النص المفهرس

صفحات 161-180

١٦١
سورة يونس : الآية ٢٦
فيقولون: وما هو؟ ألم يُتَقِّلِ اللَّهُ موازينَنا، ويُبَيِّضْ وجوهَنا؟)). ثم ذَكَر سائرَ
الحديثِ نحوَ حديثٍ عمرو بنِ علىٍّ، وابنٍ بَشَّارٍ، عن عبد الرحمنِ (١.
قال : ثنا الحِمَّانىُ، قال: ثنا شَرِيكٌ، عن أبى إسحاقَ، عن سعيدِ بنِ نِْانَ (٢)،
عن أبى بكر الصديقِ، رَضِىَّ اللَّهُ عنه: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْمُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾. قال:
النظرُ إلى وَجْهِ اللَّهِ تبارك وتعالى(٣) .
قال : ثنا شَرِيكٌ ، عن أبى إسحاقَ ، عن عامرٍ بنٍ سعدٍ مثلَه .
حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ
اَلُْسْنَ / وَزِيَادَةٌ﴾. بلَغنا أن المؤمنين لَّ دَخَلوا الجنةَ ناداهم منادٍ: إن اللَّهَ وعَد كم
الحسنى، وهى الجنةُ، وأما الزيادةُ : فالنظرُ إلى وَجْهِ الرحمنِ(٤).
١٠٧/١١
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعْلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ ، عن مَعْمٍَ، عن قتادةَ مثلَهُ(١) .
حدَّثنا ابنُ محُمَيدٍ ، قال : ثنا إبراهيمُ بنُ المختارِ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن عطاءٍ، عن
كعبِ بنِ عُجْرةَ، عن النبىِّ عَّهِ فى قولِه تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَ
وَزِيَادَةٌ﴾. قال: ((الزيادةُ النظرُ إلى وَجْهِ الرحمنِ تبارك وتعالى)) (١).
(١) أخرجه ابن ماجه (١٨٧) من طريق الحجاج به، وأخرجه الطيالسى (١٤١١)، وأحمد ٣٣٢/٤
(اليمنية)، ومسلم (٢٩٨/١٨١)، والترمذى (٣١٠٥)، والبيهقى فى الاعتقاد ص ١٢٨، وفى الأسماء
والصفات (٦٦٥)، وابن منده فى الرد على الجهمية (٨٣)، والآجرى فى الشريعة (٦٠٢ - ٦٠٤). وغيرهم.
من طرق عن حماد به .
(٢) فى ت ١، س: ((عمران)). وينظر التاريخ الكبير للبخارى ٥١٧/٣.
(٣) أخرجه الدارمى فى الرد على الجهمية ص٥٢ من طريق شريك به .
(٤) أخرجه ابن خزيمة فى التوحيد ص ١٢١ من طريق سعيد به ، وعبد الرزاق فى تفسيره ٢٩٤/١، ومن
طريقه ابن خزيمة فى التوحيد ص١٢١ عن معمر به .
(٥) أخرجه عبد الله بن أحمد فى السنة (٤٨٤)، واللالكائى فى شرح أصول الاعتقاد ٤٥٦/٣ (٧٨١)
من طريق ابن حميد به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٠٥/٣ إلى ابن مردويه والبيهقى فى الرؤية .
( تفسير الطبري ١١/١٢ )

١٦٢
سورة يونس : الآية ٢٦
قال: ثنا جرير، عن لَيْثٍ ، عن عبد الرحمن بن سابطٍ ، قال : الحسنى :
النضرةُ، والزيادةُ : النظرُ إلى وَجْهِ اللَّهِ تعالى(١).
حدَّثنا ابنُ البَرْقِيِّ، قال: ثنا عمرُو بنُ أبى سَلَمةً، قال: سَمِعتُ زُهَيرًا، عمَّن
سَمِعَ أبا العاليةِ ، قال: ثنا أتَىُ بنُ كَعْبٍ، أنه سأل رسولَ اللَّهِ بَطَهِ، عن قولِ اللَّهِ
تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ لُغُْسْنَ وَزِيَادَةٌ﴾. قال: ((الحسنى: الجنةُ ، والزيادةُ:
النظر إلى وَجْهِ اللَّهِ)) (١).
وقال آخرون فى الزيادةِ بما حدَّثنا به يحيى بنُ طلحةً، قال : ثنا فُضَيلُ بنُ
عياضٍ، عن منصورٍ، عن الحَكُم، عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى
وَزِيَادَةٌ﴾. قال: الزيادةُ: غرفةٌ مِن لؤلؤةٍ واحدةٍ ، لها أربعةُ أبوابٍ (١).
حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عمرٍو، عن منصورٍ، عن الحَكَمِ، عن
علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، نحوَه، إلا أنه قال: فيها أربعةُ أبوابٍ (١).
قال : ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن الحكم بنِ عُتَيْبةَ، عن علىّ، رضِى اللَّهُ عنه،
مثلَ حديثٍ يحيى بنِ طلحةً، عن فُضَيلٍ ، سواءٌ() .
وقال آخرون: الحُسنى: واحدةٌ مِن الحسناتِ بواحدةٍ ، والزيادةُ : التضعيفُ
إلى تمامٍ العشرِ .
(١) أخرجه سعيد بن منصور فى سننه (١٠٥٩ - تفسير)، وابن أبى شيبة ٤٢٩/١٣)، وابن أبى حاتم فى
تفسيره ١٩٤٥/٦، واللالكائى فى شرح أصول الاعتقاد ٤٦٢/٣ (٧٩٥) من طريق جرير به، وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ٣٠٦/٣ إلى الدارقطنى .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٩٤٤/٦، واللالكائى فى شرح أصول الاعتقاد ٤٥٦/٣ (٧٨٠) من
طريق زهير به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٠٥/٣ إلى الدارقطنى وابن مردويه والبيهقى فى كتاب الرؤية.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٩٤٥/٦ من طريق عمرو بن أبى قيس عن منصور به .
(٤) أخرجه سعيد بن منصور فى سننه (١٠٥٨ - تفسير) من طريق جرير به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٣٠٦/٣ إلى أبى الشيخ والبيهقى فى الرؤية .

