النص المفهرس

صفحات 81-100

٨١
سورة التوبة : الآية ١٢٢
حَوْلَهُم مِّنَ اٌلْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّقُواْ عَن رَّسُولِ اللَّهِ﴾. إلى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ
اُلْمُحْسِنِينَ﴾: قال ناسٌ مِن المنافقين: هَلَكَ مَن تَخَلَّفَ. فَتَزَلَت: ﴿وَمَا كَانَ
ج
الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُواْ كَافَّةٌ﴾. إلى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾. ونَزَلَت: ﴿وَالَّذِينَ
يُحَاجُونَ فِى اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا أَسْتُجِيبَ لَهُم ◌ُجَّنُهُمْ دَاحِضَةٌ ﴾ [الشورى: ١٦].
الآية(١).
حدَّثنا المُثُنَّى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ الزبيرِ، عن ابنِ عُيَينةَ،
قال : ثنا سليمانُ الأحولُ، عن عكرمةَ، قال: سمِعتُه يقولُ: لما نزلت: ﴿إلا تنفروا
يعذبكم عذابًا أليمًا﴾ [التوبة: ٢٩]. و﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ
اٌلْأَعْرَابِ﴾. إلى قوله: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾: قال
الُنَافِقون : هَلَكَ أصحابُ البَدْوِ الذين تَخَلَّفوا عن محمدٍ ولم يَثْفِروا معه . وقد كان
ناسٌ مِن أصحابٍ رسولِ اللَّهِ مََّمِ خَرَجوا إلى البَدْوِ، إلى قومِهم يُفَقِّهونهم، فَأَنزَل
اللَّهُ: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنِفِرُواْ كَاَفَّةٌ فَلَوَلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ
طَابِفَةٌ﴾. إلى قولِه: ﴿لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾. ونزلت: ﴿ والذين يحاجون فى
اللَّه من بعد ما استجيب له ﴾ الآية .
واختَلَف الذين قالوا: عُنِىَ بذلك النهىُ عن نَفْرِ الجميع فى السريةِ وتَرْكِ النبيِّ
عَلَّه وحدَه - فى المَغَنِيِّين بقولِه: ﴿لِيَنَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ
إِلَيِّهِمْ﴾؛ فقال بعضُهم: عُنِىَ به الجماعةُ المتخلِّقةُ مع رسولِ اللهِ عَه. وقالوا:
معنى الكلام: فهَلَّا نَفَر مِن كلِّ فرقةٍ طائفةٌ للجهادِ ؛ لِيَتَفَقَّهَ المُخلِّفون فى الدِّينِ،
وليُنْذِروا قومَهم [٩٨٦/١ظ] الذين نَفَروا فى السريةِ إذا رَجَعوا إليهم مِن غزوِهم؟
(١) أخرجه سعيد بن منصور فى سننه (٢٨٩٦)، (١٠٥١ - تفسير)، وابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧٩٧/٦ -
مختصرا - من طريق سفيان به . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٩٢/٣ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ .
( تفسير الطبرى ٦/١٢ )

٨٢
سورة التوبة : الآية ١٢٢
وذلك قولُ قتادةَ. وقد ذَكَرنا روايةً ذلك عنه مِن روايةٍ سعيدٍ بن أبى عروبةً(١).
وقد حدَّثنا محمدُ بنُّ عبدِ الأَعْلَى ، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ ، عن مَعْمَرٍ، عن
قتادةَ: ﴿ فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَابِفَةٌ لِيَنَفَقَّهُواْ فِىِ الذِينِ ﴾ الآية . قال:
لِيَتَفَقَّهَ الذين قَعَدوا مع نبيِّ اللَّهِ، ﴿ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوْاْ إِلَيْهِمْ﴾. يقولُ:
لُنْذِروا الذين خَرَجوا إذا رَجَعوا إليهم (١).
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأَعْلَى ، قال : ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ ، عن مَعْمَرٍ، عن الحسنِ
وقتادةً: ﴿ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُواْ كَافَّةٌ﴾. قالا: كافةً ويَدَعوا النبيَّ
(٢)
مراتبـ (١).
وقال آخرون منهم : بل معنى ذلك : لتفَقَّهَ الطائفةُ النافرةُ دونَ المُتُخَلِّفةِ ، وتُحذِّرٌ
النافرةُ المتخلفةَ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأَعْلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عن مَعْمَرٍ، عن
٧٠/١١ الحسنِ: ﴿فَوَّلَا نَفَرَ مِن / كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِقَةٌ لِيَنَفَقَّهُواْ فِ الدِّينِ ﴾. قال:
لِيَتَفَقَّهَ الذين خَرَجوا بما يُرِيهم١٢ اللَّهُ مِن الظهورِ على المشركين والنُّصْرةِ، ويُنْذِروا
قومَهم إذا رَجَعوا إليهم .
(١) تقدم فى ص ٧٨ .
(٢) تفسير عبد الرزاق ٢٩١/١ .
(٣) فى ت١، ت٢، س، ف: ((يردهم)).
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٩١٢/٦ من طريق محمد بن عبد الأعلى به . وأخرجه عبد الرزاق فى
تفسيره ٢٩١/١، عن معمر به .

