النص المفهرس
صفحات 581-600
٥٨١
سورة التوبة : الآيات ٧٥ - ٧٧
قوله: ﴿ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ﴾: ذُكِر لنا أن نبيَّ اللَّهِ عَ لَّهِ حَدَّثَ أن موسى
عليه السلامُ لمّ جاء بالتوراةِ إلى بنى إسرائيلَ، قالت بنو إسرائيلَ: إن التوراةَ كثيرةٌ ،
وإنا لا نفرٌغُ لها ، فسَلْ لنا ربَّك جِماعًا مِن الأمرِ نحافظُ عليه، ونَتَفْوَُّ فِيه ◌َعَاشِنَا .
قال: يا قوم مَهلًا مَهْلًا، هذا كتابُ اللَّهِ، ونورُ اللَّهِ، وعِضْمةُ اللَّهِ . قال: فأَعَادوا
عليه، فأعادَ عليهم، قالها ثلاثًا . قال: فأوحَى اللَّهُ إلى موسى: ما يقولُ عبادى؟
قال : يا ربِّ يقولون: كَيْتَ وكَيْتَ . قال: فإنى آمُرُهم بثلاثٍ، إن حافَظوا عليهنَّ
دَخَلَوا بهنَّ الجنةَ ، أَن يَنْتَهُوا إلى قِسْمةِ الميراثِ فلا يَظْلِموا فيها، ولا يُدْخِلوا أبْصارَهم
البيوتَ حتى يُؤْذَنَ لهم ، وألا يَطْعَموا طَعامًا حتى يَتَوضَّئوا وضوءَهم للصلاةِ . قال :
فَرَجَع بهنَّ نبىُّ [٩٥٨/١ و] اللَّهِ حَظّه إلى قومِه، فَفَرِحوا ورأوا (١) أنهم سيقومون بهنَّ.
قال: فواللهِ ما لَبِثَ القومُ إلا قليلًا حتى حَقْحَقُوا(١) وانقُطِعَ بهم. فلما حَدَّثَ نبىُ اللهِ
بهذا الحديثِ عن بنى إسرائيلَ، قال: ((تَقْثُلُوا (٣) لى "سنًّا أنقبَّلْ" لكم الجنَّةَ(٥)).
قالوا: ما هُنَّ يا رسولَ اللَّهِ؟ قال: ((إذا حَدَّثْتُم فلا تَكْذِبوا، وإذا وَعَدْتُم فلا تُخْلِفوا،
وإذا ائْتُمِنْتُم فلا تَخونُوا، وكُنُّوا أبصارَكم وأيديكم وفُروجَكم(١)؛ أبصارَكم عن
الخيانةِ، وأيديكم عن السرقةِ، وفروجَكم عن(١) الزِّنا))(٨).
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((رووا)).
(٢) فى م: ((جنحوا)) وحقحق القوم: إذا اشتدوا فى السير. اللسان (ح ق ق).
(٣) فى م: (( تكفلوا)). وتقبل وتكفّل بمعنَى. ينظر اللسان (ق ب ل).
(٤ - ٤) فى م: (( بست أتكفل)).
(٥) فى م: ((بالجنة)).
(٦) بعده فى م: (( و)).
(٧) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((من)).
(٨) أخرجه ابن أبى الدنيا فى الصمت (٥١٧) من طريق يزيد به إلى قوله : بما كانوا يكذبون ومن هنا إلى آخره
عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٦٢/٣ إلى أبى الشيخ، وأخرج المرفوع منه ابن أبى شيبة وأحمد بن منيع فى
مسنديهما كما فى المطالب العالية (٢٩٠٩/٢،١)، وأبو يعلى (٤٢٥٧)، والحاكم ٣٥٩/٤، والخطيب فى
الموضح ١٦٨/٢ من حديث أنس. وأخرجه أحمد ٣٢٣/٥ (ميمنية)، والبيهقى ٢٨٨/٦ من حديث عبادة .
٥٨٢
سورة التوبة : الآيات ٧٥ - ٧٧
١٩١/١٠
احدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ، أن
النبيَّ عَّهِ كان يقولُ: ((ثلاثٌ مَن كُنَّ فيه صارَ مُنافِقًا، وإن صامَ وصَلَّى وزَعَم أنه
مسلمٌ؛ إذا حَدَّثَ كَذَبَ، وإذا اثْتُمن خانَ ، وإذا وَعَدَ أُخْلَفَ))(١).