١٦٣
سورة يونس : الاية ٢٦
ذكرُ مَن قال ذلكِ
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال: ثنى أبى ، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾. قال: هو مثلُ قولِه:
﴿ وَلَدَيْنَا مَزِيٌْ﴾ [ق: ٣٥]. يقولُ: يَجْزِيهم بعملهم ويَزِيدُهم مِن فضلِه. وقال:
﴿ مَنِ جَآءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَّةَ بِالسَّبِشَةِ فَلَا يُجْرَىَ إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَّا
(١)
يَظْلَمُونَ ﴿ه
[ الأنعام: ١٦٠] .
حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ ، قال: ثنا جريرٌ، عن قابوسَ ، عن أبيه، عن علقمةَ بنِ قيسٍ :
لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾. قال: قلتُ: هذه الحُسنى، فما الزيادةُ؟ قال :
ألم تَرَ أن اللَّهَ يقولُ: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْخَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهًا﴾(٤).
حدَّثنا بِشْرٌ: قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ ، قال: كان الحسنُ
يقولُ فى هذه الآيةِ/: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْمُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾. قال: الزيادةُ بالحسنةِ ١٠٨/١١
عشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعفٍ (١).
وقال آخرون : الحُسنى : حسنةٌ مثلُ حسنةٍ ، والزيادةُ : زيادةُ مغفرةٍ مِن اللَّهِ
ورضوانٍ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى المُنَّى ، قال: ثنا أبو حُذَيفةً ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نجيح، عن
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٠٦/٣ إلى المصنف.
(٢) أخرجه سعيد بن منصور (١٠٦٠ - تفسير) عن جرير به، وابن أبى حاتم فى تفسيره ١٩٤٦/٦ من طريق
أبى ظبيان به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٠٦/٣ إلى ابن المنذر.
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٠٦/٣ إلى المصنف وابن المنذر.

١٦٤
سورة يونس : الآية ٢٦
مجاهدٍ : ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى﴾ ( مثلُها محُسْنَى١)، ﴿ وَزِيَادَةٌ﴾ مغفرةٌ
(٢)
ورضوانٌ(٢).
وقال آخرون : الزيادةُ ما أُغْطُوا فى الدنيا .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وَهْبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿لِّلَّذِينَ
أَحْسَنُوا الْمُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾. قال: ﴿اٌلْمُسْنَى﴾ الجنةُ، ﴿ وَزِيَادَةٌ﴾ ما أَغْطاهم فى
الدنيا، لا يُحاسِبُهم به يومَ القيامةِ. وقرَأ: ﴿ وَءَاتَيْنَهُ أَجْرَؤُ فِ الدُّنْيَا
[العنكبوت: ٢٧] قال: ما آتاه مما يحبُّ فى الدنيا، عُجَّلَ له أجرُه فيها (١) .
وكان ابنُ عباسٍ يقولُ فى قوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْمُسْنَ﴾ (١بها:
حدَّثنى المُنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال : ثنى معاويةٌ ، عن علىٍّ ، عن
ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْمُسْنَى﴾. يقولُ: للذين شَهِدوا أن لا إلهَ إلا
و(٤)
اللَّهُ(٤).
وأَوْلى الأقوالِ فى ذلك بالصوابِ أن يقالَ: إن اللَّهَ، تبارك وتعالى، وعَد
المحسنين مِن عبادِه على إحسانِهم الحُسْنى، أن يخْزِيَهم على طاعتِهم إياه الجنةَ ، وأن
(١ - ١) سقط من: ت ١، ت ٢، س، ف.
(٢) تفسير مجاهد ص ٣٨٠، ومن طريقه أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦/ ١٩٤٥، وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ٣٠٦/٣ إلى ابن أبى شيبة وابن المنذر.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٩٤٦/٦ من طريق آخر عن ابن زيد به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٣٠٦/٣ إلى أبى الشيخ.
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٩٤٤/٦ من طريق عبد الله بن صالح به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٣٠٦/٣ إلى ابن المنذر والبيهقى.

١٦٥
سورة يونس : الآية ٢٦
تَبْيَضَّ وجوهُهم، ووعَدهم مع الحُسنى الزيادةَ عليها، ومِن الزيادةِ على إدخالِهم
الجنةَ، أن يُكْرِمَهم بالنظرِ إليه، وأن يُعْطِيَهم غُرَفًا مِن لآلىُّ، وأن يزيدَهم غفرانًا
ورضوانًا ، كلُّ ذلك مِن زياداتِ عطاءِ اللَّهِ إياهم على الحُشْنى التى جعلها اللَّهُ لأهلِ
جناتِهِ، وعَمَّ ربُّنا، جلّ ثناؤه، بقولِه: ﴿وَزِيَادَةٌ ﴾ الزياداتِ على الحُسنى، فلم
يُخَصِّص منها شيئًا دونَ شىءٍ، وغیرُ مستنگرٍ مِن فضلِ اللهِ أن یجمعَ ذلك لهم ، بل
ذلك كلُّه مجموعٌ لهم إن شاء اللَّهُ. فأَوْلى الأقوالِ فى ذلك بالصوابِ، أن يُعَمَّ كما
عَمَّه عزَّ ذكرُه .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَلَا يَزَهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَةٌ أُوْلَكَ أَصْحَبُ
٢٦
يعنى جلّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَلَا يَزَهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَ ذِلَّةٌ﴾. لا يَغْشَى
בּ
الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ (
وجوهَهم كآبةٌ ولا كسوفٌ حتى تصيرَ مِن الحزنِ كأنما عَلاها قَتَرٌ . والقَتَرُ: الغبارُ،
وهو جمعُ قَتَرَةٍ، ومنه قولُ الشاعرِ (١):
مَوْجٌ تَرَى فوقَه الراياتِ والقَتَرَا
مُتَوَّعُ(٢) برِداءِ الْمُلْكِ يَتْبَعُه
يعنى بالقَتَرِ : الغبارَ .
﴿وَلَ ذِلَّهُ﴾، ولا هوانٌ ﴿ أُوْلَكَ أَصْحَبُ الْجَنَّةِ﴾. يقولُ: هؤلاء الذين
وَصَفتُ صفتَهم، هم / أهلُ الجنةِ وسكانُها، ومَن "هو فيها". ﴿هُمْ فِيهَا ١٠٩/١١
خَلِدُونَ﴾. يقولُ: هم فيها ما كِثون أبدًا، لا تَبِيدُ فيَخافوا زوالَ نعيمِهم، ولا هم
بُمُخْرَجِين فَتَتَنَغَّصَ عليهم لذَّتُهم .
(١) هو الفرزدق، والبيت فى ديوانه ص ٢٩٠.
(٢) فى الديوان: (( معتصب)).
(٣ - ٣) سقط من: م ..

