النص المفهرس

صفحات 601-620

٦٠١
سورة التوبة : الآية ٨٠
يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾، ولأُسْتَغْفِرَنَّ له سبعين وسبعين)). قال هُشَيمٌ: وأشُكُّ فى
(١)
الثالثةِ(١).
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى،
عن أبيه، عن ابنِ عباسٍٍ / قولَه: ﴿أَسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾، إلى ٢٠٠/١٠
قولِه: ﴿اَلْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾. فقال رسولُ اللَّهِ عَلَّهِ: ((لَّ نَزَّلَت هذه الآيةُ
أسمعُ ربِّى قد رَخَّصَ لى فيهم، فواللَّهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ أكثرَ مِن سبعين مرةً، فلعل
اللَّهَ أن يَغْفِرَ لهم)). فقال اللَّهُ مِن شدةِ غضبِهِ عليهم: ﴿سَوَآءُ عَلَيْهِمْ
أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمّ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمَّ إِنَّ اللَّهَ لَا يَدِى الْقَوْمَ
اٌلْفَسِقِينَ﴾ [المنافقون: ٦].
حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَسْتَغْفِرْ لَمْ أَوْ
لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اَللَّهُ لَّ﴾. فقال نبيُ اللَّهِ:
((قد خيَّرَنى ربِّى فلأَزِيدَنَّهم على سبعين)). فأنزل اللَّهُ: ﴿سَوَآءُ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ
لَهُمْ﴾ الآية .
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأَعْلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ ،
قال: لَّا نَزَّلَت: ﴿إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾، فقال النبيُّ
سَهِ: ((لأَزِيدنَّ على سبعين)). فقال اللَّهُ: ﴿سَوَآءُ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمّ
تَسْتَغْفِرْ لَمْ لَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَّ﴾(٣).
(١) أخرجه ابن بشكوال فى غوامض الأسماء المبهمة ٦٥٨/٢ من طريق الحسين به.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٦٤/٣ إلى المصنف.
(٣) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٨٤/١ عن معمر به .

٦٠٢
سورة التوبة : الآية ٨١
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَفْعَدِهِمْ خِلَفَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوَاْ
أَنْ يُجَهِدُواْ بِأَمْوَلِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُواْ لَا نَنَفِرُواْ فِ الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ
حَرَّأْ لَّوْ كَانُواْ يَفْقَهُونَ
٨١
يقولُ تعالى ذكرُه : فَرِحَ الذين خَلَّفَهم اللَّهُ عن الغزوِ مع رسولِه والمؤمنين به ،
وجهادِ أعدائِه ﴿ بِمَفْعَدِهِمْ خِلَفَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ . يقولُ : بجلوسِهم فى منازلهم
﴿خِلَفَ رَسُولِ اللَّهِ﴾. يقولُ: على الخلافِ لرسولِ اللَّهِ فى جلوسِه ومَفْعِدِه.
وذلك أن رسولَ اللَّهِ مَّهِ أَمَرهم بالنَّفْرِ إلى جهادِ أعداءِ اللَّهِ، فخالفوا أمرَه وجَلَسوا
فى منازلهم .
وقولُه: ﴿خِلَفَ﴾: مصدرٌ مِن قولِ القائلِ: خالَف فلانٌ فلانًا، فهو يُخالِفُه
خِلافًا. فلذلك جاء مصدرُه على تقديرِ ((فِعالٍ))، كما يقالُ: قاتَلَه فهو يُقاتِلُهُ قِتالًاً .
ولو كان مصدرًا مِن خَلَفَه ، لكانت القراءةُ : بمقعدِهم خَلْفَ رسولِ اللهِ . لأن مصدرَ
خَلَفَه: خَلْفٌ، لا خِلافٌ، ولكنه على ما بَيَنتُ مِن أنه مصدرُ خالَف، فَقُرِئ
خِلَفَ رَسُولِ اللَّهِ﴾، وهى القراءةُ التى عليها قرأةُ(١) الأمصارِ، وهى الصوابُ
عندنا .
وقد تأوَّل ذلك بعضُهم بمعنى: بعدَ رسولِ اللهِ عَ لَّهِ. واسْتَشهَد على ذلك
بقولِ الشاعرٍ (٢) :
بَسَطَ الشَّوَاطِبُ () بينَهن حَصِيرًا
عَقَبَ الربيعُ(٢) خِلافَهم فكأُّما
(١) فى م: ((قراءة)).
(٢) هو الحارث بن خالد المخزومى، والبيت فى مجاز القرآن ٢٦٤/١، والأغانى ٣٣٦/٣، واللسان (ع ق ب)،
(خ ل ف) .
(٣) فى الأغانى، واللسان (ع ق ب): ((الرذاذ)). وهى الرواية التى سيذكرها المصنف فى ٢١/١٥.
(٤) جمع شاطبة وهى التى تعمل الحُصر من الشطْب، وهو الشّعف الأخضر. اللسان (ش ط ب) .

٦٠٣
سورة التوبة : الآية ٨١
وذلك قريبٌ لمعنى ما قُلنا ؛ لأنهم قَعَدوا بعدَه، على الخلافِ له .
٢٠١/١٠
/ وقولُه: ﴿وَكَرِهُوَأْ أَنْ يُجَِهِدُواْ بِأَمْوَهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ . يقول تعالى
ذكرُه: وكَرِهَ هؤلاء المخْلَّفون (١) أن يَغْزوا الكفارَ بأموالهم وأنفسِهم ﴿فِي سَبِلِ
اللَّهِ﴾، يعنى: فى دينِ اللَّهِ الذى شَرَعَه لعبادِه، لِيَنْصُروه، مَيْلًا إلى الدَّعةِ
والخَفْضِ ، وإيثارًا للراحةِ على التعبِ والمشقةِ، وشُخًا بالمالِ أن يُنْفِقوه فى طاعةِ
اللَّهِ .
وَقَالُواْ لَا يَنْفِرُواْ فِي الْخَرَّ﴾. وذلك أن النبىَّ عَ الِ اسْتَنْفَرَهم إلى هذه الغزوةِ
وهى غزوةُ تبوكَ ، فى حرٍّ شديدٍ، فقال المنافقون بعضُهم لبعضٍ: ﴿لَا نَفِرُواْ فِى
الْخُرُّ﴾. فقال اللَّهُ لنبيّه محمدٍ [٩٦١/١ ظ] عَِّ: قلْ لهم يا محمدُ: ﴿نَارُ
◌َّمَ﴾ " التى أعَدَّها اللَّهُ لَمَن خالَف أمرَه وعَصَى رسولَهُ)، ﴿أَشَدُّ حَرََّ﴾ مِن
هذا الحرّ الذى تَتَواصَون بينَكم أن لا تَنْفِروا فيه. يقولُ: فالذى هو أشدُّ حرًّا أخْرَى أن
يُخْذَرَ ويُتَّقَى مِن الذى هو أقلُّهما أذى ﴿لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ ﴾، يقولُ: لو كان
هؤلاء المنافقون يَفْقَهونْ) عن اللَّهِ وَعْظَه، ويَتَدَبَّرون آىَ كتابِه، ولكنهم لا يَفْقَهون
عن اللَّهِ ، فهم يَحْذَرون مِن الحرّ أقلَّه مكروهًا وأخفَّه أذًى، ويُوافِقون أشدَّه مكروهًا ،
وأعظمه علی مَن يَصْلاه بلاءً!
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
(١) فى ت٢: ((المخالفون)).
(٢) الخفض : الدعة والعيش الطيب . التاج (خ ف ض).
(٣) فى ت١، ت٢، س، ف: ((استسرهم)).
(٤ - ٤) سقط من : ف .
(٥ - ٥) سقط من: ت١، ت٢ ، س، ف.

