النص المفهرس

صفحات 141-160

١٤١
سورة يوسف : الآيتان ٣٢،٣١
جميعًا فما هذانِ مُسْتوِيانٍ
◌َشَتَّانَ ما أَنْوِى ويَتْوِى بنو أبِى
وكلُّ فتّى والموتُ يَلْتَقيانِ
تمتَّوالىَ الموتَ الذى يشعَبُ(1) الفتى
وأما القرآنُ فجاء بالنصبِ فى كلِّ ذلك؛ لأنه نزَل بلغةِ أهلِ الحجازِ .
وقولُه: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾. يقولُ: قلن: ما هذا إلا ملَكٌ من
الملائكةِ .
كما حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال : ثنا محمدُ بنُ ثورٍ ، عن معمرٍ ، عن
قتادةَ: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾. قال: قلن: ملَكٌ من الملائكةِ(٢).
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِىِ لُمْتُنَّنِ فِيَّةٍ وَلَقَدْ رَوَدَتُهُ عَن
نَفْسِهِ، فَاسْتَعْصَمِّ وَلَيِنِ لَّمْ يَفْعَلْ مَآ ءَامُرُهُ لَيُسْجَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّغِرِينَ
٣٢
يقولُ تعالى ذكره : قالت امرأةُ العزيزِ للنسوةِ اللاتى قطّعن أيديهن: فهذا الذى
أصابكن فى رؤيتكن إياه، وفى نظرةٍ منكن نظَرتُن إليه ما أصابكن من ذهابِ العقلِ،
وغروبٍ (٢) الفهم ولهًا(٤) إليه (٥)، حتى قطّعتن أيديَكن - هو الذى لمتُتَّى فى حبى
إياه ، وشغفٍ فؤادى به ، فقلتنَّ: قد شغَف امرأةً العزيزِ فتاها حبًّا ، إنا لنراها فى
ضلالٍ مبين . ثم أقرّت لهن بأنها قد راودته عن نفسه ، وأن الذى تحدَّثْن به عنها فى
أمرِه حقٌّ، فقالت: ﴿ وَلَقَدْ رَوَدَتُ عَن نَفْسِهِ، فَأَسْتَعَصَمّ﴾ مما راودته عليه من ذلك .
(١) التشعب : التفرق . اللسان (ش.ع ب ).
(٢) تفسير عبد الرزاق ٣٢٢/١، ٣٢٣ عن معمر به، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢١٣٧/٧
(١١٥٦٦)، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٧/٤ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.
(٣) فى ت ١: ((عزوب)).
(٤) الوله : ذهاب العقل لفقدان الحبيب . اللسان (و ل هـ).
(٥) فى ص، س، ف: ((إليهن))، وفى ت ١: ((الهتهن))، وفى ت ٢: ((الهن)).

١٤٢
سورة يوسف : الآية ٣٢
كما حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا عمرُو بنُ محمدٍ ، عن أسباطَ ، عن الشُّدىِّ :
٢١٠ ﴿ قَالَتْ فَذَلِكُنَّ / الَّذِى لُمْتُنَِّى فِيَةٍ وَلَقَدْ رَوَدَتُهُ عَن نَّفْسِهِ، فَأَسْتَعْصَمّ﴾: تقولُ: بعدَ
ما حلَّ السراويلَ اسْتَغْصَى، لا أَدْرِى ما بدا له(١).
صى
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿فَأَسْتَعْصَمَ ﴾
أى : فاسْتَعْصَى(٢).
حدَّثنى علىُ بنُ داودَ ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال: ثنى معاويةُ، عن
علىّ، عن ابنِ عباسٍ قَولَه: ﴿فَأُسْتَعَصَمَّ﴾. يقولُ(٢) : فَامْتَتَعُ(٤).
وقولُه: ﴿ وَلَيِنِ لَّمْ يَفْعَلْ مَآ ءَامُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوْنَا مِّنَ الصَّنْغِرِينَ ﴾
تقولُ(٥): ولئن لم يُطارِعْنى على ما أدعوه إليه من حاجتى إليه، ﴿ لَيُسْجَنَنَّ﴾
تقولُ(٥) : ليُخْبَسَنَّ فى السِّجْنِ، ولَيكونَنْ من أهلِ الصَّغارِ والذُّلِةِ، بالحبسِ
والسّعْنٍ، ولأُهِينَتَّه .
والوقفُ على قولِه: ﴿لَيُسْجَنَنَّ﴾ بالنونِ، لأنها مشدّدةٌ، كما قيل:
لَبَطََّةٌ ﴾ [ النساء :
وأما قولُه: ﴿ وَلَيَكُونًا﴾. فإن الوقفَ عليه بالألفِ؛ لأنها النونُ الخفيفةُ ،
(١) أخرجه المصنف فى تاريخه ١ / ٣٤١، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢١٣٨/٧ (١١٥٧١) من طريق
عامر بن الفرات ، عن أسباط به .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢١٣٧/٧ (١١٥٧٠) من طريق سعيد به، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ١٧/٤ إلى أبى الشيخ .
(٣) فى ت ١: ((تقول)).
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢١٣٧/٧ (١١٥٦٩) من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطى
فى الدر المنثور ١٧/٤ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ .
(٥) فى ت ٢، س: ((يقول)) .

