النص المفهرس

صفحات 461-480

٤٦١
سورة الرعد : الآية ١١
السُلطانِ(١) يَكُونُ عليه الحرسُ(٣).
حدَّثنا محمدُ بنُ المُنَى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن
شَرَقِىٌّ ، أنه سمِع عكرمةَ يقولُ فى هذه الآيةِ: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ
خَلْفِهِ﴾ [١٢٧/٢و]. قال: هؤلاء الأمراءُ(٣).
حدَّثنى الحارثُ ، قال : ثنا عبدُ العزيزِ ، قال: ثنا عمرُ بنُ نافع، قال: سمِعتُ
عكرمةَ يقولُ: ﴿لَهُ مُعَقِبَتٌ مِّنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، ﴾. قال : المواكبُ من بينِ يدَيْه
(٥)
ومن خلفِه (٥) .
حُدِّثتُ عن الحسينِ بنِ الفرج، قال : سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدُ بنُ
سليمانَ ، قال: سمِعت الضحاكَ يقولُ) فى قولِه: ﴿لَهُ مُعَقِّبَتُ مِنُ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ
خَلْفِهِ، يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهُ﴾. قال: هو السلطانُ (٧المحترسُ من أمرِ اللَّهِ()، وهم
أهلُ الشركِ(٨) .
وأولى التأويلين فى ذلك بالصوابِ قولُ مَنْ قال: الهاءُ فى قوله: ﴿لَهُ
مُعَقِّبَاتٌ﴾. من ذِكرِ ((مَنْ)) التى فى قوله: ﴿وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِلَّيْلِ﴾. وأن
(١) فى ت ١، ت ٢، س، ف: ((الشيطان)).
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٧/٤ إلى المصنف.
(٣) أخرجه أبو داود فى كتاب القدر، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٢٣٠/٧ (١٢١٩٠) من طريق شعبة به.
(٤) فى م: ((عمرو)). وينظر تهذيب الكمال ٥١٤/٢١.
(٥) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٤/ ٣٦٠.
(٦ - ٦) سقط من: ت ١، ت ٢، س، ف.
(٧ - ٧) فى م: ((المحروس من أمر الله))، وفى ت ١، س، ف: ((المحترس من الله))، وفى ت ٢: ((المحرس من
الله )) .
(٨) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٤/ ٣٦٠.

٤٦٢
سورة الرعد : الآية ١١
المعقباتِ من بین یدیه ومن خلفه ، هی حَرَسُه وجلاوزَتُه ١١ کما قال ذلك من ذكرنا
قولَه .
وإنما قلنا ذلك أولى التأويلين بالصوابٍ؛ لأن قوله: ﴿لَهُ مُعَقِّبَتٌ﴾. أقربُ
إلى قوله: ﴿ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِلَّيْلِ﴾. منه إلى: ﴿عَلِمُ الْغَيْبِ﴾؛ فهى
لقربها منه أولى بأن تكُونَ من ذكْرِه، وأن يكُونَ المعنىُ بذلك هذا، مع دَلالةِ قولٍ
اللَّهِ: ﴿ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَ مَرَدَّ لَهُ﴾. على أنهم المعنِيُّون بذلك، وذلك
أنه جلَّ ثناؤه ذكَر قومًا أهلَ معصيةٍ له وأهلَ رِيةٍ ، يَشْتَخْفُون بالليلِ، ويَظْهَرُون
بالنهارِ ، ويَمْتَنِعُون عندَ أنفسِهم بحرسٍ يَحْرُسُهم، ومَنَعَةٍ تَمْنَعُهم من أهلِ طاعتِهِ ، أن
يَحُولوا بينَهم وبينَ ما يَأْتُون من معصيةِ اللَّهِ ، ثم أخبر أن الله تعالى ذكرُه إذا أراد بهم
سوءًا لم يَنْفَعْهم حرسُهم ، ولا يَدْفَعُ عنهم حِفْظُهم .
وقولُه: ﴿ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهُ ﴾. اختلف أهلُ التأويلِ فى تأويلٍ هذا الحرفِ
على نحوِ اختلافِهم فى تأويل قوله: ﴿لَهُ مُعَقِّبَتٌ﴾. فمَنْ قال: المعقباتُ هى
الملائكةُ. قال: الذين يَحْفَظُونه من أمرِ اللَّهِ هم أيضًا الملائكةُ. ومَنْ قال : المعقباتُ
هى الحرسُ والجلاوزةُ من بنى آدمَ ، قال: الذين يَحْفَظُونه من أمرِ اللَّهِ هم أولئك
الحرس .
واختلفوا أيضًا فى معنى قوله: ﴿مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾. فقال بعضُهم : حِفْظُهم
إياه: من أمرِه. وقال بعضُهم: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهُ﴾: بأمرِ اللَّهِ .
(١) الجلْواز: الشرطى والجمع جَلاوِزة. اللسان (ج ل ز).

٤٦٣
سورة الرعد : الآية ١١
ذكرُ مَن قال: الذين يَحْفَظُونه هم الملائكةُ. ووَجَّه قولَه : بأمر اللهِ. إلى
معنى : أن حفظَها إياه من أمر اللّهِ
حدَّثنى المُثُنَّى ، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال: ثنى معاويةُ، عن علىٍّ ، عن
ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهُ ﴾. يقولُ: بإذنِ اللهِ ، فالمعقِبَاتُ: هى(١
من أمرِ اللَّهِ ، وهى الملائكةُ(٢).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال : ثنا جريرٌ، عن عطاءِ بنِ السائبِ ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ :
يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾. قال: الملائكةُ الحَفَظةُ، وحِفْظُهم إياه من أمرِ اللَّهِ(١)
١١٨/١٣
/ حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ عُبيدٍ ، قال: ثنى عبدُ الملكِ ، عن
ابن عبيدِ اللهِ، عن مجاهدٍ فى قوله: ﴿لَهُ مُعَقِّبَتٌ مِّنُ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، يَحْفَظُونَهُ
مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ﴾. قال: الحَفَظَةُ هم من أمرِ اللَّهِ .
قال : ثنا علىٌّ - يعنى ابنَ عبدِ اللهِ بنِ جعفرٍ - قال : ثنا سفيانُ ، عن عمرو ، عن
ابنِ عباسٍ: ﴿لَهُ مُعَقِّبَتُ مِّنْ بَيْنِ يَدَيْهِ﴾ رقباءُ)، ﴿ وَمِنْ خَلْفِهِ،﴾. من أمرِ اللَّهِ
يَحْفَظُونَهُ﴾(٥).
قال: ثنا عبدُ الوهابِ، عن سعيدٍ ، عن قتادةَ، عن الجارودِ ، عن ابنِ عباسٍ :
(١) فى ت ١، ت ٢، س، ف: ((هو)).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٢٣٢/٧ (١٢١٩٨) من طريق أبى صالح به.
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٧/٤ إلى المصنف .
(٤) سقط من: ت ١، ت ٢، س، ف .
(٥) أخرجه سعيد بن منصور فى سننه (١١٥٩ - تفسير)، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٢٣٠/٧ (١٢١٩١)
من طريق سفيان ، عن عمرو، عن ابن عباس أنه كان يقرأ : ( له معقبات من بين يديه ورقباء من خلفه )، وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ٤٧/٤ إلى ابن المنذر.