٦٠٤
سورة التوبة : الآية ٨١
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى ، قال : ثنى عمى ، قال : ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَرِحَ الْمُخَلَفُونَ بِمَفْعَدِهِمْ خِلَفَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ ، إلى
قوله: ﴿ يَفْقَهُونَ﴾. وذلك أن رسولَ اللّهِ له أمر الناسَ أن ينبعثوا معه، وذلك فى
الصيفِ ، فقال رجالٌ: يا رسولَ اللَّهِ، الحرٌ شديدٌ ولا نستطيعُ الخروجَ، فلا تَنْفِرْ ()
فى الحرّ. فقال اللَّهُ: ﴿ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرَّأْ لَّوْ كَانُواْ يَفْقَهُونَ ﴾. فأمَرَه اللَّهُ
(٢)
بالخروجِ().
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعْلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةً فى
قوله: ﴿بِمَفْعَدِهِمْ خِلَفَ رَسُولِ اللَّهِ﴾. قال: هى(٢) غزوةُ تبوكَ(٤) .
حدَّثنى الحارثُ ، قال : ثناعبدُ العزيزِ، قال : ثنا أبو مَعْشرٍ، عن محمدِ بنِ كعبٍ
القُرَظِىِّ وغيرِهِ ، قالوا: خَرَجَ رسولُ اللَّهِ مَّهِ فى حرِّ شديدٍ إلى تبوكَ ، فقال رجلٌ مِن
بنى سَلِمةً: ﴿لَ نَّفِرُواْ فِىِ الْخَرُّ﴾. فَأَنزَل اللَّهُ: ﴿قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ ) الآية(٥).
حدَّثنا ابنُ محُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنٍ إسحاقَ ، قال: ذَكَر قولَ
بعضِهم لبعضٍ، حينَ أُمِر رسولُ اللّهِ عَلَّهِ بالجهادِ، وأُجمَع السيرَ إلى تبوكَ على
شدةِ الحرّ وجَدْبِ البلادِ، يقولُ اللَّهُ جلَّ ثناؤُه: ﴿ وَقَالُواْ لَا تَنَفِرُواْ فِ الْحَرِّ قُلْ نَارُ
(١) غير منقوطة فى ص، وفى س: ((ينفر))، وفى ف: ((ننفر))، وينظر مصدرى التخريج.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٨٥٥/٦ عن محمد بن سعد به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٦٥/٣
إلی ابن مردويه .
(٣) فى م: ((من))، وفى الدر المنثور ((عن)). وينظر تفسير عبد الرزاق.
(٤) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٨٤/١ عن معمر به، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٨٥٤/٦ من
طريق سعيد بن بشير ، عن قتادة به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٦٥/٣ إلى أبى الشيخ .
(٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٦٥/٣ إلى المصنف.

٦٠٥
سورة التوبة : الآيتان ٨١، ٨٢
جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرََّ﴾(١).
/القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿فَيَضْحَكُوْ قَلِلًا وَلْيَبْكُواْ كَثِيرًا جَزَآءٌ بِمَا كَانُواْ ٢٠٢/١٠
يَكْسِبُونَ
٨٢
يقولُ تعالى ذكره: فَرِعَ هؤلاءِ الْخُلَّفون بمَقْعدِهم خلافَ رسولِ اللَّهِ،
فليَضْحَكُوا فَرِحِين قليلًا فى هذه الدنيا الفانيةِ بِمَقْعدِهم خلافَ رسولِ اللهِ ، ولَهْوِهم
عن طاعةٍ ربِّهم، فإنهم سَيَبْكُون طويلًا(١) فى جهنمَ، مكانَ ضحكِهم القليلِ فى
الدنيا. ﴿جَزَآءٌ﴾، يقولُ: ثوابًا مِنَّ لهم على معصيتِهم بتَزْكِهم النَّفْرَ إذ اسْتُنْفِروا
إلى عدوّهم، وقُعودِهم فى منازلهم خلافَ رسولِ اللَّهِ. ﴿بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ﴾ ،
يقولُ: بما كانوا يَجْتَرِحون مِن الذنوبِ .
وبنحوِ الذى قُلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى أبو السائبِ ، قال: ثنا أبو معاويةً، عن إسماعيلَ، عن أبى رَزِينٍ :
﴿ فَيَضْحَكُوْ قَلِلًا وَلْيَكُوا كَثِيرً﴾، قال: يقولُ اللَّهُ تبارك وتعالى: الدنيا قليلٌ،
فلْيَضحَكوا فيها ما شاءوا، فإِذا صاروا إلى الآخرةِ بَكَوا بكاءً لا ينقطعُ. فذلك الكثيرُ().
حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا ابنُ يَمانٍ، عن منصورٍ، عن أبى رَزِينٍ، عن
الربيعِ بنِ خُثَيْمِ : ﴿ فَلْيَضْحَكُوْ قَلِيلًا﴾، قال: فى الدنيا. ﴿ وَلْيَبَّكُواْ كَثِيرًا﴾ ،
(١) سيرة ابن هشام ٥٥١/٢ .
(٢) فى ت١، ت٢، س، ف: ((كثيرا)).
(٣) أخرجه سعيد بن منصور (١٠٢٨ - تفسير)، وابن أبى شيبة ٤١٨/١٣، وهناد فى الزهد (٤٧٠)، وابن أبى
حاتم فى تفسيره ١٨٥٥/٦، ١٨٥٦ من طريق أبى معاوية به .
(٤) فى م، ف: (( خيثم )). وينظر تهذيب الكمال ٧٠/٩.

