النص المفهرس
صفحات 41-60
٤١
سورة التوبة : الآية ١١٤
المؤمنُ(١)، بالحبشيةِ(٢).
وقال آخرون: هو المُسَبِّحُ الكثيرُ الذكرِ للَّهِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى المُثُنَّى، قال: ثنا الحِمَّانُ، قال: ثنا شَرِيكٌ، عن سالم، عن سعيدٍ ،
قال : الأوَّاهُ المُسبْعُ(٣).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا المحاربىُّ، عن حَجَّاجٍ، عن الحَكَمِ، عن الحسنِ بنِ
مسلم بنِ يَنَّاقٍ ، أن رجلاً كان يُكْثِرُ ذكرَ اللَّهِ ويُسَبِّحُ، فذُكِر ذلك للنبيّ عَ لَه فقال:
((إِنَّه أوَّاةٌ))(٤) .
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا "زِيدُ بنُ حبابٍْ)، عن ابنٍ لَهِيعةَ، عن الحارثِ بنِ
يزيدَ، عن علىٍّ بنِ رباحٍ، عن عقبةً بنٍ عامٍ، قال: الأوَّاهُ الكثيرُ الذكرِ للَّهِ().
وقال آخرون : هو الذى يُكْثِرُ تلاوةَ القرآنِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا ابنُ يَمَانٍ ، قال : ثنا المِنْهالُ بنُ خليفةَ ، عن حَجَّاجِ بنِ
أرطاةَ، عن عطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ ، أن النبىَّ عَ لَِّ دَفَنَ مَيّنًا فقال: ((يَرْحَمُك اللَّهُ، إن
(١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف .
(٢) فى م: ((بالحبشة)). والأثر ذكره ابن كثير فى تفسيره ١٦٢/٤ عن ابن جريج.
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٨٥/٣ إلى المصنف وابن المنذر.
(٤) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١٦٣/٤ عن المصنف .
(٥ - ٥) فى م: ((يزيد بن حيان))، وفى ف: ((يزيد بن حباب)). وينظر تهذيب الكمال ٤٠/١٠.
(٦) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٨٦/٣ إلى المصنف وأبى الشيخ.
٤٢
سورة التوبة : الآية ١١٤
كنتَ لأوَّاهَا)). يعنى تَلَّاءٌ للقرآنِ(١).
وقال آخرون : هو مِن التأؤُهِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ المُنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ ، عن أبى يونسَ
القُشَيرىِّ، عن قاصٌ(١) كان بمكةَ، أن رجلًا كان فى الطوافِ فجَعَل يقولُ: أوَّة.
قال: فَشَكاه أبو ذَرَّ ("إلى النبيّ(٣) عَِّ فقال: «دَعْهُ، إِنَّه أوَّةٌ)).
حدّثنا أبو گُرَیپٍ، قال : ثنا و کیٹٌ، وحدّثنا ابنُ و کیع، قال : ثنا أبى، عن
٥١/١١ شُعبةَ، عن أبى يونسَ / الباهليّ، قال: سمِعتُ رجلًا بمكةً كان أصلُه روميًّا ، يُحدِّثُ
عن أبى ذرٍّ، قال: كان رجلٌ يطوفُ بالبيتٍ ويقولُ فى دُعائِه : أَوَّنْ أَوَّة. فذُكِر ذلك
للنبىِّ عَ لِّ فقال: ((إنَّه أوَّاةٌ)). زادَ أبو كُرَيبٍ فى حديثِه قال: فخَرَجتُ ذاتَ ليلةٍ ،
فإذا رسولُ اللَّهِ عَ لَّهِ يَدْفِنُ ذلك الرجلَ ليلً ومعه المصباحُ(٤) .
حدّثنا ابنُ وكيع، قال : ثنازيدُ بنُ الحُبَابِ ، عن جعفرِ بنِ سليمانَ ، قال : ثنا أبو
عِمْرانَ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ رباحٍ، عن كعبٍ ، قال: الأوَّاهُ إذا ذَكَر النارَ قال: أَوَّة (٥).
(١) فى ف، ت ١، ت ٢: ((القرآن)). والأثر ذكره ابن كثيرفى تفسيره ١٦٣/٤ عن المصنف، وعزاه
السیوطی فی الدر المنثور ٢٨٥/٣ إلى ابن مردويه.
(٢) فى ت ١، ت ٢، ف: (( قاضى )).
(٣ - ٣) فى م: ((للنبى)).
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٨٩٥/٦ من طريق وكيع به ، وذكره ابن كثير فى تفسيره ١٦٣/٤ عن
شعبة به ، وقال عقبه: ((هذا حديث غريب، رواه ابن جرير ومشاه))، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٨٥/٣
إلى ابن مردويه .
(٥) أخرجه البيهقى فى الشعب (٩١٦) من طريق زيد بن الحباب به نحوه، وأخرجه أحمد فى الزهد ص٧٨
من طريق جعفر به نحوه، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٨٥/٣ إلى ابن المنذر وابن أبى حاتم وأبى الشيخ.
٤٣
سورة التوبة : الآية ١١٤
حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ بنُ عبدِ الصمدِ العَمِّئُّ (١) ، عن أبى
عِمْران الجَوْنيّ، عن عبدِ اللهِ بنِ رباح، عن كعبٍ، قال: كان إذا ذَكَرَ النارَ قال: أَوَّة.
حدَّثنا الحسنُ، قال: [٩٨٠/١ ظ] أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، عن جعفرِ بنِ سليمانَ،
قال : أخبرنا أبو عِمْرانَ، قال: سمِعتُ عبدَ اللهِ بنَ رباح الأنصارىَّ يقولُ: سمِعتُ
كعبًا يقولُ: ﴿إِنَّ إِبْزَهِيمَ لَأَوَّهُ﴾. قال: إذا ذَكَر النارَ قال: أوَّوْ مِن النارِ.
وقال آخرون : معناه أنه فَقِيةٌ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ مُجُرَيجٍ، عن
مجاهدٍ : ﴿إِنَّ إِبْرَهِيمَ لَأَوَّهُ﴾ . قال: فَقِيةٌ .
وقال آخرون: هو المُضَرّعُ الخاشعُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى المُتَّى، قال: ثنا الحَجّاجُ بنُ المِنْهالِ، قال: ثنا عبدُ الحميدِ بنُّ بَهْرامَ،
قال : ثنا شهرُ بنُ حوشبٍ ، عن عبدِ اللهِ بنِ شَدَّادِ بنِ الهادِ، قال: بينما رسولُ اللَّهِ
عَ لِ جالسٌ، قال رجلٌ: يا رسولَ اللَّهِ، ما الأوَّاهُ؟ قال: ((المتُضَرِّعُ)). قالَ: ((﴿إِنَّ
إِبْرَهِيمَ لَأَوَّهُ حَلٌِ﴾))(١).
حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَغْراءَ، عن
(١) فى النسخ: ((عن))، وهو خطأ، وينظر تهذيب الكمال ١٦٥/١٨.
(٢) فى م: ((القمى)).
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦/ ١٨٩٥، ١٨٩٦ من طريق عبد الحميد به، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٢٨٥/٣ إلى أبى الشيخ وابن مردويه.
