النص المفهرس

صفحات 181-200

١٨١
سورة يونس: الآيات ٣٥ - ٣٧
(١)
شاء(١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن
مجاهدٍ قولَه: (أَمَّن لا يَهَدِّى إِلَّا أنْ يُهْدَى). قال: قال : الوَثَنُّ.
وقولُه: ﴿فَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾: أَلَا تَعْلَمون أن مَن يَهْدِى [١٢/٢ظ] إلى
الحقِّ أحقُّ أن يُتَّبَعَ مِن الذى لا يَهْتَدى إلى شىءٍ إلا أن يَهْدِيَه إليه هادٍ غيرُه ، فتتركوا
أتِّبَاعَ مَن لا يَهْتدى إلى شىءٍ وعبادته، وتَتَّبِعوا مَن يَهْديكم فى ظلماتِ البرِّ والبحرِ ،
وتُخْلِصوا له العبادةَ فْتُفْرِدوه بها وحدَه ، دونَ ما تُشْرِ كونه فيها مِن آلهتكم وأوثانِكم ؟
ج
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَمَا يَتَبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنَّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِىِ مِنَ الْحَقِّ
شَيْئًاْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ
٣٦
يقولُ تعالى ذكره: وما يَتَبِعُ أكثرُ هؤلاء المشركين ﴿إِلَّا ظَنَّا﴾، يقولُ: إلا ما
لا علمَ لهم بحقيقته وصحته ، بل هم منه فى شكُ وريبةٍ ، ﴿إِنَّ الْفَلَنَّ لَا يُغْنِى مِنَ الْحَقِّ
شَيْئًا﴾ ، يقولُ: إن الشكَّ لا يُغْنِى مِن اليقينِ شيئًا ، ولا يقومُ فى شىءٍ مَقامَه ، ولا
يُنْتَفَعُ به حيثُ يُحتاجُ إلى اليقينِ. ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾، يقولُ تعالى ذكره :
إن اللَّهَ ذو علم بما يفعَلُ هؤلاء المشركون؛ مِن اتِباعِهم الظنّ، وتكذيبِهم الحقَّ
اليقينَ، وهو لهم بالمرصادِ حيثُ لا يُغْنى عنهم ظنُّهم مِن اللهِ شيئًا .
/ القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْءَانُ أَنْ يُفْتَرَى مِن دُونِ اللَّهِ
١١٧/١١
وَلَكِن تَصْدِيِقَ الَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْضِيلَ اُلْكِتَبِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَلَمِينَ
٣٧
يقولُ تعالى ذكرُه : ما ينبغى لهذا القرآنِ ﴿ أَنْ يُفْتَرَى مِن دُونِ اللَّهِ ﴾. يقولُ:
(١) تفسير مجاهد ص ٣٨١، ومن طريقه أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦/ ١٩٥٢، وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ٣٠٧/٣ إلى ابن أبى شيبة وابن المنذر وأبى الشيخ .

١٨٢
سورة يونس : الآ يتان ٣٧، ٣٨
ما يَنْبغى له أن يَتَخْرَّصَه أحدٌ مِن عندٍ غيرِ اللَّهِ . وذلك نظيرُ قولِه: (وما كان نِنَبِىِّ أَنْ
يُغَلَّ)(١) ، بمعنى: ما ينبَغِى لنبىٍّ أن يَغُلَّه أصحابُه .
وإنما هذا خبرٌ مِن اللَّهِ جلَّ ثناؤه أن هذا القرآنَ مِن عندِه، أُنزَله إلى محمدٍ عبدِه ،
وتكذيبٌ منه للمشركين الذين قالوا: هو شعرٌ وكَهانةٌ . والذين قالوا: إنما يتعلَّمُه
محمدٌ مِن يُحتَّسَ(٢) الرومىِّ .
يقولُ لهم جلّ ثناؤه: ما كان هذا القرآنُ ليختلِقَه أحدٌ مِن عندٍ غيرِ اللَّهِ؛ لأن
ذلك لا يقدِرُ عليه أحدٌ مِن الخلقِ، ﴿ وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِى بَيْنَ يَدَيِّهِ﴾. يقولُ تعالى
ذكرُه: ولكنه مِن عندِ اللَّهِ أنزَله مُصدِّقًا لِما بينَ يديه. أى: لِما قبلَه مِن الكتبِ التى
أُنزِلت على أنبياءِ اللَّهِ؛ كالتوراة والإنجيلِ وغيرِهما مِن كتبِ اللَّهِ التى أنزلها على
أنبيائه، ﴿ وَتَفْضِيلَ الْكِتَبِ﴾. يقولُ: وتبيانَ الكتابِ الذى كَتَبَه اللَّهُ على أمةٍ
محمدٍ عَّهُ)، وفرائضِه التى فَرَضَها عليهم فى السابقِ مِن علمِه، ﴿لَا رَيْبَ
فِیهِ ﴾ . یقول : لا شك فيه أنه تصدیقُ الذی بین یدیهمِن الکتاب ، وتفصيلُ الکتابِ
مِن عندِ ربِّ العالمين، لا افتراءٌ مِن عندٍ غيرِه ولا اختلاقٌ .
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿ أَمَّ يَقُولُونَ أَفْتَرَنَّهُ قُلْ فَأَتُواْ بِسُورَةٍ مِثْلِهِ، وَأَدْعُواْ
مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّنِ دُونِ اللَّهِ إِن كُمْ صَادِقِينَ
٣٨
يقولُ تعالى ذكره : أم يقولُ هؤلاء المشركون : افتَرَى محمدٌ هذا القرآنَ مِن
نفسِهِ ، فاختَلَقَه وافتَعَلَه؟ قلْ يا محمدُ لهم: إن كان كما تقولون: إنى اختلقتُه
وافتريتُه، فإنكم مثلى مِن العربِ ، ولسانى مثلُ لسانِكم وكلامى ، فجيئوا بسورةٍ
(١) هذه قراءة نافع وابن عامر وحمزة والكسائى، وتقدم ذكرها فى ٦/ ١٩٨.
(٢) فى م: ((يعين)). وينظر الإصابة ٦/ ٦٩٦.
(٣) بعده فى م: ((وآله)) .