٤٦٤
سورة الرعد : الآية ١١
﴿لَمُ مُعَقِّبَاتٌ مِّنْ بَيْنِ يَدَيْهِ﴾. رقيبٌ، ﴿ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾(١).
حدَّثنى الحارثُ ، قال : ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن خُصَیفٍ ، عن
مجاهدٍ : ﴿لَهُ مُعَقِّبَتٌ مِّنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اَللَّهُ﴾. قال:
الملائكةُ من أمرِ اللّهِ.
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال : ثنى حجاجٌ ، عن ابن جريج ، قال : قال
ابنُ عباسٍ: ﴿ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهُ ﴾. قال: الملائكةُ من أمرِ اللَّهِ .
حدَّثنا ابنٌ حميدٍ ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّنُ
بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، يَحْفَُّونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهُ﴾. قال: الحَفَظةُ .
ذكرُ مَن قال: عُنِى بذلك: يَحْفَظُونه بأمرٍ (٢) اللَّهِ
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأُعلى ، قال : ثنا محمدُ بنُ ثورٍ ، عن معمرٍ ، عن قتادةً:
يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ﴾: أى بأمرِ اللَّهِ().
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ
أَمْرِ اللهِ ﴾: وفى بعضِ القراءةِ(٤): (بأمرِ اللَّهِ)(٥).
حدَّثنى المُنُنَّى ، قال : ثنا عمرُو بنُّ عونٍ ، قال: أخبرنا هشيمٌ، عن عبدِ الملكِ ،
(١) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (١١٦٠ - تفسير)، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٢٣٠/٧ (١٢١٩٢)
من طريق عبد الله بن الجارود عن أبيه به مطولًا .
(٢) فى ت ١، ت ٢، س، ف: ((من أمر)).
(٣) تقدم تخريجه فى ص ٤٥٩ .
(٤) فى م: ((القراءات)).
(٥) هى قراءة على بن أبى طالب وابن عباس وعكرمة وزيد بن على وجعفر بن محمد ، وهى قراءة شاذة.
المحتسب ٣٥٥/١، والبحر المحيط ٣٧٢/٥. والأثر عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٧/٤ إلى المصنف.

٤٦٥
سورة الرعد : الآية ١١
عن قيسٍ، عن مجاهدٍ فى قوله: ﴿لَهُ مُعَقِّبَتٌ مِّنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾. قال:
مع كلِّ إنسانٍ حفظةٌ يَحْفَظُونه من أمرِ اللَّهِ .
ذكرُ مَنْ قال: تَحَفَظُه الحرسُ من بنى آدمَ من أمرِ اللَّهِ
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال: ثنى أبى ، قال : ثنى عمى ، قال : ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ الَّهُ﴾. يعنى: ولىُّ السلطانِ(١) يَكُونُ عليه
الحرسُ ، يحفَظُونه من بين يديه ومن خلفه، يَقُولُ اللَّهُ عزَّ وجلَّ: يَحْفَظُونَه من أمرِى،
فإنى إذا أردتُ بقومٍ سوءًا فلا مردّ له، وما لهم من دونِه من والٍ(١) .
حدَّثنى أبو هريرةَ الضُّبَعُ، قال: ثنا أبو قتيبةَ، قال: ثنا شعبةُ(١) ، عن شَرَقِيٍّ ،
عن عكرمةَ: ﴿ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهُ﴾. قال: الجلاوزةُ(٤) .
وقال آخرون : معنى ذلك: يَحْفَظُونه من أمرِ اللَّهِ ، وأمرُ اللَّهِ: الجنُّ ومَنْ يَبْغِى
أذاه ومكروهَه قبلَ مجىءٍ قضاءِ اللَّهِ ، فإذا جاء قضاؤُه خَلَّوا بينَه وبينَه .
/ ذكرُ مَن قال ذلك
١١٩/١٣
حدَّثنى أبو هريرةَ الضُّبَعىُّ، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا ورقاءُ، عن منصورٍ ،
عن طلحةَ، عن إبراهيمَ: ﴿ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ﴾. قال: من الجنِّ(٥).
حدَّثنا سَوَّارُ بنُ عبدِ اللَّهِ ، قال: ثنا المعتمِرُ، قال: سمِعتُ ليثًا يُحَدِّثُ عن
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((الشيطان)).
(٢) تقدم تخريجه فى ص ٤٦١.
(٣) فى النسخ: ((سعيد)). والمثبت هو الصواب. وينظر تهذيب الكمال ٤٣٣/١٢.
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٢٣٠/٧ (١٢١٨٩) من طريق آخر عن عكرمة به .
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٢٣٢/٧ (١٢١٩٩) من طريق أبى هريرة به ، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٤٧/٤ إلى أبى الشيخ .
( تفسير الطبرى ٣٠/١٣ )

٤٦٦
سورة الرعد : الآية ١١
مجاهدٍ أنه قال: ما من عبدٍ إِلا له(١) ملَكٌ مُؤَكَّلٌ بحفظِه فى نومِه ويقظتِه من الجنِّ
والإنسِ والهوامٌّ، فما منهم شىءٌ يأتيه يُرِيدُه، إلا قال: وراءَك. إلا شيئًا يَأْذَنُ اللَّهُ فيه(٢)
(٣)
فیُصِيبُهُ).
حدَّثنا الحسنُ بنُ عرفةَ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ عياشٍ، عن محمدِ بنِ
زيادٍ الأَلْهَانيّ، عن يزيدَ بنِ شُرَيح، عن كعب الأحبارِ ، قال: لو تجلّى لابنِ
آدمَ كلُّ سهلٍ وَزْنٍ، لرأَى على(٤) كلِّ شىءٍ من ذلك شياطينَ(*)، لولا أن اللَّهُ
وَكَّلَ بكم ملائكةٌ يَذُبُّون عنكم فى مطعمِكم ومشربِكم وعوراتِكم، إذنْ
(٦)
لتُخُطِّفتم(٢).
حدَّثنى يعقوبُ ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَةَ، قال: ثنا عمارةُ بنُ أبى حفصةً، عن أبى
مِعْلَزٍ، قال: جاء رجلٌ مِن مُرادٍ إلى علىِّ رضِى اللَّهُ عنه وهو يصلِّى، فقال:
أحترِسْ، فإن ناسًا من مُرادٍ يُرِيدُون قتلَك. فقال: إن مع كلِّ رجل مَلَكين يَحْفَظَانه
مما لم يُقَدَّرْ، فإذا جاء القدَرُ خَلَّيًا بينَه وبينَه ، وإن الأجلَ جُنَّةٌ حصينةٌ(١).
حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ ، قال : ثنا عبدُ الوهابِ ، عن الحسنِ بنِ ذَكوانَ ، عن
أبى غالبٍ، عن أبى أمامةَ، قال: ما من آدمىٌ إلا ومعه مَلَكٌ(٧) يَذُودُ عنه، حتى يُسْلِمَه
للذى قُدِّر له(٦).
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: (( به)).
(٢) سقط من: م.
(٣) تقدم تخريجه فى ص ٤٦٠ .
(٤) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف .
(٥) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: (( شيئًا بعينه)) .
(٦) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٧/٤ إلى المصنف.
(٧) بعده فى م: ((موكل)).