٤٤
سورة التوبة : الآية ١١٤
عبد الحميدِ، عن شهرٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ شدادٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ مَ اتٍ: ((الأَوَّاهُ
الخاشعُ المُتُضَرِّعُ)) .
وأَوْلى الأقوالِ فى ذلك عندى بالصوابِ القولُ الذى قاله عبدُ اللَّهِ بنُ مسعودٍ ،
الذى رواه عنه زِرٌّ، أنه الدَّعَاءُ.
وإنما قُلنا ذلك أَولى بالصوابِ؛ لأن اللَّهَ ذَكَرَ ذلك ووَصَف به إبراهيمَ خلیلَه،
صلواتُ اللهِ عليه، بعدَ وَصْفِه إِيَّه بالدُّعاءِ والاستغفارِ لأبيه، فقال: ﴿ وَمَا كَانَ
اسْتِغْفَارُ إِبْرَهِيمَ لِأَبِهِ إِلَّا عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَبَّنَ لَهُ: أَنَهُ, عَدُوٌ لِلَّهِ
تَبَرََّ مِنْهُ﴾ وتَرَكَ الدعاء والاستغفارَ له، ثم قال: إن إبراهيمَ لدعَّاء لربّه (١) ، شاكٍ له،
حليمٌ عَمَّن سَبَّه ونالَه بالمكروهِ . وذلك أنه ، صلواتُ اللَّهِ عليه، وَعَدَ أباه بالاستغفارِ له
ودعاءِ اللَّهِ له بالمغفرةِ عندَ وعيدِ أبيه إياه وتَهدُّدِه له بالشتم بعدَما رَدَّ علیه نصيحته فی
اللَّهِ وقولِه: ﴿ أَرَغِبُ أَنْتَ عَنْ ءَالِهَتِى يَِّزَهِيمٌ لَإِنِ لَّمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكٌ وَأَهْجُرْنِ
مَلِيًّا﴾. فقال له صلواتُ اللَّهِ عليه: ﴿سَلَمُ عَلَيَّكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِيِّ إِنَّهُ كَانَ
وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا / تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُواْ رَبِّى عَسَىّ أَلََّ أَكُونَ
بِدُعَاءِ رَبِ شَفِيًّا﴾ [مريم: ٤٦- ٤٨] فوَفَی لأبيه بالاستغفار له حتى تَبَّنَ له أنه عدوٌ
للَّهِ ، فَوَصَفَه اللَّهُ بأنه دَعَاءٌ لربِّه، حليم عمَّن سَفِهَ عليه .
٥٢/١١ فِى حَفِيًّا
وأصلُهُ مِن التأؤُّهِ؛ وهو التَّضَرُُّ والمسألةُ بالحُزْنِ والإشفاقِ، كما رَوَى عبدُ اللَّهِ
ابنُ شَدَّادٍ عن النبيِّ ◌َّهِ، وكما رَوَى عقبةُ بنُ عامرِ الخبرَ الذى حدَّثَنِه يَحيى بنُ
عثمانَ بنِ صالحِ السَّهْمِىُّ ، قال : ثنا أبى ، قال: ثنا ابنُ لَهِيعةَ، قال : ثنى الحرثُ بنُ
يزيدَ ، عن علىِّ بنِ رباحٍ، عن عقبةً بنٍ عامٍ ، أنه قال لرجلٍ يقالُ له: ذو البِجادَيْنِ:
(١) فى م: ((ربه)).
٤٥
سورة التوبة : الآية ١١٤
((إنه أوَّاةٌ)). وذلك أنه رجلٌ كان يكثِرُ ذكرَ اللَّهِ بالقرآنِ والدعاءِ، ويرفَعُ صوتَهُ (١).
ولذلك قيل للمُتوجّعٍ مِن أَلَمٍ أو مرضٍ: لمَ (٢) تَتَأَوَّةُ. كما قال المُثَقَّبُ
العَبْدِىُّ(٣) :
تَأْوَّهُ آهَةَ الرَّجُلِ الحَرَينِ
إذا ما قُمْتُ أَرْحَلُها بِلَيْلٍ
ومنه قولُ الجَغَدِىِّ(٤) :
ضَرُوحِ مَرُوحِ تُتْبِعُ الوُرْقَ بَعْدَما يُعَرِّسْنَ شكوى(٥) آهَةً وَتَذَهُرًا(٦)
ولا تكادُ العربُ تَنْطِقُ منه بـ ((فَعَل يَفْعُلُ))، وإنما تقولُ فيه: تَفَعَّل يَتَفعَّلُ.
مثلَ : تأوَّه يَتَأْوَّهُ ، وأَوَّه يُؤَوِّهُ .
كما قال الراجز :
(٧) = ٥ ٪
* فَأَّهَ الرَّاعِى وَضَوْضَى(١) أْلُبُهْ )*
وقالوا أيضًا: أَوَّه منك. ذَكَر الفراءُ(٨) أن أبا الجَّحِ أَنشَدَه :
ومِن بُعْدِ أرضٍ بَيْتَنا وسَماءِ
فاَوّه مِن الذِّكْرَى إِذا ما ذَكَوْتُها
(١) أخرجه أحمد ٦٥٥/٢٨ (١٧٤٥٣)، وابن عبد الحكم فى فتوح مصر ص ٢٩١، والرويانى (٢١٠)
والطبرانى ٢٩٥/١٧ (٨١٣)، والبيهقى فى الشعب (٥٨٠) من طريق ابن لهيعة به، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٢٨٥/٣ إلى ابن مردويه .
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((كما)).
(٣) ديوانه ص ١٩٤.
(٤) شعر النابغة الجعدى ص ٣٩، وجمهرة أشعار العرب ٢/ ٧٧٦، والمعانى الكبير ٣١٥/١.
(٥) فى م: (( تشكو)).
(٦) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((تنمرا)) غير منقوطة.
(٧) أى: صاحت وجلبت. الوسيط (ض وض).
(٨) معانى القرآن ٢٣/٢، وينظر لسان العرب (أ و هـ).
٤٦
سورة التوبة : الآيتان ١١٥،١١٤
قال: وربما أنشَدنا: ((فَأُوِّ مِن الذِّكْرَى)) بغيرِ هاءٍ.
ولو جاء ((فعَل)) منه على الأصلِ لكان: آه يُوهُ أوْهًا .
ولأن معنى ذلك تَوجَّعَ وَزَّنَ وَتَضوَّعَ، اختَلَف أهلُ التأويلِ فيه الاختلافَ
الذى ذكرتُ ؛ فقال مَن (١) قال معناه الرحمةُ: إِنَّ ذلك كان مِن إبراهيمَ على وجهٍ
الرِّقَّةِ على أبيه، والرحمةٍ له ولغيره من الناسِ.
/ وقال آخرون: إنما كان ذلك منه لصحةٍ يَقينِهِ ، وحسن معرفتِه بعظمةِ اللَّهِ،
وتواضعِه له .
٥٣/١١
وقال آخرون : كان لصحة إيمانِه بربِّه .
وقال آخرون : كان ذلك منه عندَ تلاوتِه تنزيلَ اللَّهِ الذى أنزله عليه .