١٨٣
سورة يونس : الآية ٣٨
مثلِ هذا القرآنِ .
والهاءُ فى قولِه: ﴿مِّثْلِهِ﴾ كنايةٌ عن القرآنِ .
وقد كان بعضُ نحوبى البصرةٍ يقولُ : معنى ذلك : قلْ فأتوا بسورةٍ مثلٍ
سورتِه، ثم أُنْقِيت سورةٌ، وأُضِيفَ المِثْلُ إلى ما كان مضافًا إليه السورةُ، كما قيل:
﴿ وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]. يرادُ به: واسألْ أهلَ القريةِ.
وكان بعضُهم ينكِرُ ذلك مِن قولِه، ويَزْعُمُ أن معناه: فأتُّوا بقرآنٍ مثلِ هذا
ـقرآنِ .
والصوابُ مِن القولِ فى ذلك عندى أن السورةَ إنما هى سورةٌ مِن القرآنِ وهى
قرآنٌ، وإن لم تكنْ جميعَ القرآنِ ، فقيل لهم: ﴿فَأَتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ﴾، ولم يقلْ:
مثلها؛ لأن الكنايةَ أَخرجت على المعنى - أعنى معنى السورةِ - [١٣/٢و] لا على
لفظِها؛ لأنها لو أُخْرِجت على لفظِها لقيل: فأتُوا بسورةٍ مثلِها .
﴿ وَادْعُواْ مَنِ اُسْتَعَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ﴾، يقولُ: وادْعُوا أيُّها المشركون على أن
یأتُوا بسورة مثلها مَن قَدْتُم(١) أن تدعوا / علی ذلك مِن أولیائِکم وشر كائکم، ﴿مِّن
دُونِ اللَّهِ ﴾. يقولُ: مِن عندٍ غيرِ اللَّهِ، فأجْمِعُوا على ذلك واجتَهِدوا، فإنكم لا
تستطيعون أن تأثوا بسورةٍ مثلِه أبدًا .
١١٨/١١
وقولُه: ﴿إِن كُ صَدِقِينَ﴾ . يقولُ: إن كنتم صادقين فى أن محمدًا افتَراه ،
فأتُوا بسورةٍ مثلِه مِن جميع مَن يُعِينُكم على الإتيانِ بها . فإن لم تَفْعلوا ذلك ، فلا
شكَّ أنكم كَذَبَةٌ فى زعْمِكم أن محمدًا افْتَراه؛ لأن محمدًا لن يَعْدُوَ أن يكون بشرًا
(١) فى ت ٢، س، ف: ((قديم).

١٨٤
سورة يونس : الآيات ٣٨ - ٤٠
مثلَكم، فإذا عَجَزَ الجميعُ مِن الخلْقِ أن يأتُوا بسورةٍ مثلِه، فالواحدُ منكم(١) عن أن
يأتىَ بجميعِه أُعجزُ.
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ بَلَ كَذَّبُواْ بِمَا لَ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ، وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلَّهُ
كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمٌ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الظَّلِينَ
٣٩
يقولُ تعالى ذكره: ما بهؤلاء المشركين يا محمدُ تكذيئك، ولكن بهم
التكذيبُ ، ﴿ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ﴾: مما أَنزَل اللَّهُ عليك فى هذا القرآنِ ، مِن
وعيدِهم على كفرِهم بربِّهم، ﴿ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُ﴾، يقولُ: ولما يأتِهم بعدُ بَيَانُ ما
يؤولُ إليه ذلك الوعيدُ الذى تَوَعَّدَهم اللَّهُ فى هذا القرآنِ، ﴿ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن
قَبْلِهِمَّ﴾ ، يقولُ تعالى ذكره: كما كَذَّبَ هؤلاء المشركون يا محمدُ بوعيدِ اللَّهِ ،
كذلك كَذَّبَ الأُممُ التى خَلَت قبلَهم بوعيدِ اللَّهِ إِياهم على تكذيبهم رسلَهم ،
وكفرِهم بربِّهم، ﴿ فَنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الظَّلِينَ﴾، يقول تعالى ذكرُه
لنبيّه محمدٍ عَلَّهِ: فانظُرْيا محمدُ كيف كان عُقْبِى كُفْرٍ مَن كَفَر باللَّهِ ، ألم نُهلِكْ
بعضَهم بالرجْفَةِ ، وبعضَهم بالخشفِ ، وبعضَهم بالغرَقِ ؟ يقولُ : فإن عاقبةَ هؤلاء
الذين يُكَذِّبونك، ويَجْحَدون بآياتى مِن كفارٍ قومِك، كالتى كانت عاقبةَ مَن قبلَهم
مِن كفرةِ الأمم ، إن لم يُنِيبوا مِن كفرِهم ويُسارعوا إلى التويةِ.
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿ وَمِنْهُمْ مَّن يُؤْمِنُ بِهِ، وَمِنْهُم مَّن لَّا يُؤْمِنُ بٍِّ.
وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ
يقولُ تعالى ذكرُه : ومِن قومِك يا محمدُ مِن قريشِ مَن سوف يؤمِنُ به .
يقولُ: مَن سوف يُصدِّقُ بالقرآنِ، ويُقِرُّ أنه مِن عندِ اللَّهِ(٢) - ﴿وَمِنْهُم ◌َنْ لَا
(١) فى م: ((منهم)).
(٢) بعده فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((يقول)).

١٨٥
سورة يونس : الآيتان ٤٠، ٤١
يُؤْمِنُ بِذٍ﴾ أبدًا، يقولُ: ومنهم مَن لا يُصَدِّقُ به، ولا يُقِرُ أبدًا. ﴿ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ
بِالْمُفْسِدِينَ﴾، يقولُ: واللَّهُ أعلمُ بالمُكذِّبين به منهم، الذين لا يُصَدِّقون به أبدًا مِن
كلِّ أحدٍ ، لا يَخْفى عليه ، وهو مِن وراءِ عقابِهِ. فأما مَن كتبتُ له أنه يؤمِنُ به منهم ،
فإِنی سأتوبُ عليه .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل ◌ِلِ عَمَلِى وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُم
بَرِّقُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَاْ بَرِىٌّ مِّمَّا تَعْمَلُونَ
/ يقولُ تعالى ذكرُه لنبيُّه محمدٍ عَّهِ: وإِن كَذَّبَك يا محمدُ هؤلاء المشركون، ١١٩/١١
ورَدُّوا عليك ما جئتَهم به مِن عندِ ربِّك، فقلْ لهم: أيُّها القومُ، لی دِینی وعَمَلى ،
ولكم دينُكم وعملُكم، لا يَضُرُنى عملُكم، ولا يَضُؤُكم عَملى، وإنما يُجازَى
كلُّ عاملٍ بعمَلِه، ﴿أَنْتُم بَرِيُّونَ مِمَّا أَعْمَلُ﴾ لا تُؤْخَذون(١) بجريرتِه، ﴿ وَأَنَأْ
بَرِىٌّ مِّمَا تَعْمَلُونَ﴾ لا أَوْخَذُ(١) بجريرةٍ عملِكم. وهذا كما قال جلّ ثناؤه: ﴿قُلّ
وَلَّ أَنْتُمْ عَبِدُونَ مَآ أَعْبُدُ
٢
يَكَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ ﴿ لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ
[ الكافرون: ١ - ٣] .
وقيل : إن هذه الآيةَ منسوخةٌ ، نَسَخَها الجهادُ والأمرُ بالقتالِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وَهْبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿وَإِن كَذَّبُكَ
فَقُل لِ عَمَلِيٍ وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ﴾ الآية. قال: أمَرِه بهذا، ثم نَسَخَه وأمَرَه بجهادِهم(١).
(١) فى م: (( تؤاخذون )).
(٢) فى م: ((أؤاخذ)).
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٩٥٤/٦ من طريق آخر عن ابن زيد به .