١٤٣
سورة يوسف : الآيتان ٣٣،٣٢
وهى شبيهةُ نونِ الإِعرابِ فى الأسماءِ فى قولِ القائل: رأيت رجلاً عندَك. فإذا وُقِف
على الرجلِ قيل: رأيت رجلا. فصارت النونُ ألفًا() ، فكذلك ذلك فى :
﴿ وَلَيَكُونًا﴾. ومثلُه قولُه: ﴿لَنَسْفَمَا بِالنَّاصِيَةِ ﴿ نَاصِيَةٍ﴾ [العلق: ١٥، ١٦]. الوقفُ
عليه بالألفِ ؛ لما ذكرت ، ومنه قولُ الأعشى(٢):
وصَلِّ على حينِ العشيَّاتِ والضُّحَى ولا تعبُدِ الشيطانَ واللَّهَ فاعبْدَا
وإنما هو: فاعبدَنْ. ولكن إذا وُقِف عليه كان الوقفُ بالألفِ.
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ قَالَ رَبِّ السّجْنُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِمَّا يَدْعُونَنِيّ إِلَيْهِ
وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّى كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَ وَأَكُنُ مِّنَ الْجِهِلِينَ
وهذا الخبرُ من اللَّهِ يدلُّ على أن امرأةَ العزيزِ قد كانت(٢) عاودت يوسفَ فى
المراودةِ عن نفسِه، وتوَّدَتْه بالسّجْنِ والحَسِ إن لم يفعَلْ ما دعَتْه إليه، فاختار
السّجْنَ على ما دعته إليه من ذلك؛ لأنها لو لم تكنْ عاودته وتوعَّدته بذلك ، كان
محالًا أن يقولَ: ﴿رَبِّ السّجْنُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِمَّا يَدْعُونَنِىّ إِلَيْهِ﴾. وهو لا يُدْعَى إلى
شىءٍ، ولا يخوَّفُ بحبسٍ .
والسّجْنُ هو المَخْبِسُ() نفسُه، وهو بيتُ الحبسِ. وبكسرِ السِّينِ قرأه قرأَةُ
الأمصارِ كلِّها، والعربُ تضعُ الأماكنَ المشتقةَ [٨٥/٢ظ] من الأفعالِ مواضعَ
الأفعالِ، فتقولُ: طلَعت الشمسُ مَطْلِعًا، وغرَبَت مَغْرِبًا. فيجعَلونها وهى أسماءٌ،
خَلَفًا من المصادرِ، فكذلك السِّجْنُ، فإذا فتَحت السينَ من السَّجْنِ / كان مصدرًا ٢١١/١٢
(١) المراد بالنون هنا التنوين. ينظر مصطلحات النحو الكوفى ص ١٣٢، ١٣٣ .
(٢) ديوانه ص ١٣٧، وروايته :
وذا النصب المنصوب لا تنسكنه
ولا تعبد الأوثان والله فاعبدا
وصلّ على حين العشيّات والضحى
ولا تحمد الشيطان والله فاحمدا
(٣) سقط من : م.
(٤) فى م: ((الحبس)).

١٤٤
سورة يوسف : الآية ٣٣
صحيحًا .
وقد ذُكِر عن بعض المتقدِّمين أنه كان (١) يَقْرَؤُه: (السَّجْنُ أَحَبُّ إِلىَّ). بفتحِ
(٢)
السين(٢).
ولا أَسْتجِيزُ القراءةَ بذلك؛ لإجماعِ الحُجَّةِ مِن القرَأَةِ على خلافِها .
وتأويلُ الكلام: قال يوسُفُ: يا ربِّ، الحبسُ فى السّجنِ أحبُّ إِلىَّ مما
يَدْعُوننى إليه مِن معصيتك، ويُراوِدْنَنى عليه مِن الفاحشةِ .
كما حدَّثنا ابنُّ وكيع، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباطُ، عن الشُدىِّ: ﴿قَالَ
رَبِّ الِّجْنُ أَحَبُّ إِلَّ مِمَّا يَدْعُونَنِىّ إِلَيْهِ ﴾: مِن الزنى (٤).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنٍ إِسحاقَ ، قال : قال يوسُفُ ،
وأضاف(٥) إلى ربِّه، واسْتَعانه(١) على ما نزَل به: ﴿رَبِّ السّجْنُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِمَّا
يَدْعُونَنِيّ إِلَيْهِ﴾. أى: السجنُ أحَبُّ إلىَّ مِن أن آتِىَ ما تكرَهُ(١).
وقولُه: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّى كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَ﴾. يقولُ: وإن لم تَدْفَعْ عنى
يا ربِّ فعلَهن الذى يَفْعَلْن بى، فى مُراوَدتِهن إياى على أنفسِهن، ﴿ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ﴾ .
يقولُ : أَمِيلُ إليهن، وأُتَابِعُهن على ما يُرِدْنَ منى ويَهْوَيْنَ . مِن قولِ القائلِ : صبًا فلانٌ
(١) سقط من: م.
(٢) هى قراءة يعقوب الحضرمى. النشر ٢/ ٢٢١.
(٣) فى ت ١، ت ٢، س، ف: ((تراودنى)).
(٤) أخرجه المصنف فى تاريخه ١/ ٣٤١، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢١٣٨/٧ من طريق عامر، عن
أسباط به .
(٥) فى ص: ((أحاف))، وفى ت ١، ت ٢، س، ف: ((أخاف)).
(٦) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((استغاثه))، وفى س: ((استعان به)) .
(٧) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢١٣٨/٧ (١١٥٧٥) من طريق سلمة به .

١٤٥
سورة يوسف : الآية ٣٣
إلى كذا. ومنه قولُ الشاعرٍ (١):
وهندٌ مِثْلُها يُصْبِى
إلی هندٍ صَبًا قلْبی
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَصْبُ إِلَيْهِنَ﴾.
يقولُ : أُتَايِعُهن(١).
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّى
(٣)
كَيْدَهُنَّ﴾. أْ: ما أَتَخَوَّفُ منهنّ، ﴿ أَصْبُ إِلَيْهِنَ﴾
حدَّثنى يونُسُ، قال: أَخْبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿وَإِلَّا
تَصْرِفْ عَنِّى كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَكُ مِّنَ الْجَهِلِينَ﴾. قال: إِلا يَكُنْ منك أنت العَوْنُ
والمتَعَةُ ، لا يَكُنْ منى ولا عندى(٤).
وقولُه: ﴿وَأَكُنُ مِّنَ الْجَهِلِينَ﴾. يقولُ: وأكُنْ بصَبْوتى إليهن مِن الذين جهِلوا
حقَّك، وخالفوا أمرَك ونهيَك.
كما حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿ وَأَكُنُ مِّنَ
(١) هو يزيد بن ضبة، والبيت فى مجاز القرآن ١/ ٣١١، والأغانى ٧ / ١٠٢.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢١٣٨/٧ (١١٥٧٨) من طريق سعيد به، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٤ /١٧، ١٨ إلى أبى الشيخ .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢١٣٨/٧ (١١٥٧٦) من طريق سلمة به .
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢١٣٨/٧ من طريق أصبغ، عن ابن زيد ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
١٧/٤ إلى أبى الشيخ .
( تفسير الطبرى ١٠/١٣ )