وقال آخرون: كان ذلك منه عندَ ذکرٍ (١) [٩٨١/١ر] ربِّه .
وكلُّ ذلك عائدٌ إِلى ما قلتُ ، وتَقارَبَ معنى بعضٍ ذلك مِن بعضٍ؛ لأن الحزينَ
المتُضَرَّعَ إلى ربِّه ، الخاشعَ له بقلبِهِ ، يَنوبُه ذلك عند مسألتِه ربَّه ودعائِهِ إِيَّاه فى
حاجتِه، وتَعْتَوِرُه هذه الخِلالُ التى وَجَّهَ المفسّرون إليها تأويلَ قولِ اللَّهِ: ﴿إِنَّ
إِبْرَهِيمَ لَأَوَّهُ حَلِيمٌ﴾ .
القولُ فى تأويل قوله: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَنهُمْ حَتَّى
(١١٥)
يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيةُ
يقولُ تعالى ذكرُه: وما كان اللَّهُ ليَقْضِىَ عليكم فى استغفارِكم لمؤْتاكم
(١) فى م: ((ما)).
(٢) فى ت ١، ف: ((ذكره)).
٤٧
سورة التوبة : الآية ١١٥
المشركين - بالضلال ، بعدَ إذ رَزَقَكم الهِدايةَ ، وَوَفْقكم للإيمانِ به وبرسوله ، حتی
يَتَقَدَّمَ إليكم بالنَّهْىِ عنه، فتركوا الانتهاءَ عنه. فأما قبلَ أن يُبَيِّنَ لكم كراهيةَ ذلك
بالنھی عنه ، ثم تتَعدَّوْا نهیه إلى ما نَها کم عنه ، فإنه لا يَحگُمُ علیکم بالضلالِ ؛ لأن
الطاعةَ والمعصيةَ إنما يكونان مِن المأمورِ والمَتَّهِىِّ، فأما مَن لم يُؤْمَرْ ولم يُنَّهَ ، فغيرُ كائنٍ
مُطِيعًا أو عاصيًّا، فيما لم يُؤْمَرْ به ولم يُنْهَ عنه. ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ ﴾. يقولُ
تعالى ذكرُه : إن اللَّهَ ذو علمٍ بما خالَطَ أنفسَكم عندَ نَهْي اللَّهِ إياكم عن الاستغفارِ
لمَّوْتاكم المشركين، مِن الجَزَّع على ما سَلَفَ منكم مِن الاستغفارِ لهم قبلَ تَقَّدُّمِه إليكم
بالنهي عنه، وبغيرِ ذلك مِن سَرائرِ أمورٍ كم وأمورِ عبادِه وظَواهرِها، فبَيَّنَ لكم
حِلْمَه(١) فى ذلك عليكم؛ ليَضَعَ عنكم ثِقَلَ الوَجْدِ بذلك .
وبنحوِ ما قُلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدّثنی محمدُ بنُ عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عیسی ، عن ابن أبى
نَجيح، عن مجاهدٍ: ﴿لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا
يَتَّقُونَ﴾. قال: بيانُ اللَّهِ للمؤمنين فى الاستغفار للمشركين خاصةً ، وفی بیانِه
طاعتَه ومعصيتَه عامةٌ(١)، ( فافْعَلوا أو ذَرُوا" .
حدَّثنى المُثَنِى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال : ثنا شِئْلٌ، عن ابنٍ أبى تَجيحٍ، عن
(١) فى ت١، ت٢، ف: ((حكمه)).
(٢) سقط من : م .
(٣ - ٣) ليست هذه الجملة فى تفسير مجاهد - كما سيأتي تخريجه من حديث ورقاء - وفى تفسير ابن أبى
حاتم - ورواه من طريق مجاهد - والدر المنثور: ((ما فعلوا أو تركوا)). وينظر تفسير البغوى ١٠٣/٤، وتفسير
ابن كثير ١٦٤/٤.
٤٨
سورة التوبة : الآيتان ١١٦،١١٥
مجاهدٍ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَنهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا
يَتَّقُونَ﴾. قال: بيانُ اللَّهِ للمؤمنين (أن لا يَسْتَغْفِروا) للمشركين خاصةً، وفى
بيانِه(١) طاعتُه ومعصيتُه عامةٌ، فَافْعَلوا أو ذَرُوا .
قال : ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن ورقاءَ، عن ابنٍ أبى نجيحٍ، عن
مجاهدٍ ، نحوه (١) .
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجْ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن
٥ مجاهدٍ، قولَه: ﴿وَمَا كَانَ / اللّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَنهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم
٥٤/١١
مَّا يَتَّقُونَ﴾. قال: يُبَيِّنُ اللَّهُ للمؤمنين فى أن لا يَشْتَغْفروا للمشر کین ، فی بیانِه(٢)
فى طاعتِه وفى معصيتِه، فافعلوا أو ذَرُوا .
القولُ فى تأويل قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ يُحِ، وَيُمِيتُ وَمَا
لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ
يقولُ تعالى ذكره: إِن اللَّهَ، أيُّها الناسُ، له سلطانُ السماواتِ والأرضِ
ومُلْكُهما ، وكلُّ مَن دونَه مِن الملوكِ فعبيده وممالیگُه ، بيدِه حیاتُهم وموتُهم، يُخْبِى
مَن يشاءُ منهم، ويُمِيتُ مَن يشاءُ منهم، فلا تَجْزَعوا، أيُّها المؤمنون ، مِن قتالٍ مَن
كَفَر بى مِن الملوكِ؛ ملوكَ الرومِ كانوا أو ملوكَ فارسَ والحبشةِ أو غيرَهم ،
وجاهِدُوهم فى طاعتى، فإنىَ الُعِزُّ مَن أشاءُ منهم ومنكم، والمُذِلُّ مَن أشاءُ.
(١ - ١) بعده ت١، ت٢: ((فى الاستغفار)). وفى ف: ((فى ألا يستغفروا)).
(٢) بعده فى ص: ((فى)).
(٣) تفسير مجاهد ص٣٧٧، ومن طريقه أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٨٩٧/٦، وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ٢٨٦/٣ إلى ابن أبى شيبة وابن المنذر.
(٤) فى ت١، ت٢: ((شأنه)).
(٥) بعده فى م: ((واغزوهم)).
٤٩
سورة التوبة : الآيتان ١١٧،١١٦
وهذا حَضٍّ مِن اللَّهِ، جلّ ثناؤُه، المؤمنين على قتالِ كلِّ مَن كفَر به مِن
المماليكِ، وإغْراءٌ منه لهم بحَرْبِهم .
وقولُه: ﴿وَمَا لَكُمْ مِّنِ دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾. يقولُ: وما لكم
مِن أحدٍ هو لكم خَليفٌ مِن دونِ اللَّهِ ، يُظاهِرُ كم عليه، إن أنتم خالَفْتُم أمرَ اللَّهِ
فَعاقَبَكم على خلافِكم أمرَه؛ يَسْتَنْقِذُ كم مِن عقابِهِ، ولا نصيرٍ يَنْصُرُكم منه، إن أرادَ
بكم(١) سُوءًا. يقولُ: فباللّهِ فثِقُوا، وإيَّه فارْهَبوا، وجاهِدوا فى سبيلِه مَن كفَر به،
فإنه قد اشْتَرَى منكم أنفسكم وأموالكم بأن لكم الجنةَ ، تُقاتِلون فى سبيلِه فتَقْتُلون
وتُقْتَلون .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿لَقَدِ تَابَ اللّهُ عَلَى النَّبِيّ وَالْمُهَجِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ
أَتَّبَعُوهُ فِى سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ
(١١٧
عَلَيْهِمَّ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ
يقولُ تعالى ذكرُه: لقد رزَق اللَّهُ الإنابةَ إلى أمرِه وطاعتِه، نبيَّه محمدًا، عَلَّهِ ،
والمهاجرين ديارَهم وعشيرتَهم إلى دارِ الإسلامِ ، وأنصارَ رسولِه فى اللَّهِ ، الذين اتَّبَعوا
رسولَ اللَّهِ مَظَلِ فى ساعةِ العُشْرةِ منهم؛ مِن النفقةِ والظّهْرِ والزَّادِ والماءِ، ﴿مِنْ بَعْدٍ
مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ﴾. يقولُ: مِن بعدِ ما كادَ يَمِيلُ قلوبُ
بعضِهم عن الحقِّ، ويَشُكُّ فى دينِه ، ويَرْتابُ بالذى نالَه مِن المَشْقَّةِ والشِّدَّةِ فى سفرِهِ
وغزوِه. ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمَّ﴾. يقولُ: ثم رزَقهم، جلّ ثناؤُه، الإنابةَ والرجوعَ
(١) فى ص، ت١، ت٢، ف: ((به)).
(٢) فى ت١، ف: ((تزيغ))، وهى قراءة الجميع غير حفص، وحمزة . الكشف عن وجوه القراءات
١/ ٥١٠، والتيسير ص ٩٨ .
(٣) فى ص، ت١، ت٢، ف: ((تزيغ)).
( تفسير الطبرى ٤/١٢ )
٥٠
سورة التوبة : الآية ١١٧
إلی الثباتِ علی دینه ، وإبصار الحقِّ ، الذی کان قد کاد یلْتِسُ علیھم ، ﴿ إِنَّهُ پھِمْ
رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾. يقولُ: إِن ربَّهم(١) بالذين(٢) خالَطَ قلوبَهم ذلك لما نالَهم فى
سفرِهم مِن الشدَّةِ والمَشقّةِ، رءوفٌ بهم رحيمٌ أن يُهْلِكُهم، فيَنْزِعَ منهم الإيمانَ ،
بعدَما قد أَبْلَوْا فى اللَّهِ ما أثْلَوا مع رسولِه، وصَبَروا عليه مِن البأساءِ والضَّرّاءِ.
وبنحوِ ما قُلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
٥٥/١١
/ ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنی محمدُ بنُ عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم، قال : ثنا عیسی ، عن ابنِ أبی
تَجِيحِ، عن مجاهدٍ: ﴿فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾: فى غزوةٍ تَبُوكَ .
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأَعْلَى ، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عن مَعْمَرٍ، عن عبدِ اللَّهِ
ابنِ محمدِ بنِ عَقِيلٍ: ﴿فِ سَاعَةِ الْمُسْرَةِ﴾. قال: خَرَجوا فى غزوة تبوكَ (١) ،
الرجلان والثلاثةُ على بعيرٍ، وخَرَجُوا فى حرِّ شديدٍ، وأصابَهم يومَئذٍ(٢) عطشٌ شديدٌ،
فَجَعَلوا يَنْحَرون إبلَهم، فيَعْصِرُون أكْراشَها، ويَشْرَبون ماءَها (٥)، وكان ذلك عُشْرةً مِن
الماءِ، وعُشْرةً مِن الظَّهْرِ، وعُشْرةً مِن النفقةِ(١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابنٍ جُرَيجٍ، عن
(١) فى م: (( ربكم)).
(٢) فى ص، ت١، ت٢، س: ((بالذی)) .
(٣) سقط من: ص ، ت١، ت٢ ، س، ف .
(٤) فى مصادر التخريج: ((يومًا)).
(٥) فى ص، ت١، ت٢، س، ف، وتفسير ابن أبى حاتم: ((ماءه)). وينظر بقية المصادر.
.
(٦) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٨٩٨/٦ من طريق محمد بن عبد الأعلى به، وأخرجه عبد الرزاق فى
تفسيره ٢٩٠/١، ومن طريقه البيهقى فى الدلائل ٢٢٧/٥، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٨٦/٣ إلى أبى
الشيخ .
٥١
سورة التوبة الآية : ١١٧
مجاهدٍ: ﴿ سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾. قال: غزوةُ تبوكَ . قال: العُشْرةُ: أصابَهم جَهْدٌ
شديدٌ حتى إن الرجلَين ليَشُقَّانِ التمرةَ بينَهما، وإنهم ليَمُصُّون التمرةَ الواحدةَ،
ويَشْربون عليها الماءَ .
حدِّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا ابنُ نُمَيرٍ، عن ورقاءَ، عن ابنٍ أبى نجيح، عن
مجاهدٍ: ﴿ الَّذِينَ أَتَّبَعُوهُ فِى سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾. قال: غزوةُ تبوكَ(١) .
قال: ثنا زكريا بنُ عَدِيٍّ (١)، عن ابنٍ مُباركٍ، عن مَعْمَرٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ
محمدِ بنِ عَقِيلٍ، عن جابرٍ: ﴿ الَّذِينَ أَتَّبَعُوهُ فِ سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾. قال: عُشْرةٍ
الظّهرِ، ("وعُشْرةِ الزَّادِ، وعُشْرةِ الماءِ().
حدَّثْنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿لَّقَد تَّابَ اللَّهُ
عَلَى النَّبِيّ وَالْمُهَجِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ أَتَّبَعُوهُ فِ سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ الآية. الذين
أَّبَعوا رسولَ الَّهِ وَ ظَلِ فى غزوةِ تبوكَ، قِيَلَ الشامِ فِى لَهَبانِ الخَّ على ما يعلمُ اللَّهُ مِن
الجُهْدِ ، أصابَهم فيها جَهْدٌ شديدٌ، حتى لقد ذُكِرَ لنا أن الرجلَين كانا يَشُقَّان التمرةَ
بينَهما، وكان النَّفَرُ يَتَداوَلون (١) التمرةَ بينَهم يَمُصُّها هذا، ثم يشربُ عليها، ثم يَمُصُها
هذا، ثم يشربُ عليها، فتابَ اللَّهُ عليهم وأقْفَلَهَم مِن غزوِهم".
(١) تفسير مجاهد ص٣٧٧، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٨٩٩/٦، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٢٨٦/٣ إلى ابن المنذر .
(٢) فى م، ف: ((على)). وينظر تهذيب الكمال ٣٦٤/٩.
(٣ - ٣) سقط من: ف .
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٨٦/٣ إلى المصنف وابن المنذر وابن مردويه.
(٥) فى م، ت١، ت٢، س، ف: ((يتناولون)). وينظر مصدرى التخريج.
(٦) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٨٩٩/٦ من طريق سعيد به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٨٦/٣
إلى ابن المنذر وأبى الشيخ .