١٦٦
سورة يونس : الآيتان ٢٧،٢٦
وبنحوِ الذى قُلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
وكان ابنُ أبي ليلى يقولُ فى قوله: ﴿وَلَا يَزَهَقُ وُجُوهَهُمْ فَتَرٌ﴾. مَا حدَّثنا
محمدُ بنُ منصورِ الطَّسِى، قال: ثنا عفانُ، قال: ثنا حمادُ بنُ زيد، عن ثابتٍ ،
عن عبد الرحمنِ بنِ أبى ليلى: ﴿ وَلَا يَهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّهُ﴾. قال: بعدَ
نظر هم إلى ربِّھم .
حدَّثْنى المُنَّى ، قال: ثنا الحَجَّاج ومُعَلَّى بنُ أسدٍ ، قالا: ثنا حمادُ بنُ زيدٍ ، عن
ثابتٍ، عن عبد الرحمنِ بنِ أبي ليلى، بنحوه ١١.
حدَّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جُرَيجٍ، عن
عطاءٍ الخراسانيّ، عن ابنِ عباسٍ قوله: ﴿ وَلَ يَزْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ﴾. قال: سوادُ
(٣)
الوجوه (٣).
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿ وَأَلَّذِينَ كَسَبُواْ السَّبِّئَاتِ جَزَآءُ سَِّئَِ بِمِثْلِهَا
وَرْهَفُهُمْ ذِلَّةٌ مَّا نَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِرٍ﴾ .
يقولُ تعالى ذكره: والذين عَمِلوا السيئاتِ فى الدنيا، فعَصَوا اللَّهَ فيها،
وكفَروا به وبرسولِه، ﴿جَزَآءُ سَيِّئَةِ ﴾ فله جزاءُ سيئةٍ مِن عملِه السيئ الذى عَمِلُه
فى الدنيا، ﴿بِمِثْلِهَا﴾ مِن عقابِ اللَّهِ فى الآخرةِ. ﴿ وَتَرْهَقُهُمْ زِلَّةٌ ﴾. يقولُ:
(١) بعده فى م: ((قال: ثنا زيد)). وينظر تهذيب الكمال ٢٣٩/٧.
(٢) تقدم تخريجه فى ص ١٥٨، وأخرجه ابن أبى شيبة ٤٢٦/١٣ عن عفان به ، وابن أبى حاتم فى تفسيره
١٩٤٦/٦ من طريق حماد به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٠٧/٣ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦ /١٩٤٦ من طريق حجاج به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٠٦/٣
إلى ابن المنذر .
(٤ - ٤) سقط من: م .

١٦٧
سورة يونس : الآية ٢٧
وتَغْشاهم ذلةٌ وهوانٌ بعقابٍ اللَّهِ إِنَّاهم. ﴿مَّا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِنْ عَاصٍِّ ﴾. يقولُ: ما
لهم مِن اللَّهِ مِن مانع يمنعُهم إذا عاقبهم يحولُ بينَه وبينَهم .
وبنحوِ الذى قُلنا فى قوله: ﴿ وَتَرْهَقُّهُمْ زِلَّةٌ ﴾. قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى المُنُنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال: ثنى معاويةُ ، عن علىِّ، عن
ابنِ عباسٍ قَولَه: ﴿وَتَزْهَقُهُمْ ◌ِلَّةٌ ﴾. قال: تَعْشاهم ذلةٌ وشدةٌ(١).
واختلف أهلُ العربيةِ فى الرافع ((للجزاءِ)): فقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ: رُفِعَ
بإضمارِ ((لهم))، كأنه قيل: ولهم جزاءُ السيئةِ بمثلها. كما قال: ﴿ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ
في الحَجْ﴾ [البقرة: ١٩٦]. والمعنى: فعليه صيام ثلاثة أيام. قال: وإن شئتَ رفعتَ
(الجزاءَ)) بالباءٍ فى قوله: ﴿جَزَاءُ سَيِّئَةِ بِمِثْلِهَا ﴾.
وقال بعضُ نحويِّى البصرةِ: ((الجزاءُ)) مرفوعٌ بالابتداءِ، وخبرُه ((بمثلِها)).
قال: ومعنى الكلام: جزاء سيئةٍ مِثْلُها، وزِيدَت ((الباءُ))، كما زِيْدَت فى قولهم (١):
بحسبِك قولُ السوءِ. وقد أَنْكَر ذلك مِن قوله(٢) بعضُهم، فقال: يجوزُ أن تكونَ
((الباءُ)) فى ((حسبٍ))(٤)؛ لأن التأويلَ: إن قلتَ السوءَ فهو حسبُك. فلما لم تَدخُلٌ
فى الجزاءِ، أُدْخِلت فى حسبٍ . بحسبِك أن تقومَ : إن قمتَ فهو حسبُك . فإن
مُدِحَ / ما بعدَ حسبٍ ، أَدْخِلتِ ((الباءُ)) فيما بعدَها، كقولك: حسبُك بزيدٍ. ولا ١١٠/١١
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٠٧/٣ إلى المصنف.
(٢) فى م: ((قوله )) .
(٣) فى م، ت ١، ت ٢، س، ف: ((قول)) .
(٤) كذا فى النسخ، ومقتضى الكلام أن يكون بعدها كلمة: ((زائدة)).

١٦٨
سورة يونس : الآية ٢٧
يجوزُ: بحسبِك زيدٌ . لأن زيدًا الممدوحُ، فليس بتأويلٍ جزاءٍ .
وأَوْلى الأقوالِ فى ذلك بالصوابِ، أن يكونَ ((الجزاءُ)) مرفوعًا بإضمارٍ ،
بمعنى : فلهم جزاءُ سيئةٍ بمثلها. لأن اللَّهَ قال فى الآيةِ التى قبلَها: ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ
اَلُْْنَ وَزِيَادَةٌ﴾. فوصَف ما أعدَّ لأوليائِه، ثم عَقَّب ذلك بالخبرِ عما أعدَّ اللَّهُ
لأعدائِه ، فالأشبهُ بالكلام أن يقالَ : وللذين كَسَبوا السيئاتِ جزاء سيئةٍ . وإذا وُجّة
ذلك إلى هذا المعنى، كانت ((الباءُ)) صلةً للجزاءِ.
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِّنَ الَيْلِ مُظْلِمَاً
أُوْلَكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ
٢٧
يقولُ تعالى ذكره: كأنما أُلِسَت وجوهُ هؤلاء الذين كَسَبوا السيئاتِ ﴿قِطَعًا
مِّنَ اُلَّيْلِ﴾. وهى جمعُ قِطْعةٍ .
وكان قتادةُ يقولُ فى تأويل ذلك ما حدَّثنا به محمدُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال : ثنا
محمدُ بنُ ثَوْرٍ ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ: ﴿ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِّنَ الَيْلِ
مُظْلِمَاً﴾. قال: ظلمةً مِن الليلِ (١).
واخْتَلَفت القرَأةُ فى قولِه تعالى: ﴿قِطَعًا﴾. فقرَأتْه عامةُ قرأةِ الأمصارِ:
قِطَعًا﴾ بفتحِ ((الطاءِ))، على معنى جمعِ قِطْعةٍ(٢)، وعلى معنى أن تأويلَ ذلك:
كأنما أُغْشِيت وجهَ كلِّ إنسانٍ منهم قطعةٌ مِن سَوادِ الليلِ. ثم مجمِع ذلك فقيل :
كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا﴾: مِن سَوادٍ، إذ مجمِعَ الوجهُ .
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٩٤٧/٦ عن محمد بن عبد الأعلى به ، وعبد الرزاق فى تفسيره ٢٩٦/١
عن معمر به .
(٢) هى قراءة نافع وأبى عمرو وابن عامر وعاصم وحمزة. ينظر السبعة ص ٣٢٥ والكشف ٥١٧/١،
والتيسير ص ٩٩.