٤٦٧
سورة الرعد : الآية ١١
وقال آخرون : معنى ذلك: يَحْفَظُون(١) عليه من (٢) اللَّهِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريجٍ :
يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾. قال: يَحْفَظُون عليه من اللَّهِ.
قال أبو جعفرٍ : يعنى ابنُ جريج بقولِه: يحفَظُون عليه . الملائكةَ المؤكَّةَ بابن
آدمَ؛ بحفظِ حسناتِهِ وسيئاتِه، وهى المعقِّباتُ عندَنا، تَحْفَظُ على ابنِ آدمَ حسناتِه
وسيئاتِه من أمرِ اللَّهِ. وعلى هذا القولِ يَجِبُ أن يَكُون معنى قوله: ﴿مِنْ أَمْرٍ
اللَّهِ ﴾: أن الحقَظَةَ من أمرِ اللَّهِ، أو تحفَظُ بأمرِ اللَّهِ ، ويجِبُ أن تكونَ الھاءُ التی فی
قوله: ﴿ يَحْفَظُونَهُ﴾. وُحِّدت وذُكِّرت. وهى مرادٌ بها الحسناتُ والسيئاتُ؛ لأنها
كنايةٌ عن ذِكْرِ ((مَن)) الذى هو مستخفٍ بالليلِ، وساربٌ بالنهارِ، وأن يَكُونَ
المستخفى بالليل، أقيم ذكرُه مُقَامَ الخبرِ عن سيئاتِهِ وحسناتِه، كما قيل: ﴿ وَسْئَلِ
الْقَرْيَةَ الَّتِى كُنَا فِهَا وَالْغِيرَ الَّتِىَ أَقْلْنَا فِيهَا﴾ [ يوسف:
وكان عبدُ الرحمنِ بنُ زيدٍ يَقُولُ فى ذلك خلافَ هذه الأقوالِ كلِّها .
حدَّثنى يونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَمَنْ هُوَ
مُسْتَخْفٍ بِالَّيْلِ وَسَارِبٌ بِلنَّهَارِ ﴾. قال: أتى عامرُ بنُ الطفيلِ، وأَرْبَدُ بنُ رَبيعةً(٢)
إلى رسولِ اللهِ مَّهِ، فقال عامر: ما تَجْعَلُ لى إِنْ أنا اتبعتُك؟ قال: ((أَنْتَ فَارِسٌ
(١) فى ت ١، ت ٢، س، ف: ((يحفظونه)).
(٢) بعده فى ت ١، ت ٢: ((أمر)).
(٣) فى ت ١، ت ٢، س، ف: ((زمعة)). وهو أربد بن قيس بن مالك بن جعفر، أخو لبيد بن ربيعة لأمه.
وينظر تاريخ الطبرى ١٤٤/٣، ١٤٥.

٤٦٨
سورة الرعد : الآية ١١
أَعْطِيك أعِنَّةَ الخَيْل)). قال: فقط(١)! قال: ((فما تَبْغِى؟)) قال: لى الشرقُ ولك
١٢٠/١٣ الغربُ. قال: ((لا)). قال: فلى الوَبَرُ، ولك المدَرُ. قال: ((لا)). قال/: لأَمْلَأَتَّها
عليك إذنْ خَيلاً ورجالاً. قال: ((يَمْنَعُكَ اللَّهُ ذَاكَ، (٢ وابنا قَيْلَةَ))(٢). يريدُ الأوسَ
والخزرجَ، قال: فخرَجا، فقال عامرٌ لأَرْبَدَ: إن كان الرجلُ لنا لمُمَكِّنًا (٢)، لو قتلناه ما
انتطحت فيه عنزان، ولَرضُوا بأن نَعْقِلَه لهم، ( وأحبوا السّلمَ"، وكَرِهوا الحربَ إذا
رأَوا أمرًا قد وقَع. فقال الآخرُ: إن شئتَ. فتشاورا، وقال: ارجِعْ وأنا أَشْغَلُه عنك
بالمجادلةِ، وكن ورائِه، فاحمرِئْه بالسيفِ ضربةً واحدةً. فكانا كذلك، واحدٌ وراءَ
النبىّ ◌َ ◌ّهِ، والآخر قال: افصُصْ علينا(٥) قَصصَك. قال: ((ما " تَقُولُ؟)) قال:
قرآنُك). فجعَل يجادِلُه ويَسْتَبِطِفُه، حتى قال له: ما لك حُشِمتَ(٢)؟ قال: وضَعتُ
يدى على قائم سيفى فيبِست (١)، فما قَدَرْتُ على أن أُحْلِىَ ولا أُمِرَ (٩) ولا أحرّكَها .
قال : فخرَجا؛ فلما كانا بالحرَّةِ سمِع بذلك سعدُ بنُ مُعاذٍ وأُسيدُ بنُ حُضَيرٍ ، فخرَجا
إليهما(١١) ، على كلِّ واحدٍ منهما لأَمَتُه، ورمُحه بيدِه، وهو متقلّدٌ سيفَه، فقالا لعامرِ بنِ
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((أقط))، وفى م: ((لا))، والمثبت من مصدر التخريج.
(٢ - ٢) فى م: ((أبناء قيلة))، وفى ت ١، ت ٢، س: ((ابن قيلة))، وفى الدر: (( وأتيا قبيلة)).
(٣) فى ت ١: ((لمهلكنا))، وفى ت ٢، س، ف: ((لمملكنا)).
(٤ - ٤) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف.
(٥) فى الدر المنثور: ((علَىّ)).
(٦ - ٦) فى م: ((ما يقول قرآنك)).
(٧) فى م: ((أحشمت)). والحشمة: الحياء والانقباض، وقال الأصمعى: فى يديه حشوم، أى انقباض.
ينظر اللسان (ح ش م) .
(٨) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، في.
(٩) ما أُمِرُ وما أُحلى، أى: ما آتى بكلمة ولا فَعْلة مرة ولا حلوة. اللسان (م ر ر).
(١٠) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((إليه)).