٥٢
سورة التوبة : الآية ١١٧
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وَهْبٍ ، قال: أخبرنى عمرُو بنُ الحارثِ ، عن
سعيدِ بنِ أبى هلالٍ، عن عُتبةً ( بن أبى ◌ُتبةً"، عن نافع بن جبيرِ بنِ مُطْعِمٍ، عن
عبدِ اللَّهِ بنِ عباسٍ ، أنه قيل لعمرَ بنِ الخطابِ ، رَضِى اللَّهُ عنه، فى شأنِ العُشْرةِ، فقال
عمرُ: خَرَجْنا مع رسولِ اللَّهِ مَّهِ إلى تبوكَ فى قَيْظٍ شديدٍ، فَتَزَلْنا مَنْزِلًا أصابَنا فيه
عَطَشٌّ شديدٌ(٢)، حتى ظَنَنًا أن رقابنا ستنقطِعُ، "حتى إن كان الرجلُ ليذهَبُ يلتمِسُ
الماءَ، فلا يرجِعُ حتى يَظُنَّ أَن رقبته ستنقطِعُ"، حتى إن الرجلَ لِيَنْحَرُ بعيرَه ، فيَعْصِرُ فَوْثَه
فيشربُه ، ويجعَلُ ما بَقِىَ على كَبِدِه . فقال أبو بكرٍ: يا رسولَ اللَّهِ ، إن اللَّهَ قد عَوَّدَك فى
الدعاءِ خيرًا، فادُ لنا. قال: ((تُحِبُّ ذلك؟)). قال نعم). فرَفَع يَدَيه، فلم
يَرْجِعْهما حتى قالتِ السماء)، فأُظَلَّت ثم سَكَبَتْ، فمَلَئُوا ما معهم، ثم
ذهَبْنا(٧) ننظُرُ، فلم تَجِدْها جاوَزتِ(٨) العسكرَ)(٩).
(١ - ١) سقط من: ف. وفى ت١، ت٢، س: ((عن أبى عتبة))، وذكر الحاكم فى المستدرك ١٥٩/١ أنه
ابن أبى حكيم، وعتبة بن أبى عتبة هو عتبة بن مسلم كما قال الدارقطنى فى العلل ٨٤/٢، وقال الحافظ فى
تهذيب التهذيب ١٠٢/٧ : ذكر الخطيب فى الموضع أن البخارى فرق بين عتبة بن أبى عتبة ، وعتبة بن مسلم ،
والصواب أنهما واحد ، ونقل ذلك عن عبد الغنى بن سعيد الأزدى وغيره . قال : وكأن سعيد بن أبى هلال
يقول تارة : عن عتبة بن مسلم ، وتارة : عن عتبة بن أبى عتبة .
(٢) سقط من: ص، م .
(٣ - ٣) ليس فى المستدرك والدلائل لأبى نعيم ، والدر المنثور.
(٤ - ٤) لیس فى الدر المنثور .
(٥ - ٥) فى م: ((مالت السماء))، وفى المعجم الأوسط: ((انقمأت السحاب))، وقالت السماء: أقبلت
بالسحاب . اللسان (ق و ل) .
(٦ - ٦) ليس عند الطبرانى .
(٧) فى م: ((رجعنا)).
(٨) فى ف، ابن خزيمة، الحاكم، البيهقى فى السنن: ((جازت)).
(٩) أخرجه ابن خزيمة (١٠١) - ومن طريقه البيهقى فى الدلائل ٢٣١/٥ - من طريق يونس بن عبد الأعلى
به، وأخرجه البزار (٢١٤)، والحاكم ١٥٩/١ ومن طريقه البيهقى فى السنن ٣٥٧/٩ - وأبو نعيم فى =
٥٣
سورة التوبة : الآيتان ١١٨،١١٧
حدَّثنى إسحاقُ بنُ زيادةَ العَطَّارُ، قال : ثنا يعقوبُ بنُ محمدٍ ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ
ابنُ وَهْبٍ ، قال : ثنا عمرُو بن الحارثِ ، عن سعیدِ بنِ أبی هلال ، عن نافع بن جُبَیٍ ،
عن ابنِ عباسٍ، قال: قيل لعمرَ بنِ / الخطابِ، رضى اللَّهُ عنه: حَدِّثْنا عن شأنٍ جيشٍ ٥٦/١١
العُشْرةِ. فقال عمرُ: خَرَجْنا مع رسولِ اللهِ ◌َّهِ. [٥٩٨٢/١] ثم ذَكَرَ نحوَهُ(١).
القولُ فى تأويلِ قوله: ﴿ وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِفُواْ حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ
بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُواْ أَنْ لَّا مَلْجَاً مِنَ اللَّهِ إِلَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ
١٧٨
عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ النَّوَّابُ الرَّحِيمُ
يقولُ تعالى ذكرُه : لقد تابَ اللَّهُ على النبيِّ والمهاجرين والأنصارِ وعلى الثلاثةِ
الذين خُلِّفوا . وهؤلاء الثلاثةُ الذين وَصَفَهم اللَّهُ فى هذه الآيةِ بما وَصَفَهم به ، فيما
قيل(١)، هم الآخرون الذين قال جلّ ثناؤه: ﴿ وَءَاخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ
وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ١٠٦]. فتابَ عليهم، عزّ ذكرُه،
وتَفضَّلَ عليهم .
وقد مَضَى ذكرُ مَن قال ذلك مِن أهلِ التأويلِ بما أغْنَى عن إعادتِه فى هذا
(٣)
الموضعِ().
= الدلائل ص ٥٢٣ (٤٥٢) من طريق ابن وهب به، وأخرجه الطبرانى فى الأوسط (٣٢٩٢) من طريق سعيد
ابن أبى هلال به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٨٦/٣ إلى ابن مردويه والضياء فى المختارة ، وقال الحاكم:
صحيح على شرط الشيخين .
(١) أخرجه الفريابى فى دلائل النبوة (٤٢) من طريق يعقوب بن محمد به، وأخرجه ابن حبان (١٣٨٣) من
طريق عبد الله بن وهب به . وقد رجح الدار قطنى فى العلل ٨٣/٢، ٨٤ رواية من ذكر عتبة بن أبى عتبة ،
مكان نافع بن جبير - كما فى الحديث السابق .
(٢) فى م: (( قبل )).
(٣) تقدم فى ٦٦٩/١١ - ٦٧٢ .
٥٤
سورة التوبة : الآية ١١٨
فتأويلُ الكلام إذًا : ولقد تابَ اللَّهُ على الثلاثةِ الذين خَلَّفهم اللَّهُ عن التوبةِ ،
فأرْجَأَهم عمَّن تابَ عليه ممن تَخَلَّفَ عن رسولِ اللَّهِ عَهِ.
كما حدَّثنا الحسنُ بنُ يَحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، عن مَعْمَرٍ، عمَّن
سَمِعَ عكرمةَ فى قولِهِ: ﴿ وَعَلَى الثَّلَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ﴾. قال: خُلِّقُوا عن التويةِ(١).
حدَّثْنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: أما قولُه: ﴿ خُلِفُواْ﴾ .
فخُلِّفوا عن التوبةِ(٢) .
