النص المفهرس

صفحات 281-300

٢٨١
سورة يونس : الآية ٩٢
فقالت بنو إسرائيلَ : مامات فرعونُ ، وما كان ليموتَ أبدًا. فسَمِعَ اللهُ تكذيبَهم نبيَّه
عليه السلامُ . قال : فَرَمَى به على الساحلِ، كأنه ثورٌ أحمرٌ يَتراءاه بنو إسرائيلَ.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال : ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال ثنا موسى بنُ عبيدةً ، عن
محمدِ بنِ كعبٍ ، عن عبدِ اللهِ بنِ شدادٍ: ﴿فَلْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾. قال: بدنُه
جسده ، رمَی به البحر.
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةً، قال : ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن
مجاهدٍ : ﴿ فَلْيَوْمَ نُنَِّّيَكَ بِبَدَنِكَ﴾. قال: بجسدِك.
حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن ورقاءَ، عن ابنٍ أُبی
نجيحِ، عن مجاهدٍ مثلَه(١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن
مجاهدٍ مثله .
حدَّثنا تميمُ بنُ المنتصرِ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا [٢٢/٣٢ظ] الأصبغُ بنُ زيدٍ ،
عن القاسم بن أبى أيوبَ، قال : ثنى سعيدُ بنُ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: لمَّ
جاوَز موسى البحرَ بجميعِ مَن معه، التقى البحرُ عليهم - يعنى على فرعونَ
وقومِه - فأغرَقَهم، فقال أصحابُ موسى: إنا نخافُ أن لا يكونَ فرعونُ
غَرِقَ، ولا نؤمِنُ بهلاكِه. فَدَعا ربَّه فأخرَجه، فنبَذَه البحرُ حتى استيقَنوا
(٢)
بهلا که(٢).
(١) تفسير مجاهد ص ٣٨٣. ومن طريقه أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦/ ١٩٨٣، وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ٣١٦/٣ إلى ابن المنذر وابن الأنبارى فى المصاحف وأبى الشيخ.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٠٧/١ (٥١٠) من طريق يزيد به، وأخرجه أيضًا فى ٢٧٧٥/٨.

٢٨٢
سورة يونس : الآية ٩٢
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ (١)، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيَ
بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ ءَايَةٌ﴾. يقولُ: أَنكَر ذلك طوائفُ مِن بنى إسرائيلَ،
فقذَفه اللهُ على ساحلِ البحرِ يَنظُرون إليه .
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال : ثنا محمدُ بنُّ ثورٍ ، عن معمرٍ ، عن قتادةً :
لِّكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ ءَايَةٌ﴾. قال: لما غرّق(٢) اللهُ فرعونَ، لم تصدِّقْ طائفةٌ مِن
الناسِ بذلك، فأخرَجِه اللهُ آيَةٌ وعِظَةٌ (٣).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال : أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال : أخبرنا ابنُ التيمىِّ ،
عن أبيه ، عن أبى السَّليلِ ، عن قيسٍ بنِ عُبادٍ أو غيرِهِ ، بنحوِ حديثِ ابنِ عبدِ الأُعلى ،
عن مُعتمٍ(٤).
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال : ثنا عبدُ اللهِ بنُ رجاءٍ ، عن ابن جريج ، عن عبدِ اللهِ بنِ
كثيرٍ، عن مجاهدٍ : ﴿فَأَلْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ ، قال: بجسدِك.
١٦٦/١١
/ ثناابنُ وكيعٍ°) قال: ثنا محمدُ بنُ بكرٍ()، عن ابن جريجٍ، قال: بَلَّغنى عن
مجاهدٍ : ﴿ فَلْيَّوْمَ تُنَجِّكَ بِبَدَنِكَ﴾. قال: بجسدِك.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال : ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريجٍ، قال :
كَذَّبَ بعضُ بنى إسرائيلَ بموتِ فرعونَ، فَرَمَى به على ساحلِ البحرِ ليَراه بنو
(١) فى الأصل: (( زيد)).
(٢) فى ت ١، ت ٢، ف: (( أغرق)).
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٩٨٤/٦ من طريق محمد بن عبد الأعلى به، وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ٣١٦/٣ إلى عبد الرزاق وابن المنذر.
(٤) فى ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: ((معمر)). وينظر ما تقدم فى ص ٢٨٠.
(٥ - ٥) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، س، ف .
(٦) فى م، ت ١، ف: ((بكير)). وينظر تهذيب الكمال ٢٤/ ٥٣٠.

٢٨٣
سورة يونس : الآيتان ٩٣،٩٢
إسرائیلَ . قال : أحمر کأنه ثورٌ.
وقال آخرون: معنى ذلك" تَنْجو بجسدِك مِن البحرِ، فتخرج منه .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى ، قال : ثنى عمى ، قال : ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَأَلْيَوْمَ نُنَجَِّكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ ءَايَةٌ﴾ .
يقولُ: أَنْجَى اللَّهُ فرعونَ لبنى إسرائيلَ مِن البحرِ ، فَتَظَروا إليه بعدَ ما غَرِقَ(٣).
فإن قال قائلٌ: وما وجهُ قولِه: ﴿ ◌ِبَدَنِكَ﴾؟ وهل كان (١) يجوزُ أَن يُنَجِّيَّه بغيرِ
بدنِه ، فيحتاجُ الكلامُ إلى أن يقالَ فيه: ﴿ يِبَدَنِكَ ﴾؟
قيل : كان جائزًا أن يُنَجِّيّه بهيئته حيًّا كما دَخَل البحرَ، فلما كان جائزًا ذلك،
قيل: ﴿ فَلْيَوْمَ نُنَجِيْكَ بِبَدَنِكَ﴾. لِيُعْلَمَ أنه ينجِّيه بالبدنِ بغيرِ روحٍ، ولكن ميتًا .
وقولُه: ﴿ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ ءَايَِنَا لَغَفِلُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكره:
﴿ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ ءَايَشِنَا﴾، يعنى: عن حُجَجِنا وأدلتِنا على أن العبادةَ
والألوهةَ لنا خالصةٌ، ﴿ لَغَفِلُونَ﴾. يقولُ: لساهون، لا يَتَفكّرون فيها، ولا
يَعْتَبِرون بها .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَوَأْنَا بَنِىّ إِسْرَِّيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ
وَرَزَقْنَهُم مِّنَ [٢٣/٣٢ ظ] اُلَطِّبَتِ فَمَا أُخْتَلَفُواْ حَتَّى جَآءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِى بَيْنَهُمْ يَوْمَ
اُلْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ
٩٣
(١ - ١) سقط من: ص، م، ت ١، ت٢، س ، ف .
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣١٦/٣ إلى المصنف.
(٣) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، س، ف.