١٦٩
سورة يونس : الآية ٢٧
وقرّأه بعضُ مُتأخِرِى القرَأَةِ: (قِطْعًا) بسكونِ ((الطاءِ))(١) ، بمعنى: كأنما
أُغْشِيَت وجوهُهم سوادًا مِن الليلِ، وبقيةً مِن الليلِ ، ساعةً منه، كما قال: ﴿فَأَشِ
بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ الَّلِ﴾ [هود: ٨١] [الحجر: ٦٥]. أى: ببقيةٍ قد بَقِيَت منه .
ويَعْتَلَّ لتصحيح قراءتِه ذلك كذلك، أنه فى مصحفٍ أبىٍّ ؛ ( ويَغْشَى وجوهَهم
قِطْعٌ مِن الليلِ مظلمٌ ) .
والقراءةُ التى لا يجوزُ خلافُها عندى، قراءةُ مَن قَرَأ ذلك بفتح ((الطاءِ))؛
الإجماع الحجةِ مِن قَرَأَةِ الأمصارِ على تصويِها وشُذُوذِ ما عَداها ، وحسبُ الأخرى
دَلالةً على فسادِها ، خروجُ قارئها عما عليه قرَّةُ أهلِ أَمصارٍ (١) الإسلامِ .
فإن قال لنا قائلٌ : فإن كان الصوابُ فى قراءةِ ذلك ما قلتَ ، فما وجهُ تذ کیرِ
المُظْلِمِ وتوحيدِه، وهو مِن نعتِ القِطَعِ والقِطْعِ، جمعٌ لمؤنثٍ ؟
قيل : فى تذكيرٍ(١) ذلك وجهان: أحدُهما ، أن يكونَ قِطْعًا مِن الليلِ ، وأن يكونَ
مِن نعتِ الليلِ، فلما كان نكرةً، و((الليلُ)) معرفةٌ نُصِبَ على القطْع؛ فيكونُ معنى
الكلام حينئذٍ كأنما أَغْشِيَت وجوهُهم قِطْعًا مِن الليلِ المظلم. ثم حُذِفَت ((الألفُ)) و
((اللامُ)) مِن ((المظلم))، فلما صارَ نكرةً وهو مِن نعتِ ((الليلِ)) نُصِبَ على القطعِ .
ويسمّى أهلُ البصرةِ ما كان كذلك ((حالًا))، والكوفيون ((قطعًا)).
والوجهُ الآخرُ على نحوِ قولِ الشاعرِ ) :
(١) هى قراءة ابن كثير والكسائى. وتنظر المصادر السابقة.
(٢) فى م: ((الأمصار و)).
(٣) فى م، ف: ((تذكيره)).
(٤) هو أبو ذؤيب، وهذا صدر بيت فى ديوانه ص١١٣ عجزه :
* أُحيى أبُوَّتَكِ الشُّمَّ الأماديخُ.

١٧٠
سورة يونس : الآيتان ٢٨،٢٧
لو أن مِدْخَةً حَىِّ مُنْشِرٌ أحدًا
والوجهُ الأولُ أحسنُ وَجْهَيه .
١١١/١١
/وقولُه: ﴿أُوْلَبِّكَ أَصْحَبُ النَّارِ﴾. يقولُ: هؤلاء الذين وَصَفْتُ لك
صفتَهم، أهلُ النارِ الذين هم أهلُها، ﴿هُمْ فِيهَا خَيِدُونَ﴾، يقولُ: هم فيها
ما كِتُون .
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿ وَيَوْمَ تَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ
مَكَانَّكُمْ أَنْتُمْ وَشُركّاؤُكُمْ فَلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَّا كُ إِنَّانَا تَعْبُدُونَ
١٨
يقولُ تعالى ذكره : ويومَ نجمعُ الخلقَ لموقفِ الحسابِ جميعًا، ثم نقولُ حينئذٍ
للذين أشْرَكوا باللّهِ الآلهةَ والأندادَ: ﴿مَكَانَكُمْ﴾، أى: امْكُثُوا مكانَكم، وقِفُوا
فى موضعِكم ﴿أَنْتُمْ﴾ أيُّها المشركون ﴿وَشُرَّكَاؤُكُمْ﴾ الذين كنتُم تَعْبُدونَهم مِن
دونِ اللَّهِ مِن الآلهةِ والأوثانِ. ﴿ فَزَّلْنَا بَيْنَهُمْ﴾، يقولُ: فَفَرَّتْنَا بينَ المشركين باللَّهِ
وما أشْرَكوه به. [ وهو من قولهم: زلتُ الشىءَ أزيله. إذا فرّقتَ بينه](١) وبينَ غيرِهِ
وأَبْتَه منه. وقال: فَرَّلْنا إرادةَ تكثيرِ الفعلِ وتكريرِهُ(١) ، ولم يقُلّ: فِزِلْنا بينَهم.
وقد ذُكِرَ عن بعضِهم أنه كان يَقْرُؤُه: (فزايلْنا بينَهم). كما قيل: ﴿
وَلَا
تُصَعِّرْ خَذَّكَ﴾ [لقمان: ١٨]: (ولا تُصاعِرْ خدَّك)(١). والعربُ تفعلُ ذلك كثيرًا فى
( فَقَلْت))، يُلْحِقون فيها أحيانًا ((ألِفًا)) مكانَ التشديدِ، فيقولون: ((فاعَلْت)). إذا
(١) ما بين المعقوفين زيادة لابد منها لاستقامة العبارة، وينظر اللسان (زى ل)، ومعانى القرآن للفراء
٠٤٦٢/١
(٢) فى ت ١: (( تفكيره))، وفى س: (( تكثيره )).
(٣) هذه قراءة نافع وأبى عمرو وحمزة والكسائى. ينظر السبعة لابن مجاهد ص ٥١٣. وستأتى فى تفسير
الآية ١٨ من سورة لقمان .

