النص المفهرس
صفحات 361-380
٣٦١ سورة هود : الآية ١٧ موسى، فيكونَ ذلك دليلاً على صحةٍ قولٍ مَن قال: عُنِى به لسانُ محمدٍ عَّهِ، أو (١) محمدٌ نفسُه، أو علىٍّ. على قولِ مَن قال: عُنِى به علىِّ. ولا يُعْلَمُ أن أحدًا كان تلا ذلك قبلَ القرآنِ أو جاء به ممن ذَكَرَ أهلُ التأويلِ أنه عُنِى بقولِه: ﴿ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾ غيرُ جبريلَ عليه السلامُ . فإن قال قائلٌ : فإن كان ذلك دليلَك على أن المَغْنىَّ به جبريلُ ، فقد يجِبُ أن تكونَ القراءةُ فى قوله: ﴿ وَمِن قَبْلِهِ، كِنَبُ مُوسَى﴾ . بالنصبِ؛ لأن معنى الكلامِ على ما تأوَّلتَ يجِبُ أن يكونَ: ويتلو القرآنَ شاهدٌ مِن اللَّهِ ، ومِن قبلِ القرآنِ كتابَ موسى ؟ قيل : إن القرأةَ فى الأمصارِ قد أجمَعت على قراءةِ ذلك بالرفع، فلم يكُنْ لأحدٍ خلافُها ، ولو كانت القراءةُ جاءت فى ذلك بالنصبِ ، كانت قراءةً صحيحةٌ ومعنى صحيحًا . فإن قال: فما وجهُ رفعِهم إذن ((الكتابَ))، على ما ادَّعيتَ مِن التأويلِ؟ قيل : وجهُ رفعِهم هذا أنهم ابتدءوا / الخبرَ عن مجىءٍ كتابٍ موسى قبلَ كتابنا ١٨/١٢ المنزَّلِ على محمدٍ عَ لَه، فرفَعوه بـ: ﴿وَمِن قَبْلِهِ﴾(١)، والقراءةُ كذلك، والمعنى الذى ذكرتُ مِن معنى تلاوةِ جبريلَ ذلك قبلَ القرآنِ، وأن المرادَ مِن معناه ذلك، وإن كان الخبرُ مستأنفًا على ما وصَفتُ ، اكتفاءً بدلالةِ الكلام على معناه . وأما قولُه: ﴿ إِمَامًا﴾. فإنه نَصْبٌ على القطْع مِن ﴿كِنَبُ مُوسَىَ﴾. ج وقولُه: ﴿وَرَحْمَةٌ﴾. عَطْفٌ على الإمامِ، كأنه قيلَ: ومِن قبلِه كتابُ موسى إمامًا لبنى إسرائيلَ يأتُّون به، ورحمةً لهم(٢) مِن اللَّهِ تَلاه على موسى. (١) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((و). (٢) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((وفيه)). (٣) سقط من: ت ١، س، ف . ٣٦٢ سورة هود : الآية ١٧ كما حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا أبى، عن أبيه، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ فى قولِهِ: ﴿ وَمِن قَبْلِهِ، كِنَبُ مُوسَى ﴾. قال: مِن قبله جاء بالكتابِ إلى موسى (١). وفی الكلام محذُوفٌ قد تُرِكَ ذ کره اكتفاءً بدلالةِ ما ذُكِرَ عليه منه، وهو : ﴿ أَفَمَنٍ كَانَ عَلَى بَيْنَةٍ مِّن رَّبِّهِ، وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِن قَبْلِهِ، كِنَبُ مُوسَىَ إِمَامًا وَرَحْمَةً﴾، [٢٣٥/٢ كمَن هو فى الضلالةِ مُتَرَذِّدٌ، لا يهتَدِى لرُشْدٍ، ولا يعرِفُ حقًّا مِن باطلٍ ، ولا يطلُبُ بعمَلِه إلا الحياةَ الدنيا وزينتها. وذلك نظيرُ قولِه: ﴿ أَمَّنْ هُوَ قَنِثُ ءَانَآءَ الَتْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَيَرْجُوْ رَحْمَةَ رَبِّهْ قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [ الزمر: ٩]. والدليلُ على حقيقةٍ ما قلنا فى ذلك أن ذلك عَقِيبَ قوله: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَوَةَ الذُّنْيَا﴾ الآية. ثم قيلَ: أهذا خيرٌ أَمَّن كان على بينةٍ مِن ربّه؟ والعرَبُ تفعَلُ ذلك كثيرًا، إذا كان فيما ذَكَّرَت دلالةٌ على مرادِها على ما حَذَفَت ، وذلك كقول الشاعر : سِوَاكَ ولكنْ لم ◌َجِدْ لكَ مَدْفَعَا فَأُقْسِمُ(٣) لو شيءٌ أَتَانا رسولُهُ وقولُه: ﴿أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ، ﴾. يقولُ: هؤلاء الذين ذكرتُ يُصَدِّقون ويُقِرُّون به ، إن كَفَرَ به هؤلاء المشركون الذين يقولون: إن محمدًا اقْتَراه . القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿ وَمَن يَكْفُرْ بِهِ، مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَرْعِدُهُ فَلَا (١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٠١٥/٦ من طريق وكيع به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ٣٢٤، ٣٢٥ إلى أبى الشيخ . (٢) هو امرؤ القيس، والبيت فى ديوانه ص ٢٤٢. وقد ذكر البغدادى فى الخزانة ٨٥/١٠ أن الجواب مذكور فى البيت بعده ، وهو : إذن لرددناه ولو طال مكثه لدينا ولكنا بحبك ؤُلَّما وقال: وعدرهم فى تقدير الجواب أن هذا البيت ساقط فى أكثر الروايات، وقد ذكره الزجاجى فى ((أماليه الصغرى والكبرى)) فى جملة أبيات ثمانية رواها عن المبرد من قصيدة لامرئ القيس. (٣) فى الديوان: ((أُجدّك)). ٣٦٣ سورة هود : الآية ١٧ ١٧ تَكُ فِى مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ يقولُ تعالى ذكره: ﴿وَمَن يَكْفُرْ﴾ بهذا القرآنِ، فيجحَدْ أنه مِن عندِ اللَّهِ ، ج ﴿مِنَ الْأَحْزَابِ﴾، وهم المُتَحَزِّبَةُ على مِلَلِهِم، ﴿فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾: أنه يصيرُ إليها فى الآخرةِ بتكذيبِه. يقولُ اللَّهُ لنبيِّه محمدٍ عَظِلّهِ: ﴿فَلَ / تَكُ فِى مِِّيَتِْمِنْهُ ﴾ . ١٩/١٢ ج يقولُ : فلا تَكُ فى شكِّ منه، مِن أن موعِدَ مَن كَفَرَ بالقرآنِ مِن الأحزابِ النارُ ، وأن هذا القرآنَ الذى أنزلناه إليك مِن عندِ اللَّهِ . ثم ابتَدَأُ جلّ ثناؤُه الخبرَ عن القرآنِ ، فقال: إن هذا القرآنَ الذى أنزلناه إليك يا محمدُ الحقُّ مِن رَبِّك لا شكَّ فيه، ولكن أكثر الناس لا يُصدِّقون بأن ذلك كذلك . فإن قال قائلٌ: أوَ كان النبىُّ ◌َّهِ فى شَكُّ مِن أن القرآنَ مِن عندِ اللَّهِ، وأنه حَقٌّ ، حتى قيل له : ﴿فَلَاَتَكُ فِ مِرْيَكِ مِّنْهُ﴾ ؟ ج قيلَ: هذا نظيرُ قولِه: ﴿فَإِنِ كُنْتَ فِى شَكٍّ مِّمَّ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ﴾ [يونس: ٩٤]. وقد بَيَّنَّا ذلك هنالك(٢). وبنحوِ الذى قُلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ ، قال: ثنا عبدُ الوهابِ ، قال: ثنا أيوبُ، قال: نُبِّئْتُ أن سعيدَ بنَ جبيرٍ قال: ما بَلَغَنى حديثٌ عن رسولِ اللهِ يِِّ على وَجْهِه إلا وجَدتُ مِصْداقَه فى كتابِ اللَّهِ تعالى، حتى قال: «لا يسمَعُ بى أحدٌ مِن هذه الأمةِ ، ولا (١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف . (٢) ينظر ما تقدم فى ص ٢٨٧، ٢٨٨. ٣٦٤ سورة هود : الآية ١٧ يهودىٌّ ولا نصرانيٌ، ثم لا يؤمِنُ بما أُرسِلتُ به، إلا دَخَل النارَ)). قال سعيدٌ: فقلتُ : أين هذا فى كتابِ اللَّهِ؟ حتى أتيتُ على هذه الآيةِ: ﴿ وَمِن قَبْلِهِ، كِنَبُ ج مُوسَّ إِمَامًا وَرَحْمَةٌ أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بٍِ، وَمَن يَكْفُرْ بِهِ، مِنَ الْأَخْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾. قال: مِن أهلِ المللِ كلِّها (١). حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ المُخرِّميُ وابنُ وكيعٍ، قالا : ثنا جعفرُ بنُ عوٍ ، قال : ثنا سفيانُ، عن أيوبَ ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ فى قولِه : ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِهِ، مِنَ اُلْأَخْزَابِ﴾. قال: مِن المِلَلِ كلِّها . حدَّثنی یعقوبُ وابنُ و کیع، قالا : ثنا ابنُ عُلَيَّةً ، قال : ثنا أیوبُ ، عن سعيد بنِ جبيرٍ، قال: كنتُ لا أسمَعُ بحديثٍ عن رسولِ اللَّهِ سَمِ على وَجْهِه إلا وجَدتُ مِصْداقَه - أو قال: تَصْدِيقَه - فى القرآنِ، فبَلَغنى أن رسولَ اللَّهِ بِالمِ قال: ((لا يسمَعُ بى أحدٌ مِن هذه الأمةِ ، ولا يهودىٌّ ولا نصرانىٌ ، ثم لا يؤمنُ بما أَرْسِلْتُ به، إِلا دَخَلَ النارَ)). فجعَلتُ أقولُ: أين مِصْداقُها؟ حتى أتيتُ على هذه: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ﴾. إلى قوله: ﴿فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾. قال: فالأحزابُ المِلَلُ ج كلُّها . حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال : ثنا محمدُ بنُ ثورٍ ، عن معمرٍ ، قال: ثنی أيوبُ، عن سعيد بن جبيرٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ مَ ◌ّهِ: (( ما مِن أحدٍ يسمَعُ بی مِن هذه الأمةِ ، ولا يهودىٌّ ولا نصرانيٌّ، فلا يؤمنُ بى، إلا دَخَلَ النارَ)). فجعَلتُ أقولُ: أين مِصْداقُها فى كتابِ اللهِ؟ قال: وقَلَّما سمِعتُ حديثًا عن النبيِّ عَلَّهِ إِلا (١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٠١٥/٦ من طريق ابن بشار به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢٥/٣ إلى المصنف وابن أبى حاتم والحاكم من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس، وهو عند الحاكم ٣٤٢/٢ من طريق معمر . ٣٦٥ سورة هود : الآية ١٧ وجَدتُ له تصديقًا فى القرآنِ ، حتى وجَدتُ هذه الآياتِ: ﴿ وَمَن يَكْفُرْ بِهِ، مِنَ اُلْأَحْزَابِ﴾: المِلِ كلِّها(١). قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِهِ، مِنَ اُلْأَحْزَابِ﴾. قال: الكفارُ أحزابٌ، كلُّهم على الكفرِ(٣) . / حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ وَمِنَ ٢٠/١٢ اُلْأَحْزَابِ مَن يُنكِرُ بَعْضَةٌ﴾ [الرعد: ٣٦]. أى: يكفُرُ ببعضِه، وهم اليهودُ والنصارى. قال: بَلَغنا أن نبيَّ اللَّهِ مَلِ كان يقولُ: ((لا يسمَعُ بى أحدٌ مِن هذه الأمةِ ، ولا يهودىٌّ ولا نصرانىٌ، ثم يموتُ قبلَ أن يؤمِنَ بى، إلا دَخَلَ النارَ))(٣). حدَّثنى المُنَّى، قال: ثنا يوسفُ بنُ عدىِّ النضْرىُّ(٤): قال: أخبرنا ابنُ المباركِ، عن شعبةَ ، عن أبى بشرٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن أبى موسى الأشعرىِّ، أن رسولَ اللَّهِ مَّه قال: ((مَن سَمِعَ بى مِن أمتى، أو يهودىٌّ أو نصرانىٌّ، فلم يؤمنْ بى، لم يدخلِ الجنةَ))(٥). (١) تفسير عبد الرزاق ٣٠٣/١، ٣٠٤ عن معمر به، وأخرجه الحاكم ٣٤٢/٢ من طريق عبد الرزاق ، عن معمر، عن أبى عمرو البصرى، عن