﴿حَتَّىَ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾. يقولُ: بِسَعتِها، غَمَّا وندمًا
على تَخلُّفِهم عن الجهادِ مع رسولِ اللَّهِ مِله، ﴿وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ﴾، بما
نالَهم مِن الوَجْدِ والكَرْبِ بذلك، ﴿ وَنُّواْ أَنْ لَّ مَلْجَأَ﴾. يقولُ: وأَيْقَنُوا بقلوبِهم
أن لا شىءَ لهم يَلْجَثُون إليه مما نَزَلَ بهم مِن أمرِ اللَّهِ مِن البلاءِ بتَخَلَّفِهم خلافَ رسولٍ
اللَّهِ مَّهِ، يُتَجِّيهم مِن كَرْبِهِ، ولا مما يَخْذَرون مِن عذابِ اللَّهِ - إلا اللَّهُ، ثم رَزَقَهم
الإنابةَ إلى طاعتِه، والرجوعَ إلى ما يُرْضِيه عنهم ، ليُنِيبوا إليه ، ويَرْجِعوا إلى طاعتِهِ ،
والانتهاءِ إلى أمرِهِ ونَهْيِهِ، ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ النََّّابُ الرَّحِيمُ﴾. يقولُ: إن اللَّهَ هو
الوَهَّابُ لعبادِه الإنابةَ إلى طاعتِه، المُوفِّقُ مَن أحبَّ توفيقَه منهم لِما يُرْضِيه عنه ،
﴿ الرَّحِيمُ﴾ بهم، أن يُعاقِتَهم بعدَ التوبةِ، أو يَخْذُلَ مَن أرادَ منهم التوبةَ والإنابةَ ولا
يتوبَ عليه .
وبنحوِ ما قُلنا فى تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.
-
(١) تفسير عبد الرزاق ٢٩٠/١، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٨٩/٣ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ، وابن
عساكر .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٩٠٤/٦ من طريق سعيد بن بشير عنه به .
٥٥
سورة التوبة : الآية ١١٨
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا أبو معاويةً، عن الأعمشِ، عن أبى سفيانَ ، عن
جابرٍ فى قولِه: / ﴿ وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ﴾. قال: كعبُ بنُ مالكِ، وهلالُ ٥٧/١١
ابنُ أميةَ، ومُرَارةُ بنُ ربيعةَ، وكُلُّهم مِن الأنصارِ (١) .
حدَّثنَى عُبَيْدُ بنُ محمدٍ (٢) الورَّاقُ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن الأغمشِ، عن أبى
سُفيانَ ، عن جابرٍ بنحوِهِ ، إلا أنه قال: ومُرارةُ بنُ الربيع، أو ابنُ ربيعةً. شَكّْ أبو أسامةً .
حدَّثنا ابنُ وَكيع، قال: ثنا أبى، عن إِسرائيلَ، عن جابرٍ، عن عكرمةَ وعامٍ :
وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِفُواْ﴾. قال: أَرْجِئوا فى أوسطِ ((براءةً)).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن
مجاهدٍ : ﴿ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ﴾. قال: الذين أَرْجِثُوا فى أَوسطِ ((براءةَ)) ؛
قولَه: ﴿ وَءَاخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمَّيِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٠٦]. هلالُ بنُ أميةَ، ومُرارةُ بنُ
الرَّبِيعُ، وكعبُ بنُ مالكٍ) .
حدَّثنى المُثَنَّى، قال : ثنا أبو حُذَيفةَ ، قال : ثنا شِبْلٌ ، عن ابنٍ أبى نَجیح ، عن
مجاهدٍ : ﴿ وَعَلَى الثََّثَةِ الَّذِينَ خُلِّقُواْ﴾: الذين أَرْجِئوا فى وسطِ ((براءةَ)) .
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا أبى، عن أبيه، عن لَيْثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَعَلَى
الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِفُواْ﴾. قال: كلُّهم مِن الأنصارِ؛ هلالُ بنُ أميةَ، ومُرارةُ بنُ
(١) أخرجه سعيد بن منصور فى سننه (١٠٤٦ - تفسير) من طريق أبى معاوية به ، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٢٨٦/٣ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ وابن منده وابن مردويه وابن عساكر.
(٢) سقط من: م. وينظر تاريخ المصنف ٢٩٣/٢، ٣٨٥، وترجمته فى تاريخ بغداد ٩٧/١١ .
(٣) فى ص، ت١، ت٢، ف: ((ربعى))، وفى م، والدر المنثور: ((ربيعة)). والمثبت هو الصواب، وينظر ما
تقدم فى ٦٧٠/١١.
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٨٩/٣ إلى المصنف.
٥٦
سورة التوبة : الآية ١١٨
ربيعةً، و کعبُ بنُ مالك .
قال: ثنا ابنُ ثُمَيرٍ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبى نَجيح، عن مجاهدٍ: ﴿ وَعَلَى الثَّلاثَةِ
الَّذِينَ خُلِفُواْ﴾. قال: الذين أُرْجِئوا .
قال : ثنا جريرٌ، عن يعقوبَ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ، قال: ﴿الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ
◌ُلِّفُواْ﴾: كعبُ بنُ مالكِ وكان شاعرًا ، ومُرارةُ بنُّ الربيع، وهلالُ بنُ أميةَ، وكلُّهم
(١)
أنصاریٌ(١) .
قال : ثنا أبو خالدِ الأحمرُ والمحاربىُّ، عن جُوَييرٍ، عن الضحاكِ ، قال: كلُّهم
مِن الأنصارِ؛ هلالُ بنُ أميةَ، ومُرارةُ بنُ الرَّبيع(١) ، وكعبُ بنُ مالكٍ (٢).
حدَّثنى المُثَنَّى ، قال : ثنا عمرُو بنُ عَون ، قال : أخبرنا مُشَیمٌ ، عن مجُوَييرٍ ،
عن الضّحّاكِ قولَه: ﴿ وَعَلَى الثََّاثَةِ الَّذِينَ خُلِفُواْ﴾. قال: هلالُ بنُ أميةَ ، وكعبُ
ابنُّ مالكٍ، ومُرارةُ بنُّ الربيع، كلَّهم مِن الأنصارِ .
حدَّثْنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: [٨٩٢/١ظ] ﴿ وَعَلَى
الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ﴾. إلى قوله: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ النَّوَّابُ
الرَّحِيمُ﴾: كعبُ بنُ مالكِ، وهلالُ بنُ أميةَ، ومرارةُ بنُ ربيعةَ، تَخَلَّفوا فى غزوةٍ
تبوكَ ؛ ذُكِر لنا أن كعبَ بنَ مالكٍ أوثَق نفسَه إلى ساريةٍ ، فقال: لا أَطْلِقُها - أو(٤) لا
أُطْلِقُ نفسى - حتى يُطْلِقَنِى رسولُ اللَّهِ عَمِ. فقال رسولُ اللَّهِ مَ له: ((واللَّهِ لا أُمْلِقُه
حتى يُطْلِقَه ربُّه إن شاءَ)). وأما الآخَرُ فكان تَخَلَّفَ على حائطٍ له كان أدْرَكَ ، فَجَعَله
(١) فى م: ((أنصار)).