٨٣
سورة التوبة : الآية ١٢٢
وأَوْلى الأقوالِ فى تأويلِ ذلك بالصوابِ أن يقالَ : تأويلُه: وما كان المؤمنون
ليَنْفِروا جميعًا ويَتْرُ كوا رسولَ اللّهِ وَهِ وحدَه، وأن اللَّهَ نهَى بهذه الآيةِ المؤمنين به أن
يَخْرُجوافى غزوٍ وجهادٍ" وغيرِ ذلك مِن أمورِهم، ويَدَعوا رسولَ اللَّهِ ◌َّهِ وحيدًا ،
ولكن عليهم إذا سَرَّى رسولُ اللَّهِ عِّهِ سَريةٌ ، أَن يَنْفِرَ معها مِن كلِّ قبيلةٍ مِن قبائلِ
العربِ - وهى الفرقةُ - طائفةٌ ، وذلك مِن الواحدِ إلى ما بلَغ مِن العددِ ، كما قال اللَّهُ
جلّ ثناؤه: ﴿فَلَوَّلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَتْرٍ مِنْهُمْ طَآيِفَةٌ ﴾. يقولُ: فَهَلَّا نَفَرمِن كلِّ
فرقةٍ منهم طائفةٌ ؟ وهذا إلى هلهنا على أحدِ الأقوالِ التى رُوِيَت عن ابنِ عباسٍ، وهو
قولُ الضَّحّاكِ وقتادةَ .
وإنما قُلنا : هذا القولُ أَوْلِى الأقوالِ فى ذلك بالصوابِ ؛ لأن اللَّهَ تعالى ذكرُه
حظر التخلُّفَ خلافَ رسولِ اللَّهِ ◌ِ ◌ِِّ على المؤمنين به مِن أهلِ المدينةِ مدينةِ الرسولِ
تٍَّ ومِن الأعرابِ، لغيرِ عُذْرٍ يُعْذَرون به، إذا خرج رسولُ اللَّهِ يَّهِ لغزوٍ وجهادِ
عدوٍّ قبلَ هذه الآيةِ بقولِه: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الْأَعْرَابِ أَنْ
يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ اللَّهِ﴾. ثم عقّب ذلك جلّ ثناؤُه بقولِه: ﴿ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ
لِيَنْفِرُواْ كَافَّةٌ ﴾. فكان معلومًا بذلك، إذ كان قد عَرَّفَهم فى الآيةِ التى قبلَها
اللازمَ لهم مِن فرضِ النَّفْرِ، والمباحَ لهم مِن تَرْكِه فى حالٍ غزوِ رسولِ اللَّهِ عَلَّهِ ،
وشُخوصِه عن مدينتِه لجهادِ عدوٍّ، وأعْلَمَهم أنه لا يَسَعُهم التَّخلُّفُ خِلافَ، إلا لعُذْرٍ،
بعدَ اسْتِنهاضِه بعضَهم وتَخْليفِه بعضَهم - أن يكونَ عَقِيبَ تعريفِهم ذلك تَعْرِيفُهم
الواجبَ عليهم عندَ مُقامِ رسولِ اللّهِ مَّمِ بمدينتِه، وإِشخاصٍ غيرِه عنها، كما كان
الابتداءُ بتَعْرِيفِهم الواجبَ عندَ شُخوصِه وتَخْليفِه بعضَهم .
(١ - ١) فى ص، ت١، ت٢، س، ف: ((غزو جهاد)).

٨٤
سورة التوبة : الآية ١٢٢
وأما قولُه: ﴿لِّيَنَفَقَّهُواْ فِىِ الدِِّنِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوْاْ إِلَيْهِمْ﴾. فإن
أَوْلى الأقوالِ فى ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: لتَتَفَقََّ الطائفةُ النافرةُ بما تُعايِنُ مِن
نصرِ اللَّهِ أهلَ دينِه وأصحابَ رسولِه ◌َلَّمِ على أهلِ عَداواتِه والكفرِ به، فيَفْقَهَ بذلك
مِن مُعاينتِه حقيقةً علم أمرِ الإسلامِ وظهورِه على الأديانِ مَن لم يكنْ فَقِهَه، وليُنْذِروا
قومَهم فيُحَذِّروهم أن ينزِلَ بهم مِن بأسِ اللَّهِ مثلُ الذى نزَل بمن شاهَدوا وعايَنوا ممن
ظَفِرَ بهم المسلمون مِن أهلِ الشركِ، إذا هم رجَعوا إليهم مِن غزوِهم، ﴿لَعَلَّهُمْ
يَحْذَرُونَ﴾. يقولُ: لعلَّ قومَهم إذا هم حَذَّروهم ما عاينوا مِن ذلك، يَخْذَرون
فيؤمِنون باللّهِ ورسولِهِ ، حَذَرًا أن ينزِلَ بهم ما نَزَل بالذين أُخْبِروا خبرَهم.
وإنما قُلنا: ذلك أَوْلى الأقوالِ بالصوابِ - وهو قولُ الحسن البصرىِّ الذى
رَوَيناه عنه - لأَن النَّفْرَ قد بَيَّنَّا فيما مضى ، أنه إذا كان مطلقًا بغيرٍ صلةٍ بشىءٍ ، أن
الأغلبَ مِن استعمالِ العربِ إِياه فى الجهادِ والغزوٍ ) . فإذا كان ذلك هو الأغلبَ مِن
المعانى فيه، وكان جلّ ثناؤُه قال: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآَيِفَةٌ
لِيَنَفَقَّهُواْ فِىِ الذِينِ﴾. عُلِمَ أن قوله: ﴿لِيَنَفَقَّهُواْ﴾. إنما هو شرطٌ للنَّفْرِ لا
لغيرِه، إذا كان يليه دونَ غيرِه مِن الكلامِ .
/ فإن قال قائلٌ: [١٩٨٧/١] وما تُنْكِرُ أن يكونَ معناه: ليَتَفَقَّهَ المُتُخَلِّفون فى
لدین ؟
٧١/١١
قيل : نُنْكِرُ ذلك لاسْتِحالتِه؛ وذلك أن نَفْرَ الطائفةِ النافرةِ ، لو كان سببًا لتَفَقُّهِ
المُخَلِّفةِ، وجب أن يكونَ(١) [٢٧/٣١و] مُقَامُها معهم سببًا لَجَهْلِهِم وتَوْكِ التَّفَقُّهِ ،
وقد عَلِمنا أن مُقامَهم لو أقاموا ولم يَثْفِروا لم يكنْ (سبًا لَّعِهم١) مِنِ التَّفَقُّهِ.
(١) ينظر ما تقدم فى ٤٥٨/١١ - ٤٦٠.
(٢) إلى هنا ينتهى خرم المخطوط الأصل. والمشار إليه فى ص ٢٦ .