١٧١
سورة يونس : الآية ٢٨
كان الفعلُ لواحدٍ . وأما إذا كان لاثنين، " فلا تكادُ تقولُ إلا: «فاعَلْت)).
﴿ وَقَالَ شُرَّكَاؤُهُم مَّا كُ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ﴾، وذلك حينَ تَبَّأُ الذين اتَّبِعوا مِن
الذين أَتَّبَعُوا ورَأَوا العذابَ، وتَقَطَّعَتْ بهم الأسبابُ؛ لمّ قيل للمشركين: اتَّبِعوا ما
كنتُم تَعْبُدون مِن دونِ اللَّهِ . ونُصِبَت لهم آلهتُهم، قالوا: كُنَّا نعبدُ هؤلاء. فقالت
الآلهةُ لهم : ما كنتم إيَّانا تَعْبُدون .
كما حُدِّثتُ عن مسلم بنِ خالدٍ ، عن ابنِ أبى نجيح ، عن مجاهدٍ ، قال : يكونُ
يومَ القيامةِ ساعةٌ فيها شدةٌ ، تُنْصَبُ لهم الآلهةُ التى كانوا يَعْبُدون ، فيقالُ: هؤلاء
الذين كنتم تَعْبُدون مِن دونِ اللَّهِ . فتقولُ الآلهةُ: واللَّهِ ما كَُّا نسمَعُ ولا نُبْصِرُ ولا
نَعْقِلُ، ولا نعلَمُ أنكم كنتم تَعْبُدوننا. فيقولون: واللَّهِ لإياكم كُنَّا نعبدُ . فتقولُ لهم
الآلهةُ: ﴿ فَكَفَى بِلَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَفِلِينَ﴾
حدَّثنى يونسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وَهْبٍ ، قال : قال ابنُ زيدٍ . فى قوله : ﴿ وَيَوْمَ
تَخْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ مَكَانَكُمْ أَنَتْمْ وَشُرْكَا ؤُكُمْ فَزَّلْنَا بَيْنَهُمْ﴾. قال:
[١/٢ ١ و] فَرَّقْنا بِينَهم. ﴿ وَقَالَ شُرَّكَاؤُهُم مَّا كُنُ إِنَّانَا تَعْبُدُونَ﴾ قالوا: بلى، قد كُنَّا
نعبدُ كم. فقالوا: ﴿كَفَى بِلَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَفِينَ ﴾
ما كُنَّا نسمعُ ولا نبصِرُ ولا نتكلَّمُ. فقال اللّهُ: ﴿هُنَالِكَ تَبْلُواْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا أَسْلَفَتْ
. .. (٣)
الآية (٢).
(١ - ١) فى ص، ت ١، ت ٢، س، فى: ((فلابد أن)).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٩٤٨/٦، ١٩٤٩ من طريق مسلم بن خالد به مطولاً، وعزاه السيوطى
فى الدر المنثور ٣٠٧/٣ إلى ابن أبى شيبة وابن المنذر وأبى الشيخ.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٩٤٨/٦ من طريق آخر عن ابن زيد به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٣٠٧/٣ إلى أبى الشيخ مختصرًا .

١٧٢
سورة يونس : الآ يتان ٢٨، ٢٩
ورُوِى عن مجاهدٍ أنه كان يتأوَّلُ الحشرَ فى هذا الموضعِ الموتَ .
١١٢/١١
/حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال : ثنا أبى، عن الأعمشِ، قال: سمعتُهم يَذْكُرون عن
مجاهدٍ فى قوله: ﴿ وَيَوْمَ تَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾. قال: الحشرُ الموتُ(١).
والذى قلنا فى ذلك أَوْلى بتأويلِه ؛ لأن اللَّهَ تعالى ذكرُه أخبر أنه يقولُ يومَئذٍ
للذين أُشْرَ كوا ما ذَكَر أنه يقولُ لهم ، ومعلومٌ أن ذلك غيرُ كائنٍ فى القبرِ ، وأنه إنما هو
خبرٌ عما يقالُ لهم ويقولون فى الموقفِ بعدَ البعثِ .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَكَفَى بِلَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِن كُنَّا عَنْ
عِبَادَتِكُمْ لَغَفِينَ
٢٩
يقولُ تعالى ذكرُه مُخْبِرًا عن قيلِ شركاءِ المشركين مِن الآلهةِ والأوثانِ لهم يومَ
القيامةِ، إذ قال المشركون باللّهِ لها: إِيَّاكم كُنَّا نعبدُ: ﴿كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا
وَبَيْنَكُمْ﴾، أى: إنها تقولُ: حسبْنَا اللَّهُ شاهدًا بيننا وبينَكم أيُّها المشركون ، فإنه قد
عَلِمَ أنا ما عَلِمنا(١) ما تقولون. ﴿إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَفِينَ﴾، يقولُ: ما كُنَّا
عن عبادتِكم إيانا دونَ اللَّهِ إلا غافِلِين، لا نشعُرُ به ولا نعلَمُ .
كما حدَّثنى المُنَّى، قال: ثنا أبو محُذَيفةَ، قال: ثنا شِئْلٌ، عن ابنٍ أبى نجيحِ،
عن مجاهدٍ : ﴿ إِن كُنَا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَفِينَ﴾، قال: ذلك كلِّ شيءٍ يُعْبَدُ مِن
(٣)
دونِ اللَّهِ(٣).
حدَّثنى المُنَّى ، قال: ثنى إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن ورقاءً، عن ابنِ
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٩٤٧/٦ من طريق وكيع به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٠٧/٣
إلى ابن المنذر وأبى الشيخ .
(٢) فى س: ((عملنا)).
(٣) تفسير مجاهد ص ٣٨٠، ومن طريقه أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦/ ١٩٤٩.

١٧٣
سورة يونس: الآيتان ٢٩، ٣٠
أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه .
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجْ، عن ابنِ مجرَيجٍ، قال :
قال مجاهدٌ: ﴿إِن كُثَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَفِينَ﴾، قال: يقولُ ذلك كلُّ شيءٍ
كان يُعْبَدُ مِن دونِ اللهِ .
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿هُنَالِكَ تَبْلُواْ كُلُّ نَفْسِ مَّا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوَا إِلَى اللَّهِ
٣٠
مَوْلَمُهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُم ◌َّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ
﴾
اخْتَلَفَت القرأَةُ فى قراءةِ قوله : ﴿هُنَالِكَ تَبْلُواْ كُلُّ نَفْسٍ﴾ بالباءِ ، بمعنى:
عندَ ذلك تُخْتَبَرُ كلَّ نفسٍ بما قَدَّمَت مِن خيرٍ أو شرً.
وكان ممن يَقْرُؤُه ويتأوَّلُه كذلك مجاهدٌ .
حدَّثنى المُنَّى ، قال : ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن ورقاءَ، عن ابنٍ
أبى نجيح، عن مجاهدٍ: ﴿هُنَالِكَ تَبْلُواْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا أَسْلَفَتْ﴾. قال: تُخْتَبَرُ).
حدَّثنى المُنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِئْلٌ، عن ابنٍ أبى نجيحٍ، عن
مجاهدٍ مثله .
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جُرَيجٍ، عن
مجاهدٍ مثلَه .
وقَرَأ ذلك جماعةٌ مِن أهلِ الكوفةِ وبعضُ أهلِ الحجازِ: (تَتْلُو كُلُّ نَفْسٍ ما
(١) فى ت ١، ت ٢، س: ((بالتاء))، وفى ف: ((بالياء)). وهذه القراءة قراءة ابن كثير ونافع وعاصم وأبى
عمرو وابن عامر. السبعة لابن مجاهد ص ٣٢٥، وحجة القراءات ص ٣٣١.
(٢) تفسير مجاهد ص ٣٨١، ومن طريقه أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦/ ١٩٤٩، وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ٣٠٧/٣ إلى ابن أبى شيبة وابن المنذر وأبى الشيخ.