(٢) فى ص ، ت١، ت٢ ، س: ( ربيع ).
(٣) ينظر الأثر المتقدم تخريجه فى ٦٧٠/١١ .
(٤) فى ص، ت١، ت٢، س، ف: ((و)).
٥٧
سورة التوبة : الآية ١١٨
صدقةً فى سبيل اللَّهِ ، وقال: واللهِ لا أطعَمُه. وأما الآخرُ، فرَكِبَ الْمَفَاوزَ يَتْبَعُ رسولَ
اللَّهِ مَِّ، ترفَعُه أرضٌ وتضَعُه أخرَى، وقَدَماه تَشَلْشَلان دمًّا(١).
/ حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا عُبيدُ اللَّهِ، عن إسرائيلَ، عن السُّدِّىِّ، عن أبى ٥٨/١١
مالكِ، قال: ﴿الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ﴾: هلالُ بنُ أميةَ، وكعبُ بنُ مالكِ،
ومُرارةُ بنُ ربيعةً .
قال : ثنا أبو داودَ الحَفَرِىُّ، عن سلّامٍ أبى الأخْوصِ، عن سعيدِ بنِ مَسروقٍ ،
عن عكرمةً: ﴿ وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ﴾. قال: هِلالُ بنُ أميةَ، ومُرارةٌ ،
وكعبُ بنُّ مالكٍ(٢) .
حدَّثنی یعقوبُ ، قال : ثنا ابنُ عُلَيَّةَ ، قال : أخبرنا ابنُ عَوْنٍ ، عن عمر بنِ کثیرٍ
ابنِ أفلحَ ، قال : قال كعبُ بنُ مالكِ: ما كنتُ فى غَزاةٍ أيسرَ للظَّهرِ والنفقةِ منى فى
تلك الغَزاةِ . قال كعبُ بنُ مالكِ: لِمَّ خرَج رسولُ اللّهِ مَِّ قلتُ: أَجَهَّزُ غدًا ثم
أَلْقُه، فأخذتُ فى جَهازى، فأمسَيتُ ولم أفرعُ(١) ، فلما كان اليومُ الثالثُ أخَذتُ
فى جَهازى، فأمسَيتُ ولم أفرعْ، فقلتُ : هَيْهَات، سارَ الناسُ ثلاثًا ، فَأَقَمتُ ، فلما
قَدِمَ رسولُ اللَّهِ عْظَِّ، جعَل الناسُ يَعْتَذِرون إليه، فجئتُ حتى قُمْتُ بِينَ يَدَيه،
فقلتُ: ما كنتُ فى غَزاةٍ أيسرَ للظهرِ والنفقةِ منى فى هذه الغَزاةِ . فأعرَض عنى
رسولُ اللَّهِ مَّهِ، فأمَر الناسَ أن لا يُكَلِّمونا، وأُمِرَتْ نِساؤنا أن يَتَحَوَّلْن عنَّا. قال:
فتَسَوَّرتُ حائطًا ذاتَ يومٍ ، فإذا أنا بجابرٍ بنِ عبدِ اللَّهِ ، فقلتُ : أىْ جابرُ، نَشَدْتُك
باللّهِ ، هل عَلِمْتَنِى غَشَشْتُ اللَّهَ ورسولَه يومًا قَطُّ؟ فسَكَتَ عنى، فجعَل لا
(١) تشَلشَلان دما: تقطران دما. واللسان (ش ل ل). والأثر أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٩٠٤/٦ من
طريق سعيد بن بشير عنه به، وتقدم طرف منه فى ص ٥٤ .
(٢) أخرجه سعيد بن منصور فى سننه (١٠٤٥ - تفسير) من طريق أبى الأحوص به .
(٣) بعده فى المسند: ((فقلت : آخذ فى جهازى غدًا والناس قريب بعد ثم ألحقهم ، فأمسيت ولم أفرغ)) .
٥٨
سورة التوبة : الآية ١١٨
يُكَلِّمُنى، فبينا أنا ذاتَ يوم ، إذ سمِعتُ رجلًا على النَّيَّةِ يقولُ: (كعبُ كعبُ(١).
حتى دَنا منى، فقال: بَشِّروا كعبًا (٢) .
حدّثنی یونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وَهْبٍ ، قال : أخبرنى يونسُ ، عن ابنِ شهابٍ،
قال: غَزا رسولُ اللَّهِ بْ لَمِ غزوة تبوكَ، وهو يريدُ الرومَ ونصارى العربِ بالشامِ، حتى
إذا بلَغ تبوكَ ، أقامَ بها بضعَ عَشْرةَ ليلةً، ولَقِيَه بها وفدُ أذْرُعَ(١) ووفدُ أيْلَةَ(٤) ،
فصالَهم(٥) رسولُ اللَّهِ عَهِ على الجِزْيةِ، ثم قَفَلَ رسولُ اللّهِ عَلَه مِن تبوكَ ولم
يُجاوِزْها، وأنزل اللَّهُ: ﴿لَقَدِ تَّابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيّ وَالْمُهَجِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ
أَتَّبَعُوهُ فِى سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ الآية. والثلاثةُ الذين خُلِّقُوا رَهْطٌ منهم ؛ كعبُ بنُ
مالكٍ، وهو أحدُ بنى سَلِمةً، ومُرارةُ بنُ ربيعةً، وهو أحدُ بنى عمرو بنِ عوفٍ ،
وهلالُ بنُ أميةَ، وهو من بنى واقفٍ، وكانوا تَخَلَّفوا عن رسولِ اللَّهِ عَلِ فى تلك
الغزوةٍ، فى بضعةٍ وثمانين رجلاً، فلما رجَع رسولُ اللَّهِ مَّهِ إلى المدينةِ، صَدَقَه
أولئك حديثَهم، واعْتَرَفوا بذنوبِهم، وكَذَبَ سائرُهم، فحَلَفوا لرسولِ اللَّهِ يِعِ ما
حبسهم إلا العُذْرُ، فَقَبِلَ منهم رسولُ اللَّهِ وبايَعَهم، ووَكَلَهم فى سرائرِهم إلى اللَّهِ،
ونهَى رسولُ اللَّهِ وَ لَّه عن كلام الذين خُلِّفوا، وقال لهم حينَ حَدَّثوه حديثَهم ،
واعْتَرَفوا بذنوبهم: ((قد صَدَقْتُم فقوموا حتى يَقْضِىَّ اللَّهُ فيكم)). فلما أَنزَل اللَّهُ
(١ - ١) فى المسند: ((كعبا كعبا)).
(٢) أخرجه أحمد ٥١/٢٥ (١٥٧٧١)، والطبرانى ١٠١/١٩ (٢٠٢) من طريق ابن علية به .
(٣) أذرُح: اسم بلد فى أطراف الشام من أعمال الشراة ثم من نواحى البلقاء وعمان مجاورة لأرض الحجاز.
معجم البلدان ١٧٤/١ .
(٤) أيلة : مدينة على ساحل بحر القُلُم مما يلى الشام ، وقيل هى آخر الحجاز وأول الشام . معجم
البلدان ٤٢٢/١ .
(٥) فى م: ((صالحهم)).