٤٦٩
سورة الرعد : الآية ١١
الطفيلِ: يا أعورُ جئتنا(١) يا أَبلَغُ(٢) ، أنت الذى تشرطُ على رسولِ اللهِ عَمِ؟! لولا
أنك فى أمانٍ من رسولِ اللهِ وَمِ، ما رِمْتَ(٣) المنزلَ حتى نضرِبَ(٤) عنقَك، ولكن لا
تُشْتبقَيَنَّ. وكان أشدَّ الرجلين عليه أُسيدُ بنُ محُضَيرٍ، فقال: لو كان أبوه حيًّا لم يَفْعَلْ
بى هذا. ثم قال لأربدَ : اخرج أنت يا أربدُ إلى ناحيةٍ عَدَنةً(٥)، وأَخْرُجُ أنا إلى نجدٍ ،
فنجمَعُ الرجالَ ، فنلتقِى عليه. فخرَج أربدُ حتى إذا كان بالرّقَم(١) بعَث اللَّهُ سحابةٌ من
الصيفِ فيها صاعقةٌ فأحرَقته. قالَ: وخرَج عامرٌ، حتى إذا كان بوادٍ يقالُ له :
الْجُرِيُ(٧) . أرسَل اللَّهُ عليه الطاعونَ، فجعَل يَصِيحُ: يا آلَ عامٍ، أَعُدَّةٌ كَفُدَّةِ البَكْرِ(1)
تَقْتُلُنِى؟ (" يا آل٩َ) عامٍ، أَعُدَّةٌ كَغُدةِ البَكْرِ تَقْتُنى، وموتٌ أيضًا فى بيتِ سَلُوليةٍ ، وهی
امرأةٌ من قيسٍ. فذلك قولُ اللَّهِ : ﴿ سَوَاءٌ مِّنْكُمْ مَنْ أَسَّ الْقَوَّلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ﴾
فقرًا (١٠) حتى بلغ: ﴿يَحْفَظُوَهُ﴾. تلك المعقِّباتُ من أمرِ اللَّهِ، هذا مقدَّمٌ ومؤخرٌ؛
الرسولِ اللَّهِ مَّهِ معقباتٌ يَحْفَظُونه من بين يديه ومن خلفِه، تلك المعقباتُ من أمرٍ
اللَّهِ ، وقال لهذين: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمُ﴾ فقرأ حتى
(١) فى م: ((يا خبيث)).
(٢) فى م: ((أملخ))، والأبلخ: العظيم فى نفسه، الجرىء على ما أتى من الفجور. اللسان (ب ل خ).
(٣) رام، يريم: إذا برح، ومارمت المكان وما رمت منه: أى ما برحته. ينظر اللسان (روم).
(٤) فى م: ((ضربت)).
(٥) فى ص: ((عدله)) غير منقوطة، وفى م: ((عذية))، وفى ت ٢، س، ف: ((عدية)). وعَدَنة: موضع
بنجد فى جهة الشمال من الشربة . معجم البلدان ٣/ ٦٢٣.
(٦) الرَّقَم ، بفتح أوله وثانيه: موضع بالحجاز، قريب من وادى القرى. معجم ما استعجم ٢/ ٦٦٦.
(٧) الجُزَير: موضع بنجد. معجم ما استعجم ٢/ ٣٨٠.
(٨) فى ص، ت ٢، س، ف: ((البكير))، وفى ت ١: ((البعير)). والبكر: ولد الناقة . اللسان (ب ك ر).
(٩ - ٩) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((قال)).
(١٠) سقط من: ت ١، ت ٢، س، ف.

٤٧٠
سورة الرعد : الآية ١١
بلَغْ: ﴿ وَيُرْسِلُ الصَّوَعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَآءُ ﴾ الآية. فقرَأ حتى بلَغ: ﴿ وَمَا
دُعَّهُ الْكَفِرِينَ إِلَّا فِ ضَلَالٍ﴾ [الرعد: ١٣، ١٤]. قال: وقال لَبِيدٌ فى أخيه أربَدَ ، وهو
(١)
یتکِیه(١) :
أرهبُ نَوْءِ السّمَاكِ(٢) وَالأَسَدِ
أخشى على أربدَ الحُتُوفَ(٢) ولا
ـفارس يومَ الكريهةِ النّجُدِ(٥)
فجَّعنى الرعدُ والصواعقُ(٤) بالـ
قال أبو جعفرٍ : وهذا القولُ الذى قاله ابنُ زيدٍ فى تأويلِ هذه الآيةِ ، قولٌ بعيدٌ من
تأويلِ الآيةِ ، مع خلافِه أقوالَ مَن ذكَرنا قولَه من أهلِ التأويل، وذلك أنه جعَل الهاءَ
فى قوله: ﴿لَهُ مُعَقِّبَتٌ﴾. من ذكرِ رسولِ اللهِ عَ لَه، ولم يَجرِ له فى الآيةِ التى
قبلَها ، ولا فى التى قبلَ الأخرى ذكرٌ ، إلا أن يَكُونَ أراد أن يردّها على قوله: ﴿إِنَّمَآ
أَنْتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ [الرعد: ٧] ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ﴾ . فإن كان أراد(٤) ذلك،
١٢١/١٣ فذلك / بعيدٌ لما بينَهما من الآياتِ، بغيرِ ذكرِ الخبرِ عن رسولِ اللَّهِ عَ لَّه. وإذا كان
كذلك، فكونُها عائدةً على ((مَن)) التى فى قوله: ﴿وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ
بِأَلَيْلِ﴾. أقربُ؛ لأنه قبلَها، والخبرُ بعدَها عنه، فإذا كان ذلك كذلك، فتأويلُ
(١) شرح دیوان لبید ص ١٥٨.
(٢) الحتف: الموت، وجمعه حتوف . اللسان (ح ت ف).
(٣) السماك نجم معروف ، والنوء النجم إذا مال للمغيب، وكانوا فى الجاهلية يقولون : مطرنا بنوء الثريا
والدبران والسماك. فنهوا عن ذلك. اللسان (ن وأ)، (س م ك).
(٤) الصاعقة: نار تسقط من السماء فى رعد شديد. اللسان (ص ع ق). وينظر ما تقدم فى معناها
١ / ٦٩٠، ٦٩١.
(٥) النجدة: الشدة، ورجل نَّجُد وَجِد: شديد البأس، والتَّجَد: العرق من عمل أو كرب. اللسان (ن جد).
والأثر عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤ /٤٨، ٤٩ إلى المصنف وأبى الشيخ.
(٦) سقط من: ت ١، ت ٢، س.
(٧) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((و)).

