ اَللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَطِلُّ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَدَهُ وَأَمَّا مَا يَنَفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِ اٌلْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ قال أبو جعفر: وهذا مَثَلُ ضرَبه اللَّهُ للحقِّ والباطلِ، والإيمانِ به والكفرِ . يقولُ تعالى ذكره : مَثَلُ الحقِّ فى ثباتِه والباطلِ فى اضْمِحْلالِهِ مَثَلُ ماءٍ أَنزَله اللَّهُ مِن السماءِ إلى الأرضِ، ﴿ فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾. يَقُولُ: فاحتَمَلْه الأوديةُ بِمِلْئِها ؛ الكبيرُ بكبرِهِ، والصغيرُ بصِغَرِه، ﴿فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّبِيًّاً﴾. يقولُ: فاحتمَل السيلُ (١) بعده فى ت ١: ((ولا ينفع)). ٤٩٧ سورة الرعد : الآية ١٧ الذى حدَث عن ذلك الماءِ الذى أنزَله اللَّهُ مِن السماءِ زَبدًا عاليًا فوقَ السيلِ. فهذا أحدُ مَثَلَي الحقِّ والباطلِ، فالحقُّ هو الماءُ الباقى الذى أَنزَله اللَّهُ مِن السماءِ، والزَّبَدُ الذى لا يُنتفَعُ به هو الباطلُ . والمثلُ الآخرُ: ( وَمِقَا تُوقُدُونَ (١) عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ). يقولُ جلَّ ثناؤه : ومثلٌ آخرُ للحقِّ والباطلِ ، مَثَلُ فضةٍ أو ذهَبٍ يُوقِدُ عليها الناسُ فى النارِ ؛ طَلَبَ حليةٍ يَتَّخِذُونها، أو متاعٍ، وذلك مِن النُّحاسِ والرَّصاصِ والحديدِ، يُوقَدُ عليه ليتَّخَذَ منه ج متاحٌ يُنْتَفَعُ به، ﴿رَبِدٌ مِثْلُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ومما توقِدون عليه مِن هذه الأشياءِ [١٣٢/٢ و] زَبَّدٌ مثلُه، بمعنى: مثلُ زَبَدِ السيلِ، لا يُنْتَفَعُ به وَيَذْهَبُ باطلًا، كما لا يُنْتَفَعُ برَبَدِ السيلِ وَيَذْهَبُ باطلًا . ورُفِع الزبدُ بقولِه : ( وَمِمَا تُوقُدُونَ (١) عَلَيْهِ فِ النَّارِ). ومعنى الكلامِ: ومما تُوقِدون عليه فى النارِ زبدٌ مثلُ زبَدِ السيلِ فى بُطولِ زبَدِه، وبقاءِ خالصِ الذهبِ والفضةِ . يقولُ اللَّهُ تعالى: ﴿ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَطِلُّ﴾. يقولُ: كما مَثّل اللَّهُ(٢) الإيمانَ والكفرَ فى بطولِ الكفرِ وخيبةِ صاحبِهِ عندَ مجازاةِ اللَّهِ ، بالباقى النافع مِن ماءِ السيلِ وخالصِ الذهبِ والفضةِ، كذلك يُمَثِّلُ اللَّهُ الحقَّ والباطلَ. ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَدَةٍ﴾. يَقُولُ: فأما الزَّبَدُ الذى علا السيلَ والذهب والفضةً والنُّحاسَ والرَّصاصَ عندَ الوقودِ عليها، فَيَذْهَبُ بدفع الرياح، وقذفِ الماءِ به، (١) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((توقدون)) وكذا فى المواضع الآتية ، وسنثبتها بالياء دون إشارة وبالتاء هی قراءة ابن كثير ونافع وأبى عمرو وابن عامر وعاصم فى رواية أبى بكر . وبالياء قرأ حمزة والكسائی وحفص عن عاصم. وهى رواية عن أبى عمرو. السبعة لابن مجاهد ص ٣٥٨، ٣٥٩. (٢) بعده فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((مثل)). ( تفسير الطبرى ٣٢/١٣ ) ٤٩٨ سورة الرعد : الآية ١٧ وتَعَلُّقِه بالأشجارِ وجوانبِ الوادى، ﴿ وَأَمَّا مَا يَنَفَعُ النَّاسَ﴾ مِن الماءِ والذهبِ والفضةِ والرّصاصِ والنُّحاسِ، فالماءُ يَمْكُثُ فى الأرضِ فتشربُه، والذهب