٦٠٦
سورة التوبة : الآية ٨٢
قال: فى الآخرةِ .
حدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ ، قال : ثنا عبدُ الرحمنِ ويحبى، قالا : ثنا سفيانُ ، عن
إسماعيلَ بنِ سُمَيعٍ، عن أبى رَزِينٍ فى قوله: ﴿فَيَضْحَكُوْ قَلِيلًا وَلْيَبَكُوا كَثِيرًا﴾ .
قال : فى الآخرةِ .
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُّ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ ، عن
منصورٍ، عن أبى رَزِينٍ أنه قال فى هذه الآية: ﴿فَلَيَضْحَكُوْ قَلِيلًا وَلْيَبَّكُواْ كَثِيرًا ﴾ .
قال: ليضحكوا فى الدنيا قليلًا، وليَبْكوا فى النارِ كثيرًا. وقال فى هذه الآية: ﴿وَإِذَا
لَّا تُمَتَّعُونَ (١) إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: ١٦]. قال: آجالُهم (١) . أحدُ هذين الحديثين
(٣)(٤)
رَفَعه إلى ربيعٍ بِنِ خُثِيمٍ
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأَعْلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن مَعْمَرٍ، عن
الحسنِ: ﴿ فَلَيَضْحَكُوْ قَلِيلًا﴾. قال: لِيَضْحَكُوا قليلاً فى الدنيا، ﴿وَلْيَبَّكُواْ كَثِيرًا﴾
فى الآخرةِ فى نارٍ جهنمَ؛ ﴿جَزَآءٌ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾(٥).
حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَلَيَضْحَكُوْ قَلِيلًا﴾ .
أى: فى الدنيا، ﴿ وَلْيَبْكُوْ كَثِيرًا﴾، أى: فى النارِ. ذُكِر لنا أن نبىَّ اللَّهِ سَلٍ قال:
(١) فى ت ١، ت٢، س: ((يمنعون).
(٢) فى م: ((أجلهم)).
(٣) فى النسخ: (( خيثم)).
(٤) أخرج رواية أبى رزين المرفوعة إلى الربيع بن خثيم: ابن أبى شيبة ٣٩٦/١٣ عن أبى معاوية عن الأعمش
عن أبى رزين عن الربيع، وعزاها السيوطى فى الدر المنثور ١٨٨/٥ إلى ابن أبى حاتم وابن المنذر. وستأتى عند
تفسير المصنف للآية (١٦) من سورة الأحزاب .
(٥) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٨٤/١ عن معمر به .

٦٠٧
سورة التوبة : الآية ٨٢
(والذی نفسی بیده ، لو تعلمون ما أعلمُ لضحِگتم قليلاً ، ولتگیثُم کثیرًا)» . ذُكِر لنا
أنه نُودى عندَ ذلك، أو قيل له : لا تُقَنِّطْ عبادی(١).
/ حدّثنا ابنُ[٩٦٢/١و] و کیع، قال : ثنا أمی ، عن سفيان ، عن منصورٍ ، عن أبى
رَزِينٍ، عن الربيعِ بنِ خُثيم: ﴿فَيَضْحَكُوْ قَلِيلًا﴾. قال: فى الدنيا، ﴿ وَلْيَبْكُوا
كَثِيرًا﴾. قال: فى الآخرةِ(٢).
٢٠٣/١٠
قال: ثنا أبو معاويةً، عن إسماعيلَ بنِ سُمَيعٍ، عن أبى رَزِينٍ: ﴿فَلَيْضْحَكُواْ
قَلِيلًا﴾. قال: فى الدنيا، فإذا صاروا إلى الآخرةِ بَكُوا بكاءً لا ينقطِعُ، فذلك
الکثیرُ.
حدّثنا علىُ بنُ داودَ ، قال: ثنا أبو صالح، قال : ثنی معاویةُ ، عن علىٍّ ، عن ابنٍ
عباسٍ قوله: ﴿ فَلْيَضْحَكُوْ قَلِيلًاً وَلْيَبَّكُواْ كَثِيرًا﴾ . قال: هم المنافقون والكفارُ الذين
اتَّخَذوا دينَهم هزوًا ولَعِبًا. يقولُ اللَّهُ تبارك وتعالى: ﴿فَلْيَضْحَكُوْ قَلِيلًا ﴾ فى الدنيا ،
وَلْيَبَّكُوا كَثِيرًا﴾ فى النارِ(٣).
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وَهْبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه :
فَلْيَضْحَكُواْ﴾ فى الدنيا ﴿قَلِيلًا﴾، ﴿وَلْيَبَّكُواْ﴾ يومَ القيامةِ ﴿ كَثِيرًا﴾ ، وقال :
﴿ إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ يَضْحَكُونَ﴾، حتى بَلَغَ: ﴿هَلْ تُبَ
اُلْكُفَارُ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ﴾(١)
[ المطففين: ٢٩ - ٣٦] .
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٨٥٥/٦ معلقا عقب الأثر (١٠٥٠٧) بشطره الأول فقط، وشطره
الثانى جزء من حديث أخرجه الترمذى (٢٣١٢) من حديث أبى ذر .
(٢) الزهد لوكيع (١٨)، ومن طريقه هناد فى الزهد (٤٧١)، وابن أبى حاتم فى تفسيره ١٨٥٦/٦.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٨٥٥/٦، ١٨٥٦ من طريق أبى صالح به ، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٢٦٥/٣ إلى ابن المنذر .
(٤) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٨٥٥/٦ معلقا عقب الأثر (١٠٥٠٧) لكن من قول زيد بن أسلم .

٦٠٨
سورة التوبة : الآيتان ٨٣،٨٢
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ فَإِن رَّجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَيِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَقْذَنُوَ لِلْخُرُوجِ
فَقُل لَن تَخْرُجُواْ مَعِىَ أَبَدًا وَلَن نُقَئِلُواْ مَعِىَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُم بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَأَفْعُدُواْ
٨٣
مَعَ الْخَلِفِينَ
یقولُ جلَّ ثناؤه لنبيّه محمدٍ دائم: فإن رَدَّك اللهُ یا محمدُ إلى طائفةٍ مِن هؤلاء
المنافقين مِن غزوتِك هذه ﴿فَأَسْتَقْذَنُوَكَ لِلْخُرُوجِ﴾ معك فى أخرى غيرِها، فقلْ
لهم: ﴿لَن تَخْرُجُواْ مَعِىَ أَبَدًا وَلَن نُقَتِلُواْ مَعِىَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُم بِالْقُعُودِ أَوَّلَ
مَّةِ﴾، وذلك عندَ خروج النبيِّ عَِّ إلى تبوكَ، ﴿فَأَقْعُدُواْ مَعَ الْخَلِفِينَ﴾ .
يقولُ: فَاقْتُدوا مع الذين قَعَدوا مِن المنافقين خِلافَ رسولِ اللهِ؛ لأنكم(١) منهم،
فَاقْتَدُوا بِهَدْيهِم، واعمَلوا مثلَ الذى عَمِلوا مِن معصيةِ اللَّهِ، فإن اللَّهَ قد سخِطَ
علیکم .
وبنحوِ الذى قُلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی أبی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی أُبی ، عن
أبيه ، عن ابنِ عباسٍ، قال: قال رجلٌ: يا رسولَ اللَّهِ، الحوْ شديدٌ ولا نستطيعُ
الخروج، فلا تَنْفِرُ(١) فى الحَّ. وذلك فى غزوة تبوكَ، فقال اللَّهُ: ﴿قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ
أَشَدُّ حَرَّ لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾. فأمَرِه اللّهُ بالخروجِ، فَتَخَلَّفَ عنه رجالٌ ، فأدرَكَتْهم
نفوسُهم، فقالوا: واللَّهِ ما صَنَعْنا شيئًا. فانطَلَق منهم ثلاثةٌ فَلَحِقوا برسولِ اللَّهِ عَهِ،
(١) فى ت١، ت٢، س، ف: ((لأنهم)).
(٢) فى ت١: ((ينفروا))، وفى ت٢: ((ينفر)).