١٧٤
سورة يونس : الآية ٣٠
أَسْلَفَتْ)، بالتاءِ .
واختَلَفَ قارئو ذلك كذلك فى تأويله .
فقال بعضُهم: معناه وتأويلُه : هنالك تتبعُ كلَّ نفس ما قَدَّمَت فى الدنيا لذلك
اليوم .
ورُوِى بنحوِ ذلك خبرٌ عن النبيِّ عْله، مِن وجهٍ وَسَنَدٍ غيرِ مُرْتَضَى، أنه / قال:
١١٣/١١
(يَمْثُلُ لكُلِّ قومٍ ما كانوا يَعْبُدون مِن دونِ اللَّهِ يومَ القيامةِ ، فيتَّبِعُونَهم حتى يُورِدَوهم
النارَ)). قال: ثم تَلَا رسولُ اللَّهِ عَ لِ هذه الآيةَ: (هنالك تتلو كل نفس ما
(٢)
أسلفت)(٢).
وقال بعضُهم : بل معناه : تَتْلُو كتابَ حسناتِه وسيئاتِه. يعنى: تقرأ، كما قال
جلّ ثناؤه: ﴿ وَتُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ كِتَبًا يَلْقَتُهُ مَنْشُورًا ﴾ [ الإسراء: ١٣].
وقال آخرون : تَثْلو : تُعاینُ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وَهْبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿هُنَالِكَ
تَبْلُواْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا أَسْلَفَتْ﴾، قال: ما عَمِلَت، تَثْلُو: تُعاينةُ(٢) .
والصوابُ مِن القول فى ذلك أن يقال: إنهما قراءَتانِ مَشْهورتانٍ ، قد قَرأ بكلِّ
واحدةٍ منهما أئمةٌ مِن القرأةِ ، وهما مُتقارِبتا المعنى - وذلك أن مَن تَبِعَ فى الآخرةِ ما
(١) هذه قراءة حمزة والكسائى - السبعة لابن مجاهد ص ٣٢٥، وحجة القراءات ص ٣٣١.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٠٧/٣ إلى ابن مردويه عن ابن مسعود.
(٣) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٩٤٩/٦ عن ابن زيد معلقًا، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٠٧/٣ إلى
أبى الشيخ .

١٧٥
سورة يونس : الآيتان ٣١،٣٠
أَسْلَفَ مِن العملِ فى الدنيا، هُجِمَ به على مَوْردِهِ، فَيُخْبَرُ هنالك ما أشْلَفَ مِن صالح
أو سَيٍِّ فى الدنيا، وإن مَن (١خَبَر ما) أَسْلَفَ فى الدنيا مِن أعمالِه فى الآخرةِ، فإنما
يُخْبَرُ بعدَ مَصِيرِه إلى حيثُ أَحَلَّهِ(٢) ما قَدَّمَ فى الدنيا مِن عملِه، فهو فى كلتا الحالتين
مُتَبِعُ ما أسْلَفَ مِن عملِه، مُخْتَبَرُ له - فبأيَّتِهما قَرَأْ القارئُ ، كما وَصَفْنا، فمصيبٌ
الصوابَ فى ذلك .
وأما قولُه: ﴿ وَرُدُّوَاْ إِلَى اللَّهِ مَوْلَئُهُمُ الْحَنِّ﴾، فإنه يقولُ: ورَجَعَ هؤلاء
المشركون يومَئذٍ إلى اللَّهِ الذى هو ربّهم ومالِكُهم الحقُّ لا شكُّ فيه، دونَ ما كانوا
يَزْعُمون أنهم لهم أربابٌ مِن الآلهةِ والأَنْدادِ، ﴿ وَضَلَ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ ﴾،
يقولُ: وبَطَلَ عنهم ما كانوا يَتَخَرَّصون مِن الفِرْيةِ والكذبِ على اللّهِ، [١١/٢ ظ]
بدَعْواهم أوثانَهم أنها للَّهِ شركاءُ، وأنها تُقَرِّبُهم منه زُلْفَى .
كما حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وَهْبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه :
وَرُدُوَاْ إِلَى اللَّهِ مَوْلَئُهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُم ◌َّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾. قال: ما كانوا
يَدْعُون معه مِن الأنْدادِ والآلهةِ، ما كانوا يَفْتَرُون الآلهةَ، وذلك أنهم جَعَلوها أنْدادًا
وآلهةً مع اللَّهِ ؛ افتراءً وكذبً(٣) .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ
اَلسَّمْعَ وَالْأَبْصَرَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَىَّ مِنَ الْمَيْتِ وَيُخْرِجُ الْمَيْتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِرُ الْأَمْنَّ
٣١
فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا نَنَّقُونَ
(١ - ١) فى م، ف: ((خير من).
(٢) فى س؛ ف: (أجله )).
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٩٥٠/٦ من طريق آخر عن ابن زيد به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٣٠٧/٣ إلى المصنف وأبى الشيخ .

١٧٦
سورة يونس : الآية ٣١
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ عَله: ﴿قُلْ﴾ يا محمدُ لهؤلاء المشركين باللَّهِ
الأوثانَ والأصنامَ: ﴿مَن يَرْزُقُكُمْ مِّنَ السَّمَاءِ﴾ الغيثَ والقطرَ، ويُطْلِعُ لكم
شمسَها، ويُغْطِشُ ليلَها، ويُخْرِجُ ضُحاها. وَمِن ﴿الأَرْضِ﴾ أقواتكم وغذاءَكم
الذى يُنْبِتُه لكم، وثمارَ أشجارِها؟ ﴿ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَرَ﴾. يقولُ: أمْ مَن
ذا الذى يَمْلِكُ أسماعَكم وأبصارَكم التى تَشْمَعون بها أن يزيدَ فى قُواها ،
١١٤/١١ أو يَسْلُبَكموها فيَجْعَلَكم / صُمَّا، وأبْصارَكم التى تُبْصِرون بها، أن
يُضِيئَها(١) لكم (٢وثِيرَها٢)، أو يَذْهَبَ بنورِها فيَجْعلكم عُمْيًا لا تُبْصِرون؟
﴿وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَىَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾. يقولُ: ومَن يُخْرِجُ الشىءَ الحىَّ مِن الميتِ؟
﴿ وَيُخْرِجُ اَلْمَيْتَ مِنَ الْحَيِّ﴾. يقولُ: ومَن(٣) يُخْرِجُ الشىءَ الميتَ مِن الحىّ ؟
وقد ذَكَرنا اختلافَ المختلفين مِن أهلِ التأويل، والصوابَ مِن القولِ عندنا فى
ذلك بالأدلةِ الدالةِ على صحتِه فى سورةِ ((آل عمرانَ))، بما أغنَى عن إعادته فى هذا
(٤)
الموضعِ(٤) .
﴿ وَمَنْ يُدَبِّرُ آلْأَمْ﴾: وقلْ لهم: مَن يُدَيِّرُ أمرَ السماءِ والأرضِ وما فيهن،
وأمْرَ كم وأمْرَ الخلقِ؟ ﴿فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾، يقولُ جلّ ثناؤه: فسوف يُجِيبونك بأن
يقولوا : الذى يفعلُ ذلك كلَّ اللَّهُ. ﴿فَقُلْ أَفَلَا نَنَّقُونَ ﴾ يقولُ : أفلا تَخافون عقاب
اللّهِ علی شِئْککم، وادعائِکم ربًّا غیرَ مَن هذه الصفةُ صفته، وعبادێکم معه من لا
يرزقُكم شيئًا، ولا يملِكُ لكم ضَرًّا ولا نفعًا، (ولا يفعَلُ فِعْلًاً°).
(١) فی ت ٢، س: « یصیبها )).
(٢ - ٢) فى ت ٢: ((أو ينشرها)).
(٣) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، س.
(٤) تقدم فى ٣٠٧/٥ - ٣١١.
(٥ - ٥) سقط من: م.