٢٨٤
سورة يونس : الآية ٩٣
يقولُ تعالى ذكرُه : ولقد أنزلنا بنى إسرائيلَ منازلَ صِدْقٍ .
قيل : عُنِى بذلك الشامُ وبيتُ المقدسِ. وقيل: عُنِى به الشامُ ومصرُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال : ثنا المحاربيُّ وأبو خالدٍ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ :
مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾. قال: منازلَ صدقٍ ؛ مصرَ والشامَ() .
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال : ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ ، عن قتادةً :
مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾. قال: بَوَّأَهم اللَّهُ الشامَ وبيتَ المقدسِ.
(٢)
حدَّثنى يونسُ ، قال : أخبرنا ابنُّ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَلَقَدْ
بَّْنَا بَنِىّ إِسْرَِّيَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾. ( قال: مبوأُ صدقٍ»: الشامُ. وقرأ: ﴿اَلْأَرْضِ اَلَّتِى
بَرَكْنَا فِيَهَا لِلْعَلَمِينَ﴾ [الأنبياء: ٧١] .
وقولُه: ﴿وَرَزَقْنَهُم مِّنَ الَِّبَتِ﴾. يقولُ: ورَزَقنا بنى إسرائيلَ مِن حلالِ
الرزقِ ، وهو الطيِّبُ .
١٦٧/١١
/وقولُه: ﴿فَمَا اخْتَلَفُواْ حَتَّى جَآءَ هُمُ الْعِلْمُ﴾. يقولُ [٢٤/٣٢ و] جلّ ثناؤه: فما
اخْتَلف هؤلاء الذين فَعَلنا بهم هذا الفعلَ مِن بنى إسرائيلَ ، حتى جاءَهم ما كانوا به
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦/ ١٩٨٥، وابن عساكر فى تاريخه ١٥١/١ من طريق جويير به، وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ٣١٦/٣ إلى ابن أبى شيبة وابن المنذر وأبى الشيخ.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٩٨٥/٦ عن محمد بن عبد الأعلى به ، وأخرجه عبد الرزاق فى تفسيره
٢٩٧/١، ومن طريقه ابن عساكر فى تاريخه ١٤٣/١، ١٥١ عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٣١٦/٣ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.
(٣ - ٣) سقط من: م، ت ١، س.
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٩٨٥/٦ من طريق آخر عن ابن زيد به .

٢٨٥
سورة يونس : الآية ٩٣
عالمين؛ وذلك أنهم كانوا قبلَ أن يُبْعَثَ محمدٌ عَلَّمِ مُجْمِعِين على نبوةِ محمدٍ ،
والإقرار به ومتعته، غیرَ مختلفین فیه بالنعتِ الذى كانوا يَجِدونه مكتوبًا عندهم ،
فلما جاءهم ما عَرَفوا كَفَرَ به بعضُهم، وآمَن به بعضُهم ، والمؤمنون به منهم كانوا
عددًا قليلًا. فذلك قوله: ﴿قَمَا أُخْتَلَفُواْ حَتَّى جَآءَهُمُ الْعِلْمُ﴾. ومعناه: حتى
جاءهم ٢ المعلومُ الذى كانوا يعلَمونه نبيًّا للَّهِ. فَوَضَعَ ((العِلْمَ)) مكانَ المعلومِ .
وقد كان بعضُهم يتأوَّلُ ((العلمَ )) هلهنا كتابَ اللَّهِ وَوَحْيَه .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿فَمَا
أَخْتَلَفُواْ حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمْ﴾ بغيًّا بينهم(١) . قال: العلمُ كتابُ اللهِ الذى أنزله، وأمرُه
الذى أمرهم به، وهل اختلفوا حتى جاءهم العلمُ بغيًا بينهم؟ أهلُ هذه الأهواءِ هل
اقْتَتَلوا إلا على البغي؟ قال : والبغىُ وجهان؛ وجهُ النَّفَاسةِ فى الدنيا ، ومَن اقتَلَ عليها
مِن أهلِها ، وبغىّ فى العلم ، يَرَى هذا جاهلاً مُخْطِئًا ، ويرى نفسه مصيبًا عالماً ، فيَبْغى
بإصابته وعلمِه على هذا المخطئ (٢).
وقولُه: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِى بَيْنَهُمْ يَوْمَ اُلْقِيَمَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾. يقولُ
تعالى ذكرُه لنبيِّه [٢٤/٣٢ظ] محمدٍ مَلِ: إن ربَّك يا محمدُ يَقْضِى بينَ المختلفين مِن
بنى إسرائيلَ فيك(٢) يومَ القيامةِ ، فيما كانوا فيه مِن أمرِكُ(١) فى الدنيا يختلفون ، بأن
(١ - ١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف .
(٢) كذا فى النسخ، زاد: بغيا بينهم. وليست من الآية، وهذه الزيادة فى آية سورة آل عمران ١٩، والشورى
١٤، والجاثية ١٧. ولم يذكر المصنف هذا الخبر فى تفسير العلم والبغى فى هذه الآيات من هذه السور.
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣١٧/٣ إلى المصنف وأبى الشيخ، مقتصرًا على أوله .
(٤) فى ص، ت ١، ت ٢، س: (( قبل )).
(٥) فى ص، م، ت ١، ت ٢، س: ((أمرى)).
٠