٦٠٩
سورة التوبة : الآية ٨٣
فلما أتَوه تابوا ثم رَجَعوا إلى المدينةِ، فَأَنزَل اللَّهُ: ﴿فَإِن رَّجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَآئِفَةٍ
مِنْهُمْ﴾، إلى قوله: ﴿وَلَا نَقُمْ عَلَى قَبْرِوَّةٍ﴾. فقال رسولُ اللَّهِ عَئتهم: « مَلَكَ الذین /
تَخَلَّفوا)). فأنزل اللَّهُ مُذْرَهم لَّ تابوا، فقال: ﴿لَقَدِ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيّ وَالْمُهَاجِرِينَ ٢٠٤/١٠
وَالْأَنْصَارِ﴾، إلى قولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ النَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة: ١١٧، ١١٨]،
وقال: ﴿إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾(١) [التوبة:
حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَإِن رَّجَعَكَ
اَللَّهُ إِلَى طَيِفَةٍ مِّنْهُمْ﴾، إلى قولِهِ: ﴿فَقْعُدُواْ مَعَ الْخَلِفِينَ﴾ ، أى: مع النساءِ.
ذُكِر لنا أنهم كانوا اثْنَىْ عَشَرَ رجلًا مِن المنافقين، فقيل فيهم ما قيل ".
حدَّثنى المُثُنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح ، قال: ثنى معاويةُ ، عن علىِّ، عن
ابنِ عباسٍ: ﴿فَأَقْعُدُواْ مَعَ الْخَلِفِينَ﴾: والخالِفون الرجالُ (٤).
قال أبو جعفرٍ: والصوابُ مِن التأويلِ فى قوله: ﴿الْخَلِفِينَ﴾. ما قال ابنُ
عباسٍ.
فأما ما قال قتادةُ مِن أن ذلك النساءُ، فقولٌ لا معنَى له؛ لأن العربَ لا تجمعُ
النساءَ إذا لم يكنْ معهنَّ رجالٌ بالياءِ والنونِ ، ولا بالواوِ والنونِ ، ولو كان مَعْنيًّا بذلك
النساءُ، لقيل : فاقعدوا مع الخوالفِ . أو: مع الخالفاتِ . ولكن معناه ما قُلنا ، مِن أنه
أُرِيدَ به : فاقْعُدُوا مع مرضَى الرجالِ وأهلِ زَمانِهم ، والضعفاءِ منهم والنساءِ. وإذا
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٨٥٦/٦ عن محمد بن سعد به مختصرا .
(٢ - ٢) فى ص، س، ف: ((قتل منهم ما قتل))، وينظر مصدرى التخريج .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٨٥٦/٦ من طريق سعيد بن بشير عن قتادة ، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٢٦٥/٣ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ .
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٨٥٧/٦ من طريق عبد الله بن صالح به .
( تفسير الطبرى ٣٩/١١ )

٦١٠
سورة التوبة : الآيتان ٨٣، ٨٤
اجتمع الرجالُ والنساءُ فى الخبرِ ، فإن العربَ تُغَلِّبُ الذكورَ على الإناثِ ، ولذلك
قيل: ﴿فَقَعُدُواْ مَعَ الْخَلِفِينَ﴾ . والمعنى ما ذَكَرنا .
ولو ◌ُجِّه معنى ذلك إلى: فاقْعُدوا مع أهلِ الفسادِ ، مِن قولِهم : خَلَفَ الرجلُ
عن (١) أهلِه يَخْلُفُ خُلُوفًا: إذا فَسَد، ومِن قولِهم: هو خَلْفُ سَوْءٍ(١) - كان مذهبًا .
وأصلُهُ إِذا أريدَ به هذا المعنى، مِن قولِهم: خَلَفَ اللبنُ يَخْلُفُ خُلُوفًا: إذا خَبُثَ(٣) مِنْ
طولٍ وضعِه فى السّقاءِ حتى يَفْسُدَ، ومِن قولهم: خَلَفَ فمُ الصائم: إذا تَغَيَّرت
ریحه .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ وَلَا تُصَلّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُم ◌َّاتَ أَبَدًّا وَلَا نَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ: إِنَّهُمْ
٨٤
كَفَرُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَاتُواْ وَهُمْ فَسِقُونَ
یقولُ جلَّ ثناؤه لنبيّه محمدٍ سلام: [٩٦٢/١] ولا تُصَلِّ ، یا محمدُ ، على أحدٍ
ماتَ مِن هؤلاء المنافقين الذين تَخَلَّفوا عن الخروج معك أبدًا، ﴿ وَلَا نَقُمْ عَلَى
قَبْرِوٍَّ﴾. يقولُ: ولا تَتَوَلَّ دفتَه وتقبيرَه (٤) - مِن قولِ القائلِ: قامَ فلانٌ بأمرٍ فلانٍ. إذا
كَفاه أمرَه - ﴿ إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللَّهِ﴾. يقولُ: إنهم جحدوا توحيدَ اللَّهِ ورسالةً
رسولِه، وماتوا وهم خارِجون مِن الإسلامِ، مُفارِقون أمرَ اللَّهِ ونھیَه .
وقد ذُكِر أن هذه الآيةَ نزَلَت حينَ صَلَّى النبيُّ عَمِ على عبدِ اللَّهِ بنِ أُتُىِّ .
ذكرُ مَن قال ذلك
(١) فى ص، ت١، ت٢، س، ف: ((على)).
(٢) فى ت١، ت٢، س، ف: (( سواء)).
(٣) فى ص، ت١، ت٢، س، ف: ((خلف)).
(٤) فى م: (( تقبره)).