١٨٦
سورة يونس : الآيتان ٤٣،٤٢
[١٣/٢ ظ القولُ فى تأويل قوله تعالى: ﴿ وَمِنْهُم مَن يَسْتَمِعُونَ إِلَيَ أَفَأَنتَ تُشْمِعُ
اَلُمَّ وَلَوْ كَانُوْ لَا يَعْقِلُونَ
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ مَّه: ومِن هؤلاء المشركين مَن يَسْتَمِعون إلى
قولِك، ﴿أَفَنْتَ تُتْمِعُ الْقُمَّ وَلَوْ كَانُوْ لَا يَعْقِلُونَ﴾. يقولُ: أفأنت تخلُقُ لهم
السمعَ، ولو كانوا لا سمعَ لهم يعقِلُون به ، أم أنا ؟
وإنما هذا إعلامٌ مِن اللّهِ عبادَه أن التوفيقَ للإيمانِ به بيدِه لا إلى أحدٍ سِواه، يقولُ
النبيِّه محمدٍ مِّ الِّ: كما أنك لا تقدِرُ أن تُسمِعَ يا محمدُ مَن سَلَبتُه السمعَ، فكذلك
لا تقدِرُ أن تُفهِمَ أَمْرِى ونَهْبِى قلبًا سلبتُه فَهْمَ ذلك؛ لأنى ختَمتُ عليه أنه لا يؤمِنُ.
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمِنْهُم مَن يَنْظُرُ إِلَيْكَّ أَفَانْتَ تَهْدِى الْعُمْىَ
وَلَوْ كَانُواْ لَا يُبْصِرُونَ
(٤٣
يقولُ تعالى ذكرُه: ومِن هؤلاء المشركين - مُشرِكى قومِك - مَن ينظُرُ إليك
يا محمدُ ويَرَى أعلامَك وحُجْجَك على نبؤَّتِك، ولكن اللَّهَ قد سَلَبَه التوفيقَ فلا
يُهتَدِى، ولا تقدِرُ أن تَهْدِيَه، كما لا تقدِرُ أن تُحْدِثَ للأعمى بصرًا يَهْتَدِی به؛
أَفَأَنْتَ تَهْدِى الْعُعْىَ وَلَوْ كَانُواْ لَا يُبْصِرُونَ﴾. يقولُ: أفأنت يا محمدُ تُحْدِثُ
لهؤلاء الذين يَنْظُرون إليك وإلى أدلَّتِك وحُجَجِك فلا يوقَّقون للتصديقِ بك،
أبصارًا - لو كانوا عميًّا - يهتدون بها ويُبْصِرون؟ فكما أنك لا تُطِيقُ ذلك ، ولا
تقدِرُ عليه ولا غيرُك، ولا يقدِرُ عليه أحدٌ سواى، فكذلك لا تقدِرُ على أن تُبَصِّرَهم
سبيلَ الرشادِ أنت ولا أحدٌ غيرى ؛ لأن ذلك بيدى وإلىَّ.
وهذا مِن اللهِ تعالی ذ کژه تسلیةٌ لنبيِّه گٹم عن جماعةٍ ممن گَفَر به مِن قومه وأُدبّر
عنه فكَذَّبَ ، وتعزيةٌ له عنهم ، وأمرٌ برفع طمعِه مِن إنابتِهم إلى الإيمانِ باللَّهِ .

١٨٧
سورة يونس : الآيتان ٤٤، ٤٥
/القولُ فى تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَمِنَّ النَّاسَ ١٢٠/١١
أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
٤٤
يقولُ تعالى ذكره : إن اللَّهَ لا يفعَلُ بخلْقِهِ ما لا يَسْتَحِقُون منه؛ لا يُعاقِبُهم إلا
بمعصيتهم إيَّه، ولا يُعَذَّبِهم إلا بكفرِهم به، ﴿ وَلَكِنَّ النَّاسَ﴾. يقولُ: ولكن
الناسَ هم الذين يَظْلِمون أنفسَهم، باْتِرامِهم ما يُورِثُها غضبَ اللَّهِ وسَخَطَه .
وإنما هذا إعلامٌ مِن اللَّهِ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ عَّهِ والمؤمنين به، أنه لم يَسْلُبْ
هؤلاء الذين أخبَر جلّ ثناؤه عنهم أنهم لا يُؤمِنون، الإيمانَ ابتداءً منه بغيرِ مجرْمٍ سَلَّفَ
منهم، وإخبارٌ أنه إنما سَلَبَهم ذلك باستحقاقٍ منهم سَلْبَه، الذنوبِ اكْتَسَبوها، فحَقَّ
عليهم قولُ ربِّهم: ﴿ وَطَبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [ التوبة: ٨٧].
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُواْ إِلَّا سَاعَةٌ مِّنَ النَّارِ
٤٥٦
يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِقَاءِ اَللَّهِ وَمَا كَانُوْ مُهْتَدِينَ
يقولُ تعالى ذكره: ويومَ نَحْشُرُ هؤلاء المشركين، فَتَجْمَعُهم فى موقفٍ
الحساب، كأنهم كانوا قبلَ ذلك لم يَلْبثوا إلا ساعةً مِن نهارٍ يَتَعارَفون فيما بينهم، ثم
انقَطَعتِ المعرفةُ ، وانقَضَت تلك الساعةُ ، يقولُ اللَّهُ: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَاءِ
اللَّهِ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ﴾: قد غُبِنَ(١) الذين جَحَدوا ثوابَ اللَّهِ وعقابَه حظوظَهم(١)
مِن الخيرِ، وهُلَكوا، ﴿ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ﴾. يقولُ: وما كانوا مُوَفَّقِين لإصابةِ
الرشدِ مما(١) فَعَلوا مِن تكذيبهم بلقاءِ اللَّهِ ؛ لأنه أْسَبَهم ذلك ما لا قِبَلَ لهم به مِن
عذابِ اللَّهِ .
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((عين)).
(٢) فى م: ((وحظوظهم)).
(٣) فى ف: ((عن ما)).