٢٨٦
سورة يونس : الآيتان ٩٣، ٩٤
يُدْخِلَ المُكذِّبين بك منهم النارَ، والمؤمنين بك منهم الجنةَ. فذلك قضاؤه فيهم
يومَئذٍ فيما كانوا فيه يَخْتَلِفُون مِن أمرٍ محمدٍ عَلَّه .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿فَإِن كُنْتَ فِى شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَسْعَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ
٩٤
الْكِتَبَ مِن قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ مِ له: فإن كنتَ يا محمدُ فى شكُ مِن حقيقةِ ما
أخبرناك " وأَنزَلنا إليك مِن أن بنى إسرائيلَ لم يَخْتَلِفوا فى نبوتِك قبلَ أن تُبْعَثَ
رسولاً إلى خلقِنا(١)؛ لأنهم يَجِدونك عندهم مكتوبًا، ويَعْرِفونك بالصفةِ التى أنت
بها موصوفٌ فى كتابِهم فى التوراة والإنجيلِ، ﴿فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَبَ
مِن قَبْلِكَ﴾ مِن أهلِ التوراةِ والإنجيلِ ؛ كعبدِ اللهِ بنِ سلَامٍ ، ونحوِهِ مِن أهلِ الصدقِ
والإيمانِ بك منهم ، دونَ أَهلِ الكذبِ والكفرِ بك منهم .
وبنحوِ الذى قُلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
/ذکر مَن قال ذلك
١٦٨/١١
[٢٥/٣٢و] حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ
جريج، قال: قال ابنُ عباسٍ فى قولِه: ﴿فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَبَ مِن
قَبْلِكَ﴾. قال: التوراة والإنجيلَ، الذين أَدْرَ كوا محمدًا بَّهِ مِن أهلِ الكتابِ فَآمَنوا
به . يقولُ: سَلْهم إن كنتَ فى شكٌّ بأنك مكتوبٌ عندَهم (١).
حدَّثنى يونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال : قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ فَإِن
(١ - ١) فى ص، ت ١، ت ٢، س: ((فأنزلنا))، وفى م، ف: ((وأنزل)).
(٢) فى ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: (( خلقه)).
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣١٧/٣ إلى المصنف وأبى الشيخ.

٢٨٧
سورة يونس : الآية ٩٤
كُنْتَ فِى شَكٍ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَبَ مِن قَبْلِكَ﴾. قال:
هو عبدُ اللهِ بنُ سلَامٍ، كان مِن أهلِ الكتابِ، فَآمَن برسولِ اللَّهِ عَه(١).
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسینُ، قال : ثنی حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد
قولَه: ﴿فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَبَ مِن قَبْلِكٌ﴾. قال: هم أهلُ الكتابِ(٢).
حُدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفرج، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عبيدٌ ، قال:
سمِعتُ الضحاكَ يقولُ فى قوله: ﴿فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَبَ مِن قَبْلِكٌ﴾.
قال: يعنى أهلَ التقوى وأهلَ الإيمانِ مِن أهلِ الكتابِ ممن أدرَكُ نبىَّ اللّه عَه(١).
فإن قال قائلٌ: أوَ كان رسولُ اللَّهِوَِّ فى شكٌّ مِن خبرِ اللَّهِ أنه حقٌّ يقِيٌ، حتى
قيلَ له : ﴿فَإِن كُنَتَ فِى شٍَّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَبَ مِن
قَبْلِكَ﴾؟ قيل: لا . وكذلك قال جماعةٌ مِن أهلِ العلمِ .
حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ ، قال: ثنا هشيمٌ، عن أبى بشرٍ، عن سعيدِ بنِ
جبيرٍ [٢٥/٣٢ظ] فى قوله: ﴿فَإِن كُنتَ فِ شَكٍّ مِّمَّا أَنْزَلْنَآ إِلَيْكَ ﴾. فقال: لم يشُكَّ
٠٫٤(٤)
النبىُّ عَّهِ ولم يسألْ(٤).
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال : ثنا سويدُ بنُ عمرو، عن أبى عَوانةَ، عن أبى بشرٍ ، عن
سعيدِ بنِ جبيرٍ فى قوله: ﴿فَإِن كُنتَ فِ شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَسْعَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ
اُلْكِتَبَ مِن قَبْلِكَ﴾. قال: ما شكَّ وما سأل(٥).
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٩٨٦/٦ من طريق أصبغ عنه به .
(٢) تفسير البغوى ٤/ ١٥٠.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٩٨٦/٦ من طريق أبى معاذ به .
(٤) أخرجه سعيد بن منصور فى سننه (١٠٧٧ - تفسير) عن هشيم به .
(٥) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (١٠٧٦ - تفسير) عن أبى عوانة به .

٢٨٨
سورة يونس : الآية ٩٤
حدَّثنى الحارثُ ، قال : ثنا القاسمُ بنُ سلَّام، قال: ثنا هشيمٌ، قال : أخبرنا أبو
بشرٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ ومنصورٍ ، عن الحسنِ فى هذه الآيةِ ، قال : لم يشُكَّ رسولُ
اللَّهِ عَ لَه ولم يسألْ(١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ ، قال: ثنا سعيدٌ ، عن قتادةً قوله : ﴿ فَإِن گُنُتَ فِی
شَكٍّ مِعَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَسْئَلِ اَلَّذِينَ يَقْرَهُونَ الْكِتَبَ مِن قَبْلِكَ﴾: ذُكِر لنا أن رسولَ
اللَّهِ ◌ِ ◌ِلِ قال: ((لا أشُكُ ولا أسْألُ)).
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعْلى، قال : ثنا محمدُ بنُ ثورٍ ، عن معمرٍ ، عن قتادةً :
﴿فَإِن كُنْتَ فِ شَكٍّ مِّمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَسْعَلِ اَلَّذِينَ يَقْرَهُونَ الْكِتَبَ مِن قَبْلِكَ﴾.
قال: بَلَغَنا أن رسولَ اللَّهِ عَ لَّمِ قال: ((لا أَشُكُّ ولا أسألُ))(٢).
فإن قال(١) : فما وجهُ مخرج هذا الكلامِ إذن إن كان الأمرُ على ما وصفتَ ؟
١٦٩/١١ قيل: قد بيَّنا فى غيرِ موضع / مِن كتابنا هذا، استجازةَ العربِ قولَ القائلِ منهم
المملوكِه: إن كنتَ مملوكى فانْتهِ إلى أمرى. والعبدُ المأمورُ بذلك لا يشكُّ سيدُه
القائلُ له ذلك أنه عبدُه، كذلك قولُ الرجلِ منهم لابنه: إن كنتَ ابنى فَبِرَّنى. وهو
لا یشُُُّ فی ابنه أنه ابنُه، وإن ذلك مِن کلامِھم صحیح مستفیضٌ فیھم، وذكرنا
ذلك بشواهدِه، وأن منه قولَ اللَّهِ تعالى: ﴿ وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَعِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ ءَ أَنْتَ قُلْتَ
لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِ وَأَتِىَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١١٦]. وقد عَلِم جلّ ثناؤُه أن
عيسى لم يقُلْ ذلك، وهذا من ذلك، لم يكنْ عَّهِ شاكًّا فى حقيقةٍ خبرِ اللَّهِ
وصحته، واللَّهُ تعالى بذلك مِن أمرِهِ كان عالماً ، ولكنه جلّ ثناؤُه خاطَبه خطابَ قومِه
(١) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (١٠٧٧ - تفسير) عن هشيم به .
(٢) تفسير عبد الرزاق ٢٩٨/١ عن معمر به .
(٣) بعده فى ت ٢، ف: (( قائل)).