٦١١
سورة التوبة : الآية ٨٤
حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى وسفيانُ بنُ وكيع، وسَوَّارُ بنُ عبدِ اللهِ ، قالوا: ثنا
يحيى بنُ سعيدٍ، عن عُبَيدِ اللَّهِ قال : أخبرنى نافعٌ، عن ابنِ عمرَ، قال : جاء ابنُ
عبدِ اللهِ بنِ أبيِّ ابنٍ سلولَ إلى رسولِ اللهِ ◌َه / حينَ ماتَ أبوه، فقال: أُعْطِنى
قميصَك حتى أَكَفِّنَه فيه، وصَلِّ عليه، واسْتغفِرْ له. فأعطاه قميصَه - (وقال) :
((إذا فَرَغْتُمْ فَآَذِنُونِى)). فلما أرادَ أن يُصَلَِّ عليه، جذَبه عمرُ ، وقال: أليس قد نَهاك
اللَّهُ أن تُصَلَِّ على المنافقين؟! فقال: ((بل خَيَّرَنى وقال: ﴿أُسْتَغْفِرْ لَمْ أَوْ لَا
تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾)). قال: فصَلَّى عليه. قال: فأنزل اللَّهُ تبارك وتعالى: ﴿ وَلَا تُصَلّ
عَلَّ أَحَدٍ مِنْهُم ◌َاتَ أَبَدًّا وَلَا نَقُمْ عَلَى قَبْرِّؤْهِ﴾. قال: فترَك الصلاةَ عليهم (١).
٢٠٥/١٠
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا أبو أسامةَ ، عن عُبَيدِ اللَّهِ ، عن ابنِ عمرَ، قال: لمَّ
تُوفِّى عبدُ اللَّهِ بنُ أبيّ ابنُ سلولَ، جاء ابنه عبدُ اللَّهِ إلى النبيِّ عَظِلّهِ، فسأله أن يُعْطِيَه
قميصَه، يُكَفِّنُ فيه أباه ، فأعطاه، ثم سأله أن يُصَلِّىَ عليه، فقامَ عمرُ بنُ الخطابِ ،
رَضِيَ اللَّهُ عنه، فأخَذَ بثوبِ النبيِّ مَّهِ، فقال: ابنَ سَلولَ! أَتُصَلِّى عليه وقد نَهاك
اللَّهُ أن تُصَلِّىَ عليه؟! فقال النبىُ عَ لَه: ((إنما خَيََّنى ربى، فقال: ﴿أُسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ
لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ . وسأزيدُ على
سبعين)). فقال: إنه منافقٌ! فصَلَّى عليه رسولُ اللَّهِ عَهِ، فأنزل اللَّهُ: ﴿وَلَا تُّصَلِّ
عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم ◌َاتَ أَبَدًا وَلَا نَقُمْ عَ قَبْرِهِ﴾ (١.
حدَّثنا سَوَّارُ بنُ عبدِ اللَّهِ العَنْبَرِىُّ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ ، عن مُجالدٍ ، قال:
(١ - ١) سقط من : ص ، ف .
(٢) أخرجه البخارى (١٢٦٩)، ومسلم (٤/٢٧٧٤)، وابن ماجه (١٥٢٣)، والترمذى (٣٠٩٨)،
والنسائى فى الكبرى (٢٠٢٧)، (١١٢٢٤)، والمجتبى (١٨٩٩)، وابن أبى حاتم فى تفسيره ١٨٥٧/٦ من
طريق يحيى بن سعيد به .
(٣) أخرجه البخارى (٤٦٧٠)، ومسلم (٣/٢٧٧٤)، والطحاوى فى المشكل (٧٠)، وابن أبى حاتم فى =

٦١٢
سورة التوبة : الآية ٨٤
ثنى عامرٌ، عن جابرِ بنِ عبدِ اللَّهِ ؛ أن رأسَ المنافقين مات بالمدينةِ، فأوصى أن يُصَلِّىَ
عليه النبيُّ مَّهِ، وأن يُكَفَّنَ فى قميصِه، فَكَفَّنَه فى قميصِه، وصَلَّى عليه، وقامَ على
قبره، فأنزل اللَّهُ تبارك وتعالى: ﴿ وَلَا تُصَلِّ عَلَىَ أَحَدٍ مِنْهُم ◌َاتَ أَبَدًا وَلَا نَقُمْ عَى
(١)
قَبْرِوٍ﴾(١).
حدَّثنى أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن یزیدَ
الرَّقَاشِيِّ، عن أنسٍ، أن رسولَ اللَّهِ وٍَّ أرادَ أن يُصَلِّىَ على عبدِ اللهِ بنِ أبيّ ابنٍ
سَلولَ، فأخَذَ جبريلُ، عليه السلامُ، بثوبِهِ فقال: ﴿ وَلَا تُصَلّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُم ◌َاتَ
أَبَا وَلَا نَقُمْ عَلَى قَبْرِيْءٍ﴾(١).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا ابنُ عُبَينةً(٢)، عن عمرٍو، عن جابرٍ ، قال : جاءٌ.
النبىُّ عَّمِ عبدَ اللَّهِ بنَ أبيٍّ، وقد أُدْخِلَ حُفْرتَه، فَأُخْرَجه، فوضَعه على رُكْبتَيَه،
وألبسه قميصه، وتفَل عليه مِن ريقِه، واللَّهُ أعلمُ(٥) .
حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ ، قال: ثنا سَلَمةُ ، عن محمدِ بنِ إسحاق ، عن الزهرىِّ ، عن
= تفسيره ١٨٥٧/٦، والبيهقى فى الدلائل ٢٨٧/٥ من طريق أبي أسامة عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر
به، وأخرجه البخارى (٧٦٧٢) وابن أبى حاتم فى تفسيره ١٨٥٧/٦ من طريق عبيد الله عن نافع عن ابن عمر
به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٦٦/٣ إلى ابن المنذر وابن مردويه، وبهذه الطرق يتبين أن فى سند الطبرى
سقطا ، وهو نافع ، الواسطة بين عبيد الله ، وابن عمر .
(١) أخرجه ابن ماجه (١٥٢٤)، والبزار - كما فى تفسير ابن كثير ١٣٤/٣، والطحاوى فى المشكل (٧١)
من طريق يحيى بن سعيد به ، وأخرجه أحمد ٢٣٧/٢٣ (١٤٩٨٦) والنسائى فى الكبرى (٩٦٦٥) من طريق
أبى الزبير عن جابر بنحوه ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٦٦/٣ إلى أبى الشيخ وابن مردويه.
(٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١٣٤/٤ عن المصنف ، وأخرجه أبو يعلى (٤١١٢) من طريق يزيد الرقاشى به،
وقال الهيثمى فى مجمع الزوائد ٤٢/٣: رواه أبو يعلى، وفيه يزيد الرقاشى ، وفيه كلام وقد وثق . وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ٢٦٦/٣ إلى ابن مردويه .
(٣) فى ص، ت١، ت٢، س، ف: ((علية)). وينظر مصادر التخريج .
(٤) سقط من : ص ، ت١، ت٢، س.
(٥) أخرجه البخارى (١٢٧٠، ١٣٥٠، ٣٠٠٨، ٥٧٩٥)، ومسلم (٢/٢٧٧٣)، والنسائى فى الكبرى
(٢٠٢٨)، والمجتبى (١٩٠٠، ٢٠١٨) من طريق ابن عيينة به .