١٧٧
سورة يونس : الآيات ٣٢ - ٣٤
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَذَالِكُ اَللَّهُ رَبِّكُمُ الْحَنُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا
٣٢
الضَّلَلٌ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ
يقولُ تعالى ذكرُه لخلقِه : أيُّها الناسُ، فهذا الذى يفعلُ هذه الأفعالَ ، فيَرْزُقُكم
مِن السماءِ والأرضِ، ويملِكُ السمعَ والأبصارَ، ويُخْرِجُ الحىَّ مِن الميتِ ، والميتَ مِن
الحىّ، ويُدَبُِّ الأمرَ - ﴿اللَّهُ رَبِّكُمُ الْحَىُ﴾: لا شكَّ فيه، ﴿ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا
السَّلَلٌ﴾، يقولُ: فأىُّ شىءٍ سِوى الحقِّ إلا الضلالُ؛ وهو الجَوْرُ عن قَصْدٍ
السبيلِ؟ يقولُ: فإِذا كان الحقُّ هو ذا، فادِعاؤُكم غيرَه إلهًا وربًّا هو الضلالُ
والذهابُ عن الحقِّ لا شكَّ فيه، ﴿فَأَى تُصْرَفُونَ﴾، يقولُ: فَأَىُّ وجهٍ عن الهُدَى
والحقِّ تُصْرَفون، وسِواهما تَسْلُكون، وأنتم مُقِرُّون بأن الذى تُصْرَفون عنه هو الحقُّ ؟
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُواْ
أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ
٣٣
يقولُ تعالى ذكره: كما قد صُرِفَ هؤلاء المشركون عن الحقِّ إلى الضلالِ،
كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾، يقولُ: وَجَبَ عليهم قضاؤُه وحكمُه فى السابقِ
مِن علمِه، ﴿عَلَى الَّذِينَ فَسَقُواْ﴾، فخَرَجوا مِن طاعةِ ربِّهم إلى مَعْصيتِه، وكَفَروا
به، ﴿ أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ يقولُ: لا يُصَدِّقون بوحدانيةِ اللَّهِ ولا بنبوَّةٍ نبيّه عَلِّ .
ج
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَّكَبِكُ مَّن يَبْدَؤُأ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِدُهُ قُلِ
٣٤٦
اللَّهُ يَبْدَؤُ أ الْخَلَقَ ثُمَ يُعِيدٍُ فَ تُؤْفَكُونَ
/ يقولُ تعالى ذكرُه لنبيّه محمدٍ عَلَّهِ: ﴿قُلْ﴾ يا محمدُ: ﴿هَلْ مِن ١١٥/١١
شُرَّكَبِكُ﴾، يعنى: مِن الآلهةِ والأوثانِ ﴿ مَّن يَبْدَؤُأ الْخَلْقَ﴾. يقولُ: مَن يُنْشِئُ
خلْقَ شىءٍ مِن غيرٍ أصلٍ ، فيُحْدِثُ خلْقَه ابتداءً، ﴿ثُمَّيُعِدُهُ﴾. يقولُ: ثم يُفْنِيه بعدَ
( تفسير الطبرى ١٢/١٢ )

١٧٨
سورة يونس : الآيتان ٣٤، ٣٥
إنشائِه ، ثم يُعِيذُه كهيئتِه قبلَ أن يُفْنِيَه، فإنهم لا يَقْدِرون على دَغْوى ذلك لها ، وفى
ذلك الحُجَّةُ القاطِعةُ ، والدلالةُ الواضحةُ على أنهم فى دَعْواهم أنها أربابٌ ، وهى للَّهِ
فى العبادةِ شركاءُ كَاذِبون مُفْتَرون، فَقُلْ [٥١٢/٢] لهم حينئذٍ يا محمدُ: ﴿اللَّهُ
يَبْدَؤُأ الْخَلْقَ﴾، فيُنْشِتُهُ مِن غيرِ شىءٍ، ويُحْدِثُهُ مِن غيرِ أَصلٍ، ثم يُفْنِيه إذا شاءً ،
ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ إذا أرادَ كهيئتِه قبلَ الفناءِ، ﴿فَأَّى تُؤْفَكُونَ﴾. يقولُ: فَأَىُّ وجهٍ عن
قصدِ السبيلِ وطريقِ الرُّشدِ تُصْرَفون وتُقْلَبون؟
كما حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعْلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عن مَعْمَرٍ، عن
الحسنِ: ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾. قال: أنَّى تُصْرَفون(١)؟
وقد بيَّنَّا اختلافَ المختلفِين فى تأويلٍ قوله: ﴿ أَنَّى تُؤْفَكُونَ ﴾ ، والصوابّ مِن
القول فى ذلك عندَنا بشواهدِه فى سورةِ ((الأنعامِ)) (١).
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكَبِكُمْ مَن يَهْدِىٌ إِلَى الْحَقّ قُلِ اَللَّهُ
يَهْدِى لِلْحَقِّ أَفَعَنْ يَهْدِىّ إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُنَّبَعَ أَمَّنَ لَّا يَهِذِىَ إِلَّ أَنْ يُهْدَىُّ فَا لَكُمْ
كَيْفَ تَحْكُمُونَ
٣٥
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ع ◌َلَه: ﴿قُلْ﴾ يا محمدُ لهؤلاء المشركين:
﴿هَلْ مِن شُرَكَبِكُمْ ﴾ الذين تَدْعون مِن دونِ اللَّهِ، وذلك آلهتُهم وأوثانُهم، ﴿مَّن
يَهْدِىّ إِلَى الْحَقِّ﴾، يقولُ: من يُؤْشِدُ ضالاً مِن ضلالتِه إلى قصدِ السبيلِ، ويُسَدِّدُ
حائرًا(٢) عن الهُدَى إلى واضحِ الطريقِ المستقيم؟ فإنهم لا يَقْدِرون أن يَدَّعوا أن
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٩٥٢/٦ من طريق محمد بن عبد الأعلى به، وأخرجه عبد الرزاق فى تفسيره
٢٩٦/١ عن معمر به .
(٢) تقدم فى ٤٢٣/٩، ٤٢٤، ولم يبين المصنف فى هذا الموضع اختلاف المختلفين والصواب من القول،
ولکنه بینه فى ٨/ ٥٨٤.
(٣) فى م: ((جائزًا)).