٢٨٩
سورة يونس : الآيات ٩٤ - ٩٧
بعضهم بعضًا ، إذ كان القرآنُ بلسانِهِم نَزَلَ .
وأما قولُه: ﴿ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِن رَّيِِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾. فهو
خبرٌ مِن اللَّهِ مبتدأٌ ، يقولُ تعالى ذكرُه : أُقْسِمُ لقد جاءك الحقُّ اليقينُ مِن الخبرِ بأنك للَّهِ
رسولٌ، وأن هؤلاء اليهود والنصارى يَعْلَمون صحةً ذلك، ويَجِدون نعتَك عندهم
فى كتُبِهم. ﴿فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾. يقولُ: فلا تكوننَّ مِن الشاكِّين فى
صحةٍ ذلك وحقيقتِهِ .
ولو قال قائلٌ: إن هذه الآيةَ خُوطِب بها النبىُّ عَلَّهِ، والمرادُ بها بعضُ مَن لم
يَكُنْ صَحَّت بصيرتُه بنبوتِه ◌ِ لّه(١) ممن كان قد أظهر الإِيمانَ بلسانِه، تنبيهًا له على
موضعٍ تَعَرُفٍ(٢) حقيقةِ أمرِه الذى يزيلُ اللَّيْسَ عن قلبِه، كما قال جلّ ثناؤه: ﴿يَّأَيُّهَا
النَّبِىُّ أَتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَفِرِينَ وَالْمُنَفِفِينَّ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾
[الأحزاب: ١]. كان قولاً غيرَ مدفوعةٍ صحتُه .
القولُ فى تأويل قولِه تعالى ذكرُه: ﴿ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِشَايَتِ اللَّهِ
[٢٦/٣٢ ظ] فَتَكُونَ مِنَ الْخَسِرِينَ
٩٥
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيّه عَلَّهِ: ولا تكوننَّ يا محمدُ مِن الذين كذَّبوا
بحجَجِ اللَّهِ وأدلتِهِ، فتكونَ ممن غُيِنَ حظّه، وباع رحمةَ اللَّهِ ورضاه بسَخَطِه
وعقابه .
القولُ فى تأويلِ قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا
يُؤْمِنُونَ (٨٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ ءَايَةٍ حَتَّى يَرَوَا الْعَذَابَ الْأَلِيَمَ
٩٧
(١ - ١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س.
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((يعرف)).
( تفسير الطبرى ١٩/١٢ )

٢٩٠
سورة يونس : الايتان ٩٧،٩٦
يقولُ تعالى ذكرُه : إن الذين وَجَبَت عليهم يا محمدُ كلمةُ ربِّك، وهى(١)
لعنتُه إياهم ، بقولِه: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [ هود: ١٨]. فَثَبَتَت عليهم.
يقالُ منه: حقَّ على فلانٍ كذا يَحِقُّ عليه . إذا ثَتَت ذلك عليه ووَجَب .
وقولُه: ﴿لَا يُؤْمِنُونٌ ﴿ وَلَوَ جَاءَتْهُمْ كُلُّ ءَايَةٍ﴾. يقولُ: لا يُصَدِّقون
بحجّج اللَّهِ ، ولا يُقِرُّون بوحدانيةِ ربِّهم، ولا بأنك للَّهِ رسولٌ - ﴿ وَلَوْ جَآءَتْهُمْ
كُلّ ءَايَةٍ ﴾ وموعظةٍ وعبرةٍ ، فعايَنُوها - حتى يُعاينوا العذابَ الأَلِيمَ، كما لم
يؤمِنْ فرعونُ ومَلَؤُه، إذ حقَّت عليهم كلمةُ ربِّك، حتى عاينوا العذاب الأليمَ ،
فحينئذٍ قال: ﴿ ءَمَنْتُ أَنَّهُ لَآَ إَِهَ إِلَّا الَّذِىَ ءَامَنَتْ بِهِ بَنُواْ إِسْرَوِيلَ وَأَنْ مِنَ
اُلْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٩٠]. حينَ لم ينفَعْه قيلُه ذلك، فكذلك هؤلاء الذين
١٧٠/١١ حَقَّت / عليهم كلمةُ ربِّك مِن قومِك ؛ مِن عبدة الأوثانِ وغيرهم، لا يؤمنون بك
فيَتَّبِعونك إلا فى الحينِ الذى لا يَنفَعُهم [٢٧/٣٢و] إيمانُهم .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةً، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنٍ أبى نجيحٍ، عن
مجاهدٍ فى قولِه: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ . قال:
حقَّ عليهم سَخَطُ اللَّهِ بما عَصَوه .
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلَى ، قال : ثنا محمدُ بنُ ثورٍ ، عن معمرٍ ، عن قتادةً:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾: حَقَّ عليهم سَخَطُ اللَّهِ بما
(١) فى الأصل، ص، ت ١، ت ٢، س: ((هو)).

٢٩١
سورة يونس : الآيتان ٩٧ ، ٩٨
(١)
عَصَوہ
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةُ ءَامَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ
٩٨
لَمََّ ءَامَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِرِيِ فِي الْحَيَوِ الدُّنْيَا وَمَثَّعْنَهُمْ إِلَى حِينٍ
يقولُ تعالى ذكره: (فهَلًّا كانت قريةٌ آمَنت). وهى كذلك فیما ذُكِرَ فى
(٢)
قراءةٍ أبىّ (٢).
ومعنى الكلام: فما كانت قريةٌ آمَنت عندَ مُعاينتِها العذابَ، ونزولَ سَخَطِ اللَّهِ
بها ، بعصيانِها ربَّها واستحقاقِها عقابَه ، فنَفَعَها إيمانُها ذلك فى ذلك الوقتِ ، كما لم
يَنفَعْ فرعونَ إيمانُه حينَ أَدرَ كه الغرَقُ بعدَ تمادِيه [٢٧/٣٢ظ] فى غَيِّه، واستحقاقِهِ سَخَطَ
اللَّهِ بمعصيتِه ﴿ إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ﴾، فإنهم نَفَعَهم إيمانُهم بعدَ نزولِ العقوبةِ وحلولٍ
السخَطِ بهم، فاستَثْنى اللَّهُ قومَ يونسَ مِن أهلِ القرى الذين لم يَنْفَعْهم إيمانُهم بعدَ
نزول العذابِ بساحتِهم، وأخرجهم منهم ، وأخبر خلْقَه أنه نفعَهم إيمانُهم خاصةً مِن
بين سائرِ الأمم غيرِهم .
فإن قال قائلٌ: فإن كان الأمرُ على ما وصفتَ مِن أن قوله: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرَّيَةُ
ءَمَنَتْ ﴾. بمعنى: فما كانت قريةٌ آمنت . بمعنى الجحودِ، فكيف نصَب ﴿ قَوْمَ ﴾ ،
وقد علِمتَ أن ما قبلَ الاستثناءِ إِذا كان جحدًا كان ما بعدَه مرفوعًا ، وأن الصحيح
مِن كلامِ العربِ: ما قامَ أحدٌ إلا أخوك وما خَرَجَ () إلا أبوك .
قيل : إن ذلك إنما يكونُ كذلك إذا كان ما بعدَ الاستثناءِ مِن جنسِ ما قبلَه ،
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٩٨٦/٦ من طريق محمد بن عبد الأعلى به، وأخرجه عبد الرزاق فى
تفسيره ٢٩٨/١ عن معمر به .
(٢) هى قراءة شاذة، وينظر البحر المحيط ٥/ ١٩٢.
(٣) بعده فى م، ف: ((أحد)).