٦١٣
سورة التوبة : الآية ٨٤
عُبَيدِ اللهِ بنِ عبدِ اللَّهِ بنِ عُثْبةَ بنِ مسعودٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ عباسٍ، قال : سمعتُ عمرَ
ابنَ الخطابِ ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، يقولُ: لَّ تُوفِّى عبدُ اللَّهِ بنُ أبيِّ ابنُ سلولَ، دُعِى
رسولُ اللَّهِ عَهِ للصلاةِ عليه(١) ، فقامَ إليه، فلما وقَف عليه يريدُ الصلاةَ، تَحوَّلْتُ
حتى قُمْتُ فى صدرِه، فقلتُ: يا رسولَ اللَّهِ ، أَتُصَلِّى على عدوٌّ اللَّهِ ، عبدِ اللهِ بنِ
أَبِىِّ ، القائلِ يومَ كذا، كذا وكذا. (أُعَدِّدُ أيامَه٢)، ورسولُ اللَّهِ عليه الصلاةُ والسلامُ
يَتَبَسَّمُ، حتى إذا أكثَرتُ عليه، قال: ((أَخِّرْ عنى يا عمرُ، إنى خُيُّرْتُ فاخْتَرْتُ ، وقد
قيل لى: ﴿أَسْتَغْفِرْ لَمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ/ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ
اللَّهُ لَهُمْ ﴾ فلو أنى أعلمُ أنى إن زِدْتُ على السبعين غُفِرِ له، لزِدْتُ)). قال: ثم صَلَّى
عليه ومَشَى معه، فقامَ على قبرِه، حتى فُرِعَ منه. قال: أتعجّبُ (١) لى وجُزْأتى على
رسولِ اللَّهِ بِهِ، واللَّهُ ورسولُه أعلمُ، فواللهِ ما كان إلا يسيرًا حتى نَزَلَت هاتان
الآيتان: ﴿ وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُم ◌َاتَ أَبَدًا﴾. فما صَلَّى رسولُ اللَّهِ عَلِ بعدَه(٤)
على منافقٍ، ولا قامَ على قبرِه حتى قبضه اللَّهُ(٥).
٢٠٦/١٠
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن محمدِ بنِ إِسحاقَ ، عن عاصمِ بنِ عمرَ
ابنِ قتادةَ ، قال: لما مات عبدُ اللَّهِ بنُ أبيٍّ، أَتَى ابنُه عبدُ اللَّهِ بنُ عبدِ اللَّهِ رسولَ اللَّهِ
سَلَه ، فسأله قميصَه، فأعطاه، فكَفَّنَ فيه أباه .
حدَّثنا المُثُنى ، قال : ثنا أبو صالح، قال: ثنى الليثُ ، قال: ثنى عُقَيْلٌ ، عن ابنِ
(١) فى ص، ت١، ت٢، ف: ((إليه)).
(٢ - ٢) فى ت١، ت٢، س: ((أعد آثامه)).
(٣) فى ص، ف: ((تعجب)) وفى ت١، ت٢: ((فعجب)). وفى مصدر التخريج: ((فعجبت)) وهو أقرب .
(٤) سقط من: ص ، ت١، ت٢ ، س ، ف. وينظر مصدر التخريج.
(٥) سيرة ابن هشام ٥٥٢/٢، وأخرجه أحمد ٢٥٤/١ (٩٥)، وعبد بن حميد (١٩)، والترمذى
(٣٠٩٧)، والبزار (١٩٣)، وابن أبى حاتم فى تفسيره ١٨٥٣/٦، وابن حبان (٣١٧٦) من طريق ابن
إسحاق به .

٦١٤
سورة التوبة : الآية ٨٤
شهابٍ ، قال : أخبرني عبيدُ اللَّهِ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عتبةَ، عن عبدِ اللهِ بنِ عباسٍ، عن
عمرَ بنِ الخطابِ ، قال: لما مات عبدُ اللَّهِ بنُ أبيٌّ . فذكَر مثلَ حديثِ ابنِ حميدٍ ، عن
2(١)
سلمةً (١) .
حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ وَلَا تُصَلّ عَلَىَ
أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًّا وَلَا نَقُمْ عَلَى قَبْرِهِةِ﴾ الآية. قال: بعَث عبدُ اللَّهِ بنُ أبيّ إلى
رسولِ اللهِ لَّمِ وهو مريضٌ ليأتيَه، فنَهاه عن ذلك عمرُ، فأتاه نبىُ اللَّهِ عَلِّ، فلما
دَخَل عليه، قال نبىُ اللَّهِ مَّهِ: ((أهْلَكَك حُبُّ(٢) اليهودِ)). قال: فقال: يا نبيَّ اللَّهِ،
إنى لم أَبَعَثْ إليك لتُؤْنِّبَنى، ولكن بَعثتُ إليك لتستغفرَ لى. وسأله قميصَه أن يُكفَّنَ
فيه ، فأعطاه إياه، فاستغفرَ له رسولُ اللَّهِ صَ لِّ، فمات، فكُفِّنَ فى قميصِ رسولِ اللَّهِ
عَلَه، ونفَث فى جلدِه، ودَلَاه فى قبره، فأنزل اللَّهُ تبارك وتعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى
أَحَدٍ مِنْهُم ◌َاتَ أَبَدًا﴾ الآية، قال: ذُكِر لنا أن نبيَّ اللَّهِ مَِّ كُلِّم فى ذلك، فقال:
((وما يُغْنِى عنه قَمِيصِى مِن اللَّهِ - أو رِّى - وَصَلاتى(١) عليه، وإنى لأرجو أن يُسْلِمَ
به ألفٌ مِن قومِه))(٤).
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأَعْلَى ، قال: ثنا ابنُ ثَوْرٍ، عن مَعْمَرٍ ، عن قتادةَ، قال :
أرسَل عبدُ اللَّهِ بنُ أبيّ ابنُ سلولَ وهو مريضٌ إلى النبيِّ ◌َِّهِ، فلما دخَل عليه، قال له
النبىُّ عَمِ: ((أهْلَكَك حُبُّ يهودَ)). قال: يا رسولَ اللَّهِ ، إنما أرسلتُ إليك لتستغفرَ
لى، ولم أرسلْ إليك لتُؤَنَِّنى. ثم سأله عبدُ اللَّهِ أن يُعْطِيَه قميصَه أن يُكَفَّن فيه،
(١) أخرجه البخارى (٤٦٧١، ٤٦٧١)، والنسائى (١٩٦٥) من طريق الليث به ، وعلقه النحاس فى ناسخه
ص٥٢٣، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٦٤/٣ إلى ابن مردويه وأبى نعيم فى الحلية، وهو فى الحلية ٤٣/١،
٤٤، وفيه سقط من الإسناد .
(٢) فى ص، ت١، ت٢، ف: ((أحب)).
(٣) فى ص، ت١، ت٢، س، ف: ((صلى)).
(٤) ذكره الزيلعى فى تخريج الكشاف ٩٣/٢ عن المصنف ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٦٦/٣ إلى أبى
الشيخ بنحوه، وينظر فتح البارى ٣٣٤/٨ .