٨٥
سورة التوبة : الآيتان ١٢٣،١٢٢
وبعدُ ، فإنه قال جلّ ثناؤه: ﴿وَلِيُنْذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوْا إِلَيْهِمْ﴾. عطفًا به
على قوله: ﴿لِيَنَفَقَّهُواْ فِ الدِّينٍ﴾. ولا شكَّ أن الطائفةَ النافرةَ لم تَنْفِرُ(١) إلا
والإنذارُ قد تَقدَّمَ مِن اللَّهِ إليها، وللإِنْذارِ وخوفِ الوعيدِ نفَرت، فما وَجْهُ إِنْذارِ
الطائفةِ المتخلفةِ الطائفةَ النافرةَ ، وقد تَساوتا فى المعرفةِ بإنذارِ اللَّهِ إياهما؟ ولو كانت
إحداهما جائزةٌ() أن توصَفَ بإنذارِ الأخرى، لكان أحقَّهما بأن تُوصَفَ به الطائفةُ
النافرةُ؛ لأنها قد عايَنَت مِن قدرةِ اللَّهِ ونُصْرةِ المؤمنين على أهلِ الكفرِ به ما لم تُعایِنٍ
المُقِيمةُ ، ولكن ذلك إن شاءَ اللَّهُ كما قُلنا ، مِن أنها تُنْذِرُ مِن حَيِّها وقبيلتِها مَن لم يؤمنْ
باللّهِ إذا رجعت إليه، أن يَنْزِلَ به ما نزَلَ بِمَن عايَتَهُ(٤) ممن أظفَر اللَّهُ به المؤمنين مِن نُظَرائِه
مِن أهلِ الشركِ .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ قَدِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُمْ
مِّنَ الْكُفَّارِ وَلَيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةٌ [٢٧/٣١ ظ] وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُنَّقِينَ
ج
١٢٣
يقولُ تعالى ذكرُه للمؤمنين به وبرسوله : يا أيُّها الذين صَدَّقوا اللَّهَ ورسولَه،
قاتِلوا من وَلِيَكم مِن الكفارِ دونَ مَن (°هو أَبْعَدُْ) منهم. يقولُ لهم: ابْدَءُوا بقتالٍ
الأقربِ فالأقربِ إليكم دارًا، دونَ الأبعدِ فالأبعدِ . وكان الذين يَلُون المخاطَبِين بهذه
الآيةِ يومَئذٍ الرومُ ؛ لأنهم كانوا سكانَ الشامِ يومَئذٍ ، والشامُ كانت أقربَ إلى المدينةِ
(١ - ١) فى الأصل: ((شيئا يمنعهم)).
(٢) فى ص، ت١، ت٢، م، ف: ((ينفروا)).
(٣) فى م: ((جائز)).
(٤) فى م: (( عاینته )).
(٥ - ٥) فى ص، ت١، ت٢، س، ف: ((أبعد))، وفى م: ((بعد)).

٨٦
سورة التوبة : الآية ١٢٣
مِن العراقِ . فَأَما بعدَ أن فَتَحَ اللَّهُ على المؤمنين البلادَ ، فإن الفرضَ على أهلِ كلِّ ناحيةٍ
قتالُ مَن وَلِيَهم مِن الأعداءِ دونَ الأبعدِ منهم، ما لم يُضْطَرَّ إليهم أهلُ ناحيةٍ أخرى مِن
نواحِى بلادِ الإسلامِ، فإِن اضْطُرُوا إليهم، لَزِمَهم (١) عونُهم ونصرُهم؛ لأن المسلمين
يَدٌ على مَن سِواهم .
ولصحةٍ كونِ ذلك كذلك (٢)، تأوَّلَ كلُّ مَن تأوَّلَ هذه الآيةَ أن معناها إيجابُ
الفرضِ على أهلِ (٣كلِّ ناحية٢ٍ) قتالَ مَن وَلِيَهم مِن الأعداءِ.
ذكرُ الروايةِ بذلك عنهم
حذَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن شبيبٍ بنِ [٢٨/٣١و] غَرْقَدَةَ(*)
البارقيّ، عن رجلٍ مِن بنى تميم ، قال: سألتُ ابنَ عمرَ عن قتالِ الدَّيْلم ، قال : عليك
(٥)
بالرومِ(٥) .
حذَّثنا ابنُ بَشَّارٍ وأحمدُ بنُ إسحاقَ " وسفيانُ بنُ وكيع٢، قالوا: ثنا أبو أحمدَ ،
قال: ثنا سفيانُ، عن يونسَ، عن الحسنِ: ﴿قَائِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِّنَ الْكُفَّارِ
وَلْيَجِدُواْ فِيَكُمْ غِلْظَةٌ﴾. قال: الدَّيْلمُ.
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال : ثنا أبى، عن الربيع، عن الحسنِ أنه كان إذا سُئِل
عن قتالِ الرومِ والدَّيْلِمِ(٢)، تَلا هذه الآيةَ: ﴿قَدِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ
(١) فى م: ((لزم)).
(٢) سقط من : م .
(٣ - ٣) فى الأصل: (( ناحيته)).
(٤) بعده فى م: ((عن عروة)). وينظر تهذيب الكمال ٣٧٠/١٢.
(٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٩٣/٣ إلى ابن مردويه عن ابن عمر مرفوعا .
(٦ - ٦) سقط من : الأصل .
(٧) هم جيل من العجم كانوا يسكنون نواحى أذربيجان . الوسيط (د ل م).

٨٧
سورة التوبة : الآية ١٢٣
الْكُفَّارِ ﴾(١).
حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ ، قال: ثنا يعقوبُ، قال: ثنا عِمْرانُ أَخى، قال : سألتُ
جعفرَ بنَ محمدِ بنِ علىِّ بنِ / الحسين، فقلتُ : ما تَرَى فى قتالِ الدَّيْلم؟ فقال :
قاتِلوهم ورابطوهم، فإنهم مِن الذين قال اللَّهُ: ﴿قَائِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ
الْكُفَّارِ﴾(٢).
حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا أبو نُعَيم، قال: ثناسفيانُ، عن الربيع، عن الحسنِ أنه سُئِلَ
عن الشامِ والدَّيْلِمِ، فقال: ﴿قَدِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَارِ﴾: الدَّيْلِمُ (٣).
حدَّثنى علىُ بنُ سهلٍ، قال: ثنا الوليدُ، قال: سمِعتُ أبا عمرٍو و(٢) سعيدَ بنَ
عبدِ العزيزِ يقولان: يُرابِطُ كلَّ قوم ما يليهم مِن مَسَالحِهم وحصونِهم. ويَتأوّلان
قوَّل اللّهِ: ﴿قَلِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ .
[٢٨/٣١ظ] / حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى
قوله: ﴿قَائِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ﴾. قال: كان الذين يَلُونهم مِن
الكفارِ العربُ، فقاتَلَهم حتى فرَغْ منهم، فلما فرغ قال اللّهُ: ﴿قَائِلُواْ الَّذِينَ لَا
يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَ بِأَلْيَّوْمِ الْآَخِرِ﴾. حتى بلَغ: ﴿حَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ
صَغِرُونَ﴾ [ التوبة: ٢٩]. قال: فلما فَرَعَ مِن قتالِ مَن يَلِيه مِن العربِ ، أمْرَه بجهادِ
٧٢/١١
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٩٣/٣ إلى المصنف وأبى الشيخ.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٩١٤/٦ من طريق يعقوب به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٩٣/٣
إلى أبى الشيخ .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٩١٣/٦ من طريق أبى نعيم به .
(٤) فى ص، ت ١، ت٢، س، ف: ((بن)).
(٥) المسالح ؛ جمع المسلحة: الثغر والمَرَقَب . اللسان (س ل ح) .