٢٩٢
سورة يونس : الآية ٩٨
وذلك أن الأخَ مِن جنسٍ أحدٍ ، و کذلك الأبُ ، ولكن لو اختلف الجنسانِ حتى
يكونَ ما بعدَ الاستثناءِ مِن غيرِ جنسٍ ما قبلَه، كان الفصيحُ مِن كلامِهم النصبَ ،
وذلك لو قلتَ : ما بَقِى فى الدارِ أحدٌ إلا الوقِدَ. وما عندَنا أحدٌ إلا كلبًا أو حمارًا .
لأن الكلبَ والوتدَ والحمارَ مِن غيرِ جنسٍ أُحدٍ ، ومنه قولُ النابغةِ الذُّبيانيّ(١) :
عَيَّتْ(١) جوابًا وما بالرَّبْعِ مِن أحدٍ
.
ثم قال :
والتُّؤْىُ كالحوضِ بالمظلومةِ الجَلَدِ
إِلَّ أَوَارِئَّ(٢) لأُيَا ما أُبِتُها.
١٧١/١١
/فنصَب الأوارِىَّ، إذ كان مستثنَى مِن غيرِ جنسِه، فكذلك نَصْبُ ﴿ قَوْمَ
يُؤنُسَ﴾، نُصِبوا(٤) لأنهم أمةٌ غيرُ الأمم الذين استُثْنُوا منهم ومن [٢٨/٣٢ و] غيرٍ
جنسِهم وشكلِهم، وإن كانوا مِن بنى آدمَ ، وهذا الاستثناءُ الذى يسمِّيه بعضُ أهلِ
العربيةِ الاستثناءَ المنقَطِعَ، ولو كان قومُ يونسَ بعضَ الأُمةِ الذين استُثنوا منهم كان
الكلامُ رَفْعًا، ولكنهم كما وَصفتُ .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ ، عن ابنِ جريج، عن عطاءٍ
الخراسانىٌّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةُ ،َمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيَمَنُّهَّ﴾ .
(١) تقدم فى ١٨٣/١، ١٨٤.
(٢) فى م: (( أعيت)).
(٣) فى الأصل: ((الأوارى)).
(٤) سقط من: ص، م، ت١، ت٢ ، س ، ف .

٢٩٣
سورة يونس : الآية ٩٨
يقولُ: لم تكُنْ قريةٌ آمنتْ فنفَعَها الإِيمانُ إذا نزل بها بأسُ اللَّهِ إلا قريةَ يونسَ(١).
قال ابنُ جريج : قال مجاهدٌ : فلم تكنْ قريةٌ آمنتْ فنفعَها إيمانُها ، كما نفعَ قومَ
يونسَ إيمانُهم ، إلا قومَ يونسَ(٢).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرّيَةُ
ءَامَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُّهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ ءَامَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِرِيِ فِى الْحَيَوَةِ
الدُّنْيَا وَمَثَّعْنَهُمْ إِلَى ◌ِينٍ﴾. يقولُ: لم يكنْ هذا فى الأممِ قبلَهم، لم ينفَعْ قريةٌ كَفَرت
ثم آمنت حينَ حَضَرها العذابُ فتُرِكت إلا قومَ يونسَ؛ لمَّ فَقَدوا نبيَّهم، وظَنُّوا أن
العذابَ قد دَنا منهم، فَذَفَ اللَّهُ فى قلوبِهِم التوبةَ، ولَيِسوا المُسوعَ، وألهَوا(٣) بينَ كلِّ
بهيمةٍ وولَدِها، ثم عَجُوا إلى اللَّهِ أربعين ليلةً، فلما عرَّف اللَّهُ الصِّدقَ مِن قلوبِهم،
والتوبةَ والندامةَ على ما مَضَى منهم، [٢٨/٣٢ظ] كشَف اللَّهُ عنهم العذابَ بعدَ أن
تدَلَّى عليهم. قال: وذُكِر لنا أن قومَ يونسَ كانوا بنِينَوَى أرضِ المُوصلِ(١).
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال : ثنا محمدُ بنُّ ثورٍ ، عن معمرٍ ، عن قتادةً :
﴿ إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ﴾. قال: بَلَغْنا أنهم خَرَجوا فَتَزَلُوا على تلِّ، وفَّقوا بينَ كلِّ بهيمةٍ
وولدِها، يَدْعون اللَّهَ أربعين ليلةً، حتى تابَ عليهم ) .
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال : ثنا عبدُ الحميدِ الحِمَّانىُ، عن إسماعيلَ بنِ عبدِ الملكِ،
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣١٧/٣ إلى المصنف وابن المنذر وأبى الشيخ.
(٢) تفسیر مجاهد ص ٣٨٣.
(٣) ألهاه، أى شغله. والمراد: فرقوا بين البهيمة وولدها يالهاء الولد عن أمه . اللسان (ل هـ و).
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٩٨٨/٦ من طريق خليد عن قتادة به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٣١٧/٣ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.
(٥) تفسير عبد الرزاق ٢٩٨/١ عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣١٨/٣ إلى المصنف وأحمد فى
الزهد .

٢٩٤
سورة يونس : الآية ٩٨
عن سعيد بن جبيرٍ، قال: غَشَّى قومَ يونسَ العذابُ، كما يُغَشِّى الثوبُ بالقبرِ(١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن صالح المرّىِّ، عن
قتادةَ ، عن ابنِ عباسٍ : إن العذابَ كان هبَط على قومٍ يونسَ، حتى لم يكنْ بينَهم
وبينَه إلا قَدْرُ ثلُثى ميلٍ، فلما دَعَوا كشَفِ اللَّهُ عنهم(٢)
حدَّثنى المُثُنَّى ، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنٍ أبى نجيحٍ، عن
مجاهدٍ ، وإسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ ، عن ورقاءَ جميعًا، عن ابنٍ أبى نجيحٍ، عن
مجاهدٍ: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةُ ءَامَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ﴾. قال: كما نَفَع
قومَ يونسَ. زادَ أبو حذيفةَ فى حديثِه قال: لم تكُنْ قريةٌ آمَنت حينَ رأْتِ العذابَ
فَنفَعَها إيمانُها ، إلا قومَ يونسَ مَتَّعْناهم(١) .
حدَّثنى المُنَّى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أبى جعفر، عن أبيه ، عن
الربيع بنٍ أنسٍ ، قال : ثنارجلٌ قد قرأ القرآنَ فى صدرِه ، فى إمارةِ عمرَ بنِ الخطابِ ،
رَضِىَ اللّهُ عنه، فحَدَّثَ عن قومٍ يونسَ / حيث(٤) أنذرَ قومَه فَكَذَّبوه، فأخبرَهم أن
العذابَ يُصِيبُهم، وفارقهم، فلما رَأَوا ذلك وغَشِيهم العذابُ لِكِنِّهم، [٢٩/٣٢ و]
خَرَجوا مِن مساكنِهم، وصَعِدوا فى مكانٍ رفيع، وأنهم جَأروا إلى ربِّهم ودَعَوه
مخلصين له الدينَ أن يكشِفَ عنهم العذابَ ، وأن يُرْجِعَ إليهم رسولَهم . قال : ففى
ذلك أَنزَلِ اللَّهُ: ﴿فَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةُ ءَامَنَتْ فَتَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّاَ ءَامَنُواْ
١٧٢/١١
(١) فى ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: ((القبر)). والمعنى: كما يغشى الثوبُ الإنسانَ فى القبر. كما
سيأتى فى الصفحة التالية . والأثر أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٩٨٩/٦ من طريق إسماعيل به .
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣١٨/٣ إلى المصنف وأحمد فى الزهد.
(٣) تفسیر مجاهد ص ٣٨٣.
(٤) فى ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: (( حين)).
(٥) الكِنُّ: البيت . اللسان (ك ن ن).

٢٩٥
سورة يونس : الآية ٩٨
كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِرِيِ فِىِ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَهُمْ إِلَى حِينٍ﴾. فلم تكُنْ قريةٌ غَشِيها
العذابُ ، ثم أُمسِك عنها إلا قومَ يونسَ خاصةً ، فلما رأى ذلك يونسُ لِكِنِّه، ذَهَب
عاتبًا على ربِّه، وانطلق مغاضبًا، وظنَّ أن لن يُقْدَرَ(١) عليه، حتى رَكِبَ فى سفينةٍ،
فأصابَ أهلَها عاصفٌ من الريحِ. فذكر قصةً يونسَ وخبرَه (٢) .
حدَّثنى المُثُنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةً، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبى نجيح، قال: لمَّ
رَأَوًا العذابَ ينزِلُ فَوَّقوا بينَ كلِّ أنثى وولدِها مِن الناسِ والأنعامِ، ثم قاموا جميعًا
فدَعَوا اللَّهَ وأخلَصوا إيمانَهم، فرَأَوُا العذابَ يُكْشَفُ عنهم، قال يونسُ حينَ كُشِفَ
عنهم العذابُ: أرجِعُ إليهم وقد كَذَّبْتُهم! وكان يونسُ قد وَعَدهم العذابَ بصبحٍ
ثالثةٍ ، فعندَ ذلك خَرَجَ مُغْضَبًا ، وساءَ ظنُّه .
حدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا سفيانُ، عن إسماعيلَ بنِ
عبدِ الملكِ، عن سعيد بن جبيرٍ، قال: لمَّ أَرسِل يونسُ إلى قومِه يَدْعوهم إلى الإسلامِ
وتَرْكِ ما هم عليه. قال: فَدَعاهم فأبوا ، فقيل له : أخبرهم أن العذابَ مُصَبِّحُهم .
فقالوا : [٢٩/٣٢ظ] إنا لم تُجرِّبْ عليه كَذِبًا، فانظُروا، فإن باتَ فيكم فليس بشىءٍ ،
وإن لم يَبِتْ فاعْلَموا أن العذابَ مُصَبِّحُكم. فلما كان فى جوفِ الليلِ أَخَذَ
عُلاثَةٌ(٣)، فتَزوَّدَ منها(4) شيئًا، ثم خرَج، فلما أصبحوا تَغَشَّاهم العذابُ كما يَتَغَشَّى
الإنسانَ الثوبُ فى القبرِ، فَرَّقوا بينَ الإنسانِ وولدِه وبينَ البهيمةِ وولدِها ، ثم عُوا إلى
اللَّهِ، فقالوا: آمنًا بما جاءنا به يونسُ وصدَّقْنا. فكشَف اللَّهُ عنهم العذابَ، فخرَج يونسُ
(١) فى م: ((نقدر)).
(٢) أخرجه المصنف فى تاريخه ١٣/٢، ١٤.
(٣) فى م: ((مخلاته))، وفى ت ١، س، ف: ((علامة))، وفى ت ٢: ((مخلاية))، والعلاثة: الأقط المخلوط
بالسمن، أو الزيت المخلوط بالأقط . اللسان (ع ل ث).
(٤) فى الأصل، م، ف: ((فيها)).