٦١٥
سورة التوبة : الآيات ٨٤ - ٨٦
فأعطاه إياه وصَلَّى عليه، وقامَ على قبرِه، فأنزل اللَّهُ تعالى ذكرُه: ﴿ وَلَا تُصَلّ عَلَىَ
أَحَدٍ مِنْهُم مَاتَ أَبَدًا وَلَا نَقُمْ عَلَى قَبِهِهِ﴾(١).
القولُ فى تأويلٍ قولِهِ: ﴿ وَلَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُمْ وَأَوْلَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِدُ الَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُم
٨٥
◌ِهَا فِ الذُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَفِرُونَ
/ يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ عَ له: ولا تُعْجِبْك يا محمدُ ، أموالُ هؤلاء
المنافِقِين وأولادُهم، فتُصَلّىَ على أحدِهم إذا مات ، وتقومَ على قبرِهِ مِن أجل كثرةٍ ٢٠٧/١٠
مالِهِ وولدِهِ ، فإنى إنما أعطيتُه ما أعطيتُه من ذلك؛ لأَعَذِّبَه بها فى الدنيا بالغمومِ
والهموم، بما أَلْزِمُه فيها مِن المؤنِ والنفقاتِ والزّكواتِ ، وبما يَنوبُه فيها من الرّزايا
والمُصيباتِ ، ﴿ وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ﴾. يقولُ: وليموتَ فتَخْرُجَّ نفسُه مِن جسدِه،
فيُفارِقَ ما أعطيتُه مِن المالِ والولدِ ، فيكونَ ذلك حسرةً علیه عندَ موتِه ، وَوبالاً عليه
حينئذٍ ، ووَبالا عليه فى الآخرةِ، بموتِه جاحِدًا توحيدَ اللهِ، ونبوةَ نبيِّه محمدٍ عَ له .
حدَّثنى المُثُنى، قال: ثنا سُويدُ بنُ نصرٍ ، قال: أخبرنا ابنُ المباركِ، عن سفيانَ ،
عن السُّدِّىِّ: ﴿ وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ﴾ فى الحياةِ الدنيا(٢) .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ وَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةً أَنْ ءَامِنُواْ بِلَّهِ وَجَِهِدُواْ مَعَ رَسُولِهِ
١٨٦
اُسْتَخْذَنَكَ أُوْلُواْ الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُواْ ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْفَعِدِينَ
[٩٦٣/١ظ] يقولُ تعالى ذكره : وإذا أُنزِل عليك، يا محمدُ، سورةٌ مِن القرآن ،
بأن يقالَ لهؤلاء المنافقين: ﴿ ءَامِنُواْ بِاللَّهِ﴾. يقولُ: صَدِّقُوا باللهِ، ﴿وَجَِهِدُواْ مَعَ
رَسُولِهِ﴾. يقولُ: اغْزُوا المشركين مع رسولِ اللهِ مَّهِ، ﴿أُسْتَعْذَنَكَ أُوْلُواْ الطَّوْلِ
مِنْهُمْ﴾. يقولُ: استأذَنَك ذَوو الغِنَى والمالِ منهم فى التَّخَلَّفِ عنك، والقعودِ فى
(١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٨٥/١ عن معمر به .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٨١٤/٦ من طريق أسباط عن السدى .

٦١٦
سورة التوبة : الآيتان ٨٧،٨٦
أهلِهِ، ﴿ وَقَالُواْ ذَرْنَا﴾. يقولُ: ((وقالوا) لك: دَعْنا نكُنْ ممن يَقْعُدُ فى منزلِه مع (١)
ضعفاءِ الناسِ ومَرْضاهم، ومَن لا يَقدِرُ على الخروجِ معك فى(٣) السفرِ.
وبنحوِ الذى قُلنا فى معنى الطَّوْلِ قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا علىُ بنُ داودَ ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنى معاويةُ، عن علىّ ، عن ابنِ
عباسٍ قولَه: ﴿أَسْتَشْذَنَكَ أُوْلُوا الَّوْلِ﴾. قال: يعنى أهلَ الغِنَى (٤).
حدّ ثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی أیی ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍٍ: ﴿ أُوْلُوا الَّوْلِ مِنْهُمْ﴾. يعنى: الأغنياءَ.
حدَّثنا ابنُ محُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿ وَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ
◌َامِنُواْ بِاللَّهِ وَجَِهِدُواْ مَعَ رَسُولِهِ أُسْتَئِذَنَكَ أُوْلُواْ اُلَّوْلِ مِنْهُمْ﴾ كان منهم عبدُ اللهِ
ابنُ أبيِّ، والجَدُّ بنُ قيسٍ، فَتَعَى اللهُ ذلك عليهم" .
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿ رَضُواْ بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَيِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ
فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ
٨٧
/ يقولُ تعالى ذكرُه: رَضِى هؤلاء المنافقون الذين إذا قيل لهم : آمنوا باللهِ،
وجاهِدوا مع رسولِه ، استأذَّنَك أهلُ الغِنَى منهم فى التخلّفِ عن الغزوِ والخروجِ معك
٢٠٨/١٠
(١ - ١) سقط من : ف .
(٢) فى ص، ت١، ت٢، س، ف: ((من)).
(٣) فى ص، ت١، ت٢، س، ف: ((و)).
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٨٥٨/٦ من طريق الضحاك عن ابن عباس ، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٢٦٦/٣ إلى ابن المنذر وابن مردويه .
(٥) سيرة ابن هشام ٥٥٢/٢، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٨٥٩/٦ من طريق سلمة بنحوه .

٦١٧
سورة التوبة : الآية ٨٧
لقتالِ أعداءِ اللهِ مِن المشركين - أن يكونوا فى منازلهم كالنساءِ اللَّواتی ليس عليهنَّ
فرضُ الجهادِ ، فهن تُعُودٌ فى منازِلهنَّ وبيوتِهِن، ﴿ وَطْبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾. يقولُ:
وختَم اللهُ على قلوبٍ هؤلاء المنافقين، ﴿فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾ عن اللهِ مواعظَه ،
فِيَتَّعِظُوا(١) بها وقد بيَّنَّا معنى الطبع، وكيف الختمُ على القلوبِ فيما مضَى بما أغنَى
عن إعادتِه فى هذا الموضعِ(٢) .
وبنحوِ الذى قُلنا فى معنى الخوالفِ قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى المُثَنَّى ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالح ، قال: ثنى معاويةُ ، عن علىّ ، عن
ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿رَضُوا بِأَن يَكُونُوا مَعَ الْخَوَاِفِ﴾. قال: والخَوالفُ هنَّ النساءُ(٣).
حدّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی ابی ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿رَضُواْ بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَاِفِ﴾. يعنى: النساءً ).
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا حَبُّويه أبو يزيدَ، عن يعقوبَ القُمِّىِّ ، عن حفصٍ بنِ
- (٤)
مُحُمَيدٍ ، عن شِمْرِ بنِ عطيةً: ﴿رَضُواْ بِأَنْ يَكُونُواْ مَعَ الْخَوَالِفِ﴾. قال: النساءُ" .
قال : ثنا المحاربيُّ، عن مجُوَيبٍ، عن الضحاكِ: ﴿مَعَ الْخَوَالِفِ﴾. قال: مع
النساءِ .
حدَّثْنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ رَضُوا بِأَنَ
(١) فى م: ((فيتعظون)).
(٢) ينظر ما تقدم فى ٢٦٥/١ .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٨٥٩/٦ من طريق الضحاك عن ابن عباس به ، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٢٦٦/٣ إلى ابن المنذر وابن مردويه .
(٤) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٨٥٩/٦ معلقًا .