٨٨
سورة التوبة : الآيتان ١٢٤،١٢٣
أهلِ الكتابِ. قال: وجهادُهم أفضلُ الجهادِ عندَ اللَّهِ(١).
وأما قولُه: ﴿وَلَيَجِدُواْ فِيَكُمْ غِلْظَةٌ﴾. فإن معناه: ولِيَجِدْ هؤلاء الكفارُ
الذين تُقاتِلونهم ﴿فِيكُمْ﴾ أى: منكم شِدَّةً عليهم، ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ مَعَ
الْمُنَّقِينَ﴾. يقولُ: وأَتْقِنوا عندَ قِتالِكم إياهم أن اللَّهَ معكم، وهو ناصِرُ كم عليهم
إن (٢) اتَّقَيْتُم اللَّهَ وخِفْتُموه بأداءٍ فَرائضِه واجتنابِ مَعاصِيه، فإن اللَّهَ ناصرٌ مَن اتَّقاه
ومُعِینُه .
القولُ فى تأويل قوله: ﴿ وَإِذَا مَآ أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ
هَذِهِ: إِيمَنَّا فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَنَا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ
(١٢٤)
يقولُ تعالى ذكره: وإذا أَنزَل اللَّهُ سورةً مِن سُورِ القرآنِ على [٢٩/٣١و] نبيِّه
محمدٍ عَلّهِ ، فمِن هؤلاء المنافقِين الذين ذَكَرهم اللَّهُ فى هذه السورةِ مَن يقولُ : أَيُّكم
أيُّها الناسُ زادَتْه هذه السورةُ ﴿ إِيمَانًا﴾؟ يقولُ: تَصْديقًا باللّهِ وبِآيَاتِهِ. يقولُ اللَّهُ:
فأما الذين آمنوا مِن الذين قيل لهم ذلك، فزَادتهم السورةُ التى أَنزِلت إيمانًا ، وهم
يَفْرَحون بما أعطاهم اللَّهُ مِن الإيمانِ واليقينِ .
فإن قال قائلٌ: أوَ (١) ليس الإيمانُ فى كلامِ العربِ التصديقَ والإقرارَ؟
قيل : بلى .
فإن قال(٤) : فكيف زادَتهم السورةُ تَصْديقًا وإقرارًا؟
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧٧٨/٦، ١٩١٤ من طريق أصبغ بن الفرج ، عن ابن زيد .
(٢) فى ص، ت١، ت٢، س: ((فإن )).
* إلى هنا ينتهى الخرم فى مخطوطة الأصل الذى بدأ ص ٢٦ .
(٣) فى ص، ت١، ت٢، س، ف: ((و)).
(٤) فى ص، م، ت١، ت٢، س، ف: ((قيل)).

٨٩
سورة التوبة : الآية ١٢٤
قيل : زادَتْهم إيمانًا حينَ نَزَلَت ؛ لأنهم قبلَ أن تَنْزِلَ السورةُ لم يكنْ لَزِمَهم فرضُ
الإقرارِ بها ، والعملِ بها بعينِها (١) ، إلا فى جملةِ إيمانِهم بأن كلَّ ما جاءهم به نبيُّهم
مَّهِ مِن عندِ اللَّهِ فحَقٌّ، فلما أَنزَل اللَّهُ السورةَ لَزِمَهم فَرْضُ الإِقِرارِ بأنها بعينِها مِن عندٍ
اللَّهِ ، ووَجَبَ عليهم فَرْضُ(٢) الإيمانِ بما فيها مِن أحكام اللَّهِ وحدودِه وفرائضِه، فكان
ذلك هو الزيادةَ التى زادَهم(١) نزولُ السورةِ حينَ نَزَلَت مِن الإيمانِ والتصديقِ بها .
وبنحوِ الذى قُلنا فى تأويلٍ (٤) ذلك قال أهلُ التأويلِ.
٧٣/١١
/ ذكرُ مَن قال ذلك
[٢٩/٣١ظ] حدَّثنى محمدُ بنُّ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمَّى ، قال :
ثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ
أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ، إِيمَانًا﴾. قال: كان إذا نَزَلَت سورةٌ آمَنوا بها، ( فزادهم اللَّهُ)
إيمانًا وتَصْديقًا وكانوا يَسْتَبْشِرون(٦) .
حدَّثنى المُثَنَّى، قال : ثنا إسحاقُ ، قال : ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن
الربيعِ فى قوله: ﴿فَزَادَتْهُمْ إِيمَنًا﴾. قال: خشيةً(٧).
(١) فى ص، ف: ((لعينها)).
(٢) فى ص، ت١، ت٢، س، ف: ((وفرض)).
(٣) فى ص، ت١، ت٢، س، ف: ((زادتهم)).
(٤) سقط من: ص، م، ت١، ت٢ ، س ، ف .
(٥ - ٥) فى س، وتفسير ابن أبى حاتم: ((فزادتهم))، وفى ت١، ت٢، ف: ((فزادهم))، والمثبت موافق لما
فى الدر المنثور .
(٦) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٩١٥/٦ عن محمد بن سعد به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٢٩٣/٣ إلى ابن مردويه .
(٧) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٩١٤/٦ من طريق عبد الله بن أبى جعفر به .