٢٩٦
سورة يونس : الآية ٩٨
ينظُرُ العذابَ فلم يرَشيئًا، قال: جَرَّبوا علىَّ كَذِبًا. فَذَهَبَ مُغاضِبًا ربَّه حتى أتَى البحرَ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن إسرائيلَ، عن أبى
إسحاقَ ، عن عمرٍو بنٍ ميمونٍ ، قال : ثنا ابنُ مسعودٍ فى بيتِ المالِ ، قال: إن يونسَ
كان قد وعَد قومَه العذابَ، وأخبرَهم أنه يأتيهم إلى ثلاثة أيامٍ ، فَفَرّقوا بينَ كلِّ والدةٍ
وولدِها، ثم خَرَجوا فجَأَّروا إلى اللَّهِ واستغفَروه، فَكَفَّ اللَّهُ عنهم العذابَ، وغدا
يونسُ ينظرُ العذابَ، فلم يرَ شيئًا، وكان مَن كذَب ولم تكُنْ له بيِّنَةٌ قُتِل، فانطلقَ
(١)
مُغَاضِبًا (١).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا يحيى بنُ واضح، قال: ثنا صالح المُرِىُّ، عن أبى
عمرانَ الجَوْنيّ، عن أبى الجدّدِ جِيلانَ، قال: لمَّ غَشَّى قومَ يونسَ العذابُ، مَشَوا إلى
شيخٍ مِن بقيةِ علمائهم ، فقالوا له : إنه قد نزَل بنا العذابُ ، فما تَرى؟ فقال : قولوا :
يا حىُّ حينَ لا حىٍّ، ويا حىُّ مُحْيِىَ الموتى، ويا حىّ لا إلهَ إلا أنت . فكَشِفَ عنهم
العذابُ ومُتِّعوا إلى حين(٢) .
/حدَّثنا [٣٠/٣٢و] محمدُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال : ثنا محمدُ بنُ ثورٍ ، عن معمرٍ ،
قال: بَلَغنى فى حرفِ ابنِ مسعودٍ: ﴿فَلَوْلًا﴾. يقولُ: (فهلا)(٢).
١٧٣/١١
وقولُه: ﴿لَمَّآ ءَامَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِ الْحَيَوِ الدُّنْيَا﴾. يقولُ:
(١) أخرجه المصنف فى تاريخه ١٥/٢، ١٦. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣١٧/٣ إلى ابن مردويه
مرفوعًا .
(٢) أخرجه أحمد فى الزهد ص ٣٤، وابن أبى حاتم فى تفسيره ١٩٨٩/٦ من طريق صالح المرى به، وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ٣١٨/٣ إلى المصنف وابن المنذر.
(٣) تفسير عبد الرزاق ٢٩٨/١ عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣١٨/٣ إلى المصنف
وأبى الشيخ .

٢٩٧
سورة يونس : الآيتان ٩٨، ٩٩
لما صَدَّقوا رسولَهم وأقرُّوا بما جاءهم به بعدَما أَظَلَّهم العذابُ، وغَشِيَهم أمرُ اللّهِ،
ونزَل بهم البلاءُ، كَشَفنا عنهم عذابَ الهوانِ والذلِّ فى حياتِهم الدنيا، ﴿ وَمَتَّعْنَهُمْ
إِلَى حِينٍ﴾. يقولُ: وأخَّرنا فى آجالِهم ولم نُعاجِلْهم بالعقوبةِ ، وتَرَ کناهم فی الدنیا
يَسْتَمْتِعون فيها بآجالِهم إلى حينِ مماتِهم، ووقتِ فناءِ أعمارِهم التى قَضَيْتُ
(١)
فَنَاءَها(١).
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَلَوَ شَآءَ رَبُّكَ لَمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًاً
٩٩
أَفَأَنَتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه: ﴿ وَلَوْ شَآءَ﴾ يا محمدُ ﴿ رَبُّكَ لَمَنَ مَن فِى الْأَرْضِ
كُلُّهُمْ جَمِيعًاً ﴾ بك فصَدَّقوك أنك لى رسولٌ ، وأن ما جئتَهم به وما تَدْعوهم إليه،
مِن توحيدِ اللَّهِ وإخلاص العبودة له، حقٌّ، ولكنه(٢) لا يشاء ذلك ؛ لأنه قد سبق مِن
قضاءِ اللَّهِ قبلَ أن يبعثَك رسولًا: إنه لا يؤمِنُ بك ولا يَتَّبِعُك فيصدِّقُك بما بعثَك اللَّهُ به
مِن الهُدى والنورِ إلا مَن قد(١) سَبَقَت له السعادةُ فى الكتابِ الأُوّلِ، قبلَ أن يَخْلُقَ
السماواتِ والأرضَ وما فيهن. وهؤلاء الذين عَجِبوا " مِن صِدْقٍ إِیحائِنا إليك هذا
القرآنَ)؛ لتُنْذِرَ به مَن أمرتُك بإنذارِه ممن قد سبق له عندى أنهم لا يؤمنون بك فى
الکتابِ السابقِ .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
(١) بعده فى الأصل: ((تم السفر والحمد لله كثيرًا، يتلوه إن شاء الله القول فى تأويل قوله عز وجل: ﴿ولو
شاء ربك لآمن من فى الأرض﴾. وسيتم من هنا اعتماد أرقام المخطوط ت١ أصلا فى النص.
(٢) فى م: ((لكن )).
(٣) سقط من: م، ف .
(٤ - ٤) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((من إيحائنا إليك صدق هذا القرآن)).

٢٩٨
سورة يونس : الآية ٩٩
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى المُنَّى ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال: ثنى معاويةُ ، عن عليٍّ، عن
ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَمَنَ مَن فِ الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾، ﴿ وَمَا
كَانَ لِنَفْسِ أَن تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اُللَّهِ﴾ [يونس: ١٠٠]. ونحوَ هذا فى القرآنِ، فإن
ج
رسولَ اللَّهِ عَلِ كان يحرِصُ أن يؤمِنَ جميعُ الناسِ ويُتَابِعوه (١) على الهُدى، فأخبرَه
اللَّهُ أنه لا يؤمنُ ("مِن قومِه ) إِلا مَن قد (١) سبق له مِن اللَّهِ السعادةُ فى الذكرِ الأوّلِ، ولا
يَضِلُ إلا مَن سَبَقَ له مِن اللَّهِ الشقاءُ فى الذكرِ الأوَّلِ (4).
فإن قال قائلٌ: فما وجهُ قولِه: ﴿لَمَنَ مَن فِ الْأَرْضِ كُلُّهُمْ حَمِيعً﴾،
فالكلُّ يدلُّ على الجميع، والجميعُ على الكلِّ، فما وجهُ تكرارِ ذلك، وكلُّ واحدةٍ
منهما تُغْنى عن الأخرى ؟
قيل : قد اختلف أهلُ العربيةِ فى ذلك ؛ فقال بعضُ نحويِّى أهلِ البصرةِ : جاء
بقولِه: ﴿حَمِيعًا﴾ فى هذا الموضعِ توكيدًا، كما قال: ﴿لَا نَتَّخِذُوَاْ إِلَهَيْنِ
أَثْنَيْنِ﴾ [النحل: ٥١]. ففى قوله: ﴿ إِلَهَيْنِ﴾ دليلٌ على الاثنين.
وقال غيره: جاء بقوله: ﴿حَمِيعً﴾ بعدَ ﴿كُلُّهُمْ﴾؛ لأن ﴿حَمِيعًاً﴾ لا
تقعُّ إِلا توكيدًا، و﴿ كُلُّهُمْ﴾ يقعُ توكيدًا واسمًا؛ فلذلك جاء بـ﴿حَمِيعًا﴾
ج
بعدَ ﴿كُلُّهُمْ﴾. قال: / ولو قيل: إنه جمَع بينَهما ليُعْلمَ أن معناهما واحدٌ لجاز
١٧٤/١١
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((يبايعوه)).
(٢ - ٢) سقط من: ص، ت ٢.
(٣) سقط من: ص، س.
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٨٤/٤ (٧٢٥٠)، والطبرانى فى الكبير (١٣٠٢٥)، والبيهقى فى
الأسماء والصفات (١٣٩) من طريق عبد الله بن صالح به .