٦١٨
سورة التوبة : الآيتان ٨٧، ٨٨
يَكُونُواْ مَعَ الْخَوَالِفِ﴾، أى مع النساءِ .
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأَعْلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ
والحسنِ: ﴿رَضُواْ بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ﴾. قالا: النساءِ(١) .
حدَّثنى المُثَنِى ، قال: ثنا أبو محُذَيفةَ ، قال : ثنا شِئْلٌ، عن ابنٍ أبى نجيحٍ، عن
مجاهدٍ مثلَه(٢) .
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجْ، عن ابنٍ مجُرَيجٍ، عن
- (٣)
مجاهدٍ مثله(٣) .
حدَّثنى يونس، قال: أخبرنا ابنُ وَهْبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ رَضُواْ
بِأَنْ يَكُونُواْ مَعَ الْخَوَالِفِ﴾ . قال: مع النساءِ.
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُمٍ جَهَدُواْ بِأَمْوَهِمْ
وَأَنْفُسِهِزَّ وَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَتُّ وَأُوْلَبِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
٨٨
يقولُ تعالى ذكرُه: لم يُجاهِدْ هؤلاء المنافقون الذين اقْتَصَصْتُ قَصَصَهم
المشركين، لكن الرسولُ محمدٌ عَله، والذين صَدَّقوا الله ورسوله معه، هم الذین
جاهَدوا المشركين بأموالهم وأنفسهم، / فأنفَقوا فى جهادِهم أموالَهم، وأَتْعَبوا فى
قتالِهِم أنفسَهم وبَذَلُوها، ﴿ وَأُوْلَئِكَ﴾. يقولُ: وللرسولِ وللذين آمنوا معه ، الذين
دـ
جاهَدوا بأموالهم وأنفسِهم ﴿الْخَيْرَتُ﴾: وهى (١) خيراتُ الآخرةِ، وذلك نساؤها
وجناتُها ونعيمُها .
٢٠٩/١٠
(١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٨٦/١ عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٦٦/٣ إلى أبى الشيخ.
(٢) تفسير مجاهد ص ٣٧٣ .
(٣) أخرجه سعيد بن منصور ( ١٠٢٩ - تفسير) من طريق ابن جريج به.
(٤) فى ص، ف: ((هم)).
۔

٦١٩
سورة التوبة : الآيات ٨٨ - ٩٠
واحدتُها خَيْرَةٌ، كما قال الشاعرُ(١):
رَبَلَاتِ هندٍ خَيْرةِ المَلِكَاتِ
ولقد طَعَنْتُ مَجامِعَ الرَّبَلاتِ(٢)
والخَّرةُ مِن كلِّ شيءٍ: الفاضلةُ .
: وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. يقولُ: وأولئك هم المُخَلَّدون فى الجناتِ،
الباقون فيها ، الفائزون بها .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿أَعَذَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَّحْتِهَا الْأَنْهَرُ خَالِدِينَ
فِيَهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ
٨٩
يقولُ تعالى ذكره: أعدَّ اللهُ لرسوله محمدٍ عَ لَه وللذين آمنوا معه ◌َنَّاتٍ ، وهى
البساتينُ تَّجْرِى مِن تحتِ أشجارِها الأنهارُ، [٥٩٦٤/١] ﴿خَلِينَ فِيَهَا﴾. يقولُ:
لا يثِين فيها، لا يموتون فيها، ولا يَظْعَنون عنها، ﴿ذَلِكَ الْفَوْزُ اٌلْعَظِيمُ﴾. يقولُ:
ذلك النَّجَاءُ العظيمُ، والحظُّ الجزيلُ.
القولُ فى تأويل قولِه: ﴿ وَجَلَّ اُلْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ
ج
كَذَبُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
يقولُ تعالى ذكره: وَجاءَ رسولَ اللهِ عَّهِ المُعْتَذِرُونَ(٢) مِن الأعرَابِ ليؤذنَ
لهم فى التَّخَلُّفِ، وقَعَدَ عن المجىءِ إلى رسولِ اللهِ يَ ◌ّهِ والجهادِ معه الذين كذَبوا اللَّهَ
ورسُولَه، وقالوا الكذبَ، واعْتَذَروا بالباطلِ فيهم. يقولُ تعالى ذكرُه : سيُصيبُ
(١) هو رجل جاهلى من بنى عدى ؛ عدى تميم، والبيت فى مجاز القرآن ٢٦٧/١ واللسان (خ ی ر).
(٢) هى جمع ربلَة أو رَبَلَة ، وهى كل لحمة غليظة ، وقيل: هى ما حول الضرع والحياء من باطن الفخذ ،
وقيل: هى باطن الفخذ . وهذا الأخير هو المناسب هنا . ينظر اللسان (ر ب ل).
(٣) فى ص، م: ((المعذرون)).

٦٢٠
سورة التوبة : الآية ٩٠
الذين جَحَدوا توحيدَ اللهِ، ونُؤَّةَ نبيِّه محمدٍ عَ لَِّ منهم، عذابٌ أليمٌ.
فإن قال قائلٌ: فكيف قيل: ﴿ وَجَ اٌلْمُعَذِّرُونَ﴾. وقد عَلِمتَ أن المُعَذِّرَ فى
كلام العربِ، إنما هو الذى يُعَذِّرُ فى الأمرِ ، فلا يبالِغُ فيه ، ولا يُحْكِمُه، وليست هذه
صفةً هؤلاء، وإنما صفتُهم أنهم كانوا قد اجْتَهَدوا فى طلبٍ ما يَنْهَضون به مع رسول
اللهِ عَ ◌ّه إلى عدوّهم، وحَرَصُوا على ذلك، فلم / يَجدوا إليه السبيلَ، فهم بأن
يوصّفوا بأنهم قد أَعْذَروا، أولى وأحقٌّ منهم بأن يُوصَفوا بأنهم عَذَّروا، و(١) إذا
وصِفوا بذلك فالصوابُ فى ذلك مِن القراءةِ ما قرَأه ابنُ عباسٍ .
٢١٠/١٠
وذلك ما حدَّثناه المُثنى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال: ثنا ابنُ أَبِى حَمَّادٍ ، قال : ثنا
بِشْرُ بنُ عُمَارةَ، عن أبى رَوْقٍ ، عن الضحاكِ ، قال : كان ابنُ عباسٍ يقرأُ : (وجَاء
المُعَذِرُونَ ) مخففةٌ، ويقولُ: هم أهلُ العُذْرِ (٢).
مع موافقةٍ مجاهدٍ إياه وغيرِه عليه .
قيل : إن معنى ذلك على غيرِ ما ذهبتَ إليه، وأن معناه: وجاءَ المُغْتَذِرون مِن
الأعرابِ، ولكنَّ ((التاءَ)) لَّ جاوَرَت ((الذالَ)) أُدغِمت فيها، فصُيِّرتا ((ذالًا))
مشددةً؛ لتقاربِ مخرج إحداهما مِن الأخرى، كما قيل: ((يذَّكرون)) فى
يَتَذَكَّرون، و ((يذَّكِرُ)) فى يَذكَّرُ، وخَرَجَت ((العينُ)) مِن الْمُعَذِّرين إلى الفتح؛ لأن
حركةَ (( التاءِ)) مِن الْمُغْتَذِرِين وهى الفتحةُ، نُقِلَت إليها، فحُرِّكَتْ بما كانت به
مُحَرَّكَةٌ . والعربُ قد تُوَجِّه فى معنى الاعْتذارِ إلى الإِعْذارِ، فتقولُ: قد اعْتَذَر فلانٌ
(١) سقط من : م .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٨٦٠/٦ من طريق بشر بن عمارة به، وقراءة ابن عباس هذه هى قراءة
يعقوب من العشرة، والكسائى فى رواية قتيبة. ينظر حجة القراءات ص ٣٢١ والنشر ٢١٠/٢.