١٤٦
سورة يوسف : الآ يتان ٣٣، ٣٤
اٌلْجَهِلِينَ﴾. أىْ: جاهلًا إذا ركِبْتُ معصيتك(١).
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿ فَأَسْتَجَابَ لَهُ رَبُُّ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ
٣٤
السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
إِن قال قائلٌ: وما وجهُ قولِه: ﴿فَأَسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ﴾. ولا مسألةَ تقدَّمَت مِن
يوسُفَ لربِّه، ولا دعا بصَرْفٍ كيدِهن عنه، وإنما أُخْبَر ربَّه أن السجنَ أحبُّ إليه مِن
معصيته ؟
٢١٢/١٢
قيل: إن فى إخبارِهِ بذلك شِكايةً منه إلى ربِّه مما لقِى منهن، وفى قوله: ﴿ وَإِلَّا
تَصْرِفْ عَنِى كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَ﴾. معنى دعاءٍ ومسألةٍ / منه ربَّه صرفَ كيدِهن،
ولذلك(٢) قال اللَّهُ تعالى ذكره: ﴿فَأَسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ﴾. وذلك كقول القائلِ
لآخرَ(٣): إن(٤) لا تَزُرْنِى أُهِنْك. فيُجِيبُه الآخرُ: إذن أَزُورَك. لأن فى قوله: إن (٤) لا
تَزُوْنِى أَهِنْك. معنى الأمرِ بالزيارةِ .
وتأويلُ الكلام: فاسْتَجاب اللَّهُ ليوسُفَ دعاءَه، فصَرَف عنه ما أرادَت منه
امرأةٌ العزيزِ وصَواحباتُها مِن معصيةِ اللَّهِ .
كما حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنٍ إسحاقَ: ﴿فَأَسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ
نَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ, هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾. أى: نَجَّه مِن أن يَرْكَبَ المعصيةَ
فیھن، وقد نزل به بعضُ ما حذر منهن .
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢١٣٩/٧ من طريق سلمة به .
(٢) فى ص، ت ٢، ف: ((كذلك)).
(٣) فى س، ف: ((الآخر)).
(٤) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف .
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢١٣٩/٧ (١١٥٨٠) من طريق سلمة به .

١٤٧
سورة يوسف : الآيتان ٣٤، ٣٥
وقولُه: ﴿ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ﴾. أى سميعٌ" دعاءً يوسُفَ حينَ دعاه بصرفٍ
كيدِ النِّسوةِ عنه، ودعاءَ كلِّ داعٍ مِن خلقِه، ﴿اَلْعَلِيمُ﴾ بمطلبِهِ وحاجتِه وما
يُصْلِحُه، وبحاجةٍ جميع خلقه وما يُصْلِحُهم .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوَأْ الْآَيَتِ لَيَسْجُنُنَّهُ، حَتَّى
٣٥
حِین
ميبـ
يقولُ تعالى ذكرُه : ثم بدا للعزيزِ زوج المرأةِ التى راوَدَت يوسُفَ عن نفسِه .
وقيل: ﴿بَدَالَهُمْ﴾. وهو واحدٌ؛ لأنه لم يُذْكَرْ باسمِهِ، وَيُقْصَدْ بعينِه ، وذلك
نظيرُ قولِه: ﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَأَخْشَوْهُمْ﴾ [آل
عمران: ١٧٣] . وقيل : إن قائلَ ذلك كان واحدًا .
وقيل (٢): معنى قوله: ﴿ثُمَّ بَدَا لَمْ ﴾: " ثم بدا لهم٢) فى الرأي الذى كانوا
رَأَوْه، مِن تركِ يوسُفَ مطلقًا ، ورأوا أن يَسْجُنوه ﴿مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوْ اْلْأَيَتِ ﴾ ببراءتِه
مما قرَفتْه(٤) به امرأةُ العزيزِ .
وتلك الآياتُ كانت قدَّ القميصِ مِن دُبُرٍ، وخَمْشًا فى الوجهِ ، وقَطْعَ أيديهن،
كما حدَّثنا أبو كُرِيبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن نضرِ بنِ عربيٍّ، عن عكرمةَ، عن
ابنِ عباسٍ: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِّنْ بَعْدِ مَا رَأَوْ اَلْآَيَتِ﴾. قال: كان مِن الآياتِ قَدٌّ فى
(١ - ١) زيادة من: ت ١.
(٢) سقط من: ص .
(٣ - ٣) سقط من: م، ت ١، ت ٢.
(٤) فى م: ((قذفته)). وقرفته : رمته . ينظر اللسان (ق ر ف).
(٥ - ٥) فى ص، م، ت ١، ت ٢، س: ((نصر بن عوف))، وفى ف: ((نضر بن عوف)). والمثبت هو
الصواب وقد تقدم مرارًا .

١٤٨
سورة يوسف : الآية ٣٥
القميصٍ، وخَمْشٌ فى الوجهِ(١) .
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبى وابنُ ثُمَّرٍ، عن نضرٍ، عن عكرمةَ مثلَه(٢).
حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ ، قال: ثنا شَبابةُ ، قال : ثنا وَرْقاءُ ، عن ابنِ أبی نجيحِ ،
عن مجاهدٍ: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوْ اَلْآَيَتِ﴾. [٨٦/٢و] قال: قَدُّ القميصِ مِن
(٣)
دبرٍ().
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابنٍ أبى
نجيح، عن مجاهدٍ: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوْ اُلْأَيَتِ﴾. قال: قدُّ القميصِ مِن دبرٍ .
حدَّثنى المثنى، قال : ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِئْلٌ، عن ابنِ أبى نجيحِ، عن
مجاهدٍ . قال : وثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أبى جعفرٍ، عن وَزْقاءَ، عن ابنِ
أبى نجيح، عن مجاهدٍ مثلَه .
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن
قتادةَ: ﴿مِّنْ بَعْدِ مَا رَأَوْ اُلْأَيَتِ﴾. قال: الآياتُ: حَزُّهن أيديَهن، وقَدُّ
(٤)
القميص(٤).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن
مجاهدٍ ، قال : قَدُّ القميصِ مِن دبرٍ .
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢١٣٩/٧ (١١٥٨٢) من طريق عكرمة به، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ١٨/٤ إلى أبى الشيخ .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢١٣٩/٧ (١١٥٨٣) من طريق النضر بن عربى به، وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ١٨/٤ إلى ابن أبى شيبة وابن المنذر.
(٣) تفسير مجاهد ص ٣٩٦، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٨/٤ إلى المصنف وابن المنذر.
(٤) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٣٢٣/١ عن معمر به .