٤٧١
سورة الرعد : الآية ١١
الكلامِ : سواءٌ منكم أيها الناسُ من أسرّ القولَ ومن جَهَر به عند ربّكم، ومن هو
مستخفٍ بفسقِه وريتِه (١ فى ظلمةِ الليلِ، وساربٌ يَذْهَبُ ويَجِىءُ فى ضوءِ النهار،
ممتنعًا بجندِه وحَرَسِه الذين يَتَعَقَّبُونه من أهلِ طاعةِ اللَّهِ ، أن يَحُولُوا بينَه وبينَ ما يأتى
من ذلك، وأن يُقِيموا حدَّ اللّهِ عليه، وذلك قولُه: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهُ﴾.
وقولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِرُ مَا بِقَوْمٍ حَّى يُغَيِرُواْ مَا بِأَنْفُسِمُ﴾. يقولُ تعالى
ذ کرُه : إن الله لا يُغيّرُ ما بقوم من عافية ونعمةٍ ، فيُرِيلُ ذلك عنهم وُهْلِگھم ، حتى
ء
يُغَيِّرُوا ما بأنفسِهم من ذلك، بظلم بعضِهم بعضًا، واعتداءِ بعضِهم على بعضٍ،
فيُحِلَّ(١) بهم حينئذٍ عقوبتَه وتغييرَه .
وقولُه: ﴿ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْبٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُمْ﴾. يقولُ: وإذا أراد اللَّهُ
بهؤلاء الذين يسْتَخْفُون بالليلِ، ويَسْرُبون(١) بالنهارِ، لهم ( جندٌ و" مَنَعَةٌ من بينِ
أيديهم ومن خلفهم ، يَحْفَظُونهم من أمرِ اللَّهِ، - هلاكًا وخزيًا(٢) فى عاجلِ الدنيا ،
﴿ فَلَ مَرَدَّ لَهْ﴾. يقولُ: فلا يَقْدِرُ على ردِّ ذلك عنهمْ أحدٌ غيرُ اللَّهِ . يقولُ تعالى
ذكرُه: ﴿وَمَا لَهُم مِّن دُونٍِ مِن وَالٍ﴾. يقولُ: وما لهؤلاء القومِ - والهاءُ والميُ فى
(لهم)) من ذكرٍ (١) القومِ الذين فى قوله: ﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا﴾ - من دونِ
اللَّهِ من والٍ (٢) يَليهم، ويَلَى أُمرَهم وعقوبتَهم.
(١) فى ت ١، ت ٢، س، ف: ((زينته)).
(٢) فى م: ((فتحل))، وفى ف: ((فيحيل)).
(٣) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((يستربون)).
(٤ - ٤) فى ت ١، س: ((حذر))، وفى ت ٢، ف: ((حذر)).
(٥) فى ص، ت ٢، س، ف: ((حزنا)).
(٦) بعده فى ت ١، ت ٢، س، ف: ((الله)).
(٧) بعده فى م: ((يعنى من وال)).

٤٧٢
سورة الرعد : الآية ١١
وكان بعضُ أهلِ العلم بكلامِ العربِ يقولُ: السُّوءُ الهَّلكةُ. ويقولُ: كلُّ
جذامٍ وبرصٍ وعَمّى وبلاءٍ عظيمٍ فهو (( سُوءٌ)) مضمومُ الأوّلِ، وإذا قُتِح أولُه فهو
مصدرُ ((سُؤْت))، ومنه قولُهم : رجلُ سَوْءٍ .
واختلف أهلُ العربيةِ فى معنى قولِه: ﴿وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِالَّيْلِ وَسَارِبٌ
بِلنَّهَارِ ﴾؛ فقال بعضُ نحوِّى أهلِ البصرةِ: معنى قوله: ﴿وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ
بِلَّيْلِ﴾: ومن هو ظاهرٌ بالليلِ، من قولهم: خَفَيْتُ الشىءَ ، إذا أظهرتَه ، وكما قال
امرؤُ القيسِ(١) :
وإن تَبْعَثُوا الحربَ لا نَفْعُدِ
فإِن تَكْتُمُوا الداءَ لا نَخْفِه
وقال: وقد قُرِئٍ: (أكادُ أَخْفِيها)(١٢) [طه: ١٥]. بمعنى: أُظْهِرُها . وقال فى
قولِه: ﴿ وَسَارِبُ بِلنَّهَارِ﴾: الساربُ هو المتوارِى. كأنه وجهه إلى أنه صار فى
الشَّرَبِ بالنهارِ مستخفيًا .
وقال بعضُ نحويّى البصرةِ والكوفةِ: إنما معنى ذلك ﴿ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ﴾ ،
١٢٢/١٣ أى مستَتِرٌ بالليل، من الاستخفاءِ، ﴿وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾، وذاهبٌ بالنهارِ ، / من
قولِهم: سَرَبَت الإبلُ إلى الرَّعي. وذلك ذهابُها إلى المراعى، وخروجُها إليها
[٢٨/٢ ١ ظ] وقيل: إن الشُّروبَ بالعشىّ، والشّروحَ بالغداةِ .
واختلفوا أيضًا فى تأنيثِ ((معقِّبات))، وهى صفةٌ لغيرِ الإناثِ؛ فقال بعضُ
نحوِّى البصرة : إنما أَنَّنَتْ لكثرةِ ذلك منها ، نحوَ نَشَابةٍ وعلّامةٍ ، ثم ذُكَّر؛ لأن المعنى
مذكرٌ، فقال : يَحْفَظُونه .
(١) ديوانه ص ١٨٦.
(٢) القراءة شاذة، ينظر البحر المحيط ٦/ ٢٣٢.

٤٧٣
سورة الرعد : الآية ١١
وقال بعضُ نحوِّى الكوفة : إنما هى ملائكةٌ مُعَقِّبةٌ ، ثم جمعت معقباتٍ ، فهو
جمعُ جمعٍ، ثم قيل : يَحْفَظُونه؛ لأنه للملائكةِ .
وقد تقدَّم قولُنا فى معنى المستخفى بالليلِ والساربِ بالنهارِ .
وأما الذی ذ کرناه عن نحوگی المصریین فی ذلك فقول - وإن كان له فی کلام
العربِ وجة - خلافٌ لقولِ أهلِ التأويل، وحَسْبُه (١) من الدلالةِ على فسادِه خروجُه
عن قول جمیعھم .
وأما المعقباتُ، فإن التعقيبَ فى كلام العربِ العَودُ بعدَ البدءِ، والرجوعُ إلى
الشىءٍ بعدَ الانصرافِ عنه، من قولِ اللَّهِ: ﴿وَلَّى مُدْبِرً وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ [النمل: ١٠]،
أى: لم يَرْجِعْ، وكما قال سَلَامةُ بنُ جَندلٍ(٢) :
وكَّنا الخيلَ فى آثارِها رُجُعًا كُسَّ السَّنَائِكِ من بدءٍ وَتَعقيبٍ
يعنى : فى غزوٍ ثانٍ عَقِّبوا؛ وكما قال طَرَفَةُ (٣):
ولقد كنتُ عليكم عاتِبًا فعَقَبْتُم بِذَنُوبٍ غيرِ مُرْ
يعنى بقولِه : عَقَبتم : رجَعْتم .
وأتاها التأنيثُ عندَنا ، وهى من صفة الحَرَسِ الذين يحرُسُون المستخفى بالليلِ
والساربَ بالنهارِ؛ لأنه عُنِى بها حَرَسٌ معقِّبةٌ، ثم جُمِعت المعقبةُ ، فقيل : معقباتٌ .
فذلك جمعُ جمع المعقّبِ ، والمعقبُ: واحدُ المعقبةِ، كما قال لبيدٌ():
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((حسب)).
(٢) المفضليات ص ١٢١، وشرح المفضليات ص ٢٢٧. الكس: جمع أكس، وهو الحافر المدقوق دقًّا
شديدًا، والشّنبك: طرف الحافروجانباه من قُدُم. اللسان (ك س س)، (س ن ب ك).
(٣) دیوانه ص ٧٢.
(٤) ديوانه ص ١٢٨.