وقال آخرون: بل المَغْنِئُ بذلك رجلان؛ أحدُهما ثَعْلبةُ، والآخرُ مُعَِّبُ بنُ
تَشَيْرٍ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدّثنا ابنُ حُمَیدٍ ، قال : ثنا سَلَمةُ ، عن ابنِ إسحاق ، عن عمرو بنِ عُبيدٍ ، عن
الحسنِ: ﴿وَمِنْهُم مَنْ عَهَدَ اللَّهَ لَإِنْ ءَاتَئِنَا مِن فَضْلِهِ،﴾ الآية (١: وكان الذى
عاهَدَ اللَّهَ منهم تَعْلبةُ بنُ حاطبٍ ، ومُعَتِّبُ بنُ قُشَيْرٍ، وهما مِن بنى عمرو بنِ عوفٍ(٢).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال : ثنا أبو عاصم، قال : ثنا عيسى ، عن ابنٍ أبى
تَجيح، عن مجاهدٍ فى قولِ اللَّهِ: ﴿وَمِنْهُم مَنْ عَهَدَ اللَّهَ لَبِنْ ءَاتَنْنَا مِن
فَضْلِهِ،﴾. قال: رجلان خَرَجا على ملاَّ قُعُودٍ، فقالا: واللَّهِ لئن رَزَقَنَا اللَّهُ
لنَصَّدَّقَّ، فلما رَزَقَهم اللَّهُ بَخِلوا به .
حدَّثنى المُثُنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِئْلٌ، عن ابنِ أبى تَجِيحٍ، عن
مجاهدٍ: ﴿وَمِنْهُم مَّنْ عَهَدَ اللَّهَ لَإِنْ ءَتَنْنَا مِن فَضْلِهِ،﴾: رجلان خَرَجا على
ملَأَّ تُقُودٍ ، فقالا : واللَّهِ لِن رَزَقَنَا اللَّهُ لنَصَّدَّقنَّ. فلما رَزَقَهم بَخِلوا به، فَأَعْقَبهم نفاقًا
فى قلوبِهم بما أَخْلَفوا اللَّهَ ما وَعَدوه حينَ قالوا: لنصّدَّقَّ. فلم يَفْعَلوا.
(١) أخرجه الفريانى فى ذم المنافقين (٢١) من طريق يزيد، عن يونس بن عبيد، عن الحسن . وأصل الحديث
أخرجه البخارى ( ٣٣، ٢٧٤٩، ٦٠٩٥)، ومسلم (١٠٧ - ١١٠) من حديث أبى هريرة .
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((الآخر))، وفى م: ((إلى الآخر)).
(٣) سيرة ابن هشام ٢/ ٥٥١.
٥٨٣
سورة التوبة : الآيات ٧٥ - ٧٧
حدَّثْنى المُثُنَّى، قال : ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن ورقاءَ، عن ابنٍ أبى
نجیح، عن مجاهدٍ نحوَه(١).
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وَهْبٍ ، قال : قال ابنُ زيدٍ فى قوله : ﴿ وَمِنْهُم
مَّنْ عَهَدَ اُللَّهَ لَبِنْ ءَاتَنْنَا مِن فَضْلِهِ، لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ الآية. قال: هؤلاء صِنْفٌ مِن
المُنَافِقِين، فلما آتاهم ذلك بَخِلوا به، فلما بَخِلوا بذلك أعقَبَهم بذلك نفاقًا إلى يومٍ
يَلْقَونه ، ليس لهم منه توبةٌ ولا مغفرةٌ ولا عفوٌ، كما أصابَ إِبليسَ حينَ مَنَعه التوبةَ .
قال أبو جعفرٍ : فى هذه الآيةِ الإبانةُ مِن اللَّهِ جلّ ثناؤه عن علامةِ أهلِ النفاقِ ،
أعنى فى قوله: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِ قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمٍ يَلْقَوْنَهُ بِمَآ أَخْلَفُواْ اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ
وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ ﴾ .
وبنحوِ هذا القولٍ كان يقولُ جماعةٌ مِن الصحابةِ والتابعين، ورُوِيت(٢) به
الأخبارُ عن رسولِ اللَّهِ عَهِ .