١٤٩
سورة يوسف : الآية ٣٥
/حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّنْ بَعْدِ مَا ٢١٣/١٢
رَأَوْ اُلَيَتِ﴾: ببراءتِه مما (١) اتُّهِم به مِن شقِّ قميصِه مِن دبرٍ، ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ، حَتَّى
(٢)
حِينٍ﴾.
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا عمرو، عن أسْباطَ، عن السدئِّ: ﴿مِّنْ بَعْدِ مَا رَأَوْأ
اُلَيَتِ﴾. قال : الآياتُ : القميصُ، وقَطْعُ الأيدى(٣).
وقولُه: ﴿ لَيَسْجُنُنَّهُ، حَتَّى حِينٍ﴾. يقولُ: ليسجُنُنَّه إلى الوقتِ الذى يَرَوْن فيه
رأيهم. وجعَل اللَّهُ ذلك الحبسَ ليوسُفَ فيما ذُكِر عقوبةً له مِن همِّه بالمرأةِ ، أو(٤)
كفارةٌ لخطيئته (٥) .
حُدِّثْتُ عن يحيى بن أبى زائدةً، عن إسرائيلَ، عن خُصَيْفٍ، عن عكرمةَ، عن
ابنِ عباسٍ: ﴿ لَيَسْجُنُنَّهُ، حَتَّى حِينٍ﴾: عثَر يوسُفُ عليه السلامُ ثلاثَ عَثَراتٍ ؛ حينَ
هَّ بها فسُجِن، وحينَ قال: ﴿ أَذْكُرْنِى عِندَ رَبِّكَ﴾. فَلَبِثَ فى السجنِ بضْعَ
سنينَ، وأنساه الشيطانُ ذكرَ ربِّه، وقال لهم: ﴿إِنَّكُمْ لَسَرِقُونَ﴾ [ يوسف: ٧٠] .
فقالوا: ﴿إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلَ﴾(١) [يوسـ
[ يوسف : ٧٧] .
وذُكِر أن سببَ حبسِه فى السجنٍ كان شكوى امرأةِ العزيزِ إلى زوجِها أمرَها
(١) فى ت ٢، س: ((بما)).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢١٤٠/٧ (١١٥٨٦) من طريق سلمة به.
(٣) ذكره المصنف فى تاريخه ١/ ٣٤١، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢١٣٩/٧ (١١٥٨٤) من طريق
أسباط به مطولًا .
(٤) فى م: (( و)).
(٥) فى ت ٢، س، ف: ((بخطيئته)) .
(٦) أخرجه الحاكم ٣٤٦/٢ من طريق إسرائيل به، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢١٤٠/٧ (١١٥٨٧)
من طريق خصيف به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٨/٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ .

١٥٠
سورة يوسف : الآية ٣٥
وأمرَه، كما حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا عمرُو بنُّ محمدٍ، عن أسباطَ ، عن السدىِّ :
﴿ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّنْ بَعْدِ مَا رَأَوْ اُلْآَيَتِ لَيَسْجُنُنَّهُ، حَتَّى حِينٍ﴾. قال: قالت المرأةُ
لزوجِها : إن هذا العبدَ العِبْرانىَّ قد فضَحنى فى الناسِ ، يَعْتَذِرُ إليهم ويُخْبِرُهم أنی
راوَدْتُه عن نفسِه، ولستُ أُطِيقُ أن أَعْتَذِرَ بِعُذْرِى، فإما أن تَأْذَنَ لى فَأَخْرُجَ فَأَعْتَذِرَ،
وإما أن تَخْبِسَه كما حبَسْتَنى. فذلك قولُ اللَّهِ: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّنْ بَعْدٍ مَا رَأَوْ اُلْأَيَتِ
لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾(١).
وقد اخْتَلَف أهلُ العربيةِ فى وجهِ دخولٍ هذه اللامِ فى: ﴿ لَيَسْجُنُنَّهُ ﴾ ؛ فقال
بعضُ البصريين: دخَلَت هلهنا؛ لأنه موضعٌ يَقَعُ فيه ((أىٌّ))، فلمَّا كان حرفُ
الاستفهام يَدْخُلُ فيه دخَلَته النونُ ؛ لأن النونَ تَكونُ فى الاستفهامِ ، تقولُ : بدا لهم
أُهم(٢) یأْخُذُنَّ . أى: اسْتَبان لهم.
وأَنْكَر ذلك بعضُ أهلِ العربيةِ ، فقال : هذا يميٌّ ، وليس قولُه : هل تَقُومَنَّ؟
بيمين، و: لَتَقومَنَّ. لا يكونُ إلا يمينًا .
وقال بعضُ نحوبى الكوفةِ: ﴿بَدَا لَهُمْ﴾ بمعنى القولِ. والقولُ يَأْتى بكلِّ
الكلامِ بالقسمِ وبالاستفهامٍ، فلذلك جاز: بدا لهم قام زيدٌ، وبدا لهم
لَیَقومَنَّ.
وقيل : إن الحينَ(٢) فى هذا الموضعِ معنىٌّ به سبعُ سِنِينَ .
(١) ذكره المصنف فى تاريخه ١/ ٣٤٢، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢١٣٩/٧ (١١٥٨٤) من طريق
أسباط به .
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((أنهم)).
(٣) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((الخبر)).