١٨٨
سورة يونس : الآيتان ٤٦، ٤٧
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿وَإِمَّا نُرِنَّكَ بَعْضَ الَّذِى نَعِلُهُمْ أَوْ نَنَوَّنَّكَ فَإِلَيْنَا
٤٦
مَّجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدُ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ
يقولُ تعالى ذكرُه : وإما نُرِيَنَّك يا محمدُ فى حياتِك بعضَ الذى نَعِدُ هؤلاء
المشركين مِن قومِك مِن العذابِ، ﴿ أَوْ نَنَوَقَّنَّكَ﴾ قبلَ أن تُرِيَك ذلك فيهم، ﴿ فَإِلَيْنَا
مَّجِعُهُمْ﴾. يقولُ: فمصيرُهم بكلِّ حالٍ إلينا، ومُثْقَلَئُهم، ﴿ثُمَّ اللّهُ شَهِيدُ عَلَى مَا
يَفْعَلُونَ﴾. يقولُ جلّ ثناؤه: ثم أنا شاهدٌ على أفعالهم التى كانوا يَفْعَلونها فى
الدنيا، وأنا عالمٌ بها لا يَخْفَى علىَّ شىءٌ منها، وأنا مُجازِيهم بها عندَ مصيرهم إلىّ
ومَرْجِعِهِم جزاءَهم الذى يَشْتَحِقُونه .
كما حدَّثنى المُنَى، قال: ثنا أبو حُذيفةً ، [١٤/٢ و] قال : ثنا شِئْلٌ ، عن ابنِ أُبی
نَجيح، عن مجاهدٍ: ﴿ وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِى نَعِلُهُمْ﴾: مِن العذابِ فى حياتِك،
﴿أَوْ نَوَقَّتَّكَ﴾: قبلُ، ﴿فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ
حدَّثْنى المُنَّى ، قال: ثنا إسحاقُ ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن ورقاءً، عن ابنِ
أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ نحوَه (١).
١٢١/١١ / حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجْ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن
مجاهدٍ مثله .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَلِكُلِّ أُمٍَّ رَّسُولٌ فَإِذَا جَآءَ رَسُولُهُمْ قُضِىَ
٤٧
بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ
يقولُ تعالى ذكره : ولكلِّ أمةٍ خَلَتْ قبلَكم أيُّها الناسُ رسولٌ أُرسَلتُه إليهم،
(١) تفسير مجاهد ص ٣٨١، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٩٥٥/٦ به، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٣٠٨/٣ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.

١٨٩
سورة يونس : الآيات ٤٧ - ٤٩
كما أرسَلتُ محمدًا إليكم، يَدْعون مَن أرسَلْتُهم إليهم إلى دينِ اللّهِ وطاعتِه، ﴿فَإِذَا
جَاءَ رَسُولُهُمْ﴾. يعنى: فى الآخرةِ .
كما حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسینُ ، قال: ثنی حجّاج ، عن ابن جريج ، عن
مجاهدٍ : ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌّ فَإِذَا جَآءَ رَسُولُهُمْ﴾. قال: يومَ القيامةِ .
وقولُه: ﴿قُضِىَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ ﴾. يقولُ: قُضِىَ حينَئِذٍ بينَهم بالعدلِ،
﴿ وَهُ لَا يُظْلَمُونَ﴾ مِن جزاءِ أعمالِهِم شيئًا، ولكن يُجازَى المحسِنُ بإحسانِهِ،
والمُسىءُ مِن أهلِ الإِيمانِ؛ إما أن يُعاقِبَه اللّهُ، وإما أن يعفوَ عنه، والكافر يُخلَّدُ فى
النارِ، فذلك قضاءُ اللّهِ بينَهم بالعدلِ، وذلك لا شكُّ عدلٌ لا ظلمٌ.
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِئْلٌ ، عن ابنٍ أبى نجيحِ، عن
مجاهدٍ: ﴿ قُضِىَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ﴾. قال: بالعدلِ(٣) .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنْتُمْ
صَدِقِينَ
٤٨
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيُّه عَّهِ: ويقولُ هؤلاء المشركون مِن قومِك يا محمدُ :
﴿ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾ الذى تَعِدُنا أنه يأتِينا مِن عندِ اللّهِ، وذلك قيامُ الساعةِ؟ ﴿إِن
كُنْتُمْ صَدِقِينَ﴾: أنتَ ومَن تَبِعَك فيما تَعِدوننا به مِن ذلك .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُل لََّ أَمْلِكُ لِنَفْسِىِ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَآءَ اللَّهُ
لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلُّ إِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ فَلاَ يَسْتَفْخِرُونَ سَاعَةٌ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ
٤٩
يقولُ تعالى ذكره: قل يا محمدُ لُستَعجِليك وعيدَ اللّهِ ، القائلين لك: متى
(١) تفسير مجاهد ص ٣٨١، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦/ ١٩٥٥، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٣٠٨/٣ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.
(٢) تفسير مجاهد ص ٣٨١، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٩٥٥/٦.

١٩٠
سورة يونس : الآيات ٠٤٩ - ٥١
يَأْتِينا الوعدُ الذى تَعِدُنا إن كنتم صادقين: ﴿ قُل لََّ أَمَلِكُ لِنَفْسِى ﴾ أيُّها القومُ، أى:
لا أَقدِرُ لها على ضُرِّولا نفع فى دُنيا ولا دِينٍ، ﴿إِلَّا مَا شَآءَ اللَّهُ﴾ أن أملِكَه، فأجْلِبَه
إليها بإذنِه. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه ◌ِعْظٍِّ: قلْ لهم: فإذ كنتُ لا أقدِرُ على ذلك إلا
بإذنه، فأنا عن القدرة على الوصولِ إلى علم الغيبِ، ومعرفةٍ قيام الساعة أعجزُ
وأعجزُ، إلا بمشيئته وإذنه لى فى ذلك. ﴿لِكُلِّ أُمٍَّ أَجَلُ﴾، يقولُ: لكلِّ قومٍ ميقاتٌ
١٢٢/١١ لانقضاءٍ مُدَّتِهم وأجلِهم، فإذا جاء / وقتُ انقضاءِ أجلِهم وفناءٍ أعمارِهم، لا
يَستأخِرون عنه ساعةٌ ، فيُمْهَلون ويؤخّرون، ﴿ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ قبلَ ذلك؛ لأن اللّهَ
قد قضَى أَن لا يَتقدَّمَ ذلك قبلَ الحينِ الذى قدَّرَه وقَضاه .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ قُلْ أَرَهَيْتُمْ إِنْ أَتَنْكُمْ عَذَابُ بَيَنَّا أَوْ نَهَارًا مَّاذَا
يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ
٥٠
يقولُ تعالى ذكره : قل يا محمدُ لهؤلاء المشركين مِن قومِك: أرأيتُم إن أتاكم
عذابُ اللّهِ بيانًا - يقولُ: ليلًا - أو نهارًا، وجاءت الساعةُ، وقامَت القيامةُ ،
أَتَقدِرون على دفع ذلك عن أنفسِكم؟ يقولُ اللّهُ تعالى ذكره: ماذا يَستَعجِلُ مِن
نزولِ العذابِ المجرمون الذين كَفَروا باللّهِ، وهم الصالون بحرّه دونَ غيرِهم، ثم لا
يَقْدِرون على دَفْعِه عن أنفسِهم ؟
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ ءَامَنتُم بِّهِ ءَالْكَنَ وَقَّدْ كُم بِهِ،
تَسْتَعْجِلُونَ
يقولُ تعالى ذكرُه : أهنالك إذا وَقَعَ عذابُ اللّهِ بكم أيُّها المشركون، ﴿ءَا مَنْثُمْ
پِ= ﴾ . يقولُ : صَدَّقتُم به فى حالٍ لا ينفعُكم فيها التصديقُ، وقيل لگم حينئذٍ :
آلآن تُصَدِّقون به وقد كنتم قبلَ الآنَ به تستعجلون، وأنتم بنزولِه مُكذِّبون؟ فذوقوا
الآنَ ما كنتُم به تُكذِّبون .