٤٧٤
سورة الرعد : الآيات ١٢،١١، ١٣
طَلَبَ المُعَقِّبِ حَقَّه المظلومُ
حتى تَهَجَّرَ فى الرَّواحِ وهَاجَهُ
والمعقباتُ جمعُها، ثم قال: ﴿يَحْفَظُونِهِ﴾. فردَّ الخبرَ إلى تذكيرِ الحرسِ والجندِ .
وأما قولُه: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾. فإن أهلَ العربيةِ اختلفوا فى معناه؛
فقال بعضُ نحوِّى الكوفةِ : معناه : له معقباتٌ من أمرِ اللَّهِ يَخْفَظُونه، وليس من
أمرِهِ ، إنما هو تقديمٌ وتأخيرٌ. قال: ويَكُونُ يَحْفَظونه ذلك الحفظَ مِن أمرِ اللَّهِ وبإذنِه،
كما تقولُ للرجلِ : أجَبتُك مِن دعائِك إياى ، وبدعائِك إياى .
وقال بعضُ نحوِّى البصريين: معنى ذلك: يَحْفَظونه عن أمرِ اللَّهِ ، كما قالوا :
أطعَمنى مِن جوع وعن جوعٍ، وكسانی من عُزْي وعن ◌ُزي .
وقد دلَّلنا فيما مضى على أن أولى القولِ بتأويلٍ ذلك: أن يكونَ قولُه :
يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ﴾ مِن صفةٍ حَرَسٍ هذا المسْتَخِفِى بالليلِ، وهى تَخْرُسُه
ظنًّا منها أنها تَدْفَعُ عنه أمرَ اللَّهِ ، فأخبَر تعالى ذكرُه، أن حَرَسَه تلك لا تُغْنِى
عنه شيئًا إذا جاءه أمرُه، فقال: ﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُمْ وَمَا
لَهُم مِّن دُونِ مِن وَالٍ﴾.
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿هُوَ الَّذِى يُرِيكُمُ الْبَرَّقَ خَوْفًا وَطَمَعًا
وَيُنِشِئُ السَّحَابَ النِّقَالَ ﴿ وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ، وَاَلْمَلَئِكَةُ مِنْ خِفَتِهِ،
وَيُرْسِلُ الصَّوَعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَآءُ وَهُمْ يُجَدِلُونَ فِ اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ
اِحَالِ
يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿هُوَ الَّذِى يُرِيكُمُ الْبَرَّقَ﴾ : يعنى أن الربَّ هو
الذى يُرِى عبادَه البَرقَ . وقولُه : ﴿هُوَ ﴾ كنايةُ اسمِه جلَّ ثناؤه. وقد يئنا معنى
البرقِ فيما مضى، وذكرنا اختلافَ أهلِ التأويلِ فيه، بما أغْنَى عن إعادتِه فى هذا

٤٧٥
سورة الرعد : الآية ١١
الموضعِ(١). وقولُه: ﴿خَوْنًا﴾. يقولُ: خوفًا للمسافرِ مِن أذاه .
وذلك أن البرقَ الماءُ فى هذا الموضع، كما حدَّثنى المُثَنَّى، قال : ثنا حجاجٌ،
قال : ثنا حمادٌ ، قال : أخبرنا موسى بنُ سالم أبو جهضَمٍ ، مولى ابنِ عباسٍ، قال :
كتَب ابنُ عباسٍ إلى أبى الجَلْدِ يسألُه عن البرقِ، فقال: البرقُ الماءُ(١).
وقولُه: ﴿وَطَمَعًا﴾. يقولُ: وطمَعًا للمُقيم أن يُمْطَرَ فِيَنْتَفِعَ .
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿هُوَ الَّذِى
يُرِيكُمُ الْبَرَّقَ خَوْنًا وَطَمَعًا﴾ . يقولُ : خوفًا للمسافرِ فى أسفارِه ؛ يَخافُ
أذاه ومشقته، وطَمَعًا للمقيم؛ يَرْجُو بَرَكتَه ومنفعتَه، ويَطْمعُ فى رزقِ اللَّهِ(٣) .
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال : ثنا محمدُ بنُ ثورٍ ، عن معمرٍ ، عن قتادةً:
خَوْفًا وَطَمَعًا﴾: خوفًا للمسافرِ، وطمعًا للمقيم .
وقولُه: ﴿وَيُنشِئُ السَّحَابَ الْثِقَالَ﴾: ويثيرُ السحابَ الثِّقالَ بالمطرِ،
ويُتِدِثُه، يقالُ منه: أَنشَأُ اللَّهُ السحابَ، [١٢٩/٢و] إذا أبدَأَه، ونشَأ السحابُ: إذا
بدَأ . يَنْشَأُ نَشْئًا، والسحابُ فى هذا الموضع وإن كان فى لفظٍ واحدٍ ، فإنها جمعٌ،
واحدتُها سحابةٌ ، ولذلك(٥) قال: ﴿اَلْثِّقَالَ ﴾، فنعَتها بنعتِ الجمعِ، ولو كان
جاء: السحابَ الثقيلَ. كان جائزًا، وكان توحيدًا للَفظِ السحابِ، كما قيل:
جَعَلَ لَكُمْ مِّنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا﴾ [يس: ٨٠].
(١) ينظر ما تقدم فى ٣٦٢/١ - ٣٨٠.
(٢) تقدم فى ٣٦٤/١ من طريق آخر عن ابن عباس .
(٣) عزاه السيوطى فى ((الدر المنثور)) ٤٩/٤ إلى ابن المنذر وابن أبى حاتم وأبى الشيخ.
(٤) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٣٣٣/١، عن معمر به .
(٥) فى ص، ت ٢، س، ف: (( كذلك)).