٩٠
سورة التوبة : الآيتان ١٢٦،١٢٥
القولُ فى تأويل قوله: ﴿ وَأَمَّا الَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم مَرَضُ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى
رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَفِرُونَ
٢٥
.
يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿ وَأَمَّا الَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾؛ نِفاقٌ وشَكٌّ فى
دينِ اللَّهِ ، فإن السورةَ التى أُنزِلت زادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهم ، وذلك أنهم شَكِّوا فى
أنها مِن عندِ اللَّهِ ، فلم يُوقِنوا(١) بها ولم يُصَدِّقوا، فكان ذلك زيادةَ شكُّ حادثةً فى
تنزيلِ اللَّهِ ، لَزِمَهم الإيمانُ به " ووجَب عليهم فرضُ العملِ به ، فلم يُصدِّقوا به ، ولم
يوقنوا بوجوبٍ فرضِ الإِيمانِ به عليهم ، بل ازتابوا بذلك، فكان ذلك زيادةَ نَتْنٍ مِن
أفعالِهم إلى ما سَلَفَ منهم مِن ١ نظيرِهِ مِن النَّْنِ والنفاقِ. وذلك معنى قوله:
﴿فَزَادَتُهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾. [٣٠/٣١و] ﴿وَمَاتُواْ﴾ يعنى هؤلاءِ المُنَافِقِين
الذين(٤) هلَكوا، ﴿وَهُمْ كَفِرُونَ﴾ يعنى: وهم كافِرون باللَّهِ وآياتِه.
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿أَوَلَا يَرَوّنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِ كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ
مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ
اختَلَفت القرَأَةُ فى قراءةٍ قولِهِ: ﴿ أَوَلَا يَرَوْنَ ﴾؛ فقَرَأَته عامةُ قرَأَةِ الأمصارِ :
أَوَلَا يَرَوّنَ ﴾ بالياءِ ، بمعنى: أوَلا يَرَى هؤلاء الذين فى قلوبهم مرضُ النفاقِ ؟
وقَرَأْ ذلك حمزةُ: (أوَ لا تَرَوْنَ) بالتاءِ(٥)، بمعنى: أَوَلا تَرَون أنتم(٢) أيُّها
المؤمنون أنهم يُفْتنون ؟
(١) فى ص، م، ت١، ت٢، س، ف: ((يؤمنوا)).
(٢ - ٢) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣ ، س ، ف .
(٣) سقط من : م .
(٤) فى ص، م، ت١، ت٢، س، ف: ((أنهم)).
(٥) القراءة بالياء وهى قراءة نافع وابن كثير وأبى عمرو وابن عامر وعاصم والكسائى. السبعة لابن مجاهد ص ٣٢٠ .
(٦) فى ت١، ت٢، ت ٣، س، ف: ((أنهم)).

٩١
سورة التوبة : الآية ١٢٦
والصوابُ عندَنا مِن القراءةِ فى ذلك الياءُ ، على وجهِ التوبيخ مِن اللَّهِ لهم؛
لإجماع الحجةِ مِن قَرَأَةِ الأمصارِ عليه وصحةٍ معناه .
فتأويلُ الكلام إذن : أَوَلا يَرَى هؤلاء المنافقون أن اللَّهَ يَخْتَبِرُهم فى كلِّ عامٍ مرةً
أو مَرَّتين، بمعنى أنه يَخْتبِرُهم فى بعضِ الأعوامِ مَرَّةُ وفى بعضِها مَرَّتين، ﴿ثُمَّ لَا
يَتُوبُونَ﴾. يقولُ: ثم هم مع البلاءِ الذى يَحِلُّ بهم مِن اللَّهِ ، والاختبارِ الذى
یغْرِضُ لهم ، لا ◌ُنیبون مِن نفاقهم، ولا یتوبون مِن گُفرِهم، ولا هم يَتَذَگّرون بما
يَرَون مِن حُجَج اللّهِ ويُعاينون مِن آياتِه، فيَّعِظوا بها، ولكنهم [٣٠/٣١ظ] مُصِرُّون
علی نفاقهم .
واخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى معنى ((الفتنةِ)) التى ذكَر اللَّهُ فى هذا الموضع أن هؤلاء
الْمُنْافِقِين يُفْتَنون بها؛ فقال بعضُهم: ذلك اختبارُ اللَّهِ إِيَّاهم بالقَخْطِ والشدةِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا ابنُ ثُمَيرٍ، عن ورقاءَ، عن ابنٍ أبى نَجيح، عن
مجاهدٍ: ﴿أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِى كُلِّ عَاءٍ قَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ﴾ .
قال: بالشَّنَةِ والجوع (١).
/ حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو ، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى ، عن ابنٍ أبى ٧٤/١١
نجيح، عن مجاهدٍ فى قول اللَّهِ: ﴿يُفْتَنُونَ﴾. قال: يُتَلَون، ﴿فِ كُلّ
عَامٍ مَّتَةً أَوْ مَرَّتَيْنِ﴾. قال: بالسَّنّةِ والجوعُ.
(١) القراءتان كلتاهما صواب .
(٢) تفسير مجاهد ص ٣٧٨، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٩١٥/٦، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٢٩٣/٣ إلى ابن أبى شيبة وابن المنذر وأبى الشيخ.
٠

٩٢
سورة التوبة : الآية ١٢٦
حدَّثنى المُثَنَّى، قال: حدَّثنا أبو حُذَيفةَ()، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنٍ أبى
نَجيح، عن مجاهدٍ: ﴿ أَوَّلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِ كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ
مَرَّتَيْنِ﴾. قال: يُتَلون بالعذابِ فى كلِّ عامٍ مرةً أو مرتين .
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجْ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن
مجاهدٍ قوله: ﴿يُفْتَنُونَ فِى كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ﴾. قال: بالسَّنةِ
والجوعِ .
وقال آخرون: بل معناه [٣١/٣١و] أنهم يُخْتَبَرون بالغزوِ والجهادِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ
يُفْتَنُونَ. فِ كُلّ عَامٍ مََّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ﴾. قال: يُتَلَون بالغزوِ فى سبيلِ اللَّهِ
فى كلِّ عامٍ مرةً أو مرتين(٢) .
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأَعْلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ ، عن مَعْمَرٍ، عن الحسنِ
(٣)
مثلَه(٣) .
وقال آخرون: بل معناه أنهم يُخْتَبَرون بما يُشِيعُ المشركون مِن الأكاذيبِ على
رسولِ اللَّهِ مِ لّهِ وأصحابِهِ، فيفْتِنون(٤) بذلك الذين فى قلوبهم مرضٌ.
(١ - ١) سقط من : م .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٩١٦/٦ من طريق سعيد بن بشير عن قتادة ، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٢٩٣/٣ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ .
(٣) تفسير عبد الرزاق ٢٩١/١، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٩١٥/٦ من طريق محمد بن
عبد الأعلى به .
(٤) فى ص: ((فيفتتنن))، وفى م، ت١، ت٢، س، ف: ((فيفتتن)).