١٩١
سورة يونس : الآيات ٥١ - ٥٤
ومعنى قوله: ﴿أَثُمَّ ﴾. فى هذا الموضع: أهنالك، وليست ((ثُمَّ)) هذه التى
تأتى بمعنى العطفِ .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذُوقُواْ عَذَابَ الْخُلْدِ هَلْ
٥٢
تُجْزَّوْنَ إِلَّا بِمَا كُمْ تَكْسِبُونَ
[١٤/٢ ظ] يقولُ تعالى ذكره: ثُمَّ قِيلَ لَّذِينَ ظلموا أنفسهم بكفرِهم باللّهِ:
﴿ ذُوقُواْ عَذَابَ الْخُلْدِ﴾: تَجَزَّعوا عذابَ اللّهِ الدَّائِمَ لكم أبدًا، الذى لا فناءً له ولا
زوالَ، ﴿إِلَّا بِمَا كُ تَكْسِبُونَ﴾. يقولُ: يقالُ لهم: فانظُروا، ﴿هَلْ
تُجْزَوْنَ﴾. أى: هل تُثابون ﴿ إلا بما كنتم تكسِبُونَ﴾، يقولُ: إلا بما كنتم تَعْمَلونَ
فى حياتِكم قبلَ مماتِكم مِن معاصى اللّهِ.
انقولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَيَسْتَلْتُونَكَ أَحَقُّ شُوَّ قُلْ إِى وَرَبِ إِنَّهُ لَحَقِّ وَمَآَ
أَشْم بِمُعْجِزِينَ
٥٣
يقولُ تعالى ذكره: ويستخبِرُك هؤلاء المشركون مِن قومِك يا محمدُ ،
فيقولون لك: أحقٌّ ما تقولُ وما تَعِدُنا به مِن عذابِ اللّهِ فى الدارِ الآخرةِ، جزاءٌ
على ما كُثَّا نكسِبُ مِن معاصى اللّهِ فى الدنيا؟ قل لهم يا محمدُ: ﴿قُلْ إِى
وَرَبِ إِنَّهُ لَحَقٌ﴾ لا شكَّ فيه، وما أنتم بمُعجِزى اللّهِ، إذا أرادَ ذلك بكم،
بهربٍ أو امتناع، بل أنتم فى قبضتِه وسلطانِه ومُلكِه، إذا أرادَ فعَل ذلك بكم ،
فَاتَّقُوا اللّهَ فى أنفسِكم .
/ القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسِ ظَلَمَتْ مَا فِى الْأَرْضِ ١٢٣/١١
لَآَفْتَدَتْ بِهِ، وَأَسَرُواْ النَّدَامَةَ لَمَا رَأَوَأْ اَلْعَذَابِّ وَقُضِىَ بَيْنَهُمِ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا
يُظْلَمُونَ
٥٤

١٩٢
سورة يونس : الآيتان ٥٤، ٥٥
يقولُ تعالى ذكره: ولو أن لكلِّ نفسٍ كَفَرَت باللّهِ - وظُلْمُها فى هذا الموضع:
عبادتُها غيرَ مَن "تُستَحَقُّ عبادتُه١)، وتركُها طاعةً من يجِبُ عليها(٢) طاعتُه - ﴿ مَا
فِى الْأَرْضِ﴾ مِن قليل أو كثيرٍ، ﴿لَآَفْتَدَتْ بِهِ﴾. يقولُ: لافتَدَت بذلك كلِّه مِن
عذابِ اللّهِ إِذا عايَنَته .
وقولُه: ﴿ وَأَسَرُواْ النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوْ اَلْعَذَابٌ﴾. يقولُ: وأَخْفَتْ رؤساءُ هؤلاء
المشركين مِن وُضَعائِهِم وسَفِلَتِهِم الندامةَ، حينَ أبْصَروا عذابَ اللّهِ قد أحاط بهم،
وأيْقَنُوا أنه واقعٌ بهم، ﴿ وَقُضِىَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ﴾. يقولُ: وَقَضَى اللّهُ يومَئذٍ بينَ
الأتباعِ والرؤساءِ منهم بالعدلِ، ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾؛ وذلك أنه لا يُعاقِبُ أحدًا
منهم إلا بجَرِيرتِه، ولا يأخُذُه(٢) بذنبٍ أحدٍ ، ولا يُعذّبُ إلا مَن قد أغْذَرَإلیه فى الدنيا
وأنذَرَ، وتابعَ عليه الحججّ .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ أَلَّ إِنَّ وَعْدَ
اللَّهِ حَقٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ
يقولُ جلَّ ذكرُه: ألا إن كلَّ ما فى السماواتِ وكل ما فى الأرضِ مِن شيءٍ للّهِ
مِلكٌ، لا شىءَ فيه لأحدٍ سِواه . يقولُ: فليس لهذا الكافر بالله يومئذٍ شىءٌ ملِكُه،
فِيَفْتَدِىَ به مِن عذابٍ ربِّه، وإنما الأشياءُ كلُّها للذى إليه عقابُه، ولو كانت له الأشياءُ
التى هى فى الأرضِ ثم افتَدَى بها(٤) ، لم يَقْبَلْ منه بدلًا مِن عذابِهِ فيَصرِفَ بها عنه
العذابَ، فكيف وهو لا شىءَ له يَفْتدِى به منه، وقد حقَّ عليه عذابُ اللّهِ؟ يقولُ اللّهُ
(١ - ١) فى م: ((يستحق عبادة)).
(٢) فى ف: ((عليه)).
(٣) فى ص، ت ١، ت ٢، س: ((يأخذ)).
(٤) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((به))، وفى م: ((بما)). وأثبتنا ما يقتضيه الكلام.