٤٧٦
سورة الرعد : الآيتان ١٣،١٢
وبنحوِ الذى قُلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
/ ذكرُ مَن قال ذلك
١٢٤/١٣
حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ ، قال: ثنا شبابةُ ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابنٍ أبى نجيحٍ،
عن مجاهدٍ قوله: ﴿وَيُنِشِئُ السَّحَابَ الثّقَالَ﴾. قال: الذى فيه الماءُ(١).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابنٍ أبى
نجيحِ، عن مجاهدٍ مثلَه .
حدَّثْنى المُنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبى نجيحٍ، عن
مجاهدٍ مثله .
قال : ثنا إسحاقُ ، قال: ثنا(٢) عبدُ اللَّهِ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن
مجاهدٍ مثلَه .
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريجٍ، عن
مجاهدٍ: ﴿ وَيُنِشِئُ السَّحَابَ الِثِّقَالَ﴾. قال: الذى فيه الماءُ.
وقولُه: ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ،﴾. قال أبو جعفرٍ: وقد بيَّنا معنى الرعدِ
فيما مضَى بما أغنَى عن إعادتِه فى هذا الموضعِ " .
وذُكِر أن رسولَ اللَّهِ عِلِ كان إذا سمع صوتَ الرعدِ، قال کما حدَّثنا
الحسنُ بنُ محمدٍ ، قال: ثنا كثيرُ بنُ هشام، قال: ثنا جعفرٌ، قال: بلَغنا أن
(١) تفسير مجاهد ص ٤٠٥) وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥٠/٤ إلى ابن المنذر وابن أبى حاتم وأبى الشيخ.
(٢) بعده فى س، ف: ((شبل عن ابن)).
(٣) ينظر ما تقدم فى ٣٥٦/١ - ٣٦٢.

٤٧٧
سورة الرعد : الآيتان ١٢ ، ١٣
النبىَّ عَ لَّهِ كان إذا سمع صوتَ الرعدِ الشديدَ، قال: ((اللَّهُمَّ لا تَقْتَلْنا بغضَبِك، ولا
تُهْلِكْنا بعذَابِك، وعافِنا قبلَ ذلك))(١) .
حدَّثنا أحمدُ بنُّ إسحاقَ ، قال : ثنا أبو أحمدَ ، قال : ثنا إِسرائيلُ، عن أبيه ، عن
رجلٍ، عن أبى هريرةَ، رفَع الحديثَ: ((أنه كان إذا سمِع الرعدَ قال: ((سُبحانَ مَن
◌ُسَبِّح الرعدُ بحمدِە)»(٢) .
حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ ، قال: ثنا مَسْعَدةُ بنُ اليَسَعِ الباهلىُّ ، عن جعفرِ بنِ
محمدٍ ، عن أبيه، عن علىّ، رضِى اللَّهُ عنه، كان إذا سمع صوتَ الرعدِ ، قال :
سبحانَ مَن سَبَّحْتَ له(٣) .
قال : ثنا إسماعيلُ ابنُ عُلِيَّةَ، عن الحكم بنِ أبانٍ ، عن عكرمةَ ، عن ابنِ عباسٍ،
أنه كان إذا سمِع الرعدَ ، قال: سبحانَ الذى سَبَّحْتَ له (٤) .
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ ، قال: ثنا أبو أحمدَ ، قال: ثنا يَعْلَى بنُ الحارثِ ، قال :
سمِعتُ أبا صخرةَ يُحَدِّثُ عن الأسودِ بنِ يزيدَ، أنه كان إذا سمِع الرعدَ ، قال:
سبحانَ مَن سَبَّحْتَ له. أو: سبحانَ الذى يُسَبِّحُ الرعدُ بحمدِهِ، والملائكةُ مِن
(٥)
خيفته
٠
(١) أخرجه ابن أبى شيبة ٢١٤/١٠، ٢١٦ من طريقين عن جعفر بن برقان به مرسلًا. وأخرجه أحمد
١٠/ ٤٧، ٤٨ (٥٧٦٣)، والبخارى فى الأدب المفرد (٧٢١)، والترمذى (٣٤٥٠)، والنسائى فى الكبرى
(١٠٧٦٣، ١٠٧٦٤)، وغيرهم من حديث ابن عمر مرفوعًا .
(٢) أخرجه ابن مردويه فى تفسيره - كما فى تخريج الكشاف للزيلعى ١٨٤/٢ - من طريق عتاب بن زياد
عن رجل، عن أبى هريرة مرفوعا .
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥٠/٤ إلى ابن أبى الدنيا فى كتاب المطر وابن المنذر والخرائطى فى مكارم
الأخلاق .
(٤) أخرجه البخارى فى الأدب المفرد (٧٢٢)، من طريق الحكم بن أبان به وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٥٠/٤ إلى ابن أبى الدنيا فى كتاب المطر.
(٥) أخرجه ابن أبى شيبة ٢١٦/١٠، والطبرانى فى الدعاء (٩٨٤) من طريق يعلى بن الحارث به ..

٤٧٨
سورة الرعد : الآيتان ١٢، ١٣
قال: ثنا أبو أحمدَ ، قال: ثنا ابنُ عُليَّةَ، عنِ ابنِ طاوسٍٍ، عن أبيه، وعبدِ
الكريم، عن طاوسٍ، أنه كان إذا سمع الرعدَ ، قال: سبحانَ مَن سبحتَ له(١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا حجاجٌ، عن ٢) ميسرةَ، عن
الأوزاعيِّ ، قال : كان ابنُ أبى زكريا يقولُ: مَن قال حينَ يَسْمَعُ الرعدَ: سبحانَ اللَّهِ
وبحمدِه ، لم تُصِبْه صاعقةٌ(٢) .
ومعنى قوله: ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ،﴾: ويُعَظِّمُ اللَّهَ الرعدُ ويُمَتِّدُه،
فيُثْنِى عليه بصفاتِهِ ، ويُتَزِّهُه مما أضاف إليه أهلُ الشركِ به، ومما وصفوه به ، مِن اتخاذٍ
الصاحبةِ والولدٍ ، تعالى ربُّنا وتَقَدَّس.
وقولُه: ﴿مِنْ خِفَتِهِ،﴾. يقولُ: وتُسَبِّعُ الملائكةُ مِن خيفةِ اللَّهِ ورَهْبَتِه .
/ وأما قولُه: ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَآءُ﴾ ، فقد بيّنا معنى
الصاعقة فيما مضى ، بما أغنى عن إعادته، بما فيه الكفايةُ مِن الشواهدِ ، وذكّوْنا ما
فيها مِن الروايةِ(٤) .
١٢٥/١٣
وقد اخْتُلِف فيمَن أَنْزِلت هذه الآيةُ ؛ فقال بعضُهم: نزَلت فى كافرٍ مِن الكفارِ،
ذكَرِ اللَّهَ تعالى وتَقَدَّس، بغيرِ ما يَنْبَغِى ذكرُهُ(٢) ، فأرسَل عليه صاعقةٌ أَهْلَكَتْه.
(١) أخرجه عبد الرزاق فى المصنف (٢٠٠٠٥)، وابن أبى شيبة ٢١٥/١٠، من طريق ابن طاووس به.
(٢) سقط من: ص. وفى ت ١، ت ٢، س، ف: ((ابن)).
(٣) أخرجه ابن أبى شيبة ٢١٥/١٠، من طريق آخر عن ابن أبى زكريا به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥١/٤
إلى أبى الشيخ .
(٤) ينظر ما تقدم فى ١/ ٦٩٠، ٦٩١.
(٥) بعده فى ص، ت ٢، س، ف: (( به)).