سعيد، عن ابن عباس. وأيوب بصرى يكنى أبا بكر. (٢) تفسير عبد الرزاق ٣٠٣/١ عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢٥/٣ إلى أبى الشيخ. (٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٠١٦/٦ من طريق خليد وسعيد بن بشير، عن قتادة ، فى قوله: ﴿ومن يكفر به من الأحزاب﴾، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢٥/٣ إلى أبى الشيخ، دون المرفوع. (٤) فى ت ١، ت ٢: ((البصرى))، وفى ف: ((النصرى )، وغير منقوطة فى: ص . ويوسف بن عدى كوفى سكن مصر، فلعل صوابه: المصرى. ينظر تهذيب الكمال ٤٣٨/٣٢. (٥) إسناده منقطع؛ سعيد لم يسمع من أبى موسى، وأخرجه الطيالسى (٥١١)، وأحمد ٣٩٦/٤، ٣٩٨ (اليمنية)، والبزار (٣٠٥٠)، والنسائى فى الكبرى (١١٢٤١)، والرويانى فى مسنده (٥٢٦)، وأبو نعيم فى الحلية ٣٠٨/٤ من طريق شعبة به، وأخرجه سعيد بن منصور فى سننه (١٠٨٤ - تفسير)، ومسدد فى مسنده - كما فى الإتحاف بذيل المطالب (٥٣٤٤) - من طريق أبى بشر به . وعزاه السيوطى = ٣٦٦ سورة هود : الآية ١٨ القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَهُ مِمَّنِ أَخْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِّبَّ أُوْلَكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَدُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمَّ أَلَا لَعْنَةُ ١٨ اُللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ يقولُ تعالى ذكرُه : وأُّ الناسِ أُشدُّ تعدِّيًا من اخْتَلق على اللَّهِ كذبًا ، فكَذَب عليه، ﴿أُوْلَئِكَ [١٣٦/٢] يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ﴾. يقولُ(١) : هؤلاء الذين یکذبون علی ربّھم یُغرضون يومَ القيامةِ علی ربِّھم ، فیسالُهم عما کانوا فی دار الدنیا يعمَلون . كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ قولَه: ﴿ وَمَنْ أَظْلَهُ مِمَّنِ اُفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾. قال: الكافر والمنافقُ، أُوْلَّكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ﴾ فيسألُهم عن أعمالِهم(٢). وقولُه: ﴿ وَيَقُولُ الْأَشْهَدُ﴾: يعنى الملائكةَ والأنبياءَ الذين شَهِدوهم، وحَفِظوا عليهم ما كانوا يعملون . وهم جمعُ شاهدٍ ، مثلُ الأصحابِ الذى هو جمعُ صاحبٍ، ﴿هَؤْلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمَّ﴾. يقولُ: شَهِدَ هؤلاء الأشهادُ فى الآخرةِ على هؤلاء المُفْتَرِين على اللَّهِ فى الدنيا، فيقولون(٤): هؤلاء الذين كَذَبوا = فى الدر المنثور ٣٢٥/٣ إلى ابن المنذر والطبرانى وابن مردويه. وعند سعيد والسيوطى زيادة قول سعيد كما فى الآثار قبله . (١) فى م، ت ١، س، ف: ((تعذيبا). (٢) فى م: ((ويقول الأشهاد)). (٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٠١٦/٦ من طريق آخر عن ابن جريج، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢٥/٣ إلى أبى الشيخ . (٤) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: (( فيقول)). ٣٦٧ سورة هود : الآية ١٨ فى الدنيا على ربِّهم. يقولُ اللَّهُ: ﴿ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الَّالِمِينَ﴾. يقولُ: أَلَا غضَبُ اللَّهِ على المعتدين الذين كفروا بربِّهم. وبنحوِ ما قلنا فى قولِه : ﴿ وَيَقُولُ اَلْأَشْهَدُ﴾. قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حذَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا ( ابنُ نميرٍ() ، عن ورقاءَ، عن ابنٍ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿ وَيَقُولُ اُلْأَشْهَدُ﴾. قال: الملائكةُ(٢). حدَّثنى محمدُ بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال : ثنا عيسى ، عن ابنٍ أبى نجيحِ، عن مجاهدٍ ، قال: الملائكةُ . حذَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ وَيَقُولُ اُلْأَشْهَدُ﴾: والأشهادُ الملائكةُ، يَشْهدون على بنى آدمَ بأعمالِهم . / حدَّثنى محمدُ بنُ عبدِ الأعْلى، قال: ثنا محمدُ بنُّ ثورٍ، عن معمرٍ، عن ٢١/١٢ قتادةَ: ﴿اَلْأَشْهَدُ﴾. قال: الخلائقُ. أو قال : الملائكةُ . حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةً بنحوِه (١) . حذَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريج : ( وَيَقُولُ اُلْأَشْهَدُ﴾: الذين كانوا يَخْفَظُون أعمالَهم عليهم فى الدنيا، ﴿هَؤُلَاءِ (١ - ١) فى م: ((نمير بن نمير)). (٢) تفسير مجاهد ص ٣٨٦، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦/ ٢٠١٧، وفيه زيادة . (٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢٥/٣ إلى أبى الشيخ. (٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٠٤. ٣٦٨ سورة هود : الآية ١٨ اُلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمْ﴾: حَفِظوه وشَهِدوا به عليهم يومَ القيامةِ. قال ابنُ جريج : قال مجاهدٌ : الأَشْهَادُ الملائكةُ . حدَّثنا ابنُّ وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ ، قال: سألتُ الأعمشَ عن قوله : وَيَقُولُ الْأَشْهَدُ﴾. قال: الملائكةُ(١). حُدِّثتُ عن الحسينِ بنِ الفرج، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ ، قال: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ فى قوله: ﴿وَيَقُولُ اَلْأَشْهَدُ﴾: يعنى الأنبياء والرسلَ، وهو قولُه: ﴿ وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِى كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِم مِّنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ﴾ [النحل: ٨٩]. قال: وقولُه: ﴿وَيَقُولُ الْأَشْهَدُ هَكُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمْ﴾: يقولون: يا ربَّنا، أتيناهم بالحقِّ فَكَذَّبوا، فنحن "نشهَدُ عليهم٢) أنهم كَذَبوا عليك يا ربَّنا(٣) . حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ ، قال: ثنا ابنُ أبى عَدِيٍّ، عن سعيدٍ وهشامٍ ، عن قتادةَ، عن صفوان بنِ مُحرزٍ المازنىّ(٤) ، قال: بينا نحن بالبيتِ مع عبدِ الله بن عمرَ وهو يطوفُ ، إذ عَرَضَ له رجلٌ، فقال: يا بنَ عمرَ، ما سمِعتَ رسولَ اللّهِ عَّهِ يقولُ فى النَّجْوى؟ فقال: سمِعتُ نبىَّ اللَّهِ عَهِ يقولُ: ((يَدْنو المؤمنُ(٥) مِن ربِّه حتى يَضَعَ عليه كَنَفَه ، فيُقَرِّرُه بذنوبِهِ ، فيقولُ : هل تعرِفُ كذا؟ فيقولُ : ربِّ أعرِفُ. مرتين، حتى إذا بلَغ به ما شاء اللَّهُ أَن يَبْلُغَ، قال : فإنى قد سترتُها عليك فى الدنيا، وأنا (١) ذكره القرطبى فى تفسيره ١٨/٩ عن سفيان به . (٢ - ٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف. (٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٠١٧/٦ من طريق أبى معاذ به، دون آية النحل . (٤) فی ص، ت ١، ت ٢، س، ف: (( البازی)) . (٥) فى ص، س: ((المرء))، وفى ف: ((العبد)). ٣٦٩ سورة هود : الآيتان ١٨ - ٢٠ أَغْفِرُها لك اليومَ . قال: فيُعْطَى صحيفةً حسناتِه - أو كتابَه - بيمينه، وأما الكفارُ والمنافقون(١)، فيُنادَى بهم على رءوسِ الأشهادِ: أَلَا هؤلاء الذين كَذَبوا على ربّهم، ألا لعنةُ اللَّهِ على الظالمين))(٢). حدَّثنى يعقوبُ ، قال : ثنا ابنُ عليةَ، قال: ثنا هشامٌ، عن قتادةَ ، عن صفوانَ بنِ مُحرِزٍ، عن ابنِ عمرَ، عن النبيِّ عَ لِ نحوَه. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: كنّا نُحدَّثُ أنه لا يُخْرَى يومَئذٍ أحدٌ فيَحْفَى خِزْيُه على أحدٍ ممن خَلَقَ اللَّهُ أو الخلائقِ(١). القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَفِرُونَ ١٩ يقولُ تعالى ذكره : ألا لعنةُ اللَّهِ على الظالمين الذين يصدُّون الناسَ عن الإيمانِ به ، والإقرارِ له بالعبودةِ ، / وإخلاص العبادةِ له دونَ الآلهةِ والأندادِ مِن مشركى ٢٢/١٢ قريشٍ، وهم الذين كانوا يَفْتِنون عن الإسلامِ مَن دَخَلَ فيه. ﴿ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ . يقولُ: ويلتمسون سبيلَ اللَّهِ - وهو الإسلامُ الذى دَعا الناسَ إليه محمدٌ عَلَه - يقولُ: زيغًا وميلًا عن الاستقامةِ. ﴿وَهُم بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَفِرُونَ﴾. يقولُ: وهم بالبعثِ بعدَ المماتِ ، مع صدِّهم عن سبيلِ اللَّهِ ، وبغيهم إياها عوجًا ﴿ كَفِرُونَ﴾ يقولُ: هم جاحدون ذلك منکِرون . القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أُؤْلَئِكَ لَمْ يَكُونُواْ مُعْجِزِينَ فِىِ الْأَرْضِ وَمَا كَانَ (١ - ١) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((الكافر والمنافق)). (٢) تقدم تخريجه فى ١٤٥/٥. (٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢٥/٣ إلى المصنف وابن مردويه، وأخرجه أحمد ٨٤/١٠، ٨٥ (٥٨٢٥) والطرسوسى فى مسند ابن عمر (٢٦)، وأبو نعيم فى الحلية ٢١٦/٢ من طريق سعيد به دون قوله: ((كنا نحدث)). ( تفسير الطبرى ٢٤/١٢ ) ٣٧٠ سورة هود : الآية ٢٠ لَهُم ◌ِن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَةُ يُضَعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوْ يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا ٢٠ كَانُواْ يُبْصِرُونَ يعنى(١) جلَّ ذكره بقولِه: ﴿أُوْلَئِكَ لَمْ يَكُونُواْ مُعْجِينَ فِىِ اْلْأَرْضِ﴾ هؤلاء الذين وَصَفَ، جلَّ ثناؤه، أنهم يَصُدُّون عن سبيلِ اللَّهِ ، يقولُ جلَّ ثناؤه: إنهم لم يكونوا بالذين يُعْجِزون ربّهم، بهربهم منه فى الأرضِ إذا أراد عقابَهم والانتقامَ منهم، ولكنهم فى قَبْضتِه ومِلْكِه، لا يَمْتَنِعون منه إذا أرادهم، ولا يَفُوتُونه هَرَبًّا إذا طَلَبَهم، ﴿وَمَا كَانَ لَهُم ◌ِن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءُ ﴾. يقولُ: ولم يكنْ لهؤلاء المشركين إذا أراد عقابَهم مِن دونِ اللَّهِ ، أنصارٌ يَنْصرونهم مِن اللَّهِ، ويَحُولون بينَهم وبينَه إذا هو عذِّبهم، وقد كانت لهم فى الدنيا ( مَنَعَةٌ يمتنعون بها ممن أرادهم مِن الناسٍ بسوءٍ. وقولُه: ﴿ يُضَعَفُ لَهُمُ الْعَذَابٌ﴾ . يقولُ تعالى ذكرُه : يُزادُ فى عذابِهم ، فيُجْعلُ لهم مكانَ الواحدِ اثنان . وقولُه: ﴿مَا كَانُوْ يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ﴾ فإنه اخْتُلِف فى تأويله . فقال بعضُهم: ذلك وَصْفٌ(٢)، وَصَفَ اللَّهُ به هؤلاء المشركين، أنه قد ختَم على سمعِهم وأبصارِهم ، وأنهم لا يسمعون الحقَّ، ولا يُتْصِرون محُجَجَ اللَّهِ، سَماعَ مُنْتفِع، ولا إبصارَ مهتدٍ . (١) فى ص، ت ١، ت ٢، س، فى: ((يقول)). (٢ - ٢) فى ص، س، ف: ((منفعة يمتنعون))، وفى ت١: ((منفعة ينتفعون))، وفى ت ٢: ((منعة يمنعون). (٣) سقط من: ص، م، ت ٢، س، ف . ٣٧١ سورة هود : الآية ٢٠ ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُواْ يُصِرُونَ ﴾: صُمّ عن الحقِّ فما يَشْمعونه، بُكَمّ فما يَنْطِقون به، عُمْىٌ فلا يُبْصِرُونه ولا يَنْتَفِعون به (١). حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ ، عن معمرٍ ، عن قتادةً : ﴿مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ﴾. قال: ما كانوا يستطيعون أن يَشْمعوا خيرًاً فيَنْتفِعوا به، ولا يُنْصِروا خيرًاً فيأخذوا (٤) به (٤) . حدَّثنى المتُنَّى ، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال : ثنى معاويةُ ، عن علىِّ ، عن ابنِ عباسٍ ، قال: أخبرَ اللَّهُ سبحانه أنه حالَ بينَ أهلِ الشركِ وبينَ طاعتِه فى الدنيا والآخرةِ؛ أما فى الدنيا، فإنه قال: ﴿مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ ﴾ ، وهى طاعتُه ، ﴿وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ﴾. وأما فى الآخرةِ، فإنه قال: ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ ٤٢ خَشِعَةً﴾. [القلم: ٤٢، ٤٣]. / وقال آخرون: إنما عَنَى بقولِه: ﴿ وَمَا كَانَ لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ﴾ ٢٣/١٢ آلهةَ الذين يصدُّون عن سبيلِ اللَّهِ. وقالوا: معنى الكلام: أولئك وآلهتُهم لم يكونوا (١) تقدم تخريجه فى ٣٤٨/١. (٢) فى ص، م، ت ١، ت ٢، س: ((خبرًا))، وينظر مصادر التخريج. (٣) فى ت ٢: ((خبرا)) وينظر مصادر التخريج. (٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦ / ٢٠١٩، من طريق محمد بن عبد الأعلى به، وعبد الرزاق فى تفسيره ٣٠٤/١ عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢٦/٣ إلى أبى الشيخ. (٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢٦/٣ إلى المصنف وأبى الشيخ. ٣٧٢ سورة هود : الآيتان ٢٠، ٢١ مُعْجِزين فى الأرضِ، ﴿ يُضَعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوْ يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ﴾ ، يعنى الآلهةَ، أنها لم يكنْ لها سمعٌ ولا بصرّ. وهذا قولْ رُوِىَ عن ابنٍ عباسٍ مِن وجهٍ كَرِهْتُ ذكرَه لضعفٍ سَنَدِه . وقال آخرون: معنى ذلك : يُضاعَفُ لهم العذابُ بما كانوا يستطيعون السمعَ ولا يَسْمَعونه، وبما كانوا يُتْصِرون ولا يَتَأْمَّلون(١) حججَ اللَّهِ بأعينِهم فيَعْتَبِروا بها . قالوا: والباءُ كان ينبغى لها أن تدخلَ؛ لأنه قد قال: ﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِمُ بِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ﴾ [البقرة: ١٠]. بكذبِهم، فى غيرِ موضع مِن التنزيلِ، أُدخِلت فيه الباءُ، وسقوطُها جائزٌ فى الكلام، كقولِك فى الكلام: لأجزينَك بما عمِلتَ، وما عمِلتَ) . وهذا قولٌ قاله بعضُ أهلِ العربيةِ . والصوابُ مِن القولِ فى ذلك عندَنا ما قاله ابنُ عباس وقتادةُ، مِن أَنَّ اللَّهَ وَصَفَهم، تعالى ذكرُه، بأنهم لا يستطيعون أن يَسْمَعوا الحقَّ سماعَ مُْتِفِعٍ، ولا يُتْصِرونه إبصارَ مهتدٍ؛ لاشتغالِهم بالكفرِ الذى كانوا عليه مُقِيمِين، عن استعمالِ جوارحِهم فى طاعةِ اللَّهِ، وقد كانت لهم أسمائعٌ وأبصارٌ . القولُ فى تأويل قولِه تعالى عزَّ وجلَّ: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ ﴾ (٢١ . يقولُ تعالى ذكرُه: هؤلاء الذين هذه صفتُهم، هم الذين غَبَنُوا أنفسَهم (١) فى ت ١، س: (( يتلون)). (٢ - ٢) فى النسخ: ((لاحت بما فيك ما عملت، وبما علمت)). ولعله خطأ، والمثبت من معانى القرآن ٢/ ٠٨ ٣٧٣ سورة هود : الآيات ٢١ - ٢٣ حظوظَها مِن رحمةِ اللهِ، ﴿وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ وبَطَلَ كذبُهم وإفكُهم وفِرِيتُهم على اللّهِ ، بادِّعائِهم له شركاءَ، فسَلَكَ ما