النص المفهرس
صفحات 581-600
٥٨١ سورة هود : الآيات ١٠٥ - ١٠٧ حدَّثنى المُنَّى، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال: ثنى معاويةُ، عن عامٍ بنِ جَشِيبٍ (٢)، عن خالدِ بنِ مَعْدانَ فى قوله: ﴿لَّمِثِينَ فِيَهَا أَحْقَابًا﴾. [النبأ: ٢٣] وقوله: ﴿ خَلِينَ فِيهَا﴾ - ﴿إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَ﴾: إنهما فى أهلِ التوحيد ). وقال آخرون : الاستثناءُ فى هذه الآيةِ فى أهلِ التوحيدِ. إلا أنهم قالوا : معنى قولِه: ﴿ إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَ﴾. إلا أن يَشاءَ ربُّك أَن يَتَجاوَزَ عنهم فلا يُدْخِلَهم النارَ. ووجَّهوا الاستثناءَ إلى أنه مِن قوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُواْ فَفِى النَّارِ﴾ - ﴿إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَّ ﴾ لا مِن الخلودِ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال : ثنا ابنُ التَّيْمئِّ ، عن أبيه ، عن أبى نَضْرةَ، عن جابرٍ، أو عن أبى سعيد الخدرىِّ، أو عن رجلٍ مِن أصحابٍ رسولِ اللَّهِ مَّعٍ فى قولِهِ: ﴿إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾. قال: هذه الآيةُ تَأْتِى على القرآنِ كلِّه، يقولُ: حيث كان فى القرآنِ: ﴿خَلِينَ فِيهَا﴾. تَأْتِى عليه. قال: وسمِعْتُ أَبا مِجْلَزٍ يقولُ: هو جزاؤُه، فإن [٦٧/٣٣ظ] شاء اللّهُ تَجَاوَز عن عذابِه(٣). (١) فى م: ((جشب))، وفى ت ١، ت ٢، س: ((حبيب))، وفى ف: ((خبيب))، وغير منقوطة فى ص، وينظر تهذيب الكمال ١٤/١٤. (٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٠٨٧/٦ من طريق عبد الله بن صالح به دون آية سورة النبأ ، وسيأتى فى سورة النبأ . (٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣١٣، وأخرجه إسحاق بن راهويه - کما فی شفاء العليل ص ٥٥٣ وحادی الأرواح ص ٢٦٥ - والبيهقى فى الأسماء والصفات (٣٣٧) من طريق معتمر بن سليمان التيمى به ، وأخرجه ابن الضريس وابن المنذر والطبرانى - كما فى الدر المنثور ٣٥٠/٣ - من طريق أبى نضرة به ، وأخرجه أبو نعيم فى الحلية ٣/ ٩٨، والبيهقى فى الأسماء والصفات (٣٣٦) وفى الاعتقاد ص٨٤ من طريق الجريرى، عن أبى نضرة من قوله . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٥٠/٣ إلى ابن المنذر وابن أبى حاتم وأبى الشيخ. ٥٨٢ سورة هود : الآيات ١٠٥ - ١٠٧ وقال آخرون: عُنِى بذلك أهلُ النارِ ، وكلُّ مَن دخَلَها . ذكرُ مَن قال ذلك حُدِّثتُ عن المسيبِ ، عمَّن ذكره، عن ابنِ عباسٍ: ﴿خَلِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَتُ وَالْأَرْضُ﴾: لا يَموتون، ولا هم منها يُخْرَجون، ما دامت السماواتُ والأرضُ، ﴿ إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَ﴾. قال: استثنَى (١) اللَّهُ، قال: يَأْمُرُ النّارَ أَن تَأْكُلَهم. قال : وقال ابنُ مسعودٍ : لَيَأْتِيَنَّ على جهنمَ زمانٌ تَخْفِقُ أبوابُها ليس فيها أحدٌ ، وذلك بعد ما يَلْبثون فيها أحقابًا (٢). حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا جريرٌ، عن بيانٍ ، عن الشعبىِّ ، قال: جهنمُ أسرعُ الدارين عُمْرانًا، وأسرعُهما خَرابًا(٢). وقال آخرون: أُخْبَرنا اللَّهُ بمشيئتِه لأهل الجنةِ، فعرَّفَنا معنى تُنْياه بقوله: ﴿عَطَاً ١١٩/١٢ غَيْرَ مَجْذُونٍ﴾. أنها / فى الزيادةِ على مقدارِ مدةِ السماواتِ والأرضِ. قالوا: ولم يُخْبِونا بمشيئته فى أهل النار ، وجائز أن تكون مشيئته فى الزيادة ، وجائزٌ أن تكون فى النقصانِ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى يونُسُ، قال: أَخْبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله : خَلِينَ فِيَهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَ﴾. فقرَأُ حتى بلَغ (١) فى ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: ((استثناء)). (٢) ذكره ابن القيم فى شفاء العليل ص ٥٥٦، وحادى الأرواح ص ٢٦٥. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٥٠/٣ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ عن إبراهيم عن ابن مسعود. (٣) ذكره ابن القيم فى شفاء العليل ص ٥٥٦، وحادى الأرواح ص ٢٦٦ عن المصنف . ٥٨٣ سورة هود : الآيات ١٠٥ - ١٠٧ [٦٨/٣٣و]: ﴿عَطَاءَ غَيْرَ مَجْذُونٍ﴾. قال: فأخبرنا الذى يَشاءُ لأهل الجنةِ ، فقال: عَطَاءٍ غَيْرَ مَجْذُونٍ﴾. ولم يُخْبِرْنا بالذى يَشاءُ لأُهلِ النارٍ (١). وأولى هذه الأقوالِ فى تأويلٍ هذه الآيةِ بالصوابِ القولُ الذى ذكَوْناه عن قتادةَ والضحاكِ ، مِن أن ذلك استثناءٌ فى أهلِ التوحيدِ مِن أهلِ الكبائرِ أنه مُدْخِلُهم النارَ، فتاركُهم(١) فيها أبدًا، إلا ما شاء مِن تركِهم فيها أقلّ مِن ذلك، ثم يُخْرِجُهم منها فيُدْخِلُهم الجنةَ. كما (١٢) قد بيََّّا فى غيرِ هذا الموضع بما أُغْنَى عن إعادته فى هذا (٤) الموضع(4). وإنما قلنا : ذلك أولى الأقوالِ فى ذلك بالصحةِ؛ لأنَّ اللَّهَ، عزّ وجلّ، قد أوْعَد أهلَ الشركِ به الخلودَ فى النارِ، وتَظاهَرَت بذلك الأخبارُ عن رسولِ اللَّهِ يََّمِ ، فغيرُ جائزٍ أن يكونَ استثناءً فى أهلِ الشركِ، وأن الأخبارَ قد تَوَاتَرَت عن رسولِ اللَّهِ ◌َ اتِ أن اللَّهَ يُدْخِلُ قومًا مِن أهلِ الإِيمانِ به بذنوبٍ أصابوها النارَ، ثم يُخْرِجُهم منها فيُدْخِلُهم الجنةَ ، فغيرُ جائزٍ أن يكونَ ذلك استثناءً فى أهلِ التوحيدِ قبلَ دخولها، مع صحةٍ الأخبارِ عن رسولِ اللهِ وَهٍ بما ذكَرْنا، وأَنّا إِن جعَلْناه [٦٨/٣٣ظ] استثناءً فى ذلك، كنا قد دخَلْنا فى قولٍ مَن يقولُ: لا يَدْخُلُ الجنةَ فاسقٌ ، ولا النارَ مؤمنٌ. وذلك خلافُ مذاهبٍ(٥) أهلِ العلم، وما جاءت به الأخبارُ عن رسولِ اللَّهِ عَمِ، فإذا فسد هذانِ القولانِ (١) ، فلا قولَ قال به القُدْوةُ من أهلِ العلم إلا الثالثُ . ولأهلِ العربيةِ فى (١) ذكره ابن القيم فى حادى الأرواح ص ٢٦٦ عن المصنف . (٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف، وفى م: ((خالدين)). (٣) فى ص، م، ت ١، س، ف: (( كذا)). (٤) ينظر ما تقدم ٧/ ٣٥٠. (٥) فى ت ٢: ((يذهب)). (٦) فى م: ((الوجهان)). ٥٨٤ سورة هود : الآيات ١٠٥ - ١٠٨ ذلك مذهبٌ غيرُ ذلك ستَذْكُرُه بعدُ، ونبيِّنُه إن شاءَ اللَّهُ تعالى. وقولُه: ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾. يقولُ عزّ وجلّ: إِنَّ ربَّك يا محمدُ لا يَمْتَعُه مانعٌ عن فعل ما أرادَ(١) فعلَه بَمَن عصاه وخالَف أمرَه، مِن الانتقامِ منه، ولكنه يَفْعَلُ ما يَشاءُ، فَيَعْضِى فعلُه فيهم وفيمَن شاءَ مِن خلقِه؛ فعلُه وقضاؤه . "القولُ فى تأويل قولِه عزّ وجلّ: ﴿ وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُ واْ فَفِى الْجَنَّةِ خَلِينَ فِيَهَا مَا ٢) دَامَتِ السَّمَوَتُ وَالْأَرْضُ إِلَّ مَا شَآءَ رَبُّكٌ عَطَاءٍ غَيْرَ تَجْذُونٍ ١٠٨ اختلَفتِ القرأةُ فى قراءةِ ذلك ؛ فقرَأَتَه عامةُ قرأةِ المدينةِ والحجازِ والبصرةِ وبعضُ الكوفيين: ( وأما الذين سَعِدوا) بفتح السينِ(٣). وقرَأ ذلك جماعةٌ مِن قرأةِ الكوفيين [٦٩/٣٣ و] ﴿ وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُواْ﴾ بضمٌ السّينِ(٤) ، بمعنى : رُزِقوا السعادةَ. والصوابُ مِن القولِ فى ذلك أنهما قراءتان معروفتان ، فبأيتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ الصوابَ . فإن قال قائلٌ: وكيف قيل: ﴿ سُعِدُوا﴾. فيما لم يُسَمَّ فاعلُه، ولم يُقَلْ: (أُسْعِدوا))، وأنت لا تقولُ فى الخبرِ فيما سُمِّى(٥) فاعلُه: سعَده اللَّهُ . بل إِنما تقولُ: (١) بعده فى ص، ت ٢، س، ف: ((من). (٢ - ٢) سقط من: م. (٣) هى قراءة ابن كثير ونافع وأبى عمرو وابن عامر وعاصم فى رواية أبى بكر. ينظر السبعة ص ٣٣٩، والتيسير ص ١٠٣، والكشف ٥٣٦. (٤) هى قراءة حمزة والكسائى وعاصم فى رواية حفص ، ينظر السابق . (٥) فى الأصل: «لم يسمّ) . ٥٨٥ سورة هود : الآية ١٠٨ أَسْعَده اللَّهُ؟ قيل : ذلك نظيرُ قولِهم: هو مجنونٌ، محبوبٌ فيما لم يُسَمَّ فاعلُه، فإذا سَمَّوْا فاعلَه ، قالوا: أُجَنَّه اللَّهُ وأحَبَّه . والعربُ تفعلُ ذلك كثيرًا . وقد بيَنا بعضَ ذلك فيما مضَى مِن كتابِنا هذا . /وتأويلُ ذلك: وأما الذين سُعِدوا برحمةِ اللَّهِ، فهم(١) فى الجنةِ، خالدين فيها ١٢٠/١٢ ﴿مَا دَامَتِ السَّمَوَتُ وَالْأَرْضُ﴾﴾. يقولُ: أبدًا ﴿إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكٌ واخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى معنى ذلك؛ فقال بعضُهم: ﴿ إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكٌ﴾، مِن قدرٍ ما مكَثُوا فى النارِ ، قبلَ دخولهم الجنةَ، قالوا: وذلك فيمَن أُخْرِج مِن النارِ مِن المؤمنين فأُدْخِل الجنةَ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، [٦٩/٣٣ظ] عن معمٍ (٢)، عن الضحاكِ فى قوله: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِىِ الْجَنَّةِ خَالِينَ فِيَهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَتُ وَاَلْأَرْضُ إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكٌ﴾. قال: هو أيضًا فى الذين يَخْرُجون من النارِ، فَيَدْخُلون الجنةً، يقولُ: خالدين فى الجنةِ ما دامت السماواتُ والأرضُ، ﴿إِلَّا مَا شَآءَ رَبٌُّ﴾. يقولُ: إلا ما مكَثُوا فى النارِ حتى أُدْخِلُوا .(٣) الجنةَ(٣). (١) فى ت ٢: ((فيهم)). (٢) بعده فى الأصل: ((عن قتادة)). وينظر مصدر التخريج . (٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦/ ٢٠٨٧، ٢٠٨٨ عن محمد بن عبد الأعلى به، وأخرجه الثورى فى تفسيره ص١٣٤ عن رجل عن الضحاك نحوه. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٥٠/٣ إلى أبى الشيخ. وينظر حادى الأرواح ص ٢٥٥. ٥٨٦ سورة هود : الآية ١٠٨ وقال آخرون: معنى ذلك: ﴿إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَ﴾ مِن الزيادةِ على قدرٍ مدةٍ دَوامٍ(١) السماواتِ والأرضِ، قالوا (١): وذلك هو الخلودُ فيها(١) أبدًا. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا يعقوبُ، عن أبى مالكٍ - يعنى ثعلبةَ - عن أبى سِنانٍ: ﴿ وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِى الْجَنَّةِ خَلِينَ فِيَهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَتُ وَالْأَرْضُ إِلَّمَا شَآءَ رَبُّكٌ﴾. قال: ومشيئتُه خلودُهم فيها، ثم أَتْبَعها فقال: ﴿عَطَاءٍ غَيْرَ (٢) مَجْذُونٍ﴾(١). واخْتَلَف أهلُ العربيةِ فى وجهِ الاستثناءِ فى هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم(٢) : فى ذلك معنيان؛ أحدُهما: أن تَجْعَلَه استثناءً يَسْتَثْنِيه ولا(٤) يَفْعَلُه، كقولِك: واللّهِ الأَضْرِبَتَّك، إلا أن أَرَى غيرَ ذلك. وعزمُك(٢) على ضربه، قال: فكذلك قال : خَالِينَ فِيَهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَتُ [٠/٣٣ ٧و] وَالْأَرْضُ إِلَّ مَا شَآءَ رَبُّكٌ﴾. ولا يَشاؤُه. قال : والقولُ الآخرُ: أن العرب إذا استثنت شيئًا كثيرًا مع مثله، ومع ما هو أكثرُ منه، كان معنى إلا، ومعنى الواو سَوَاءٌ(٤) . فمن ذلك قولُه: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾، سوى ما شاء اللَّهُ مِن زيادةِ الخلودِ. فَيَجْعَلُ ((إلا)) مكانَ ((سوى)) (٢) فيَصْلُحُ، وكأنه قال: خالدين فيها ما دامتِ السماواتُ والأرضُ سوى (١) سقط من : الأصل. (٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٠٨٨/٦ من طريق يعقوب به . (٣) معانى القرآن للفراء ٢٨/٢. (٤) سقط من: الأصل، ص، فى، والمثبت موافق لمعانى القرآن . (٥) فى معانى القرآن: ((وعزيمتك)). (٦) فى م: ((سوى)). (٧) فى ت ١، ت ٢، س: ((سواء)). ٥٨٧ سورة هود : الآية ١٠٨ ما زادهم مِن الخلودِ والأَبَدِ . ومثلُه فى الكلام أن تقولَ: لى عليك ألفٌ إلا الألفين اللذين قبلَها(١) . قال: وهذا أحبُّ الوجهين إلىّ؛ لأن اللَّهَ لا خُلْفَ لوعدِه. وقد وصَل الاستثناءَ بقولِه: ﴿عَطَاءٍ غَيْرَ مَجْذُونٍ﴾. فدلَّ على أن الاستثناءَ لهم فى الخلودِ غيرُ مُنْقَطِعٍ عنهم . وقال آخرون منهم بنحوِ هذا القولِ ، وقالوا : جائزٌ فيه وجهٌ ثالثٌ ، وهو أن يكونَ اسْتَثْنَى مِن خلودِهم فى الجنةِ اخْتِباسَهم عنها ما بينَ الموتِ والبعثِ ؛ وهو البرزخُ، إلى أن يَصِيروا إلى الجنةِ، ثم هو خلودُ الأبدِ (٤)، يقولُ: فلم يَغِيبوا عن الجنةِ إلا بقدرٍ إقامتهم فى البرزَخِ . /وقال آخرون (١) منهم: جائزٌ أن يكونَ دَوامُ السماواتِ والأرضِ بمعنى الأبدٍ ( ١٢١/١٢ على ما تَغْرِفُ العربُ، وتَسْتَعْمِلُ وتَسْتَثْنِى المشيئةَ مِن دَوامِها؛ لأن أهلَ الجنةِ و [٧٠/٣٣ظ- أهلَ النارِ قد كانوا فى وقتٍ مِن أوقاتِ دَوامِ السماءِ والأرضِ فى الدنيا، لا فى الجنةِ، فكأنه قال : خالدين فى الجنةِ وخالدين فى النارِ دوامَ السماءِ والأرضِ ، إلا ما شاء ربُّك مِن تعميرِهم فى الدنيا قبلَ ذلك . وأولى الأقوالِ فى ذلك عندى بالصوابِ القولُ الذى ذكَوْتُه عن الضحاكِ ؛ (١) فى ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: ((قبله))، وفى معانى القرآن للفراء: ((من قبل فلان)). والمثبت من الأصل . (٢) بعده فى م: (( بقوله)). (٣) فى ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: ((آخر)). (٤) فى ت ١، ت ٢، س، ف: ((الآية)). (٥) فى ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: ((آخر)). (٦) فى ت ٢: ((الآية)). (٧) فى م، ت ٢، ف: ((السماوات)). ٥٨٨ سورة هود : الآية ١٠٨ وهو: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِى الْجَنَّةِ خَلِينَ فِيَهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَتُ وَالْأَرْضُ(١) إِلَّ مَا شَآءَ رَبُّكٌ﴾ مِن قدرٍ مُكْثِهم فى النارِ، مِن لَدُنْ دَلوها (٢)، إلى أن أُدْخِلوا(٣) الجنةَ، وتكونُ الآيةُ معناها الخصوصُ ؛ لأن الأشهرَ من كلامِ العربِ فى ((إلا )) توجيهُها إلى معنى الاستثناءِ، وإخراج معنى ما بعدَها مما قبلَها، إلا أن يكونَ معها دلالةٌ تَدُلُّ على خلافٍ ذلك، ولا دلالةَ فى الكلام - أعنى فى قوله: ﴿ إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكٌ﴾ - تَدُلُّ على أن معناها غيرُ معنى الاستثناءِ المفهومِ فى (٤) الكلامِ، فيُوَجَّةَ (٥) إليه . وأما قولُه: ﴿عَطَاءُ غَيْرَ تَجْذُونٍ﴾. فإنه يعنى عطاءً مِن اللَّهِ غيرَ مقطوع عنهم، مِن قولهم: جذَذْتُ الشىءَ أَجُذُّه ◌َذًّا: إذا قطَعْتَه. كما قال النابغةُ(١): تَجُدُّ السَّلُوقِيَّ(٢) المُضَاعَف نَسْجُه ويُوقِدْنَ بِالصُّفَّاحِ(٨) نارَ الْحُبَّاحِبِ(٩) [٧١/٣٣ر] يعنى بقوله: تَجُلُّ: تَقْطَعُ. وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ . ذکژُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا المحاربيُّ، عن مجوَثِيرٍ، عن الضحاكِ: ﴿عَطَآءُ غَيْرَ (١) بعده فى الأصل: ((أبدًا)). (٢) فى ص، ت ١، ت ٢، س: ((دخولها)). (٣) فى ت ١، ت ٢، س، ف: ((دخلوا)). (٤) فى ت ١: ((من)). (٥) فى الأصل: ((فیوجهه)) . (٦) ديوانه ص ٦١. (٧) السلوقى: الدروع السلوقية نسبة إلى سلوق؛ وهى قرية باليمن. معجم البلدان ١٢٥/٣. (٨) فى الأصل: ((الصفاج)). والصفاح: حجارة عراض رقاق. التاج (ص ف ح). (٩) نار الحباحب: ما اقتدح من شرر النار فى الهواء، من تصادم الحجارة. اللسان (ح ب ح ب). ٥٨٩ سورة هود : الآية ١٠٨ تَجْذُونٍ﴾. يقولُ: غيرَ مقطوعٍ(١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿عَطَاءُ غَيْرَ تَجْذُونٍ﴾. يعنى(٢): غيرَ مُنْقَطِعٍ(). حدَّثنى المُثُنَّى ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال: ثنى معاويةُ، عن علىِّ ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿عَطَاءُ غَيْرَ بَجْذُونٍ﴾. يقولُ: عطاءً غيرَ مُنْقطعِ". حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال : ثنا أبو عاصمٍ، قال : ثنا عيسى ، عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ: ﴿مَجْذُونٍ﴾. قال : مقطوعٍ . / حدَّثنى المُثُنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن وَرْقاءَ، عن ابنِ أبى ١٢٢/١٢ تَجِيجٍ، عن مجاهدٍ فى قوله: ﴿عَطَاءٍ غَيْرَ تَجْذُونٍ﴾. قال: غيرَ مقطوعٍ(٥). حدَّثنى المُنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةً، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنٍ أبى نجيحِ، عن مجاهدٍ مثله(٦). حدَّثنى المُنَّى ، قال: ثنا إسحاقُ ، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ ، عن أبيه ، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ مثلَه(٧). (١) ذكره الطوسى فى التبيان ٦/ ٧١. (٢) فى ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: ((يقول)). (٣) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٠٨٨/٦ معلقًا . (٤) فى ص، م، ت ٢: ((مقطوع)). والأثر أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره - كما فى الإتقان ٢٠/٢ - والبیهقی فی البعث (٦٦٤) من طريق عبد الله به، وتقدم أوله ص ٥٧٧. (٥) تفسير مجاهد ص ٣٩١. (٦) سقط من: ت ١، ت ٢، س، ف. (٧) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٠٨٨/٦ من طريق عبد الله بن أبى جعفر به. ٥٩٠ سورة هود : الآيتان ١٠٨، ١٠٩ حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، (١عن مجاهدٍ ) مثلَه . حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، [٧١/٣٣ظ] عن أبى جعفرٍ، عن الربيع بنٍ أنسٍ، عن أبى العاليةِ قولَه: ﴿عَطَةٍ غَيْرَ مَجْذُونٍ﴾. قال: أما هذه فقد أمْضاها ، يقولُ : عطاءً غيرَ مُنْقَطِعٍ . حدَّثنى يونُسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿عَطَآءُ غَيْرَ مَجْذُونٍ﴾ . يقولُ : غيرَ منزوعٍ منهم . القولُ فى تأويلِ قولِه عزّ وجلّ: ﴿ فَلاَ تَكُ فِى مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ ءَابَاؤُهُم مِّن قَبْلُّ وَإِنَّا لَمُوَقُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَرَ مَنْقُوصٍ ١٠٩٦ يقولُ تعالى ذكرُه لنبِّه محمدٍ عَّهِ: فلا تَكُ فى شكٌّ يا محمدُ مما يَعْبُدُ هؤلاء المشركون من قومِك مِن الآلهةِ والأصنام - أنه ضلالٌ وباطلٌ، وأنه باللَّهِ شركٌ، "﴿مَا يَعْبُدُونَ﴾. يقول٢ُ). ما يَعْبُدُ هؤلاء " المشركون ذلك)، ﴿ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُهُم مِّن قَبْلُ﴾. يقولُ : إلا كعبادةِ آبائِهِم إِيَّاها (١) مِن قبلِ عبادتهم لها. يُخْبِرُ تعالى ذكرُه أنهم لم يَعْبُدوا ما عبَدوا مِن الأوثانِ إلا اتباعًا منهم مِنْهاج آبائهم، واقتفاءً منهم آثارَهم فى عبادتهموها، لا عن أمرِ اللَّهِ إياهم بذلك، ولا لحجةٍ(٤) تَبَيَّنوها(٥) تُوجِبُ [٧٢/٣٣و] عليهم عبادتَها . (١ - ١) سقط من: م. (٢ - ٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف. (٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف. (٤) فى ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: (( بحجة)) . (٥) فى ت ١، ت ٢: ((يثبتوها)). ٥٩١ سورة هود : الآية ١٠٩ ثم أخْبَر جلَّ ثناؤُه نبيّه ما هو فاعلٌ بهم؛ لعبادتهم ذلك، فقال جلَّ ثناؤه : ﴿ وَإِنَّا لَمُوَقُُّهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيِّرَ مَنْقُوصٍ﴾. يعنى: حظّهم مما وعَدْتُهم أن أُوَفِّيُهموه، مِن خيرٍ أو شرٌّ، ﴿غَيِّرَ مَنْقُوصٍ ﴾. يقولُ: لا أَنْقُصُهم مما وعَدْتُهم ، بل أَتَّمُ ذلك لهم على الثَّمامِ والكَمالِ . كما حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ ، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ ، عن ابنِ عباسٍ : ﴿ وَإِنَّا لَمُوَقُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيِّرَ مَنقُوصٍ ﴾ . قال : ما ۇُعِدوا فيه مِن خيرٍ (١) أو شرٍ ) . حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا أبو نعيم ؛ الفضلُ بنُ دكين، قال : ثنا سفيانُ، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيِّرَ مَنْقُوصٍ﴾. قال: ما قدِّر لهم من خيرٍ أو شرٌّ. حدَّثنا أبو كريبٍ ومحمدُ بنُ بشارٍ، قالا: ثنا وكيع، عن سفيانَ، عن جابرٍ ، عن مجاهدٍ ، عن ابنِ عباسٍ مثلَه، إلا أن أبا كُرَيْبٍ قال فى حديثه: مِن خيرٍ وشرٌّ . (٢) حدَّثنى المُنَّى ، قال : أخبرنا سُوَيْدٌ ، قال: أخبرنا ابنُ المباركِ، عن شَريكٍ، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَإِنَّا لَمُوَقُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيِرَ مَنْقُوصٍ﴾ . قال : ما قُدِّر لهم مِن الخيرِ والشرِّ. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا الثورىُّ، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ [٧٢/٣٣ظ] فى قولِه: ﴿ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ (١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٠٨٩/٦ من طريق وكيع به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٥١/٣ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ . (٢) تفسير سفيان الثورى ص ١٣٤، ١٣٥. ٥٩٢ سورة هود : الآيتان ١٠٩، ١١٠ غَيِّرَ مَنقُوصٍ﴾. قال: ما يُصِيبُهم مِن خير أو شرٍ() . ١٢٣/١٢ /حدَّثنی يونُسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَإِنَّا لَهُوَقُوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيَّرَ مَنقُوْصٍ﴾. قال: نُوَفِيهم(١) نصيبهم مِن العذابِ " غيرَ منقوصٍ . القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَلَقَدْ ءَانَيْنَا مُوسَى الْكِتَبَ فَاخْتُلِفَ فِيَةٍ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّيِّكَ لَقُضِىَ بَيْنَهُمّ وَإِنَّهُمْ لَفِى شَلِّ مِنْهُ مُرِيٍ ١١٠ يقولُ تعالى ذكرُهُ مُسَلِّيًّا نبيّه، عليه السلامُ، فى تكذيبٍ مشرِ كى قريشٍ؛ قومِه إيّاه فيما أتاهم به من عندِ اللَّهِ بفعلٍ بنى إسرائيلَ بموسَى فيما أتاهم به من عندِ اللَّهِ ، یقول له تعالى ذكره : ولا یحُنك یا محمدُ تکذیبُ هؤلاء المشر کین لك ، وامضٍ لما أُمَرك به ربُّك، مِن تبليغ رسالته، فإنَّ الذى يفعَلُ بك هؤلاء؛ من ردِّ ما جئتَهم به عليك من النصيحةٍ ، من فعلٍ ضُرَبائِهم من الأمٍ قبلَهم ، وسنةٌ من سُنيهم . ثم أخبَره جلّ ثناؤُه بما فعَل قومُ موسَى به، فقال: ﴿ وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى اٌلْكِتَبَ﴾. يعنى: التوراةَ. [٧٣/٣٣و] كما آتيناك الفرقانَ، فاختلَف فى ذلك الكتابِ قومُ موسَى، فكذّب به بعضُهم وصدَّق به بعضُهم، كما قد فعَل قومُك بالفُرْقانِ ؛ من تصديقٍ بعضٍ به، وتكذيبٍ بعضٍ، ﴿ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّيِّكَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولولا كلمةٌ سبقَتْ يا محمدُ من ربِّك، بأنه لا يُعجِّلُ على خلْقِه بالعذابِ، ولكن يتأنَّى حتى يبلُغَ الكتابُ أجلَه، ﴿لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ﴾ يقولُ: لقضَى بينَ المكذِّبِ منهم به والمصدِّقِ ، بإهلاكِ اللَّهِ المكذُّبَ به منهم، (١) تفسير عبد الرزاق ٣١٣/١. (٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف . (٣ - ٣) سقط من: م، ت ١، ت ٢، س، ف. والأثر أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٠٨٩/٦ من طريق آخر عن ابن زيد به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٥١/٣ إلى أبى الشيخ. ٥٩٣ سورة هود : الآيتان ١١٠، ١١١ وإنجائِه المصدِّقَ به، ﴿ وَإِنَّهُمْ لَفِى سٍَّ مِّنْهُ مُرِيبٍ﴾. يقولُ: وإن المكذِّبين به منهم لفى شَكٌّ من حقيقَتِه، أنه من عندِ اللَّهِ، ﴿ مُرِيبٍ﴾. يقولُ: يُريثُهم فلا يدْرُونَ أَحقٌّ هو أم باطلٌ ؟ ولكنَّهم فيه ◌ُمتَرونَ . القولُ فى تأويلِ قولِه عزّ وجلّ: ﴿ وَإِنَّ كُلُّاَ لَّمَّا لَيُوَفِيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَلَهُمَّ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ١١١ اختلَفت القرأةُ فى قراءةِ ذلك؛ فقرأَتْه جماعةٌ مِن قرأةِ أهلِ المدينةِ والكوفةِ : ﴿ وَإِنَّ﴾ مُشدَّدَةً، ﴿ كُلُّاَ لَّمَا﴾ مُشدَّدةً(١) . [٧٣/٣٣ظ] واختلف أهلُ العربية فى معنى ذلك "إذا قُرِئَ كذلك٢)؛ فقال بعضُ نحوِّى الكوفيين: معناه - إذا قُرِئَ كذلك -: وإنَّ كلَّا لَمَّا ليوفِيَنَّهم رَبُّك أعمالَهم، ولكن لما اجتَمَعت الميماتُ حُذِفت واحدةٌ ، فَبَقِيت ثِنْتَانِ ، فَأَدْغِمَت واحدةٌ فى الأخرَى، كما قال الشاعرُ(٣): وإِنَى لَيَّا (٤) أُصْدِرُ الأُمْرَ وَجْهَهُ إِذَا هُوَ أَعيا بالسَّبيلِ مَصَادِرُه /ثم تُخفَّفُ. كما قرَأ بعضُ القرأةِ: ﴿وَاَلْبَغْيِ يَعِظُكُمْ﴾ [النحل: ٩٠]٠ ١٢٤/١٢ بحذفٍ(٢) الياءِ مع الياءٍ(٢)، وذكر أن الكسائىَّ أَنشَده(٢): (١) هى قراءة حمزة وابن عامر وحفص. السبعة لابن مجاهد ص ٣٣٩، ٣٤٠، والنشر ٢١٨/٢، ٢١٩، والكشف ٥٣٦/٢، ٥٣٧، وحجة القراءات ص ٣٥٠. (٢ - ٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف. (٣) البيت فى معانى القرآن للفراء ٢٩/٢ غير منسوب. (٤) فى م: ((لما)). (٥) فى م: ((بالنبيل)). (٦) فى م: (( يخفف)). (٧) ينظر معانى القرآن ٢٩/٢، وهى قراءة شاذة. ( تفسير الطبرى ٣٨/١٢ ) ٥٩٤ سورة هود : الآية ١١١ وأَشْمَتَّ العُدَاةَ(١) بِنا فَأَضْحَوْا(٢) لَدَىَّ تَبَاشَرُونَ(٣) بِمَا لَقِينا وقال : يريدُ : لَدَىَّ يتَباشرون بما لَقِينا، فحذَف ياءً؛ لحركتهِن واجتماعِهن. . (٤) قال : ومثلُه (٤) : مَخْرِمَ(٥) نَجْدٍ فارغَ(١) المُخَارِمِ كأنَّ مِنْ آخِرِها إلْقادِمِ وقال : أراد إلى القادمِ، فحذَف اللامَ عندَ اللامِ . وقال آخرون: معنَى ذلك، إذا قُرِئَ كذلك: ﴿ وَإِنَّ كُلُّ﴾: شديدًا وحقًّا، لَيُوَفِيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَلَهُمْ﴾. قالوا(٢) : وإنما يُرادُ إذا قُرِئَ ذلك كذلك: ( وَإِنَّ كُلَّا لمّ) بالتَّشديدِ والتنوينٍ ﴾، [٧٤/٣٣و] ولكن قارِئُ ذلك كذلك حذّف منه التنوينَ، فأُخرَجه على لفظِ ((فَعْلَى)): ((لََّ))، كما فعل ذلك فى قوله: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرًا﴾ [المؤمنون: ٤٤] فقرَأ بعضُهم: ( تترِّى) بالتنوينٍ - كما قرأ من قرأ : (لَّا) بالتنوينِ() - وقرأها آخرون بغيرِ تنوينٍ(٢)، كما قرأ: (لَمَّ) مَن قرأه بغيرِ تنوينٍ(١١). وقالوا: أصلُه مِن اللَّمَم مِن قولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَتَأْكُلُونَ الُّاثَ أَكْلًا لَّمَّا﴾ [الفجر: ١٩]. يعنى: أكلًا شديدًا . وقال آخرون: معنَى ذلك، إذا قُرِئَ كذلك: وإِنَّ كُلَّا ((إلّا)) لَيُوفِيَتَّهم؛ كما (١) فى ص، ت ٢، س: ((الأعداء). (٢) فى س، ف: ((فأصبحوا)). (٣) فى م: (( يتباشرون)). (٤) البيت فى معانى القرآن للفراء ٢/ ٢٩، واللسان (ق د م) بغير نسبة. (٥) المحرم : منقطع أنف الجبل، وقيل: الطرق فى الجبال وأفواه الفجاج. اللسان (خ رم). (٦) فى م، ص، ت ١، ت ٢، س، فى: ((فارع)). (٧) فى ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: ((قال)). (٨) هى قراءة الزهرى، وينظر معانى القرآن ٣٠/٢، ومختصر الشواذ ص ٦٦. (٩) سيأتى تخريج هذه القراءة فى سورة المؤمنون ٤٩/١٧، ٥٠. (١٠) قراءة (لمّا) بالتشديد هى قراءة عاصم وابن عامر وحمزة، وقراءة التخفيف هى قراءة الباقين وهم نافع وابن كثير وأبو عمرو والكسائى. التيسير ص ١٠٣. ٥٩٥ سورة هود : الآية ١١١ يقولُ القائلُ: (( باللَّهِ لَّ قُمْتَ عنَّا، وباللَّهِ إِلَّ قُمْتَ عنَّا. ووجَدْتُ عامةَ أهلِ العلمِ بالعربيةِ يُتْكِرون هذا القولَ، ويأبُون أن يكونَ جائزًا توجِيهُ ((لَّ)) إلى معنى ((إِلَّا)) إلا(٢) فى اليمينِ خاصةً؛ وقالوا: لو جاز أن يكونَ ذلك بمعنى ((إلا ))، لجاز أن يُقالَ: قامَ القومُ لَّ(٣) أخاكَ. بمعنى: إِلَّ أخاك، ودُخولُها فى كلِّ مَوضِعٍ صلُح دخولُ ((إلَّا)) فيه . وأنا أرَى(٤) أن ذلك فاسدٌ من وجهٍ هو أنْيَنُ مما قالَه الذين حكَيْنا قولَهم مِن أهلِ العربية " فى فسادهْ)، وهو أنّ ((إِنَّ))(٩) إثباتٌ للشىءٍ وتحقيقٌ له، وإلّا أيضًا تحقيقٌ وإيجابٌ(٧) ، وإنما تدخُلُ نقضًا لجحدٍ قد تقدَّمها ، فإذا كان ذلك معناها ، فواجِبٌ أن تكونَ عندَ متأوّلِها التأويلَ الذى ذكرنا عنه، [٧٤/٣٣ظ] أن تكون ((إنَّ))(٨) بمعنى الجخْدِ عندَه، حتى تكونَ ((إلَّا)) نقضًا لها، وذلك، إن قاله قائلٌ، قولٌ لا يخفَى جَهْلُ قائلِه، اللهمَّ إلا أن يُخفِّفَ قارئُ ((إنَّ)) فيجعَلها بمعنى ((إِنْ)) التى تكونُ بمعنى الجخدِ ، وإن فعل ذلك فسدت قراءتُه ذلك كذلك أيضًا من وجهٍ آخرَ ، وهو أنه يصير حينئذٍ ناصبًا الكُلَّ(٤) بقولِه: ﴿لَيُوَفِيَنَّهُمْ﴾ . وليس فى العربيةِ أن يَنْصِبَ ما بعدَ ((إلّا)) من الفعلِ الاسمَ الذى قبلَها؛ لا تقولُ / العربُ: ما زيدًا(١٠) إِلَّا ضرَبْتُ، ١٢٥/١٢ (١ - ١) فى ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: ((لقد)). (٢) سقط من: م، ت ١، س، ف . (٣) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((إلا)). (٤) فى س: ((أدرى)). (٥ - ٥) فى م: ((إن فى فساده)). (٦) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف. (٧) فى ص، م، ت ٢، س، ف: ((أيضًا))، وفى ت ١: ((له)). (٨) سقط من: م. (٩) فى م: ((لكل)). (١٠) فى ت ١، ت ٢، س، ف: ((زيد)). ٥٩٦ سورة هود : الآية ١١١ فيَفْسُدُ ذلك إذا قُرِئَ كذلك مِن هذا الوجهِ ، إلا أن يَرْفَعَ رافعٌ الكلّ ، فيُخالِفَ بقراءتِه ذلك كذلك قراءةَ القرأةِ وخطَّ مصاحفٍ المسلمين، ولا يَخْرُجَ بذلك مِن العيبِ لخروجِه(١) مِن معروفٍ كلامِ العربِ. وقد قرّأ ذلك بعضُ قرأةِ الكوفيين: (وإنْ كلَّا) بتخفيفِ ((إنَّ))، ونصبٍ: كُلَّا لَّمَا﴾ مشددةً(٢) وزعَم بعضُ أهلِ العربيةِ أن قارئَ ذلك كذلك أراد ((إِنَّ)) الثقيلةَ فخفَّفها. وزُعِم (١) عن أبى زيدِ البصرىِّ أنه سمِعٍ: كأنْ تَدْيَتِهِ حُقَّانٍ ، فنصَب بكأنْ ، والنونُ مخففةٌ من كأنَّ، ومنه قولُ الشاعرِ(٤): ووجهٍ مشرقِ النَّخْرِ كأَنْ تَدْيَيْهِ حُمَّانِ وقرأ ذلك بعضُ المدنیین : بتخفيف «إنَّ)) ونصبٍ [٧٥/٣٣و]× گُلًا)) وتخفيف (((لَمّا)) (٥). وقد يَحْتَمِلُ أن يكونَ قارئُ ذلك كذلك قصَد المعنی الذی حکیناه عن قارئ الكوفةِ، مِن تخفيفِه نونِ ((إنَّ))، وهو يُريدُ تشديدَها، ويُرِيدُ بـ((ما)) التى فى ((لََّ)) ((ما)) (٩) التى تَدْخُلُ فى الكلام صلةٌ، وأن يَكونَ قصَد إلى تحميلِ الكلامِ معنَى : وإنْ كلَّا لَيْوَفِيَّنَّهم . (١) فى ص، م، ت ١، ف: ((بخروجه)). (٢) هو عاصم فى رواية أبى بكر، ينظر السبعة لابن مجاهد ص ٣٣٩، ٣٤٠، والتيسير فى القراءات السبع ص ١٠٣، والكشف عن وجوه القراءات السبع ٥٣٦/١، ٥٣٧، وحجة القراءات ص ٣٥٠. (٣) فى ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: ((ذكر)). (٤) البيت فى الخزانة ١٠/ ٣٩٨، وسيبويه ١٣٥/٢. (٥) هى قراءة نافع وابن كثير. السبعة ص ٣٣٩، والتيسير ص ١٠٣. (٦) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف . ٥٩٧ سورة هود : الآية ١١١ وقد يجوزُ أن يكونَ معناه ، كان فى قراءته ذلك كذلك: وإِن كُلَّا لَيْوَفِيَنَّهم ؛ أى: ليُوَفِّيَنَّ كُلَّا، فتكونَ نيَّتُه فى نصبٍ كلُّ كانت بقولِه: ﴿ لَيُوَفِيَنَّهُمْ﴾. فإن كان ذلك أراد ، ففيه مِن القُبح ما ذكَرْتُ مِن خلافِهِ كلامَ العربِ ، وذلك أنها لا تَنْصِبُ بفعلٍ بعدَ لامِ اليمينِ اسمًا قبلَها . وقرّأ ذلك بعضُ أهلِ الحجازِ والبصرةِ : (وإنَّ) مشددةً، (كُلَّالَمَاَ) مخففةً، لَيُّوَفِيَنَّهُمْ﴾ (١) . ولهذه القراءةِ وجهان من المعنى؛ أحدُهما: أن يكونَ قارِثُها أراد : وإنَّ كلَّا لَمَن ليُوَفِّيَنَّهم ربُّك أعمالَهم، فيُوَجّهَ ((ما)) التى فى ((لَّا)) إلى معنى ((مَن))، كما قال جلّ ثناؤه: ﴿فَأَنْكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَآءِ﴾ [النساء: ٣]. وإن كان أكثرُ استعمالِ العربِ لها فى غيرِ بنى آدمَ، ويَنْوِى باللامِ التى فى ((لَا)) اللامَ التى تُتَلَقَّى بها ((إِنْ)) جوابًا لها، وباللامِ التى فى قوله: ﴿لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾ لامَ اليمين، [٧٥/٣٣ظ] دَخَلَت فيما بينَ ((ما)) وصلتِها، كما قال جلَّ ثناؤه: ﴿وَإِنَّ مِنْكُوْ لَمَن لَّبَطْأَنٌ ﴾ [النساء: ٧٢]. وكما يقالُ: هذا ما لَغَيْرُه أَفْضَلُ منه . والوجهُ الآخرُ: أن يَجْعَلَ ((ما)) التى فى ((لَ)) بمعنى (( ما)) التى تَدْخُلُ صلةً فى الكلامِ، واللامُ التى فيها هى اللامُ التى يُجابُ بها، واللامُ التى فى ﴿لَيُوَفِيَنَّهُمْ﴾ هى أيضًا اللامُ التى يُجابُ بها ((إِنَّ))، كُرُّرَت وأَعِيدَت، إذ كان ذلك موضعَها ، وكانت الأُولى مما تُدْخِلُها العربُ فى غيرِ موضعِها، ثم تُعِيدُها بعدُ فى موضعِها، كما قال الشاعر(٢): فلو أنَّ قَوْمِى لم يَكُونوا أعِزَّةً لَبَعْدُ لَقَدْ لاقَيْتُ لابُدَّ مَصْرَعِى (١) (١) هى قراءة أبى عمرو والكسائى. السبعة لابن مجاهد ص ٣٣٩. (٢) البيت فى معانى القرآن للفراء ٣٠/٢. (٣) فى م، ومصدر التخريج: ((مصرعا)). ٥٩٨ سورة هود : الآيتان ١١٢،١١١ وقرّأ ذلك الزهرىُّ فيما ذُكِر عنه: (وإنَّ كُلَّا لً). بتشديدٍ ((إِنَّ)) و ((لَّ)) وتنوينها ، بمعنى: شديدًا وحقًّا وجميعًا (١). ١٢٦/١٢ /وأصح هذه القراءاتِ مَخْرَجًا على كلامِ العربِ المُسْتَفِيضِ فيهم ، قراءةُ مَن قرأه: ﴿وإنَّ﴾ بتشديدِ نونِها، (كُلَّا لَمَا) بتخفيفٍ ما، ﴿ لَيُوَفِيَنَّهُمْ رَبُّكَ﴾ . بمعنى : وإنَّ كلَّ هؤلاء الذين قصَصْنا عليك يا محمدُ قَصَصَهم فى هذه السورةِ ، لَّن لَيْوَفِيَتَّهم ربّك أعمالَهم؛ بالصالحِ منها الجزيلَ(١) مِن الثوابِ، وبالطالحِ منها الشديدَ(٢) مِن العقابِ، فتكونُ ((ما)) بمعنى ((مَن))، واللامُ التى فيها جوابًا لـ ((إِنَّ))، واللامُ التى ) فى قولِه: ﴿ لَيُّوَفِيَنَّهُمْ﴾ لام قسم . وقولُه: ﴿ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إِنَّ ربَّك بما يَعْمَلُ هؤلاء المشركون باللّهِ، مِن قومِك يا محمدُ، ﴿خَبِيرٌ﴾ لا يَخْفَی علیه شىءٌ مِن عملِهم، بل يَخْبُرُ ذلك كلَّه، ويَعْلَمُه ويُحِيطُ به، حتى يُجازِيَهم على جميعٍ ذلك جزاءَهم . ـے. القولُ فى تأويلٍ قولِه عزَّ وجلَّ: ﴿فَأَسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْفَّوْاْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ يقولُ تعالى ذكرُه لنبيُّه محمدٍ عَلِ: فاسْتَقِمْ أنت يا محمدُ على أمرٍ ربِّك، والدينِ الذى ابْتَعَتك به، والدعاءِ إليه، كما أمَرَكْ رَبُّك، ﴿ وَمَن تَابَ مَعَكَ﴾. يقولُ: ومَن رجَع معك إلى طاعةِ اللَّهِ ، والعمل بما أمَرَه به رُّه مِن بعدِ كفرِه به، (١) ينظر شواذ القرآن لابن خالويه ص ٦٦، وحجة القراءات ص ٣٥١، والتبيان ٦/ ٧٥. (٢) فى ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: (( بالجزيل)). (٣) فى م: ( بالشدید)). (٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف. ٥٩٩ سورة هود : الآيتان ١١٣،١١٢ ﴿ وَلَا تَظْفَّوْاْ﴾. يقولُ: ولا تَعْدُوا أَمرَه إلى ما نهاكم عنه، ﴿إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾. يقولُ: إن ربّكم أيُّها الناسُ بما تَعْمَلون مِن الأعمالِ كلِّها؛ طاعتِها ومعصيتها ﴿بَصِيرٌ﴾: ذو علم بها، لا يَخْفَى عليه منها شىءٌ، وهو لجميعِها مُبْصِرٌ. يقولُ تعالى ذكرُه: فاتَّقُوا اللَّهَ أَيُّها الناسُ، أن يَطَّلِعَ [٧٦/٣٣ظ] عليكم ربّكم، وأنتم عامِلون بخلافٍ أمرِهِ، فإنه ذو علم بما تَعْمَلون، وهو لكم بالمرصادِ . وكان ابنُ عُيَيْنَةَ يقولُ فى معنى قولِه: ﴿ فَأَسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾. ما حدَّثنى الُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ الزبيرِ، عن سفيانَ فى قولِه : فَأَسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ ﴾. قال: اسْتَقِمْ على القرآنِ (١). حدَّثنى يونُسُ(٢)، قال: أُخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَلَا تَطْفُواْ﴾. قال : الطغيانُ خِلافُ اللَّهِ، وركوبُ معصيتِه، ذلك الطغيانُ(١). القولُ فى تأويلِ قولِه عزَّ وجلّ: ﴿ وَلَا تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ ثُمَّ لَا نُصَرُونَ (١١٣) يقولُ تعالى ذكرُه: ولا تَمِيلوا أيُّها الناسُ إلى قولٍ هؤلاء الذين كفروا باللّهِ، فتَقْبَلوا منهم وتَرْضَوْا أعمالَهم، ﴿ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ بفعلِكم ذلك، ومالكم مِن دونِ اللَّهِ مِن ناصرٍ يَنْصُرُكم، وولىِّ يَلِيكم، ﴿ ثُمَّ لَا نُصَرُونَ﴾. يقولُ : فإنكم إِن فَعَلْتُم ذلك لم يَنْصُرْكم اللَّهُ، بل يُخَلِّكم مِن نُصْرتِه، ويُسَلِّطُ عليكم عدوًّكم . وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ . (١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٥١/٣ إلى أبى الشيخ. (٢) فى ف: ((المثنى)). (٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٠٨٩/٦ من طريق آخر عن ابن زيد به . ٦٠٠ سورة هود : الآية ١١٣ ١٢٧/١٢ /ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى المُثَنَّى ، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ ، قال: ثنا معاويةُ ، عن علىِّ ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا تَرْكَنُوْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾. يقول: ولا تذهبوا(١). وحدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال: حدَّثنى أبى، قال: حدَّثنى عمِّى، قال : حدَّثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه١): ﴿ وَلَا تَرَّكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾(١) يعنى : الركون إلى الشركِ (٤). حدَّثنا ابنُ وكيع، قال : ثنا ابنُ يَمانٍ ، عن أبى جعفرٍ، عن الربيع، عن أبى العاليةِ: ﴿ وَلَا تَّرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾. يقولُ: لا تَرْضَوْا أعمالَهم(٥). حدَّثنى المُتَّى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال : ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه ، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ فى قوله: ﴿ وَلَا تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾. قال: لا تَرْضَوْا أعمالَهم. يقولُ: الركونُ الرضا(٦). حدّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسینُ، قال: ثنی حجاج، عن أبى جعفرٍ، عن الربيع، عن أبى العاليةِ فى قوله: ﴿ وَلَا تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾. قال: لا تَرْضَوْا أعمالَهم، ﴿ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ ﴾. (١ - ١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف. (٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٠٨٩/٦ من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٥١/٣ إلى ابن المنذر. (٣) بعده فى م، س، ف: ((فتمسكم النار)) . (٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٠٩٠/٦ عن محمد بن سعد به . (٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٠٩٠/٦ من طريق ابن يمان به . (٦) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٠٩٠/٦ من طريق إسحاق به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٥١/٣. إلى أبى الشيخ.