١٥١
سورة يوسف : الآيتان ٣٥، ٣٦
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا المحاربىُّ، عن داودَ، عن عكرمةَ: ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى
حِينٍ﴾. قال: سبعَ سنينَ(١).
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿ وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانٍ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنَّ أَرَنِّ
أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآَخَرُ إَِّ أَرَبِّ أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِى خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّرُ مِنْهُ نَبِئْنَا
(٣٦
بِتَأْوِيلِ: إِنَّا نَرَئِكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ
يقولُ تعالى ذكرُه: ودخَل مع يوسُفَ السجنَ فَتَيان، فدَّل بذلك على
متروكٍ قد تُرِك مِن الكلامِ، وهو: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوْ اُلَيَتِ ٢١٤/١٢
لَيَسْجُنُنَّهُ، حَتَّى حِينٍ﴾، فسجَنوه وأدْخَلوه السجنَ، ودخَل معه فَتَيَان ، فاسْتَغْنَى
بدليلِ قوله: ﴿ وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانٍ (١﴾. على إدخالِهِم يوسُفَ السجنَ مِن
ذكره .
و(٢) كان الفتيان فيما ذُكِر غلامين مِن غِلْمانِ ملكِ مصرَ الأكبرِ؛ أحدُهما
صاحبُ شرابِهِ، والآخرُ صاحبُ طعامِهِ .
كما حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: فطُرِح فى
السجنٍ، يعنى يوسُفَ، ﴿ وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانٍ﴾: غلامان(٤) كانا للملكِ
الأكبرِ الرَّيَّنِ بنِ الوليدِ، كان أحدُهما على شرابِهِ، والآخرُ على بعضِ أمرِه، فى
(١) ذكره المصنف فى تاريخه ١/ ٣٤٢، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢١٤١/٧ (١١٥٩١) من طريق
عاصم عن عكرمة .
(٢) سقط من ص، ت ١، ت ٢، س، ف.
(٣) سقط من ص، ت ١، ت ٢، س.
(٤) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((غلامين)). وينظر مصدر التخريج .

١٥٢
سورة يوسف : الآية ٣٦
سَخْطةٍ سخِطها عليهما ، اسمُ أحدِهما مجلتُ، والآخر ( نبو، ونبو" الذى كان
على الشراب(١) .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ
فَتَيَانٍ﴾. قال: كان أحدُهما (" خَازَ الملك٣ِ) على طعامِه، وكان الآخر ساقيه على
(٤)
شرابه
.
وكان سببَ حبسٍ الملكِ الفتَين، فيما ذُكِر، ما حدَّثنا ابنُ وكيع، قال : ثنا
عمرّو، عن أسباطَ ، عن السدىِّ، قال: °حبَسه الملكُ وغضِب" على خبَّازِه؛
بلَغه أنه يُرِيدُ أَن يَشُمَّه، فحبسه وحبَس صاحبَ شرابِهِ، ظنَّ أنه مالأه على
ذلك، فحبَسهما جميعًا، فذلك قولُ اللَّهِ تعالى: ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ
(٦)
فَتَيَانٍ﴾ (١).
وقولُه: ﴿ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنَّ أَرَبِنِّ أَعْصِرُ خَمْرًا﴾. ذُكِر أن يوسُفَ صلواتُ
اللَّهِ(٧) عليه لما أُدْخِل السجنَ، قال لمن فيه مِن المُحَيَّسين، وسألوه عن عملِه(٨):
(١ - ١) فى ت ١، س: ((بنو)). وهو موافق لما فى البداية والنهاية. وينظر تاريخ الطبرى ١/ ٣٤٣، والتعريف
والإعلام ص ١٤٥.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢١٤٢/٧ (١١٥٩٨) من طريق سلمة به .
(٣ - ٣) فى م: ((خبازًا للملك)).
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢١٤١/٧ (١١٥٩٦) من طريق آخر عن سعيد به .
(٥ - ٥) فى م: ((إن الملك غضب)).
(٦) أخرجه المصنف فى تاريخه ٣٤٣/١، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢١٤٢/٧، ٢١٤٣
(١١٥٩٧، ١١٦٠٢) من طريق أسباط به .
(٧) بعده فى م: (( وسلامه)) .
(٨) بعده فى ت ١: ((قال)).

١٥٣
سورة يوسف : الآية ٣٦
إنى أَعْبُرُ(١) الرؤيا. فقال أحدُ الفتيَين اللذين أَدْخِلا معه السجنَ لصاحبِه: تعالَ
فلْنُجَرّبُه .
كما حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا عمرُو بنُ محمدٍ، عن أسْباطَ ، عن السدىِّ،
قال: لما دخَل يوسُفُ السجنَ [٨٦/٢ظ] قال: أنا أَعْبُرُ الأحلامَ، فقال أحدُ الفتيَين
لصاحبِهِ : هَلُمَّ تُجَّبْ هذا العبدَ العِبْرانيّ ؛ نتراءى له ، فسأَلاه مِن غيرِ أن يكونا رأيًا
شيئًا ، فقال الخبَازُ: ﴿ إِنَّ أَرَبِىّ أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِى خُبْزًا تَأْكُلُ اُلَّيْرُ مِنْهُ﴾. وقال
الآخرُ: ﴿ إِنَّّ أَرَكِّ أَعْصِرُ خَمْرًا﴾(١)
حدَّثنا ابنُ وكيع وابنُ حميدٍ ، قالا: ثنا جريرٌ، عن عمارةَ بنِ القَعقاعِ، عن
إبراهيمَ، عن عبدِ اللَّهِ ، قال: ما رأَى صاحبا يوسُفَ شيئًا، إنما كانا تَحَالما ؛ ليُجَرِّبا
(٣)
علمه(٣).
وقال قومٌ(٤): إنما سأَلَه الفَتَيان عن رُؤْيًا كانا رأَيَاها على صحةٍ وحقيقةٍ، وعلى
تصديقٍ منهما ليوسُفَ ؛ لعلمِه بتَغْبيرِها .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: لما رأَى الفَتَيان
يوسُفَ ، قالا: واللَّهِ يا فتى، لقد أحْيَبناك حينَ رأَيْناك.
(١) عبر الرؤيا يعبرُها عبرًا وعبارة، وعبّرها: فسرها وأخبر بما يؤول إليه أمرها. اللسان: (ع ب ر).
(٢) أخرجه المصنف فى تاريخه ١/ ٣٤٢، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢١٤٣/٧ (١١٦٠٢) من طريق
أسباط به .
(٣) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٣١٤/٤ عن المصنف بلفظ: ((ليجربا عليه)).
(٤) بعده فى ص: ((بل)).

١٥٤
سورة يوسف : الآية ٣٦
قال : ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ ، عن عبدِ اللَّهِ(١) بنِ أبى نَجِيحِ، عن مجاهدٍ ،
أن يوسُفَ قال لهم حينَ قالا له ذلك: أَنْشُدُ كما اللَّهَ أن لا تُحِيَانى، فواللَّهِ ما أحَبَّنی
أحدٌ قطُّ ، إلا دخَل علىَّ مِن حبّه بلاءٌ، لقد أحَبَتْنى عمَّتى فدخَل علىَّ مِن حبِّها بلاءٌ،
ثم لقد أحَبَّنى أبى ، فدخَل علىَّ بحبّه بلاءٌ، ثم لقد أحَبَّشْی زوجةُ صاحبى هذا ،
فدخَل علىَّ بحبّها إِياىَ بلاءٌ، فلا تُحِيَّانى بارَكَ اللَّهُ فيكما. قال: فَأَبَيا إلا حبَّه وإِلْفَه
٢١٥/١٢ حيثُ / كان، وجعَلا يُعْجِبُهما ما يَرَيان مِن فهمِه وعقله، وقد كانا رأيا حينَ أُدْخِلا
السجنَ رُؤْيًا، فرأَى مجلتُ: أنه يَحْمِلُ فوقَ رأسِه خبزًا تَأْكُلُ الطيرُ منه، ورأَى نبو(٢)
أنه يَعْصِرُ خمرًا، فاسْتَفْتَيَاهُ(٢) فيها، وقالا له: ﴿نَبِّثْنَا بِتَأْوِيلِ: إِنَّا نَرَئِكَ مِنَ
اٌلْمُحْسِنِينَ﴾ إن فعَلْتَ(٤).
وعنَى بقولِه: ﴿أَعْصِرُ خَمْرًا﴾. أى: إنى أَرَى فى نومى أنى أَعْصِرُ عنْبًا .
و كذلك ذلك فى قراءة ابن مسعودٍ ، فیما ذُكِر عنه .
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال : ثنا أبى، عن أبى سلمةَ الصائغ، عن إبراهيمَ بنِ بَشيرٍ
الأنصارىِّ ، عن محمدِ ابنِ الحَفيةِ ، قال: فى قراءةِ ابنِ مسعودٍ : (إنى أَرَانى أَعْصِرُ
(٥)
عِنْبًا)(٥).
(١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف.
(٢) فى ت ١، ت ٢، ف: (( بنو)).
(٣) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((فاستفتيا)).
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧/ ٢١٤٢، ٢١٤٣ (١١٥٩٨، ١١٦٠١، ١١٦٠٤) من طريق
سلمة به .
(٥) أخرجه البخارى فى تاريخه ٢٧٤/١، ٢٧٥ تعليقا عن وكيع به، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره
٢١٤٢/٧ (١١٥٩٩) من طريق آخر عن عبد الله به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٩/٤ إلى ابن
المنذر وابن الأنبارى، وأبى الشيخ وابن مردويه .

١٥٥
سورة يوسف : الآية ٣٦
وذُكِر أن ذلك مِن لغةٍ أَهلِ عمانَ ، وأنهم يُسَمُّون العنبَ خمرًا .
ذكرُ مَن قال ذلك
حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ ، يقولُ: ثنا عُبِيدٌ، قال: سمِعْتُ
الضحاكَ يقولُ فى قولِهِ: ﴿إِنَّ أَرَنِيّ أَعْصِرُ خَمْرًا﴾. يقولُ: أَعْصِرُ عِنْبًا، وهو
بلغةٍ (١) أهلِ عمانَ، يُسَقُّون العنبَ خمرًا(١) .
حدَّثنا أبو كُريبٍ ، قال: ثنا وكيعٌ . وثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبى ، عن سلمةً بنِ
نُبَيْطٍ ، عن الضحاكِ: ﴿إِنِىّ أَرَنِّ أَعْصِرُ خَمْرًا﴾. قال: عنبًا، أرضُ كذا وكذا
يَدْعُون العنبَ خمرًا .
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ نجريج ، قال : قال
ابنُ عباسٍ : ﴿إِنَّ أَرَِّ أَعْصِرُ خَمْرًا﴾. قال: عنبً(٢).
حُدِّثْتُ عن المسيَّبِ بنِ شَريك، عن أبى حمزةَ، عن عكرمةً ، قال : أتاه فقال :
رأيْتُ فيما يَرَى النائمُ أنى غرَسْتُ حَبَلةٌ(٤) مِن عنبٍ، فنبَتَت، فخرَج فيها (٥) عَناقيدُ
فعصَرْتُهن، ثم سقَيْتُهن الملكَ. فقال: تُمْكُثُ فى السجنِ ثلاثةَ أيامٍ، ثم تَخْرُجُ
فَتَسْقِيه خمرًا .
(١) فى ت ٢: ((لغة)).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢١٤٢/٧ من طريق آخر عن الضحاك به بنحوه ، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ١٩/٤ إلى ابن المنذر.
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٩/٤ إلى المصنف.
(٤) الحَيَلةُ والحُلةُ: الكرمُ، وقيل : الأصل من أصول الكرم، والحبلةُ: طاقٌ من قضبان الكرم، والحبَلُ: شجر
العنب ، واحدته ختَلةٌ . اللسان (ح ب ل).
(٥) فی ص، م: ( فيه)) .