٢٩٩
سورة يونس : الآيتان ٩٩، ١٠٠
هلهنا. قال: وكذلك: ﴿إِلَهَيْنِ اثْنَيْنٍ﴾، العددُ كلُّه يُفَشَّرُ به، فيقالُ: رأيتُ
قومًا أربعةً . فلما جاء باثنین ، وقد ا کتُفِی بالعددِ منه ؛ لأنهم يقولون : عندی درهم ،
ودرهمان . فيَكْفِى مِن قولِهم: عندى درهمٌ واحدٌ ، ودرهمان اثنان . فإذا قالوا :
دراهمُ . قالوا: ثلاثةٌ . لأن الجمعَ يلتيِسُ، والواحدُ والاثنان لا يُلْتَبِسان. (( ثم بنى(١)
الواحدَ والتثنيةَ على ( بناءٍ فى٢) الجمعِ؛ لأنه ينبغى أن يكونَ مع كلِّ واحدٍ واحدٌ ؛
لأن درهمًا يدلُّ على الجنسِ الذى هو منه، وواحدٌ يدلّ على كلِّ الأجناسِ.
وكذلك اثنان يدلان على كلِّ الأجناسِ، ودرهمان يدلان على أنفسِهما، فلذلك
جاء بالأعدادِ ؛ لأنه الأصلُ .
وقولُه: ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ﴾. يقولُ جل ثناؤه لنبيّه
محمدٍ عَّ له: إنه لن يُصدِّقَك يا محمدُ ولن يَتَبِعَك ويُقِرَّ بما جئتَ به إلا مَن شاء ربُّك
أن يُصدِّقَك، لا يإكْراهِك إياه، ولا بحرصِك على ذلك، ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ
حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ﴾ لك، مُصَدِّقين على ما جئتَهم به مِن عندِ ربِّك؟ يقولُ له
جلّ ثناؤه : فاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ، وأَعْرِضْ عن المشركين الذين حَقَّتْ عليهم كلمةُ رَبِّك
أنهم لا يُؤْمِنُون .
القولُ فى تأويل قوله: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَفْسِ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ
اُلْرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ
١٠٠
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيّه: وما كان لنفسٍ خلقتُها مِن سبیل إلی تَصْدیقك يا
محمدُ إلا بأن آذَنَ لها فى ذلك، فلا تُجْهِدنَّ نفسَك فى طلبٍ هُداها ، وبَلِّغْها
(١ - ١) فى م: ((لم يثن)).
(٢ - ٢) فى م: ((ثنافى))، وفى ف، ت ١، س: ((تنافى))، وفى ص غير منقوطة. والكلام فى هذا الموضع
غير مفهوم، فكأن ههنا سقطا .

٣٠٠
سورة يونس : الآيتان ١٠٠، ١٠١
وعيدَ اللَّهِ، وعَرَّفْها ما أمرك ربُّك بتَغْرِيفِها، ثم خَلِّها، فإِنَّ هُداها بيدِ خالقِها .
وكان الثورىُّ يقولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. ما حدَّثنى المُنَّى،
قال: ثنا سويدٌ، قال: أخبرنا ابنُ المباركِ، عن سفيانَ فى قوله: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَفْسِ
أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. قال: بقضاءِ اللَّهِ.
وأما قولُه: ﴿وَيَجْعَلُ الرَّحْسَ عَلَى الَّذِينَ [٢٨/٢ و] لَا يَعْقِلُونَ﴾. فإنه يقولُ
تعالی ذکرُه : إن اللهَ يَهْدی مَن یشاءُ مِن خلقِه للإِيمانِ بك یا محمدُ ، ویأُذَنُ له فى
تَصْديقِك، فيُصدِّقُك ويَتَبِعُك ويُقِرُّ بما جئتَ به مِن عندِ ربِّك، ﴿وَيَجْعَلُ
الرِّجْسَ﴾. وهو العذابُ وغضبُ اللَّهِ ﴿عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾. يعنى: الذين
لا يَعْقِلون عن اللَّهِ حُجَجَه ومواعظَه وآياتِه ، التى دلَّ بها جلّ ثناؤُه على نبوّةِ محمدٍ
عَ لَه وحقيقةِ ما دَعاهم إليه مِن توحيدِ اللَّهِ وخَلْع الأندادِ والأوثانِ .
حدَّثنى المُنَّى ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ ، قال: ثنى معاويةُ، عن علىِّ ، عن ابنِ عباسٍ
قولَه: ﴿وَيَجْعَلُ الْرّْسَ﴾. قال: السَّخَطَ(١).
/ القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿قُلِ أَنْظُرُ واْ مَاذَا فِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِّ وَمَا تُغْنِ اَلَيَتُ
وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ
١٧٥/١١
يقولُ تعالى ذكره: قُلْ يا محمدُ لهؤلاء المشركين مِن قومِك، السائِليك
الآياتِ على صحةِ ما تَدْعوهم إليه مِن توحيدِ اللَّهِ، وخلع الأندادِ والأوثانِ:
أَنْظُرُواْ﴾ أيُّها القومُ ﴿ مَاذَا فِىِ السَّمَوَاتِ﴾ مِن الآياتِ الدالةِ على حقيقةٍ ما
أدعوكم إليه مِن توحيدِ اللَّهِ؛ مِن شمسِها وقمرِها ، واختلافٍ ليلها ونهارِها ، ونزول
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٩٩٠/٦ من طريق عبد الله به.