١٧٩
سورة يونس : الآية ٣٥
آلْهَتَهم وأوثانَهم تُؤْشِدُ ضالاً أو تَهْدِى حائرًا. وذلك أنهم إن اذَّعَوا ذلك لها،
أَكْذَبَتْهم المشاهدةُ ، وأبانَ عَجْزَها عن ذلك الاختبارُ بالمعاينةِ . فإذا قالوا: لا . وأقَؤُّوا
بذلك، فقل لهم: فاللَّهُ يَهْدِى الضالَّ عن الهُدَى إلى الحقِّ، ﴿أَفَمَنْ يَهْدِىّ ﴾ أيُّها
القومُ ضالا ﴿إِلَى الْحَقِّ﴾، وحائًا(١) عن الرشدِ إلى الرشدِ، ﴿أَحَقُّ أَن يُنَّبَعَ ﴾
إلى ما يَدْعو إليه، ﴿ أَمَّنْ لَّا يَهِدِىّ إِلَّ أَنْ يُهْدَىٌ﴾؟!
واختَلَفَتِ القرأةُ فى قراءةِ ذلك، فقَرَأَته عامةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ: (أمْ مَن لا
يَهْدِّى)، بتَسْكينِ الهاءِ وتشديدِ الدَّالِ(١)؛ فجَمَعوا بينَ ساكِنين، وكأن الذى
دَعاهم إلى ذلك أنهم وَجَّهوا أصلَ الكلمةِ إلى أنه: أم مَن لا يَهْتَدِى(١، ووَجَدوه فى
خطِّ المصحفِ بغيرِ ما قَرءوا(٤) ، وأن الناءَ حُذِفَت لَّا أَدْغِمت فى الدالِ، فَأَقَرُّوا الهاءَ
ساكنةٌ على أصلِها الذى كانت عليه، وشَدَّدوا الدالَ طلبًا لإدغامِ التاءِ فيها، فاجْتَمَع
بذلك سكونُ الهاءِ والدالِ، كذلك فَعَلُوا فى قوله: ﴿وَقُلْنَا لَمْ لَا تَعْدُواْ فِى
السَّبْتِ﴾ [النساء: ١٥٤]، وفى قوله: ﴿ يَخِصِمُونَ﴾ [ يس: ٤٩].
وقَرَأْ ذلك بعضُ قرأةِ أهلِ مكةً والشامِ والبصرةِ : (يَهَدِّى)، بفتح الهاءِ
وتشديدِ الدالِ(١)، وأَمُّوا ما أمَّه المَدَنِيُّون مِن الكلمةِ، غيرَ أنهم / نَفَلوا حركةَ ١١٦/١١
التاءِ مِن يَهْتَدِى، إلى الهاءِ الساكنةِ، فخُوَّكوا بحركتِها، وأدغَموا التاءَ فى
الدالِ فشَدَّدوها .
(١) فى م: (( جائرا)).
(٢) هى قراءة أبى جعفر، وينظر النشر ٢١٢/٢.
(٣) فى ت ٢، س، ف: ((يهدى)).
(٤) فى م: ((قرروا )).
(٥) هى قراءة نافع فى رواية ورش، وابن كثير وابن عامر. المصدر السابق .

١٨٠
سورة يونس : الآية ٣٥
وقرّأْ ذلك بعضُ قرأةِ الكوفةِ: ﴿َهِدِىّ﴾، بفتح الياءِ وكسرِ الهاءِ وتشديد
الدالِ (١) ، بنحوِ ما قَصَدَه قرأةُ أهلِ المدينةِ ، غيرَ أنه كَسَرَ الهاءَ لكسرةِ الدالِ مِن
يَهْتَدى ، استثقالا للفتحةِ بعدَها كسرةٌ فی حرفٍ واحدٍ .
وقَرَأْ ذلك بعضُ عامةٍ قرأةِ الكوفيين: (أمْ مَن لا يَهْدِى)، بتسكينِ الهاءِ
وتخفيفِ الدالِ(١) ، وقالوا : إن العربَ تقولُ: هَدِيتُ. بمعنى: اهْتَدَيتُ . قالوا :
فمعنى قولِه : (أم مَنْ لا يَهْدِى): أم مَن لا يَهْتَدِى إِلَّا أنْ يُهْدَى.
وأَوْلى القراءاتِ فى ذلك بالصوابِ (٢) قراءةُ مَن قَرَأَ: (أَمْ مَنْ لا يَهَدِّى)، بفتح
الهاءِ ) وتشديدِ الدالٍ ، لما وَصَفْنا مِن العِلَّةِ لقارئ ذلك كذلك، وأن ذلك لا يدفَعُ
صحتَه ذو علم بكلامِ العربِ، وفيهم(٢) المُتْكِرُ غيرَه . وأحقُّ الكلام أن يقرأ بأفصح
اللغاتِ التى نَزَلَ بها كلامُ اللَّهِ .
فتأويلُ الكلام إذن : أفمَن يَهْدِى إلى الحقِّ أحقُّ أن يُتَبَعَ، أم مَن لا يَهْتَدِی إلی
شىءٍ إلا أن يُهْدَى ؟!
وكان بعضُ أهلِ التأويلِ يَزْعُمُ أن معنى ذلك: أم مَن لا يقدِرُ أن ينتقِلَ عن
مكانِه إلا أن يُنْقَلَ .
وكان مجاهدٌ يقولُ فى تأويل ذلك ما حدَّثنى المُنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةً ،
قال : ثنا شِئْلٌ، عن ابنِ أبى نجيح، عن مجاهدٍ : (أفمَنْ يَهْدِى إلى الحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ
أمْ مَنْ لا يَهَدِّى إلَّا أنْ يُهْدَى)، قال: الأوثانُ ، اللَّهُ يَهْدى منها ومِن غيرِها مَن شاءلما
(١) هى قراءة عاصم فى رواية حفص، ويعقوب. النشر ٢١٢/٢.
(٢) هى قراءة حمزة والكسائى وخلف . المصدر السابق .
(٣) القراءات التى ذكرها المصنف كلها متواترة .
(٤) فى ص، ت١، س، ف: ((الياء)).
(٥) فى ت ٢: ((فهم)).