كانوا يَدْعونه إلهًا مِن دونِ اللَّهِ غيرَ مسلكِهم، وأخَذ طريقًا غيرَ طريقِهم، فَضَلَّ عنهم؛ لأنه سَلَكَ بهم إلى جهنمَ، وصارت آلهتُهم عدمًا لا شىءَ؛ لأنها كانت فى الدنيا حجارةً أو خشَبًا أو نُحاسًا ، أو كان للَّهِ وليًّا، فسَلَكَ به إلى الجنةِ، وذلك أيضًا غيرُ مسلكِهم، وذلك أيضًا ضلالٌ عنهم . القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿لَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآَخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ ٢٢ يقولُ تعالى ذكرُه: حقًّا إن هؤلاء القومَ الذين هذه صفتُهم فى الدنيا، فى الآخرةِ هم الأخسرون ، الذين قد باعوا منازلَهم مِن الجنانِ بمنازلِ أهلِ الجنةِ مِن النارِ ، وذلك هو الخسرانُ المبينُ. وقد بَيِّنا فيما مَضَى أن معنى قولِهم : جَرمْتُ . كسبتُ الذنبَ وجَّمْتُه(١) ، وإن العربَ كثر استعمالُها إياه فى مواضع الأيمانِ ، وفى مواضعٍ ((لا بدَّ))، كقولهم: لا جَرَمَ أنك ذاهبٌ. بمعنى: ((لا بدَّ))، حتى استعملوا ذلك فى مواضعِ التحقيقِ ، فقالوا : لا جرمَ ليقومنَّ. بمعنى: حقًّا ليقومنَّ. فمعنى الكلام: لا مَنْعَ عن أنهم، ولا صَدَّ عن أنهم(١) . / القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ وَأَخْبَنُواْ ٢٤/١٢ ٢٣ إِلَى رَبِّهِمٌّ أُوْلَكَ أَصْحَبُ الْجَنَّةِ هُمْ فِهَا خَلِدُونَ يقولُ تعالى ذكره : إن الذين صَدَّقوا اللَّهَ ورسولَه، وعَمِلوا فى الدنيا بطاعةٍ اللَّهِ ، وأخْبَتوا إلى ربِّهم . (١) فى م: ((أجرمته)). وينظر لسان العرب (ج رم). وما تقدم فى ٤٤/٨، ٤٥. (٢) ينظر معانى القرآن ٢/ ٨، ٩. ٣٧٤ سورة هود : الآية ٢٣ واختَلَف أهلُ التأويل فى معنى الإخباتِ . فقال بعضُهم: معنى ذلك : وأنابوا إلی ربّهم . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال: ثنى أبى ، قال: ثنى عمى ، قال : ثنى أبى ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قوله: [٣٧/٢ ] ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ وَأَخْبَتُواْ إِلَى رَيِهِمْ﴾. قال: الإخباتُ الإنابةُ(١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ وَأَخْبَتُّواْ إِلَى رَبِهِمْ﴾. يقولُ: وأنابوا إلى ربِّهم(١). وقال آخرون : معنى ذلك : وخافوا . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى المُثَنَّى ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال: ثنى معاويةٌ ، عن عليٍّ ، عن ابنِ عباسٍ فى قوله: ﴿ وَأَخْبَتُوْاْ إِلَى رَبِهِمٌ﴾. يقول: خافوا(٣). وقال آخرون : معناه : اطمأنوا . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى (١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢٦/٣ إلى المصنف. (٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٠٢٠/٦ من طريق سعيد به . (٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٠١٩/٦ من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢٦/٣ إلى أبى الشيخ . ٣٧٥ سورة هود : الآية ٢٣ المُثَنَّى ، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن ورقاءً، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿ وَأَخْبَنُواْ إِلَى رَبِّهِمٌ﴾. قال: اطمأنوا(١). حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ ، قال : ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبى نجيحٍ ، عن (١) مجاهدٍ مثلَه (١). حدَّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه . وقال آخرون : معنى ذلك: خَشَعوا . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ ، عن معمرٍ ، عن قتادةً : وَأَخْبَتُوَاْ إِلَى رَبِّهِمٌ ﴾ : الإخباتُ: التخشُّعُ والتواضعُ(٢). قال أبو جعفرٍ: وهذه الأقوالُ متقاربةُ المعانى، وإن اختلفت ألفاظُها؛ لأن الإنابةَ إلى اللَّهِ مِن خوفِ اللَّهِ، ومِن الخشوعِ والتواضعِ للَّهِ بالطاعةِ ، والطمأنينةُ إليه مِن الخشوع له . غيرَ أن نفسَ الإِحْباتِ عندَ العربِ الخشوعُ والتواضعُ. وقال: ﴿إِلَى رَيِّهِمْ﴾. ومعناه: وأحْبَتوا لربِّهم، وذلك أن العربَ تضعُ اللامَ / موضعَ ((إلى)) و ((إلى)) موضعَ اللامِ كثيرًا، كما قال تعالى: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا ﴾ [الزلزلة: ٥]. بمعنى : أُوحى إليها. وقد يجوزُ أن يكونَ قيل ذلك كذلك؛ لأنهم وُصِفَوا بأنهم ٢٥/١٢ (١) تفسير مجاهد ص ٣٨٦، ومن طريقه أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦/ ٢٠١٩، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢٦/٣ إلى أبى الشيخ. (٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦/ ٢٠٢٠، من طريق محمد بن عبد الأعلى به، وعبد الرزاق فى تفسيره ٣٠٤/١ عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢٦/٣ إلى أبى الشيخ. ٣٧٦ سورة هود : الآيتان ٢٣، ٢٤ عَمَدوا يإِخْباتِهم إلى اللَّهِ . وقولُه: ﴿أُوْلَبَكَ أَصْحَبُ الْجَنَّةِ هُمْ فِهَا خَلِّدُونَ﴾. يقولُ: هؤلاء الذين هذه صفتُهم ، هم سكانُ الجنةِ الذين لا يخرجون عنها ، ولا يموتون فيها ، ولكنهم فيها لا بُون إلى غيرِ نهايةٍ . القولُ فى تأوبلِ قولِه تعالى: ﴿مَثَلُ الْفَرِقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَرِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعَ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلً أَفَلَ نَذَكَُّنَ . . (٢٤) يقولُ تعالى ذكرُه : مَثَلُ فريقى الكفرِ والإيمانِ كمثلِ الأعمى الذى لا يَرَى بَعَيْنَهُ (١) شيئًا (٢)، والأصمّ الذى لا يسمعُ شيئًا، فكذلك فريقُ الكفرِ لا يُصِرُ الحقَّ فيتَّبِعَه ويعملَ به ؛ لشغلِهِ بكفرِه باللّهِ ، وغَلَبَةِ خِذْلانِ اللَّهِ عليه ، لا يسمعُ داعىَ اللَّهِ إلی الرشاد ، فيُچیبه إلى الهدی فیهتدى به ، فهو مُقیمٌ فى ضلالتِه، يتردّدُ فى حَيْرتِه . وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعَ﴾، فكذلك(١) فريقُ الإيمانِ، أبصَرَ حُجَجَ اللَّهِ، وأقرّ بما دَلَّت عليه مِن توحيدِ اللَّهِ ، والبراءةِ مِن الآلهةِ والأندادِ ، ونبوَّةِ الأنبياءِ، عليهم السلامُ، وسمِعَ داعىَ اللَّهِ فأجابَه، وعَمِلَ بطاعةِ اللهِ . كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ: ﴿مَثَلُ الْفَرِقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَاَلْبَصِيرِ وَالسَّمِيعْ﴾ . قال : الأعمى والأصمّ: الكافرُ. والبصيرُ والسميعُ: المؤمنُ(٤). (١) فى م: (بعينه)). (٢) سقط من: ت ١، ت ٢. (٣) كذا فى ص، م، ت ١، س، ف، وفى ت ٢: ((فلذلك))، ولعل صوابها: ((فذلك)). وينظر تعليق الشيخ شاكر ١٥/ ٢٩١. (٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢٦/٣ إلى المصنف وأبى الشيخ. ٣٧٧ سورة هود : الآيات ٢٤ - ٢٦ حدَّثنى المُثَنَّى ، قال: ثنا أبو حذيفةً، قال: ثنا شبلٌ ، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَاَلْبَصِيرِ وَالسَّمِيعْ﴾: الفريقان، الكافران و(١) المؤمنان. فأما الأعمى والأصمُ فالكافران ، وأما البصيرُ والسميعُ فهما المؤمنان . حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿مَثَلُ الْفَرِيِقَيْنِ كَأَلْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعَ﴾ الآية، هذا مَثَلٌ ضَرَبَه اللَّهُ للكافرِ والمؤمنِ، فأما الكافر فضَمَّ عن الحقِّ فلا يسمعُه، وعَمِىَ عنه فلا يُبْصِرُه. وأما المؤمنُ فسَمِعَ الحقَّ فانتَفَع به، وأبصَرَه فوَعاه وحَفِظَه وعَمِل به . يقولُ تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ ، يقولُ: هل يستوى هذان الفريقان ، على اختلافٍ حالتَيهما فى أنفسِهما عندَ كم أيُّها الناسُ ؟ فإنهما لا يستويان عندَ كم فكذلك حالُ الكافرِ والمؤمنٍ لا يستويان عندَ اللَّهِ . ﴿ أَفَلَا نَذَّكَّرُونَ﴾ يقولُ، جلَّ ثناؤه : أفلا تَعْتَبِرون أيُّها الناسُ وتتفكرون، فتَعْلَموا حقيقةَ اختلافٍ أمرَيهما، فَتَنْزِروا عما أنتم عليه مِن الضلالِ إلى الهدى، ومِن الكفرِ إلى الإيمانِ؟ فالأعمى والأُصمُّ والبصيرُ والسميعُ فى اللفظِ أربعةٌ، وفى المعنى اثنان، ولذلك قيل: ﴿هَلْ يَسْتَوِيَنِ مَثَلًا﴾، وقيل: ﴿كَالْأَعْمَى وَالْأَصَّ﴾، والمعنى: كالأعمى الأصمِّ . وكذلك قيل: ﴿ وَاَلْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ﴾، والمعنى: البصيرِ السميعِ. كقولِ القائلِ: قام الظريفُ والعاقلُ. وهو يَنْعَتُ بذلك شخصًا واحدًا . ٢٦/١٢ / القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِ، إِ لَكُمْ نَذِيرٌ ◌ُبِينُ ﴿ أَنْ لَّا نَعَبُدُوْاْ إِلَّ اللَّهُّ إِنَّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ ٢٦ (١) سقط من: م. ٣٧٨ سورة هود : الآيتان ٢٥، ٢٦ [٣٧/٢ ] يقولُ تعالى ذكره: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ﴾ أيُّها القومُ ﴿ نَذِيرٌ﴾ مِن اللَّهِ ، أَنذرُكم بأسَه على كفرٍكم به ، فآمنوا به وأطيعوا أمرَه. ويعنى بقولِه: ﴿شُيُ﴾: يُبِينُ لكم عما أُرسِل به إليكم، مِن أمرِ اللَّهِ ونهيه . واختلفت القرأةُ فى قراءةِ قوله: ﴿ إِنِ﴾؛ فقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفةِ وبعضُ المدنيين بكسرٍ ((إن)) على وجهِ الابتداءِ؛ إذ كان فى الإرسالِ معنى القول. وقَرَأ ذلك بعضُ قرَأَةِ أهلِ المدينةِ والكوفةِ والبصرةِ بفتحِ ((إن)) على إعمالِ الإرسالِ فيها، كأن معنى الكلام عندَهم: لقد أرسلنا نوحًا إلى قومِه بأنى لكم نذير مبينٌ. والصوابُ مِن القولِ فى ذلك عندى أن يقال: إنهما قراءتان متَّفِقَتا المعنى ، قد قرَأ بكلٌ واحدةٍ منهما جماعةٌ من القرأةِ ، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ كان مصيبًا للصوابِ فى ذلك . وقولُه: ﴿أَنْ لَّ نَعْبُدُوَأْ إِلَّ اللَّهُ﴾. فمَن كَسَر الألفَ فى قوله: ﴿ إِنِ﴾ . جعَل قوله: ﴿أَرْسَلْنَا﴾ عاملًا فى ((أَنْ)) التى فى قوله: ﴿أَنْ لَّ نَعْبُدُوْاْ إِلَّ اللَّهُ ﴾ ويصيرُ المعنى حينئذٍ: ولقد أرسلنا نوحًا إلى قومِه، أن لا تعبدوا إلا اللَّهَ، وقِلْ لهم: ﴿إِ لَكُمْ نَذِيرٌ مُِّينٌ﴾. ومَن فَتَحها رَدَّ ((أَنْ)) فى قولِه: ﴿أَن لَّا نَعْبُدُواْ﴾ عليها . فيكونُ المعنى حينئذٍ : لقد أرسلنا نوحا إلى قومِه بأنى لكم نذير مبينٌ ، بأن لا تعبدوا إلا اللَّهَ . ويعنى بقولِه: بأن لا تعبدوا إلا اللَّهَ: أيُّها الناسُ، اتركوا(*) عبادةَ الآلهةِ (١ - ١) سقط من: ت ١. (٢) هى قراءة نافع وابن عامر وعاصم وحمزة. ينظر السبعة ص ٣٣٢، وحجة القراءات ص ٣٣٧، والتيسير ص ١٠١. (٣) هى قراءة ابن كثير وأبى عمرو والكسائى، وتنظر المصادر السابقة. (٤) زيادة يستقيم بها الكلام ، وينظر التبيان ٤٦٩/٥. ٣٧٩ سورة هود : الآيات ٢٥ - ٢٧ والأوثانِ ، وإشراكها فى عبادتِه، وأُفْرِدوا اللَّهَ بالتوحيدِ، وأُخْلِصوا له العبادةَ ، فإنه لا شريكَ له فى خَلْقِهِ . وقولُه: ﴿إِنَّّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِمٍ﴾. يقولُ: إنى، أيُّها القومُ، إن لم تَخُصُوا) ) اللَّهَ بالعبادةِ، وتُفْرِدوه بالتوحيدِ، وتَخْلَعوا (٢) ما دونَه مِن الأندادِ والأوثانِ - أخافُ عليكم مِن اللَّهِ عذابَ يومٍ مؤلم عقابُه وعذابُه لَّن عُذِّبَ فيه . وجَعَل الأليمَ مِن صفةٍ اليومِ، وهو مِن صفةِ العذابِ ؛ إذ كان العذابُ فيه، كما قيل: ﴿ وَجَعَلَ الَّيْلَ سَكَنَّا﴾ [الأنعام: ٩٦]. وإنما السَّكَنُ مِن صفةٍ ما سَكَنَ فيه، دونَ الليلِ . القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَقَالَ الْمَلَأُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ، مَا نَرَئِكَ إِلَّا بَشَرًّا مِثْلَنَا وَمَا نَئِكَ أَتَبَعَكَ إِلَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلْنَا بَادِىَ الَِّ وَمَا نَرَى لَكُمْ V عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَذِينَ يقولُ تعالى ذكره: فقال الكبراءُ مِن قوم نوح وأشرافُهم، وهم الملأ الذين كفروا باللهِ، وَحَدوا نبؤَّةَ / نبيِّهم نوح، عليه السلامُ: ﴿ مَا نَرُنكَ﴾ يا نوح ٢٧/١٢ ﴿ إِلَّا بَشَرًّا مِثْلَنَا﴾: يعنُون بذلك أنه آدمىٌّ مثلُهم فى الخلقِ والصورةِ والجنسِ، كأنهم كانوا مُنكِرِينَ(٢) أن يكونَ اللَّهُ يرسلُ مِن البشرِ رسولًا إلى خلقِه. وقولُه: ﴿ وَمَا نَكَ أَتَبَعَكَ إِلَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلْنَا بَادِىَ الرَّأَِ﴾. يقولُ: وما نَراك اتَّبَعك إلا الذين هم سَفِلَتْنا مِن الناسِ، دونَ الكَبَراءِ والأشرافِ، فيما نرَى(*) ويظهرُ لنا . (١) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((تخلصوا)). (٢) فى ت أ، س، ف: ((تجعلوا)). (٣) فى س: ((متکبرین)) . (٤) فى م: ((يرى)). ٣٨٠ سورة هود : الآية ٢٧ وقولُه: ﴿بَادِىَ الرَّأْىِ﴾ اختلفتِ القرأةُ فى قراءتِه ؛ فَقَرأَتْه عامَّةُ قرأةِ المدينةِ والعراقٍ: ﴿بَادِىَ الَّأَيِ﴾ بغيرِ همزِ ((البادِى))، وبهمزِ ﴿اَلََّيِ﴾، بمعنى: ظاهرِ الرأي. مِن قولهم: بَدَا الشىءُ يبدو. إذا ظَهَر(١) ، كما قال الراجز: أضْحَی لِخالی شَبَهِی بَادِی بَدِی وصارَ للفَخْلِ لِسانى وَيَدِى(٢) بادی بدی، بغیر همزٍ . وقال آخر: (٥)(٦) وقد عَلَثْنِى(٢) ذُرَْةً(٤) بادِى بَدِى (٥) وقرَأ ذلك بعضُ أهلِ البصرةِ : ( بادِئَ الرأيِ)، مهموزًا أيضًا ، بمعنى: مبتدأَ الرأي. مِن قولهم: بدأتُ بهذا الأمرِ. إذا ابتدأتَ به قبلَ غيرِه(١). وأولى القراءتين بالصوابِ فى ذلك(٨) عندَنا، قراءةُ مَن قرأ : ﴿ بَادِىَ ﴾ ، بغيرِ همزِ ((البادِى))، وبهمزِ ﴿الرَّأَيِ﴾؛ لأن معنى ذلك الكلام: إلا الذين هم أراذِلُنا، فى ظاهرِ الرأيِ، وفيما يظهرُ لنا . وقولُه: ﴿وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ﴾. يقولُ: وما نَتَبَيَّنُ لكم علينا مِن فضلٍ نِلْتُموه بمُخالفتِكم إيانا فى عبادة الأوثانِ إلى عبادةِ اللَّهِ ، وإخلاصِ العُودةِ له، (١) هى قراءة السبعة إلا أبا عمرو. ينظر السبعة ص ٣٣٢. وحجة القراءات ص ٣٣٨، والتيسير ص ١٠١. (٢) البيت فى معانى القرآن ٢/ ١١، واللسان (ب د و). (٣) فى ت ١، س، ف: ((غلبنى)). (٤) فى ت ١، ت ٢، س: ((ذره))، والذرأة: الشَّمَط والشيب. تاج العروس (ذ رأ). (٥) فى م: ((بدئ))، وفى ف: ((يدى)). (٦) البيت فى مجاز القرآن ١/ ٢٨٨، وإصلاح المنطق ص ١٧٢، والأغانى ٤١٨/٢٠. (٧) هى قراءة أبى عمرو. ينظر السبعة ص ٣٣٢، وحجة القراءات ص ٣٣٨، والكشف ٥٢٦/١، والتيسير ص ١٠١. (٨) القراءتان كلتاهما صواب .