ذكرُ بعضٍ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعْمشِ، عن عُمارةَ، عن
عبد الرحمنِ بنِ يزيدَ، قال: قال عبدُ اللَّهِ: اغْتَبِروا المنافقَ بثلاثٍ؛ إذا حدَّث
كذَب، وإذا وعَد أخلَف ، وإذا عاهد غدر، وأنزل اللَّهُ تصديقَ ذلك فى كتابه :
﴿ وَمِنْهُم مَّنْ عَهَدَ اُللَّهَ لَإِنْ ءَاتَئِنَا مِن فَضْلِهِ﴾. إلى قولِهِ: ﴿ يَكْذِبُونَ ﴾.
(١) أخرجه ابن أبى الدنيا فى الصمت (٥١٥)، وابن أبى حاتم فى تفسيره ١٨٤٧/٦ من طريق ورقاء به .
(٢) فى م: ((وردت)).
(٣) أخرجه سعيد بن منصور (١٠٢٦)، ومن طريقه الطبرانى (٩٠٧٥)، والفريابى فى صفة النفاق (١٠) من
طريق أبى معاوية به ، وأخرجه ابن أبى شيبة ٨/ ٥٩٤، والحسين المروزى فى زوائده على زهد ابن المبارك
(١٠٦٧)، وابن أبى الدنيا فى الصمت (٥١٦)، ومحمد بن نصر فى تعظيم قدر الصلاة (٦٧٧)، وابن أبى
حاتم فى تفسيره ١٨٤٦/٦ من طريق الأعمش به .
٥٨٤
سورة التوبة : الآيات ٧٥ - ٧٧
حدَّثنى محمدُ بنُ المُثُنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن
١٩٢/١٠ سِماكٍ، عن صُبَيح بنِ / عبدِ اللهِ بنِ عُمَيرٍ (١)، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرو (١)، قال: ثلاثٌ
مَن كُنَّ فيه كان مُنافِقًا؛ إذا حَدَّثَ كَذَبَ ، وإذا وَعَدَ أخلفَ، وإذا ائْتُمِنَ خانَ . قال :
وَلَا هذه الآيةَ
﴿﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ عَلَهَدَ اللَّهَ لَإِنْ ءَاتَئِنَا مِن فَضْلِهِ، لَنَصَّذَفَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ
الصَّلِينَ﴾ إلى آخرِ الآيةِ (١).
حدَّثنا ابنُّ المُتَّى، قال : ثنا أبو داودَ ، قال: ثنا شعبةُ ، عن سِماكٍ ، قال : سَمِعتُ
صُبَيحَ بنَ عبدِ اللَّهِ العَبْسيّ(٤) يقولُ: سألتُ عبدَ اللهِ بنَ عمرٍو عن المنافقِ. فَذَكَر
نحوه .
حدَّثنى محمدُ بنُ مَعْمَرٍ ، قال: ثنا أبو هشامِ المخزومىُ، قال : ثنا عبدُ الواحدِ بنُ
زيادٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ حكيم، قال: سمِعتُ محمدَ [٩٥٨/١ظ] بنَ کعب
القُرَظِىِّ، يقولُ: كنتُ أسمعُ أن المنافقَ يُعْرَفُ بثلاثٍ ؛ بالكذبِ ، والإخلافِ،
والخيانةِ ، فالتَمسْتُها فى كتابِ اللَّهِ زمانًا لا أجِدُها، ثم وجدْتُها فى اثْنَتَينَ مِن كتابٍ
اللَّهِ، قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَهَدَ اَللَّهَ ﴾. حتى بَلَغَ: ﴿وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ﴾ .
وقولِه: ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأحزاب: ٧٢] هذه الآية(١).
(١) فى النسخ: ((عميرة))، وينظر الثقات ٣٨٢/٤، والإكمال ١٦٧/٥.
(٢) فى النسخ: ((عمر)) وسيأتى على الصواب فى الإسناد بعده.
(٣) أخرجه الفريابى فى صفة النفاق (١٦) من طريق غندر محمد بن جعفر به. وأخرجه البخارى (٣٤)،
ومسلم (١٠٦) من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعًا .
(٤) فى النسخ: ((القيس)). وتقدم على الصواب فى ٧٣٩/٨، ٧٤٠. وينظر التاريخ الكبير ٣١٨/٤.
(٥) فى م: (( آيتين)).