١٩٣
سورة يونس : الا یات ٥٥- ٥٧
جلّ ثناؤه: ﴿أَلَاَ إِنَّ وَعْدَ الَّهِ حَقٌ﴾. يعنى: أن عذابَه الذى أُوعَدَ هؤلاء
المشركين على كفرِهم حَقٌّ ٢١، فلا عليهم أن لا يَستَعجِلوا به ، فإنه بهم واقعٌ لا شكَّ،
﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. يقولُ: ولكن أكثرَ هؤلاء المشركين لا يَعلَمون
حقيقةً وقوعِ ذلك بهم، فهم مِن أجلِ جَهْلِهم به مُكذِّبون .
(٥٦
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿هُوَ يُحِ، وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْحَمُونَ
يقولُ تعالى ذكره: إن اللّهَ هو المحيِى الْمُميثُ، لا يَتَعذَّرُ عليه فعلُ ما أراد
فعْلَه مِن إحياءٍ هؤلاء المشركين إذا أراد إحياءَهم بعدَ مَماتِهم، ولا إِماتَتِهم إذا
أراد ذلك، وهم إليه يَصِيرون بعدَ مَماتِهم، فيُعاينون ما كانوا به مُكذِّبين مِن
وعيدِ اللّهِ وعقابِهِ .
/ القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ يَأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَآءَتَكُمْ مَّوْعِظَةٌ مِّن رَبِّكُمْ ١٢٤/١١
وَشِفَاءٌ لِّمَا فِىِ الصُّدُورِ وَهُدِّى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ
٥٧
يقولُ تعالى ذكرُه لخلقِه: ﴿ يَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن
رَبِّكُمْ﴾. يعنى: ذِكْرِى تُذَكِّرُكم عقابَ اللَّهِ، وَتُخَوَّفُكم وعيدَه، ﴿مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ .
يقولُ: مِن عندِ ربِّكم، لم يَخْتَلِقْها محمدٌ عَلَه، ولم يَفْتَعِلْها أحدٌ ، فتقولوا: لا نأمَنُ
أن تكونَ لا صحةً لها . وإنما يعنى بذلك جلّ ثناؤُه القرآنَ، وهو الموعظةُ مِن اللَّهِ .
وقولُه: ﴿وَشِفَاءٌ لِمَا فِىِ الصُّدُورِ﴾. يقولُ: ودواءٌ لِما فى الصدورِ مِن
الجهل، يَشْفِی به اللهُ جهل الجھَّالِ ، فيٹرِئُ به داءهم ، وتهْدِی به مِن خلقه من أرادَ
هِدايتَه به، ﴿وَهُدَى﴾. يقولُ: وهو بيانٌ لحلالِ اللَّهِ وحرامِه، ودليلٌ(٢) على طاعته
(١ - ١) سقط من: ت ١، ت ٢، س، ف.
(٢) فى ت١، ت٢: ((دليله)).
( تفسير الطبرى ١٣/١٢ ) .

١٩٤
سورة يونس : الآيتان ٥٧، ٥٨
ومعصيتِه، ﴿ وَرَحْمَةٌ﴾ يَرْحَمُ بها مَن شاءَ مِن خلقِه، فيُنْقِذُه به مِن الضلالةِ إلى
الهُدى، ويُنَجِّيه به مِن الهلاكِ والرّدَى، وجَعَلَه تبارك وتعالى رحمةً للمؤمنين به دونَ
الكافرين به؛ لأن مَن كَفَرَ به فهو عليه عَمَّى، وفى الآخرةِ جزاؤُه على الكفرِ به الخلودُ
فى لَظَى .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ، فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ
خَيْرٌ مِّمَا يَجْمَعُونَ
٥٨
يقولُ تعالى ذكرُه النبيّه محمدٍ مَّه: ﴿قُلْ﴾ يا محمدُ لهؤلاء المكذِّبين(١) بك
وبما أُنْزِلَ إليك مِن عندِ ربِّك: ﴿بِفَضْلِ اللهِ﴾ أيُّها الناسُ، الذى تَفَضَّلَ به(٢)
عليكم، وهو الإسلامُ، فبيَّتَه لكم، ودَعاكم إليه، ﴿ وَبِرَحْتِهِ ﴾ التى رَحِمكم بها ،
فأنزلها إلیکم ، فعَلَّمکم ما لم تكونوا تعلمون مِن کتابه ، وبَصْرَ کم بها معالم دینکم،
وذلك القرآنُ، ﴿فَبِذَلِكَ فَيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَا يَجْمَعُونَ﴾. يقولُ: فإن الإسلامَ
الذى دعاهم إليه، والقرآنَ الذى أنزله عليهم، خيرٌ مما يَجْمَعون مِن محُطام الدنيا
وأموالها وكنُوزِها .
وبنحوِ الذى قُلنا فى ذلك قال(٢) أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى علىُّ بنُ الحسنِ الأَزْدِىُّ، قال: ثنا أبو معاويةً، عن الحجاجِ، عن
عطيةً، عن أبى سعيد الخدرىِّ فى قوله: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ، فِذَلِكَ
(١) فى النسخ: ((المشركين)). والمثبت ما يقتضيه السياق.
(٢) فى ت١، ت٢، س، ف: ((بها)).
(٣) بعده فى م، ص: ((جماعة من)).

١٩٥
سورة يونس : الآية ٥٨
فَلْيَفْرَحُواْ﴾. قال: ﴿ بِفَضْلِ اللَّهِ﴾: القرآنُ، ﴿ وَبِرَحْمَتِهِ﴾: أن جَعَلَكم مِن
(١)
أهلِه(١) .
حدَّثنى يحيى بنُ طلحةَ الْيَرْبوعىُّ، قال : ثنا فُضَيلٌ ، عن منصورٍ ، عن هلالِ بنِ
بِسَافٍ: ﴿قُلّ(١) بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ، فِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ﴾. قال: بالإسلامِ الذى
هَداكم، وبالقرآنِ الذى عَلَّمَكم(٢).
حدَّثنا أبو هشام الرفاعىُّ ، قال : ثنا ابنُ يَمانٍ ، قال : ثنا سفيان ، عن منصورٍ ، عن
هلالٍ بنِ بِسَافٍ /: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ ﴾. قال: بالإسلام () والقرآنٍ). ١٢٥/١١
﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَجُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَا يَجْمَعُونَ﴾ مِن الذهبِ والفضةِ.
حدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن
هلالٍ بنِ يِسَافٍ فى قوله: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ،﴾. قال: فضلُ اللهِ الإسلامُ،
ورحمتُه القرآنُ(٦).
حدَّثنى علىٌّ بنُ سهلِ، قال : ثنازيدٌ ، قال: ثنا سفيانُ ، عن منصورٍ، عن هلال
ابنِ يِسَافٍ فى قولِه: ﴿قُلّ بِفَضَّلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ﴾. قال: الإسلامُ والقرآنُ.
(١) أخرجه سعيد بن منصور فى سننه (١٠٦٤ - تفسير)، وابن أبى شيبة ٥٠١/١٠ ، وابن أبى حاتم فى
تفسيره ١٩٥٨/٦، والنحاس فى الوقف والابتدا ص ٨١، والبيهقى فى الشعب (٢٥٩٨) من طريق أبى
معاوية به .
(٢) فى ص: (( قال )).
(٣) أخرجه البيهقى فى الشعب (٢٦٠١) من طريق فضيل بن عياض به .
(٤ - ٤) سقط من: ت١، ت٢، س، ف .
(٥) تفسير الثوری ص١٢٨.
(٦) أخرجه أبو عبيد فى فضائله ص٢٤، والبيهقى فى الشعب (٢٦٠٢) من طريق عبد الرحمن بن مهدى به.