٩٣
سورة التوبة : الآية ١٢٦
ذكرُ مَن قال ذلك
حدّثنا أحمدُ بنُإسحاق ، قال : ثنا أبو أحمد، قال: ثنا شريك ، عن جابرٍ ، عن
أبى الضُّحَى، عن حُذَيفةً: ﴿ أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُقْتَنُونَ فِى كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ
مَرَّيْنٍ﴾. قال: كُنَّا نسمَعُ فى كلِّ عامٍ كَذِيةً أو كذِبتَين، فيَضِلُّ بها نظامٌ مِن
الناسِ کثیرٌ.
حدّثنا ابنُ و کیع، قال : ثنا أبی ، عن شريك ، عن جابرٍ ، عن أبى الضُّحى ، عن
حُذَّيفةً، قال : كان لهم فى كلِّ عامٍ كَذِيةٌ أو كَذِبِتان(١).
وأَوْلى الأقوالِ فى ذلك بالصحةِ أن يقالَ: إن اللَّهَ تعالى ذكرُه عَجَّبَ عبادَه
المؤمنين [٣١/٣١ظ] مِن هؤلاء المنافقين، ووَبَّخَ المنافقين فى أنفسِهم بقلةٍ تَذَكَّرِهم ،
وشُوءٍ تنبُّهِهمْ لَمَواعظِ اللَّهِ التى يَعِظُهم بها. وجائزٌ أن تكونَ تلك المواعظُ(١)
الشدائدَ التى يُنْزِلُها بهم مِن الجوع والقَخْطِ . وجائزٌ أن تكونَ ما يُرِيهم مِن نُصْرةٍ
رسولِه على أهلِ الكفرِ به، ويَرْزُقُه مِن إظهارِه (٤) كلمتَه على كلمتِهم. وجائزٌ أن
تكون ما یظھئ للمسلمین مِن نفاقهم وخُنث سرائرهم ، برُ کونھم إلى ما يَسْمَعون مِن
أراجيفِ المشركين برسول اللَّهِ مَه وأصحابِهِ. ولا خبرَ يُوجِبُ صحةً بعضٍ ذلك
دونَ بعضٍ مِن الوجهِ الذى يَجِبُ التسليمُ له . فلا قولَ فى ذلك أَوْلى بالصوابِ مِن
التسليمِ لظاهرٍ قولِ اللَّهِ، وهو: أوَلا يَون أنهم يُخْتَرون فى كلِّ عامٍ مَرَّةٌ أو مرّتين،
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٩١٦/٦ من طريق وكيع به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٩٣/٣
إلى ابن المنذر وأبى الشيخ وابن مردويه .
(٢) فى الأصل: ((تثبتهم))، وفى ت١، ت٢، س، ف: ((تنبيههم)).
(٣) فى الأصل: ((الموعظة)).
(٤) فى ص، م، ت١، ت٢، س، ف: ((إظهار)).

٩٤
سورة التوبة : الآيتان ١٢٧،١٢٦
بما (١) يكونُ زاجرًا(٢) لهم، ثم لا يَْزَجِرون ولا يَتَّعِظون؟
٧٥/١١
/ القولُ فى تأويل قوله: ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ
يَرَنَكُمْ مِّنْ أَحَدٍ ثُمَّ أَنصَرَفُوْ صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُم بِأَّهُمْ قَوْمٌ لَّا
يَفْقَهُونَ
١٢٧
يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿ وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ ﴾ مِن القرآنِ ، فيها عَيْبُ هؤلاء
المُنَافِقِين الذين وَصَفَ جلّ ثناؤه صِفتَهم فى هذه السورةِ، وهم عندَ [٣٢/٣١و]
رسولِ اللَّهِ مَ ◌ّهِ، ﴿نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ فَتَنَاظَروا: ﴿هَلْ يَرَنَكُمْ مِّنْ
أَحَدٍ﴾ إِن تَكَلَّمْتم أو تَنَاجَيْتم بمَعايبِ القومِ يُخْبِرُهم به . ثم قاموا فانْصَرَفوا مِن عند
رسولِ اللَّهِ مَّه، ولم يَشْتَمِعوا قراءتَهُ ) السورةَ التى فيها مَعايئهم.
ثم ابْتَدَأْ جلّ ثناؤُه قولَه: ﴿صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾. فقال: صَرَفَ اللَّهُ عن
الخيرِ والتوفيقِ والإيمانِ باللَّهِ ورسولِه قلوبَ هؤلاء المنافقين، ذلك ﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا
يَفْقَهُونَ﴾. يقولُ: فَعَلَ اللَّهُ بهم هذا الخِذْلانَ، وصَرَفَ قلوبَهم عن الخيراتِ ؛ مِن
أجلٍ أنهم قومٌ لا يَفْقَهون عن اللَّهِ مَواعظَه، اسْتكبارًا ونِفاقًا .
واختَلَف أهلُ العربيةِ فى الجالبِ حرفَ الاستفهامِ ؛ فقال بعضُ نحويِّى البصرةِ :
قال: ﴿نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَدُكُم مِّنْ أَحَدٍ﴾. كأنه قال: قال
بعضُهم لبعضٍ؛ لأَن نَظَرَهم فى هذا المكانِ كان إيماءٌ (أو شبيهًا) به، واللهُ أعلمُ .
(١) فى الأصل: ((ما)).
(٢) فى الأصل: ((زجرأ)).
(٣) فى الأصل: (( يختبرهم)) .
(٤) فى ص، م، ت١، ت٢، س، ف: ((قراءة)).
(٥ - ٥) فى ص، س، ف: ((وشبيها))، وفى م، ت١، ت٢: ((وتنبيها)).