٥٩
سورة التوبة : الآية ١١٨
القرآنَ تابَ على الثلاثةِ، وقال للآخرِين: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا
أَنْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُواْ عَنْهُمْ﴾، حتى بلَغ: ﴿لَا يَرْضَى عَنِ اَلْقَوْمِ
اُلْفَاسِقِينَ ﴾ [التوبة: ٩٥، ٩٦].
قال ابنُ شهابٍ : وأخبرنى عبدُ الرحمنِ بنُ عبدِ اللهِ بنِ كعبِ بنِ مالك أن
عبدَ اللَّهِ بنَ كعبٍ بنِ مالكِ - وكان قائدَ كعبٍ مِن بَنِيه حينَ عَمِىَ - قال : سمِعتُ
كعبَ بنَّ مالكِ يُحدِّثُ حديثَه حينَ تَخَلَّفَ عن رسولِ اللهِ صلَّى اللَّهُ / عليه وسلم فى ٥٩/١١
غزوة تبوكَ ، قال كعبٌ: لم أَتَخلَّفْ عن رسولِ اللَّهِ عَّهِ فى غزوةٍ غَزَاها قَطُّ ، إلا فى
غزوة تبوكَ ، غيرَ أَنِّى قد تَخَلَّفْتُ فى غزوة بدرٍ ، ولم يُعاتَبْ أحدٌ(١) تَخَلَّفَ عنها ، إنما
خرَّج رسولُ اللَّهِ عَلْهِ والمسلمون يُريدون عِيرَ قريش، حتى جمَع اللَّهُ بينَهم وبينَ
عدوهم على غيرِ ميعادٍ ، ولقد شَهِدتُ مع رسولِ اللَّهِ مَِّ ليلةَ العقبةِ، حينَ تَواثَقْنا
ءِ
على الإسلام، وما أحِبُّ [٩٨٣/١ و] أن لى بها مشهدَ بدرٍ، وإن كانت بدرٌ أُذکرَ فى
الناس منها .
فكان مِن خبرى حينَ تَخلَّفتُ عن النبيِّ عَِّ فى غزوة تبوكَ أنى لم أكُنْ قَطُّـ
أقوَى ولا أيسرَ منى حينَ تَخلَّتُ عنه فى تلك الغزوةِ ، واللَّهِ ما جمَعتُ قبلَها راحلتَين
قَطَّ ، حتى جمَعتُهما فى تلك الغزوةِ، فَغَزَاها رسولُ اللَّهِ عَ لَّه فى حَرٍّ شديدٍ،
واسْتَقبَلَ سفرًا بعيدًا ومَفاوٍزَ، واستقبَل عدوًّا كثيرًا، فجَلَّى للمسلمين أمرهم،
ليَتأَّبُوا أُهْبةَ غَزْوِهم، فأخبرهم بوجهِهم(٢) الذى يريدُ، والمسلمون مع النبيِّ عَل
كثيرٌ، ولا يجمَعُهم كتابٌ حافظٌ - يريدُ بذلك الديوانَ - قال كعبٌ: فما رجلٌ
يريدُ أن يَتَغْيَّبَ إِلا يَظُنُّ أن ذلك سَيَخْفى، ما لم يَنْزِلْ فيه وَحْىٌ مِن اللَّهِ، وغَزا رسولُ
(١) فى م، ف: ((أحدًا)).
(٢) فى م : ((بوجهه)) .
٦٠
سورة التوبة : الآية ١١٨
اللَّهِ عَ لَّمِ تلك الغزوةَ حينَ طابَتِ الثمارُ والظُّلالُ، وأنا إليهما أصْعَرُ(١)، فَتَجهَّزَ رسولُ
اللَّهِ يِّهِ والمسلمون معه، وطَفِقْتُ أَغْدولكى أَجَهَّزَ معهم(١) ، فلم أقضٍ مِن جهازى
شيئًا، ثم غَدوتُ فرَجَعتُ ولم أقضِ شيئًا، فلم يَزَلْ ذلك يَتَمادَى حتى أُسْرَعوا
وتفارَطَ الغَزْوُ، وهَمَمْتُ أن أَرْتَحِلَ فأُذْرِكَهم، فيالَيتنى فعَلتُ ، فلم يُقَدَّرْ ذلك لى،
فطَفِقْتُ إذا خَرَجْتُ فى الناسِ بعدَ خروجِ النبىِّ عَلَّمِ يُحْزِنُنى أن لا أرَى لى أسوةً إلا
رجلًا مَغْموصًا عليه فى النفاقِ ، أو رجلًا ممن عَذَرَ اللَّهُ مِن الضعفاءِ، ولم يَذْكُوْنی
رسولُ اللّهِ عَمِ حتى بَلَغَ تبوكَ، فقال وهو جالسٌ فى القومِ بتبوكَ : ((ما فَعَلَ كعبُ
ابنُ مالكِ؟)) . فقال رجلٌ مِن بنى سَلِمَةَ: يا رسولَ اللَّهِ ، حَبَسَه بُؤداه، والنظرُ فِی
عِطْفَيْه. فسَكَتَ رسولُ اللَّهِ عَمِ، فبَيْنا هو على ذلك، رأى رجلاً مُبَيِّضًا(٣) يزولُ به
السرابُ(٤)، فقال رسولُ اللَّهِ صَعِ: ((كُنْ أبا خَيْثمةَ)). فإذا هو أبو خَيْثمةً
الأنصارىُّ، وهو الذى تَصَدَّقَ بصاع التمرِ، فَلَمَزَه المنافقون . قال كعبٌ: فلما
بَلَغَنِى أن رسولَ اللَّهِ وَمِ (° قد تَوَجَّهْ) قافِلًا مِن تبوكَ، حَضَرَنِى بَثِّى(١)، فَطَفِقْتُ
أَتَذَّكَّرُ الكذبَ ، وأَقولُ : بمَ أخرجُ مِن سَخَطه غدًا؟ وأستعينُ على ذلك بكلِّ ذى رأي
مِن أهلى، فلما قيل لى(٧): إن رسولَ اللَّهِ وَلِ قد أَظَلَّ قادِمًا. زاحَ عنى الباطلُ، حتى
(١) فى س، فى: ((أصغر)). وأَصعَرُ: أَمَيَلُ. النهاية ٣١/٣.
(٢) بعده فى ص، ت١، ت٢، س، ف: ((والمسلمون معه)). بعده فى صحيح مسلم: (( فقال له معاذ بن
جبل: بئس ما قلت ! والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرًا)). وينظر مسند الطيالسى (١٠٣٤).
(٣) مبيض، كمحدِّث: لابس ثيابا بيضًا. قال ابن الأثير: ويجوز أن يكون مُبيضًّا بسكون الباء وتشديد
الضاد ، من البياض. التاج (ب ی ض) والنهاية ١٧٣/١.
(٤) يزول به السراب: يرفعه ويظهره. يقال: زال به السراب. إذا ظهر شخصه فيه خيالاً. النهاية ٣١٩/٢.
(٥ - ٥) سقط من: ص ، ت١، ت٢ ، س ، ف .
(٦) فى م: ((همى)). والبث: أشد الحُزن. النهاية ٩٥/١ .
(٧) سقط من : ص ، م .