١٥٦
سورة يوسف : الآية ٣٦
وقولُه: ﴿ وَقَالَ الْآَخَرُ إِنَّ أَرَئِنِّ أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِى خُبْزًا تَأْكُلُ اُلْطَّيْرُ مِنْهُ نَبِئْنَا
بِتَأْوِيلِ﴾. يقولُ تعالى ذكره: وقال الآخرُ مِن الفَتْبَين: إنى أرانى فى منامى
أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِى خُبْزًا﴾. يقولُ: أَحْمِلُ على رأسى، فوُضِعَت ((فوقَ)) مكانَ
((على))، ﴿تَأْكُلُ اَلَيْرُ مِنْهُ﴾ يعنى مِن الخبزِ.
وقولُه: ﴿نِتْنَا بِتَأْوِيلِ﴾. يقولُ: أخْبِرْنا بما يَقُولُ إليه ما أُخْتَرْناك أنّا رَأَيْنَاه
فى منامِنا ، ویَرجِعُ إليه .
كما حدَّثنى الحارثُ ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا يزيدُ، عن وَرْقاءَ، عن ابنِ
أبى تَجِيحِ، عن مجاهدٍ : ﴿نَبِثْنَا بِتَأْوِيلِ﴾﴾. قال : به.
قال الحارثُ: قال ((أبو عُبيد١ٍ): يعنى مجاهدٌ: إن تأويلَ الشىءٍ هو الشىءُ.
قال: ومنه تأويلُ الرؤيا، إنما هو الشىءُ الذى تَقُولُ إِليه .
وقولُه: ﴿إِنَّا نَرَئِكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾. اخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى معنى
الإحسانِ الذى وصَف به الفَتَيان يوسُفَ ؛ فقال بعضُهم: هو أنه كان يَعودُ
مريضَهم ، ويُعَزِّى حزينَهم، وإذا احتاج منهم إنسانٌ جمع له .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ ، قال: ثنا سعيدُ بنُ منصورٍ، قال : ثنا خلفُ بنُ
٢١٦/١٣ خليفةَ، عن سلمةَ بنِ نُبَيْطٍ، / عن الضحاكِ بنِ مُزَاحِم، قال(١): كنتُ جالسًا معه
يُبَلْخَ، فسُئِل عن قولِه: ﴿نَبِّثْنَا بِتَأْوِيلِ: إِنَّا نَرَئِكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾. قال: قيل
(١ - ١) فى ت ٢: ((أبو عبيدة)). وأبو عبيد هو القاسم.
(٢) هو سلمة بن نبيط. وينظر تفسير ابن أبى حاتم، وشعب البيهقى .
(٣ - ٣) فى ت ١: ((مع شيخ)). وفى ت ٢، س، ف: ((مع ببلخ)). وينظر سنن ابن منصور. وبلخ مدينة
مشهورة بخراسان . معجم البلدان ٢/ ٧١٣، وينظر مصادر التخريج .

١٥٧
سورة يوسف : الآية ٣٦
له : ما كان إحسانُ يوسفَ؟ قال : كان إذا مرِض إنسانٌ قام عليه ، وإذا احتاج جمَع
له، وإذا ضاق أوْسَع له(١).
حدَّثنا إسحاقُ بنُ(٢) أبى إسرائيلَ، قال: ثنا خلفُ بنُ خليفةً، عن سلمةَ بنِ نُبَيْطٍ ،
عن الضحاكِ، قال: سأل رجلٌ الضحاكَ عن قولِه: ﴿ إِنَّا نَرَئِكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾.
ما كان إحسانُه؟ قال: كان إذا مرِض إنسانٌ فى السجنِ قام عليه، وإذا احتاج جمَع
(٣). (٤)
له، وإذا ضاق عليه المكانُ وشَع(٣) له (٤).
حدَّثْنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ ، قال: ثنى حجاجٌ، عن أبى بكرِ بنِ عبدِ اللهِ ،
عن قتادةَ قولَه: ﴿ إِنَّا نَرَكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾. قال: بلَغَنا أن إِحْسانَه(٥) أنه كان
يُداوِى مريضَهم، ويُعَزِّى حزينَهم، ويَجْتَهِدُ [٨٧/٢و] لربِّه. وقال: لما انْتَهَى يوسُفُ
إلى السجنِ، وجَد فيه قومًا قد انْقَطَع رجاؤهم ، واشْتَدَّ بلاؤُهم ، فطال حزنُهم ،
فجعل يقولُ : أبشِروا واضپروا تُؤجروا ، إن لهذا أجرًا() ، إن لهذا ثوابًا . فقالوا : يا
فتى بارَك اللَّهُ فيك، ما أحْسَنَ وجهَك، (وأحسنَ خَلقَك) وأحسنَ خُلُقَك! لقد
(١) أخرجه سعيد بن منصور فى سننه (١١٢٤ - تفسير)، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢١٤٣/٧
(١١٦٠٥)، والبيهقى فى شعب الإيمان (٩٥٧٩) من طريق خلف بن خليفة به ، وخلف بن خليفة صدوق ،
اختلط قبل موته ، وادعى أنه رأى عمرو بن حريث الصحابى فأنكر عليه ذلك ابن عيينة ، وأحمد ، ترجمته فى
التهذيب ٢٨٤/٨، والأثر عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٩/٤ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ .
(٢) فى النسخ: ((عن)). وهو إسحاق بن أبى إسرائيل، ترجمته فى تهذيب الكمال ٣٩٨/٢. وينظر
تاريخ المصنف ٣٤٣/١ حيث أخرج هذا الأثر، وينظر أيضا تاريخه ٥٠١/٥، ٦٢٢. حيث أخرج عنه
غير هذا الأثر.
(٣) فى م: ((أوسع)).
(٤) أخرجه المصنف فى تاريخه ٣٤٣/١.
(٥) بعده فى ص، ت ٢، س: ((كان)).
(٦) بعده فى س: ((إن لهذا جزاء)).
(٧ - ٧) سقط من: م.