٩٥
سورة التوبة : الآية ١٢٧
وقال بعضُ نحوِّى الكوفةِ: إنما هو: وإذا ما أُنزِلت سورةٌ ، قال بعضُهم
لبعضٍ: ﴿هَلْ يَرَدَكُم مِّنْ أَحَدٍ﴾ ؟
وقال آخرُ منهم : هذا النظرُ ليس معناه القولَ، ولكنه النظرُ الذى يَجْلِبُ
الاستفهامَ(١) ، كقولِ العربِ: تَناظَروا أيُّهم أعلمُ. و: اجْتَمَعوا أَيُّهم أَفْقَهُ. أى:
اجْتَمَعوا ليَنْظُروا. فهذا الذى يَجْلِبُ الاستفهامَ .
[٣٢/٣١ظ] حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا أبى، عن شُعْبةَ، عن أبى حمزةَ، عن
ابنِ عباسٍ، قال: لا تقولوا: انصَرَفْنا مِن الصلاةِ. فإن قومًا انصَرَفَوا فصَرَفَ اللَّهُ
قلوبَهم، ولكن قولوا : قد قَضَيْنا الصلاةَ .
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ ، عن أبى إسحاقَ، عن عُمَيرٍ
ابنِ "قميم التغلبىّ"، عن ابنِ عباس، قال: لا تقولوا: انصَرَفْنا مِن الصلاةِ. فإن
قومًا انصَرَفوا، فَصَرَفَ اللَّهُ قلوبَهم (١).
حدَّثنا ابنُ وكبعٍ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن أبى الضُّحَى، عن
ابنِ عباسٍ، قال: لا تَقولوا: انصَرَفْنا مِن الصلاةِ. فإن قومًا انصَرَفوا فصَرَفَ اللَّهُ
قلوبَهم ، ولكن قولوا : قد قَضَينا الصلاةَ(٤) .
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال: ثنى أبى ، قال: ثنى عمى، قال : ثنى أبى ، عن
(١) فى ص، ت١، ت٢، س، ف: ((بالاستفهام)).
(٢ - ٢) فى ص، ت١، ت٢، س: ((تميم التغلبى))، وفى م، ف: ((تميم الثعلبى)). وهو عمير بن قميم -
وقيل : تميم - التغلبى. ينظر التاريخ الكبير ٥٣٦/٦، والجرح والتعديل ٣٧٨/٦.
(٣) أخرجه البخارى فى تاريخه ٥٣٧/٦ من طريق سفيان به، وابن أبى شيبة ٢ /٣٨٢ من طريق أبى إسحاق
به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٩٣/٣ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ .
(٤) أخرجه سعيد بن منصور فى سننه (١٠٥٢ - تفسير)، وابن أبى حاتم فى تفسيره ١٩١٧/٦ من طريق أبى
معاوية به .

٩٦
سورة التوبة : الآيتان ١٢٨،١٢٧
أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿ وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ الآية .
قال : هم المنافقون (١) .
وكان ابنُ زيدٍ يقولُ فى ذلك ما حدَّثنی یونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وَهْبٍ ، قال :
قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ
يَرَدُكُم مِّنْ أَحَدٍ﴾: "ممن سَمِعَ" خبرَكم، رَآكم أحدٌ أخبَرَه؟ إذا نَزَلَ شىءٌ
يُخبِرُ عن كلامِهم. قال: وهم المنافقون. قال: وقَرَأْ: ﴿وَإِذَا مَا(٣) [٣٣/٣١ق] أُنْزِلَتْ
سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِءٍ إِيمَنَا﴾: حتى بَلَغَ:
﴿نَظَرَ / بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَدُكُمْ مِّنْ أَحَدٍ﴾ أخبره بهذا؟ أكان
معكم أحدٌ؟ سَمِعَ كلامَكم أحدٌ يُخْبِرُه بهذا(4) ؟
٧٦/١١
حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا شعبةُ، قال: ثنا أبو إسحاقَ
الهَمْدانىُ، عمَّن حدَّثه، عن ابنِ عباسٍ، قال: لا تَقُل: انصَرَفْنا مِن الصلاةِ. فإن
اللَّهَ عزّ وجلّ عَيَّرَ قومًا فقال: ﴿أَنصَرَفُواْ صَرَفَ اَللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ ولكن قلْ: قد
صَلَّئْنا.
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿لَقَدْ جَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ
مَا عَنِتُمْ حَرِيصُ عَلَيْكُمْ بِلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ
١٢٨)
يقولُ تعالى ذكرُه للعربِ: لقد جاءَكم أيّها القومُ رسولُ اللَّهِ إليكم، ﴿مِّنْ
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٩١٦/٦ عن محمد بن سعد به .
(٢ - ٢) فى الأصل، ص، ت١، ت٢، س، ف: ((من يسمع).
(٣) سقط من: ص، ت١، ت٢، س.
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٩١٦/٦ من طريق أصبغ ، عن ابن زيد به ، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٢٩٣/٣ إلى أبى الشيخ .

٩٧
سورة التوبة : الآية ١٢٨
أَنْفُسِكُمْ﴾ ، تَعْرِفونه، لا مِن غيرِ كم فتَتَّهِمُوه على أنفسكم فى النصيحةِ لكم،
﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنْتُمْ﴾. أى: عزيزٌ عليه عَنَتُكم، وهو دخولُ المَشَقَّةِ عليهم
والمكروهِ والأذى، ﴿حَرِيصُ عَلَيْكُمْ﴾. يقولُ: حريصٌ على هُدَى
ضُلَّالِكم وتويتِهم ورجوعِهم إلى الحقِّ، ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾. أى :
رفيقٌ رَحِيمٌ .
وبنحوِ الذى قُلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
[٣٣/٣١ظ] ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال : ثنا ابنُ عُبينةً، عن جعفرِ بنِ محمدٍ ، عن أبيه فى قولِه :
﴿لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُوكُ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُمْ﴾. قال: لم
يُصِبْه شىءٌ من شِرْكِ فى ولادتِه(١) .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال : أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا ابنُ عُيينةً ، عن
جعفرِ بنِ محمدٍ فى قولِهِ: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُوكُ مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾ . قال : لم
يُصِبْه شىءٌ مِن ولادةِ الجاهليةِ. قال: وقال النبيُّ عَِّ: ((إِنِّى خَرَجْتُ مِن نكاح ولم
أخرُجْ مِن سِفاحٍ))(٣).
حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ ، قال : ثنا عبدُ الرزاقِ ، عن ابنِ عُيَينةً، عن
جعفر بن محمدٍ ، عن أبيه نحوه .
حدَّثْنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٩١٧/٦، والبيهقى ١٩٠/٧ من طريق سفيان به . بلفظ الأثر بعده ،
وفيهما الزيادة المرفوعة أيضا .
(٢) تفسير عبد الرزاق ٢٩١/١. ينظر طرق المرفوع وتخريجها فى البداية والنهاية ٣٦٢/٣ - ٣٦٤.
( تفسير الطبرى ٧/١٢ )

٩٨
سورة التوبة : الآية ١٢٨
رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾. قال: جَعَلَه اللَّهُ مِن أنفسِهم، فلا يَحْسُدُونه على ما
أعطاه اللَّهُ مِن النبوةِ والكرامةِ(١).
وأما قولُه: ﴿عَزِيزُ عَلَيْهِ مَا عَنِثُمْ﴾. فإن أهلَ التأويلِ اخْتَلَفوا فى تأويله .
فقال بعضُهم : معناه : ما ضَلَّلْتُم .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثناطَلْقُ بنُ غَنَّامٍ، قال: ثنا الحَكَمُ [٣٤/٣١ ] بنُ ظُهَيرِ ،
عن السُّدِّىِّ، عن ابنِ عباسٍ فى قوله: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِثُمْ﴾: ما ضَلَلْتُمْ (٢).
/ وقال آخرون: بل معنى ذلك: عزيزٌ عليه عَنَتُ مؤمنِكم(٢).
٧٧/١١
ذکرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا
عَنِثُمْ﴾: عزيزٌ عليه عَنَتُ مؤمنِهم (٤).
وأَوْلى القولَين فى ذلك بالصوابِ قولُ ابنِ عباسٍ، وذلك أن اللَّهَ عزَّ وجلَّ عَمّ
بالخبرِ عن نبيِّ اللَّهِ أنه عزيزٌ عليه ما عنَت قومَه، ولم يَخْصُصْ أهلَ الإيمانِ به ، فكان
عَ لَه كما وَصَفَه اللّهُ به عزيزًا عليه عَنَتُ جميعهم .
فإن قال قائلٌ: وكيف يجوزُ أن يُوصَفَ عَ الِهِ بأنه كان عزيزًا عليه عَنَتُ
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٩١٧/٦ من طريق يزيد به .
(٢) ذكره البغوى ١١٦/٤ فى تفسيره .
(٣) فى الأصل: ((مؤمنيكم)).
(٤) فى الأصل: (( مؤمنيكم)). والأثر أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٩١٨/٦ من طريق يزيد به .

٩٩
سورة التوبة : الآيتان ١٢٨، ١٢٩
جميعِهم، وهو يقتُلُ كفارَهم، ويَسْبِى ذَراريَّهم ، ويَسْلُبُهم أموالَهم؟
قيل: إن إسلامَهم لو كانوا أسْلَمُوا، كان أحبَّ إليه مِن إقامتِهم على كفرهم
وتَكذبيهم إياه ، حتى يَشْتَحِقوا ذلك مِن اللَّهِ . وإنما وصَفه اللَّهُ جلّ ثناؤُه بأنه عزيزٌ
عليه عَنَتُهم ؛ لأنه كان عزيزًا عليه أن يأتوا ما يُعْنِتُهم، وذلك أن يَضِلُّوا فِيَشْتوجِبوا
العَنَتَ مِن اللَّهِ بالقتلِ والسّباءِ ().
وأما ﴿مَا ﴾(١) التى فى قوله: ﴿مَا عَنِتُمْ﴾. فإنه رفْعٌ بقوله: ﴿ عَزِيزُ
عَلَيَّهِ﴾. لأن معنى الكلام ما ذكرتُ: عزيزٌ عليه عَنَتُكم .
وأما قولُه: ﴿ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾. فإن معناه ما قد بَيَّنْتُ ، وهو قولُ أهلِ
التأويل .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿حَرِيصُ
عَلَيْكُمْ﴾: حريصٌ على ضالِّهم أن يَهْدِيَه اللَّهُ(٣) .
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعْلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ ، عن مَعْمَرٍ ، عن قتادةً فى
قوله: ﴿حَرِيصُ عَلَيْكُمْ﴾. قال: حريصٌ على مَن لم يُسْلِمْ أن يُسْلِمَ (٤).
القولُ فى تأويلٍ قولِهِ: ﴿ فَإِن تَوَلَّوْ فَقُلْ حَسْبِىَ اللَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ عَلَيَّهِ
تَوَكَّلْتٌ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ
(١) فى م: ((السبى)).
(٢) سقط من : الأصل .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٩١٨/٦ من طريق يزيد به .
(٤) تفسير عبد الرزاق ٢٩١/١.

١٠٠
سورة التوبة : الآية ١٢٩
يقولُ تعالى ذكرُه : فإن تَوَلَّى يا محمدُ هؤلاء الذين جِئْتَهم بالحقِّ مِن عندِ ربِّك
مِن قومِك، فَأَذْبَروا عنك، ولم يَقْبَلوا ما أتيتَهم به مِن النصيحةِ فى (١) اللَّهِ، وما
دعوتَهم إليه مِن النورِ والهُدَى. ﴿فَقُلْ حَسْبِىَ اللَّهُ﴾: يَكْفِينِى رِّى، ﴿لَآَ إِلَهَ
إِلَّا هُوَ﴾ لا معبودَ [٣٥/٣١و] سِواه، ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتٌ﴾، وبه وَثقتُ ، وعلى
عونِهِ اتَّكَلتُ ، وإليه وإلى نصرِهِ اسْتَنَدْتُ ، فإنه ناصِرى ومُعِينى على مَن خالَفَنى،
وتَوَلَّى عنى منكم ومِن غيرِكم مِن الناسِ، ﴿ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ﴾ الذى
يَمْلِكُ كلَّ ما دونَه، والمُوكُ كلُّهم تَماليكُه وعبيدُه.
وإنما عَنَى بوصفِه جلّ ثناؤُه نفسَه بأنه ربُّ العرشِ العظيم، الخبرَ عن جميعٍ ما
دونَه أنهم عبيدُه، وفى مُلْكِه وسُلطانِه؛ لأن العرشَ / العظيمَ إنما كان(١) يكونُ
٧٨/١١ للملوكِ، فوصَف نفسَه بأنه ذو العرشِ العظيم(١) دونَ سائرٍ خلقِه، وأنه المَلِكُ العظيمُ
دونَ غيرِهِ، وأن مَن دونَه فى سلطانِهِ ومُلْكِه، جارٍ عليهم(١) حكمُه وقضاؤه .
حدَّثنی المُثَنَّی، قال: ثنا أبو صالح، قال : ثنی معاويةُ، عن علىٍّ ، عن ابنِ
عباسٍ قولَه: ﴿ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِىَ اللهُ﴾: يعنى الكفارَ، تَوَلَّوا عن رسولِ اللَّهِ
عَّله ، وهذه فى المؤمنين(٤).
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا ابنُ عُيَينةَ، عن عمرٍو، عن عُبَيدِ بنِ عُمَيرٍ ، قال :
كان عمرُ رحمةُ اللَّهِ عليه لا يُثْبِتُ آيَةٌ فى المصحفِ حتى يَشْهَدَ رجلان ، فجاء رجلٌ
مِن الأنصارِ بهاتين الآيتين: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ [٣٥/٣١ظ] رَسُوكُ مِنْ أَنفُسِكُمْ
(١) بعده فى ت١، ت٢، س: ((دين)).
(٢) سقط من: ص ، ت١، ت٢ ، س ، ف .
(٣) فى ص، ت١، ت٢، س، ف: ((عليه)).
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٩١٩/٦ من طريق أبى صالح به .