والفضةُ تَمْكُثُ للناسِ ، ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾. يَقُولُ: كما مثَّل هذا المثلَ للإيمانِ والكفرِ ، كذلك يُمِّلُ الأمثالَ . /وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ . ١٣٥/١٣ ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال: ثنى معاويةُ، عن علىِّ، عن ابنِ عباسٍ قوله: ﴿أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءٍ فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾: فهذا مثلٌ ضرّبه اللَّهُ، احتَملت منه القلوبُ على قَدْرٍ يقينِها وشكّها، فأما الشكُّ فلا يَنْفَعُ معه العملُ، وأَما اليقينُ فِيَنْفَعُ اللَّهُ به أهلَه؛ وهو قولُه: ﴿فَمَّا الزَّبَّدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءٌ﴾، وهو الشكُّ، ﴿ وَأَمَّا مَا يَنَفَعُ النَّاسَ فَيَمَّكُثُ فِ الْأَرْضَّ﴾، وهو اليقينُ، كما يُجْعَلُ الحُلِىُّ فى النارِ، فيؤخذُ خالصُه ويُتْرَكُ حَبْتُه فى النارِ، فكذلك يَقْبلُ اللَّهُ اليقينَ ويَتْرُكُ (١) الشك ٠ حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى ، قال: ثنى عمى ، قال : ثنى أبى ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّبِيًّاً﴾. يقولُ: احتمَل السيلُ ما فى الوادى مِن عُودٍ ودِمْنةٍ، ﴿ وَمِمَا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِىِ النَّارِ ﴾، فهو الذهب والفضةُ والحِليةُ، ((والمتاعُ)) النّحاسُ(٢) والحديدُ ، (١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٣٦٩/٤، ٣٧٠. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥٤/٤ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبى حاتم وأبى الشيخ . (٢) فى م: ((والنحاس)). ٤٩٩ سورة الرعد : الآية ١٧ وللنَّحاسِ والحديدِ خَبَثٌ، فجعَل اللَّهُ مثَلَ خبَثِهِ كزبدِ الماءِ، ﴿وَأَمَّا مَا يَنَفَعُ النَّاسَ﴾، فالذهب والفضةُ، وأما ما يَنْفَعُ الأرضَ فما شرِبتْ مِن الماءِ فَأَنْبَت ، فجعَل ذلك مَثَلَ العملِ الصالحِ يَتَقَى لأهلِه ، والعملِ السِىَّ يَضْمَحِلُّ عن أهلِهِ، كما يَذْهَبُ هذا الزَّبَدُ ، فكذلك الهُدَى والحقُّ جاء مِن عندِ اللَّهِ ، فمن عمِل بالحقِّ كان له ، وبقِى كما يَتْقَى ما يَنْفَعُ الناسَ فى الأرضِ، وكذلك الحديدُ لا يُشْتَطاُ أن يُجْعَلَ منه سِكِّيْنٌ ولا سيفٌ حتى يُدخَلَ فى النارِ ، فَتَأْكُلَ خَبْثَه ، فَيَخْرُجَ جَيِّدُه ، فيُنْتَفَعَ به ، فكذلك يَضْمَحِلُّ الباطلُ إذا كان يومُ القيامةِ ، وأَقيم الناسُ، وُرِضَت الأعمالُ، فِيَزِيغُ(١) الباطلُ ويَهْلِكُ، ويَنْتَفِعُ أهلُ الحقِّ بالحقِّ، ثم قال: ﴿ وَمِمَا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِى النَّارِ أَبْتِغَاءَ ◌ِلْيَةٍ أَوْ مَتَحِ زَبٌَّ مِثْلْمُ﴾(٢). حدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَةَ، عن أبى رجاءٍ، عن الحسنِ فى قولِه : ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ﴾ إلى ﴿ أَوْ مَتَجِ زَبَدٌ مِّثْلُ ﴾ فقال: ﴿ أَبْتِغَاءَ ج حِيَةٍ﴾: الذهبِ والفضةِ"، ﴿أَوَ مَتَجِ﴾: الصُّفْرِ) والحديدِ. قال: كما أُوقِدَ على الذهبِ والفضةِ والصُّفْرِ والحديدِ، فخلَص خالِصُه، قال: ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ اُلْحَقَّ وَالْبَطِلُّ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءٍ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِ اُلْأَرْضِ﴾، كذلك بقاءُ الحقِّ لأَهلِه فانْتَفَعوا به (٥) . حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدِ الزَّعفرانىُ ، قال: ثنا حجاج بنُ محمدٍ ، قال : قال ابنُ (١) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((فيرفع)). (٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٤/ ٣٧٠. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥٥/٤ إلى المصنف وابن أبى حاتم . (٣ - ٣) فى ص، ت ٢، ف: ((أو الفضة)). (٤) الصفر: النحاس الأصفر. الوسيط (ص ف ر). (٥) سقط من: م. والأثر عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥٦/٤ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبى حاتم وأبى الشيخ . ٥٠٠ سورة الرعد : الآية ١٧ جريج: أخبرنى عبدُ اللَّهِ بنُ كثيرٍ، أنه سمِع مجاهدًا يقولُ: ﴿أَنَزَّلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءَ فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾. قال: ما أطاقت مِلْأَها، ﴿فَأَحْتَمَلَ الشَّيْلُ زَبَدًا رَِّيًا﴾ . قال : انْفَضَى الكلامُ، ثم اسْتَقْبَل فقال: ( وَمِمَا تُوقُدونَ عَلَيْهِ فِىِ النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ ج ج مَتَعِ زَبَدٌ مِثْلُهُ). قال: المتاعُ الحديدُ والنُّحاسُ والرَّصاصُ وأشباهُه. ﴿رَبَدٌ مِثْلُ﴾﴾. قال: حَبَثُ ذلك مثلُ زبدِ السيلِ. قال: وأمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِى الأرْضِ، وأمَّا الزَّبَدُ فيذهبُ جُفاءً. قال: فذلك مَثَلُ الحقِّ والباطلِ(١). ١٣٦/١٣ حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريجٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ کثیرٍ ، عن / مجاهد أنه سمعه يقول . فذكر نحوه ، وزاد فيه : قال: قال ابنُ جريج: قال مجاهدٌ: قولَه: ﴿فَأَمَّا الزَّدُ فَيَذْهَبُ جُفَاَءٍ﴾. قال: جُمودًا فى الأرضِ، ﴿وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِ اُلْأَرْضِ﴾: يَعْنى الماءَ وهما مَثَلان؛ مَثَلُ الحقِّ والباطلِ . حدَّثنا الحسنُ ، قال: ثنا شبابةُ، قال: ثنا ورقاء، [١٣٢/٢ظ] عن ابن أبى نجيحٍ ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿رَبَدًا رَّبِيَاً﴾: السيلُ(٢) مِثْلُهُ(٢) خَبَثُ الحديدِ والحِلِيةِ ، ﴿ فَيَذْهَبُ جُفََُ﴾: جمودًا فى الأرضِ، ( وَمِمَا تُوقُدونَ عَلَيْهِ فِ النَّارِ أَبْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ ج سَعِ زَبَدٌ مِثْلُهُ). الحديدُ والنُّحاسُ والرَّصاصُ وأشباهُه، وقولُه: ﴿وَأَمَّا مَا يَنَفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِ اُلْأَرْضِ﴾، إنما هما مَثَلان للحقِّ والباطلِ . حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ ، قال : ثنا شبلٌ ، عن ابنِ أبى نجيحِ، عن مجاهدٍ . قال : وثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن ورقاءً، عن ابنِ أبى نجيحٍ ، عن (١) تفسير مجاهد ص ٤٠٦، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥٥/٤ إلى المصنف وأبى عبيد وابن أبى شيبة وابن المنذر وابن أبى حاتم وأبى الشيخ . (٢) كذا فى النسخ. ولعله: ((الزبد)). (٣) فى م: ((مثل)) .