(٦) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٦١/٣ إلى أبى الشيخ والخرائطى فى مكارم الأخلاق، وأخرجه الخرائطى
فى مساوئ الأخلاق ومذمومها (١٤٣، ٣٠٣) من طريق محمد بن عبد الرحمن، عن محمد بن كعب ،
وأوله مرفوع .
٥٨٥
سورة التوبة : الآيات ٧٥ - ٧٧
حدَّثنى القاسمُ بنُ بِشْرِ بنِ معروفٍ، قال: ثنا شبابةٌ() ، قال: ثنا محمدٌ
المُخْرِمُ(٢)، قال: سمِعتُ الحسنَ يقولُ: قال رسولُ اللَّهِ وَمِ: ((ثلاثٌ مَن كُنَّ فيه
فهو مُنافِقٌ، وإن صَلَّى وصامَ وزَعَمَ أنه مسلمٌ؛ إذا حَدَّثَ كَذَبَ ، وإذا وَعَدَ أَخْلَفَ ،
وإذا ائْتُمِن خانَ)). فقلتُ للحسنِ: يا أبا سعيدٍ، لئن كان لرجلٍ علىَّ دَيْنٌ فَلَقِينى،
فَتَقاضانى، وليس عندى، وخِفْتُ أَن يَحْبِسَنى ويُهْلِكَنى، فوَعَدْتُه أَن أَقْضِيَه رأسَ
الهلالِ فلم أفعلْ ، أمنافقٌ أنا؟ قال : هكذا جاء الحديثُ. ثم حَدَّثَ عن عبدِ اللَّهِ بنِ
عمرٍ و أن أباه لمّ حَضَره الموتُ قال: زَوِّجوا فلانًا، فإنى وَعَدْتُهُ أن أُزوّجَه، لا ألقَى اللَّهَ
بُثُلُثِ النفاقِ . قال : قلتُ : يا أبا سعيدٍ ، ويكونُ ثُلُثُ الرجلِ منافقًا، وثُلُتاه مؤمنًا؟
قال: هكذا جاء الحديثُ. قال: فحَجَجْتُ فَلَقِيتُ عطاءَ بنَ أبى رباحٍ فأخبرْتُه
الحديثَ الذى سمِعتُه من الحسنِ ، وبالذى قلتُ له وقال لى، فقال لى: أعَجَزْتَ أن
تقولَ له : أُخبِرْنى عن إخوة يوسفَ عليه السلامُ ، ألم يَعِدوا أباهم فأخْلَفوه، وحَدَّثوه
فگذَبُوه ، وأُتمتهم فخانوه ، أفمنافقين كانوا ؟ ألم يكونوا أنبياءً، أبوهم نبيّ وجَدُّهم
نبيٌّ؟ قال: فقلتُ لعطاءٍ: يا أبا محمدٍ، حدَّثنى بأصلِ النفاقِ ، وبأصلِ هذا
الحديثِ. فقال: حدَّثنى جابرُ بنُ عبدِ اللَّهِ، أن رسولَ اللَّهِ مَ اهِ إنما قال هذا الحديثَ
فى المُنافِقِين خاصةً، الذين حَدَّثوا النبيَّ فَكَذَبوه، وأَثَمَّنَهم على سِرّه فخَانُوه،
ووَعَدوه أن يخرجوا معه فى الغزوِ فأخْلَفوه. قال: وخَرَجَ أبو سفيانَ مِن مكةً ، فأتى
جبريلُ النبيَّ ◌َّ ◌َهِ، فقال: إن أبا سفيانَ فى مكانٍ كذا وكذا. فقال النبيُّ عَ لَّه
لأصحابِهِ : ((إن أبا سفيانَ فى مكانٍ كذا وكذا، فاخْرُجُوا إليه واكْتُمُوا)). قال:
فَكَتَبَ رجلٌ مِن المُنافِقين إليه أن محمدًا يريدُكم، فخُذُوا حِذْرَكم. فأنزل اللَّهُ:
(١) فى م: ((أسامة)).
(٢) فى م: ((المخرمى)).