١٩٦
سورة يونس : الآية ٥٨
حدَّثنى المنُتَّى ، قال : ثنا أبو نُعَيم وقَبِيصةُ ، قالا : ثنا سفيان ، عن منصورٍ ، عن
هلال بنِ پِسَافٍ مثلَه .
حدثنا ابنُ حُمَيدٍ ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ ، عن هلالٍ مثلَه .
حدَّثْنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ
وَبِرَحْمَتِهِ فِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ﴾: أما فضلُه فالإسلامُ، وأما رحمتُه فالقرآنُ(١).
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأَعْلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عن مَعْمَرٍ، عن
الحسنِ: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ،﴾. قال: فضلُه الإسلامُ، ورحمتُه القرآنُ(٢).
حدَّثنَى الْمُنَّى، قال: ثنا أبو محذّيفةَ، قال: ثنا شِئْلٌ، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن
مجاهدٍ: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ، ﴾. قال: القرآنُ.
حدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن مجرَيجٍ، عن
مجاهدٍ: ﴿ وَبِرَحْمَتِهِ﴾. قال: القرآنُ(٣).
حدّثنا القاسمُ، قال : ثنا الحسینُ ، قال : ثنی خّاج، (عن ابنِ مجریج) ، قال :
قال ابنُ عباسٍ: قولُه: ﴿هُوَ خَيْرٌ مِّمَا يَجْمَعُونَ﴾. قال: الأموالُ وغيرُها(*).
حدّثنا علىُ بنُ داودَ ، قال : ثنی ابو صالح، قال : ثنی معاویةً ، عن علىّ ، عن ابنِ
(١) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٩٥٩/٦ معلقا .
(٢) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٩٦/١ عن الحسن ، بدون ذكر معمر.
(٣) أخرجه ابن أبى شيبة ٥٠٢/١٠، وابن أبى حاتم فى تفسيره ١٩٥٨/٦ من طريق حجاج عن القاسم عن
مجاهد ، وعند ابن أبى حاتم : فضل الله : الدين .
(٤ - ٤) سقط من: ص، ت١، ت٢، س.
(٥) فى ص، ت١، ت٢، س: ((غيره)). والأثر عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٠٩/٣ إلى المصنف وابن
المنذر .

١٩٧
سورة يونس : الآية ٥٨
عباسٍ: ﴿قُلّ ◌ِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ﴾. يقولُ: فضلُه الإسلامُ، ورحمتُه القرآنُ(١).
حدَّثنا ابنُ محُمَيدٍ ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن هلالٍ: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ
وَبِرَحْمَتِهِ، فَبِذَلِكَ فَيَفْرَحُواْ﴾. قال: بكتابِ اللَّهِ، وبالإسلام ﴿هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا
يَجْمَعُونَ﴾(١).
وقال آخرون : بل الفضلُ القرآنُ ، والرحمةُ الإِسلامُ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی أیی ، عن
أبيه ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ، فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا
يَجْمَعُونَ﴾. قال: ﴿بِفَضْلِ اللَّهِ﴾: القرآنُ، ﴿وَبِرَحْمَتِهِ ﴾(١) حينَ جَعَلَهم مِن أَهلِ
(٤)
القرآنِ (٤).
حدَّثنى المُثُنَّى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال : ثنا جعفرُ بنُ عَوْنٍ ، قال: ثنا هشامُ بنُ
سعدٍ، عن زيدِ بنِ أسلمَ ، قال: فضلُ اللَّهِ القرآنُ، ورحمتُه الإسلامُ(٥).
/حدَّثنى الُثَنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عَوْنٍ، قال: أخبرنا هُشَيمٌ، عن ١٢٦/١١
جُوَييرٍ، عن الصَّخَّاكِ قولَه: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ﴾. قال: ﴿يِفَضْلِ
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٩٥٩/٦، والبيهقى فى الشعب (٢٥٩٦) من طريق أبى صالح به ،
وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٠٨/٣ إلى ابن المنذر.
(٢) أخرجه ابن أبى شيبة ٥٠٢/١٠ عن جرير به .
(٣) بعده فى ت١، ت٢، س، ف: ((الإسلام)).
(٤) أخرجه أبو عبيد فى فضائله ص٢٤ عن الحسين بن الحسن بن عطية به، وأخرجه ابن أبى شيبة ٥٠٢/١٠ ، وابن
أبى حاتم فى تفسيره ١٩٥٩/٦، والبيهقى فى الشعب (٢٥٩٧) من طريق عطية العوفى عن ابن عباس .
(٥) أخرجه البيهقى فى الشعب (٢٥٩٩) من طريق جعفر بن عون به .

١٩٨
سورة يونس : الآية ٥٨
اللَّهِ﴾: القرآنُ، [١٥/٢ ظ] ﴿وَبِرَحْمَتِهِ﴾: الإسلامُ(١).
حدَّثْنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُّ وَهْبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿قُلّ
بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ، فِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ﴾. قال: كان أبى يقولُ: فضلُه القرآنُ،
ورحمتُه الإسلامُ ) .
واختَلَفَت القرأةُ فى قراءةٍ قولِه: ﴿ فِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ﴾ .
فقَرَأَ ذلك عامةُ قرأةٍ الأمصارِ: ﴿فَلْيَفْرَحُواْ﴾ بالياءِ، ﴿هُوَ خَيْرٌ مِّمَا
يَجْمَعُونَ﴾ بالياءِ (٢) أيضًا(٤)، على التأويلِ الذى تأؤَلْناه مِن أنه خبرٌ عن أهلِ الشركِ
باللَّهِ . يقولُ: فبالإسلام والقرآنِ الذى دعاهم إليه، فلتَفْرَخ هؤلاء المشركون ، لا
بالمالِ الذى يَجْمَعون، فإنْ الإسلامَ والقرآنَ خيرٌ مِن المالِ الذى يَجْمَعون .
وكذلك حُدِّثْتُ عن عبدِ الوهابِ بنِ عطاءٍ، عن هارونَ، عن أبى التَّاحِ:
◌ْ فِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَا يَجْمَعُونَ﴾ : يعنى الكفارَ.
ورُوِىَ عن أُتْىِّ بنِ كعبٍ فى ذلك ما حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال : ثنا أبى، عن
سفيانَ، عن أسلمَ المِثْقَرِىّ، عن(٥) عبدِ اللَّهِ بنِ عبدِ الرحمنِ بِنِ أَثْرَى، عن أبيه، عن
أُتَّىٌّ بن كعبٍ، أنه كان يقرأُ: (فبذلك فَلْتُفْرَحوا هو خَيْرٌ مما تَجْمعون) بالتاءِ(١).
حدَّثنى المنُتَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عَوْنٍ، قال: أخبرنا هُشَيمٌ، عن الأجْلَحِ، عن
(١) أخرجه سعيد بن منصور (١٠٦٥ - تفسير)، ومن طريقه البيهقى فى الشعب (٢٦٠٠)، عن هشيم به.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٩٥٩/٦ من طريق أصبغ عن ابن زيد به .
(٣) فى ت٢: ((بالتاء)).
(٤) هى قراءة السبعة إلا ابن عامر فقرأ: ( خير مما تجمعون )، ولم يذكر عنه فى: ﴿فليفرحوا﴾ شىء.
(٥) بعده فى م: (( عبد الله بن )) .
(٦) أخرجه ابن سعد ٣٤٠/٢، وأحمد ١٢٣/٥ (الميمنية)، والبخارى فى خلق أفعال العباد (٤٢٠)، وأبو
داود (٣٩٨٠)، والبيهقى فى الشعب (٢٥٩٤) وغيرهم من طرق عن الثورى به.