٤٧٩
سورة الرعد : الآية ١٣
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ ، قال: ثنا عفانُ ، قال : ثنا أبانُ بنُ يزيدَ ، قال: ثنا أبو
عمرانَ الجَوْنىُ، عن عبد الرحمنِ بنِ صُحارٍ (١) العبدىِّ، أنه بلغه أنَّ نبيَّ اللَّهِ حَ الٍ
بَعَث إلى جَّارٍ(١٢) يَدْعوه، فقال: أرأيتم ربّكم، أَذَهَبٌ هو، أم فِضةٌ ("هو، أم لُؤْل٢ٌ
هو؟ قال: فبينا هو يُجادِلُهم، إذ بعَث اللَّهُ سحابةً فرعَدت، فأرسَل اللَّهُ(٤) عليه
صاعقةً، فذهَبت بقِحْفٍ(٥) رأسِه، فأنزل اللَّهُ هذه الآيةَ: ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَعِقَ
فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَآءُ وَهُمْ يُجَدِلُونَ فِ اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ اَلِحَالِ﴾(١).
حدَّثنى المُثُنَّى ، قال (٧) : ثنا إسحاقُ بنُ سليمانَ، عن أبى بكرِ بنِ عياشٍ، عن
ليثٍ ، عن مجاهدٍ، قال: جاء يهودىٌّ إلى النبيِّ عَظله ، فقال: أخبِرْنى عن ربِّك، مِن
أىِّ شىءٍ هو؟ مِن لؤلؤٍ أو من ياقوتٍ؟ فجاءت صاعقةٌ فأخَذته، فأنزَل اللَّهُ :
﴿ وَيُرْسِلُ الصَّوَعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَآءُ وَهُمْ يُجَدِلُونَ فِ اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ
اْحَالِ﴾(٨).
حدَّثنی المُثُنَّى ، قال : ثنا الحمّانُ ، قال : ثنا أبو بكرِ بنُ عیاشٍ ، عن ليث ، عن
(١) فى ص: ((صجار)). وينظر الجرح والتعديل ٢٤٥/٥.
(٢) فى ت ١: ((أحبار))، وفى ت ٢، س: ((حبار)).
(٣ - ٣) فى ص: ((هو ألؤلؤ))، وفى ت ١: ((أو لؤلؤ))، وفى ت ٢، س، ف: ((هو)).
(٤) سقط من : ت ١، ت ٢، س.
(٥) القِحفُ : العظمُ الذى فوق الدماغ من الجمجمة ، والجمجمة التى فيها الدماغ، وقيل: قحف الرجل: ما
انفلق من جمجمته فبان ، ولا يدعى قحفا حتى يبين. لسان العرب (ق ح ف).
(٦) أخرجه الخرائطى فى مكارم الأخلاق - كما فى المنتقى منه لأبى طاهر السلفى ص ٢٣٤ (٥٦٨) - من
طریق أبان بن يزيد به .
(٧) بعده فى ص، ت ١، س، ف: ((ثنا إسحاق قال)).
(٨) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥٢/٤، إلى الحكيم الترمذى وابن المنذر وابن أبى حاتم .

٤٨٠
سورة الرعد : الآية ١٣
مجاهدٍ مثلَه .
قال : ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ هاشم، قال: ثنا سيفٌ، عن أبى رَوْقٍ ،
عن أبى أيوبَ، عن عليٍّ، [١٢٩/٢ ظ] قال: جاء رجلٌ إلى النبيِّ عَظله ، فقال : یا
محمدُ، حدِّثْنى، مَن هذا الذى تَدْعو إليه؟ أيَاقوتٌ هو، أذهَبّ هو، أم ما هو ؟
قال: فنزَلت على السائل الصاعقةُ فَأَخْرَقَتَه، فأنزَل اللَّهُ: ﴿ وَيُرْسِلُ الصَّوَعِقَ﴾
.(١)
الآية(١).
حدَّثنا محمدُ بنُّ مرزوقٍ ، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ عبدِ الوهابِ ، قال: ثنى علىُّ بنُ
أبى سارةَ الشَّيْبَانىُ، قال: ثنا ثابت البنانيُ، عن أنس بنِ مالكٍ، قال: بعَث
النبىُّ ◌َّمِ مرَّةً رجلًا إلى رجلٍ من فراعنةِ العربِ: أنِ ((ادْعُهُ لى)). فقال: يا رسولَ
اللَّهِ، إنه أعتَى مِن ذلك. قال: ((اذْهَبْ إليه فادْعُه)). قال: فأتاه، فقال: رسولُ
اللَّهِ مَعْظَهِ يَدْعوك. فقال: مَن رسولُ اللّهِ؟ وما اللَّهُ؟ أمِن ذهَبٍ هو، أم مِن فضةٍ، أم
مِن نُحاسٍ؟ قال: فأتى الرجلُ النبىَّ ◌َّهِ فأخبرَه، فقال: ((ارْجِعْ إِلَيه فادْعُه)). قال:
فأتاه فأعاد عليه، وردَّ عليه مثلَ الجوابِ الأوّلِ، فأتى النبيَّ عَلَّهِ فأخبره، فقال:
((ارْجِعْ إليه فادْعُه)). قال: فرجَع إليه، فبينما هما يتراجَعان الكلامَ بينَهما ، إذ بعث
اللَّهُ سحابةً بحيالٍ رأسِه ، فرعَدت، فوقَعت منها صاعقةٌ، فذهَبت بقِحْفٍ رأسِه ،
فأنزل اللَّهُ: ﴿ وَيُرْسِلُ الصَّوَعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَآءُ وَهُمْ يُجَدِلُونَ فِ اللَّهِ وَهُوَ
شَدِيدُ الْحَالِ﴾(١) ..
وقال آخرون: نزلت فى رجلٍ مِن الكفارِ أَنكَر القرآنَ، وكذَّب النبىَّ عَلَّه.
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٥٢، إلى المصنف.
(٢) أخرجه النسائى فى الكبرى (١١٢٥٩)، والطبرانى فى الأوسط (٢٦٠٢)، والعقيلى فى الضعفاء
(٢٣٢/٣)، والواحدى فى أسباب النزول ص ٢٠٤، من طريق عبد الله بن عبد الوهاب به.