١٥٨
سورة يوسف : الآية ٣٦
بُورِك لنا فى جوارِك، ما نُحِبُّ أَنا كنا فى غيرِ هذا منذُ حُبِشنا؛ لما تُخْبِرُنا مِن الأجرِ
والكفارةِ والطَّهارةِ، فمَن أنت يافتى؟ قال: أنا يوسُفُ، ابنُ صَفِيِّ اللَّهِ يعقوبَ ، ابنِ
ذَبيحِ اللَّهِ إسحاقَ بنِ إبراهيمَ خليلِ اللَّهِ. وكانت عليه مَحَّةٌ، وقال له عاملُ السجنِ:
يا فتى، واللَّهِ لو اسْتَطَعْتُ لَخَلَّيْتَ سبيلَك، ولكن سأُحْسِنُ جوارَك، وأُحْسِنُ إِسارَك،
فَكُنْ فى أىِّ بيوتِ السجنِ شِئْتَ(١).
حدَّثنا أبو كُريبٍ ، قال: ثنا وكيعٌ، عن خلفِ الأشْجَعيِّ ، عن سلمةَ بنِ نُبَيْطِ ،
عن الضحاكِ فى: ﴿ إِنَّا نَرَكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾. قال: كان يُوَسِّعُ للرجلِ فى
مجلسِه، ويَتَعاهدُ المرضَى .
وقال آخرون: معناه: ﴿ إِنَّا نَرَئِكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ إِن(١) نَأَتَنا بتأويلِ رُؤْيانا
هذه .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ ، قال: اسْتَفْتَياه فى
رُؤْياهما، وقالا له: ﴿نِّثْنَا بِتَأْوِيلِ إِنَّا نَرَئِكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ إِن فَعَلْتَ.
وأولى الأقوالِ فى ذلك عندَنا بالصوابِ القولُ الذى ذكَوْناه عن الضحاكِ
وقتادةَ .
فإن قال قائلٌ : وما وجهُ الكلام إن كان الأمرُ إذن كما قلتَ ، وقد علِمْتَ أن
مسألتَهما يوسُفَ أن يُنَبَهما بتأويلِ رُؤْياهما ليست مِن الخبرِ عن صفتِهِ بأنه يَعودُ
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٩/٤ إلى المصنف وأبى الشيخ، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢١٤٣/٧
(١١٦٠٦) من طريق آخر عن قتادة .
(٢) فى م: ((إذ)).

١٥٩
سورة يوسف : الآيتان ٣٦، ٣٧
المريضَ، ويَقومُ عليه، ويُحْسِنُ إلى مَن احْتاج فى شىءٍ، وإنما يقالُ للرجلِ : نبْنا
بتأويلٍ هذا، فإنك عالمٌ. وهذا مِن المواضع التى تَحْسُنُ بالوصفِ بالعلم لا بغيرِه ؟
قيل : إن وجهَ ذلك أنهما قالا له : نَبْنا بتأويل رُؤْيانا مُحْسِنًا إِلينا فى إخبارِك إيانا
بذلك، كما نَراك تُحْسِنُ فى سائرٍ أفعالِك؛ ﴿إِنَّا نَرَئِكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾.
/القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿ قَالَ لَا يَأْتِيِكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ، إِلَّا نَبَأْتُكُمَا ٢١٧/١٢
◌ِتَأْوِيلِهِ، قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِ رَبِيَّ إِنِّى تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ
٣٧
وَهُم بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَفِرُونَ
يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿ قَالَ﴾ يوسفُ للفَتَين اللذين اسْتَعْبَراه الرُّؤْيا: ﴿لَا
يَأْتِيكُمَا﴾، أيُّها الفتيان، فى مَنامِكما ﴿طَعَامٌ تُزَقَانِ: إِلَّا نَبَأْتِكُمَا بِتَأْوِيلِهِ، ﴾ فى
يَقَظتِكما، ﴿ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَّا
وبنحوِ الذى قُلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال : ثنا عمرو، عن أسباطَ ، عن السدىِّ ، قال : قال يوسفُ
لهما: ﴿لَا يَأْتِيَكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَائِ﴾ فى النومِ ﴿إِلَّا بَبَأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِ﴾ فى
(١)
اليقظةِ (١) .
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سَلَمةُ ، عن ابنٍ إسحاقَ ، قال: قال يوسفُ لهما .
(٢)
بنحوہ
.
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢١٤٤/٧ (١١٦٠٩) من طريق أسباط به .
(٢) فى ص، م، س: ((لا يأتيكما طعام ترزقانه. يقول: فى نومكما. إلا نبأتكما بتأويله)). وفى ت ٢، ف :
«لا یأتیکما بتأويله)) .
==

١٦٠
سورة يوسف : الآية ٣٧
ويعنى بقولِه: ﴿ بِتَأْوِيلِهِ﴾: ما يقولُ إليه ويصيرُ ما رَأْيا فى منامِهما مِن الطعامِ
الذى رَأَيا أنه أتاهما فيه .
وقولُه: ﴿ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَمَنِ رَبِّ﴾. يقولُ: هذا الذى أذكُرُ أَنِى أَعْلمُه مِن
تعبيرِ الرؤيا، مما عَلَّمَنى ربِّى فَعَلِمْتُه، ﴿ إِنِّى تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾. وجاءَ
الخبرُ مبتدأ، أى: تَرَكتُ ملةَ قوم، والمعنى: ما قلْتُ(١) . وإنما ابْتَدأَ بذلك؛ لأن فى
الابتداءِ الدليلَ على معناه .
وقولُه: ﴿إِ تَرَّكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ بِالَّهِ﴾. يقولُ: إنى ( بَرِقْتُ مِن)
ملةٍ مَن لا يُصدِّقُ اللَّهُ(١)، ويُقِرُّ بوحدانيته، ﴿وَهُم ◌ِلْآَخِرَةِ هُمْ كَفِرُونَ﴾. يقولُ:
وهم مع تَرْكِهم الإيمانَ بوحدانيةِ اللَّهِ لا يُقِرُّون بالمعادِ والبعثِ، ولا بثوابٍ ولا
عقابٍ .
وكُرِّرَت ((هم)) مرّتين، فقيل: ﴿وَهُم بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَفِرُونَ﴾. لَّ دَخَل
بينَهما قولُه: ﴿ بِالََّخِرَوَ﴾. فصارت «هم» الأولى کالملغاةِ، وصار الاعتمادُ علی
الثانيةِ، كما قيل: ﴿وَهُم بِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [النمل: ٣]، وكما قيل: ﴿أَيَعِدُّكُمْ
أَنَّكُمْ إِذَا مِتُمْ وَكُنْتُمْ تُرَبًا وَعِظَمَا أَنَّكُمْ تُخْرَجُونَ ﴾ [المؤمنون: ٣٥].
فإن قال قائلٌ: و(٤) ما وَجْهُ هذا الخبرِ ومعناه مِن يوسفَ، وأين جوابُه الفَتْيَين
عما سَألاه مِن تعبيرٍ رُؤْياهما مِن هذا الكلام؟
= ينظر ما أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢١٤٤/٧ (١١٦٠٨) من طريق سلمة عن محمد بن إسحاق عن
ابن أیی نجیح عن مجاهد .
(١) فى م: ((ملت)).
(٢ - ٢) فى ف: ((تركت)).
(٣) فى م: ((بالله)).
(٤) سقط من : م .