١٩٩
سورة يونس : الآية ٥٨
عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ أَنْزَى، عن أبيه، عن أُتَّىّ بنِ كعبٍ مثلَ ذلك(١).
وكذلك كان الحسنُ البَصْرِىُّ يقولُ، غيرَ أنه فيما ذُكِرَ عنه كان يقرأُ قولَه:
﴿هُوَ خَيْرٌ مِّمَا يَجْمَعُونَ﴾ بالياءِ، الأوَّلُ على وَجْهِ الخطابِ، والثانى على وَجْهِ
الخبرِ عن غائبٍ .
وكان أبو جعفرِ القارئُ - فيما ذُكِرَ عنه - يقرأُ ذلك نحوَ قراءةٍ أَتَىِّ ، بالتاءِ جميعًا (١).
قال أبو جعفر: والصوابُ مِن القراءةِ فى ذلك(٣) ، ما عليه قرأةُ الأمصارِ مِن
قراءةِ الحرفَين جميعًا بالياءِ: ﴿فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَا يَجْمَعُونَ﴾. لمعنتين؛
أحدُهما : إجماعُ الحُتَّةِ مِن القرأةِ عليه .
والثانى: صحتُه فى العربية؛ وذلك أن العربَ لا تكادُ تأمُرُ المخاطَبَ باللام
والتاءِ، وإنما تأمُرُه فتقولُ : افعلْ ولا تفعلْ.
وبعدُ : فإنى لا أعلمُ أحدًا مِن أهلِ العربيةِ إلا وهو يَسْتَزْدِئُّ أمرَ المخاطَبِ باللامِ،
ويَرَى أنها لغةً مرغوبٌ عنها، غيرَ الفَرَّاءِ(٤)، فإنه كان يزعُمُ أن ((اللامَ)) فى الأمرِ
هى البناءُ ) الذى خُلِقَ له، واجَهْتَ به أم لم تُوَاجِه. إلا أن العربَ خَذَفَت(١) ((اللامَ))
(١) أخرجه أبو عبيد فى فضائله ص ٢١٥ ، وسعيد بن منصور فى سننه (١٠٦٢ - تفسير)، وابن أبى شيبة
٥٦٤/١٠، ١٤١/١٢، وأحمد ١٢٢/٥ (اليمنية)، والبخارى فى خلق أفعال العباد (٤٢١ - ٤٢٣)، وأبو
داود (٣٩٨١)، وابن أبى حاتم فى تفسيره ١٩٥٩/٦ ، وغيرهم من طريق الأجلح به، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٣٠٨/٣ إلى ابن المنذر وابن الأنبارى فى المصاحف وأبى الشيخ وابن مردويه. وينظر الطيالسى (٥٤٧).
(٢) قرأ : (فلتفرحوا) بالخطاب أبى ويعقوب فى رواية رويس ، وقرأ : ( تجمعون ) بالخطاب أبو جعفر وابن
عامر ويعقوب فى رواية رويس. ينظر النشر ٢١٤/٢، والإتحاف ص ١٥٢.
(٣) القراءتان المذكورتان متواترتان .
(٤) معانى القرآن للفراء ٤٦٩/١.
(٥ - ٥) فى ص: ((هى البناء))، وفى م: ((ذى التاء))، وفى ت١، ت٢، س: ((هى التاء))، وفى ف:
((هى)). والمثبت من معانى القرآن ٤٦٩/١.
(٦) فى ت٢، س، ف: ((حدثت)).

٢٠٠
سورة يونس : الآيتان ٥٨ ، ٥٩
مِن فعلِ المأمورِ المواجَهِ؛ لكثرةِ الأمرِ خاصةً(١) فى كلامِهم، كما حَذَفوا (٢) ((التاءَ))
مِن الفعلِ. قال : وأنت تعلمُ أن الجازمَ والناصبَ لا يَقَعان إلا على الفعلِ الذى أولُه
((الياءُ)) و ((التاءُ)) و((النونُ)) و((الألفُ))، فلما حُذِفَت ((التاءُ)) ذَهَبَت ((اللامُ))،
وأُخْدِثَت (الألفُ)) فى قولِك: اضرِبْ، وافرَحْ. لأن ((الفاءَ))(٢) ساكنةٌ، فلم
يَسْتَقِمْ أَن يُشْتَأَنَفَ بحرفٍ ساكنٍ، فأدخَلوا ألفًا خفيفةً يقعُ بها الابتداءُ، كما
قال(٤): ﴿ أَذَّارَكُواْ﴾ [الأعراف: ٣٨] و﴿أَنَّاقَلْتُمْ ﴾ [التوبة: ٣٨].
وهذا الذى اعْتَلَّ به الفراءُ عليه لا له؛ وذلك أن العربَ إِن كانت قد حَذَفَت
(اللام)) فى المواجهِ وتَرَگَتْها ، فليس لغيرِها إذا نطق بكلامها أن يُدْخِلَ فیه ما ليس
١٢٧/١١ منه، ما دام مُتَكلِّمًا بلغتِها، فإن فعل ذلك كان خارجًا عن لغتها. وكتابُ(٥) / اللَّهِ
الذى أُنزَلَه على محمدٍ بلسانِها ، فليس لأحدٍ أن يَتْلُوَه إلا بالأقْصح مِن كلامِها ، وإن
كان معروفًا بعضُ ذلك مِن لغةِ بعضِها ، فكيف بما ليس بمعروفٍ مِن لغةِ حىٍّ ولا قبيلةٍ
منها، وإنما هو دَعْوى لا ثَبَتَ(٦) بها ولا صحةَ(٧).
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ أَرَءَيْتُم ◌َّا أَنزَلَ اَللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ
فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلَّا قُلْ ءَاللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ
تَفْتَرُونَ
٥٩
(١) فى ت١، ت٢، س، ف: ((حاجته)).
(٢) فى ت٢، س، ف: ((حدثوا)).
(٣) فى ص، ت١، ت٢، س، ف: ((الألف))، وفى معانى القرآن: ((الضاد)).
(٤) فى النسخ: ((قالوا)). وينظر معانى القرآن للفراء ٤٦٩/١.
(٥) فى م: (( الكلام)).
(٦) فى ص، ت٢، س: ((تثبت)). والثبت: الحجة. التاج (ث ب ت).
(٧) فى م: (( حجة)).