٥٨٦
سورة التوبة : الآيات ٧٥ - ٧٧
١٩٣/١٠
﴿ لَا تَّخُونُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَنَتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٢٧]. وأَنزَل
فى الُنافِقين: ﴿وَمِنْهُم مَنْ عَهَدَ اَللَّهَ لَبِنْ ءَتَنْنَا مِن فَضْلِهِ﴾. إلى:
فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِ قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمٍ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُواْ/ اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ
يَكْذِبُونَ﴾. فإذا لَقِيتَ الحسنَ فأقْرِتْه السلامَ، وأخبره بأصلِ هذا الحديثِ وبما
قلتُ لك . قال: فقَدِمتُ على الحسنِ، فقلتُ: يا أبا سعيدٍ، إن أخاك عطاءٌ يُفْرِتُك
السلامَ. فأخبرتُه بالحديثِ الذى حَدَّثَ وما قال لى. فأخَذَ الحسنُ بيَدِى فأشالها (١)،
وقال : يا أهلَ العراقِ ، أعَجَزْتُم أن تكونوا مثلَ هذا؟ سَمِعَ منى حديثًا فلم يَقْبَلْه حتى
اسْتَنْبَطَ أَصَلَه، صَدَقَ عطاءٌ، هكذا الحديثُ، وهذا فى المنافِقِين خاصةً(٢).
حدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ ، قال : أخبرَنا يعقوبُ ، عن الحسنِ، قال :
قال رسولُ اللَّهِ مِ له: ((ثلاثٌ مَن كُنَّ فيه، وإن صَلَّى وصامَ وزَعَمَ أنه مسلم ، فهو
مُنافِقٌ)). فقيل له: ما هى يا رسولَ اللَّهِ؟ فقال النبىُ عليه الصلاةُ والسلامُ: ((إذا
حَدَّثَ كَذَبَ، وإذا وَعَدَ أُخْلَفَ، وإذا ائْتُمِنَ خانَ)).
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ قال : ثنى حَجَّاجْ، عن ابنِ تُرَيج، قال : ثنا
مُبَشِّرُ(٣) ، عن الأوزاعىِّ، عن هارونَ بنِ رئابٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرو بنٍ وائلٍ، أنه لمَّا
حَضَرَتْه الوفاةُ قال: إن فلانًا خطَبَ إِلىَّ ابْنَتَى، وإنى كنتُ قلتُ له فيها قولًا شَبِيهًا
بالعِدَةِ ، واللَّهِ لا ألقَى اللَّهَ بثُلُثِ النفاقِ، وأُشْهِدُكم أنى قد زَوَّجتُه(٤) .
وقال قومٌ: كان العهدُ الذى عاهَدَ اللَّهَ هؤلاء المنافقون ، شيئًا نَوَوْه فى أنفسِهم
ولم یتگلَّموا به .
(١) فى م: (( فأمالها )) وأشال يده: رفعها . اللسان (ش و ل).
(٢) ينظر ما تقدم تخريجه فى ص ١٢١ .
(٣) فى م، ف: ((ميسرة))، وفى ت ١: ((ميسر)). وينظر تهذيب الكمال ٢٧ / ١٩٠.
(٤) أخرجه الفريابى فى صفة النفاق (١٨) من طريق الأوزاعى به.
٥٨٧
سورة التوبة : الآيتان ٧٧، ٧٨
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ، قال: سمِعتُ مُعْتَمِرَ بنَ سليمانَ التَّيْمِىَّ
يقولُ: رَكِبتُ البحرَ، فأصابَنا ريحٌ شديدةٌ ، فَتَذَرَ قومٌ مِنَّ نُذُورًا، ونَوَيتُ أنا لم أتَكَلَّمْ
به ، فلما قَدِمتُ البصرةَ سألتُ أبی سليمانَ ، فقال لی یا بُنَىَّ : فيٍ(١) به .
قال مُعْتَمِرٌ: وثنا كَهْمَسٌ ، عن سعيدِ بنِ ثابتٍ، قال: قوله: ﴿ وَمِنْهُم
[٩٥٩/١و] مَنْ عَهَدَ اللَّهَ﴾ الآية. قال: إنما هو شىءٌ نَوَوْه فى أنفسِهم ولم يَتَكُلِّموا
به، ألم تَسْمَعْ إلى قوله: ﴿أَرْ يَعْلَمُوْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَدُهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ
عَلَّمُ الْغُيُوبِ﴾ ؟
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿أَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَدُهُمْ وَأَنَّ
اُللَّهَ عَلَّمُ الْغُيُوبِ
VA
يقولُ تعالى ذكره : ألم يَعْلَمْ هؤلاء المنافقون الذين يَكْفُرون باللّهِ ورسولِه سِرًّا،
ويُظْهِرون الإيمانَ بهما لأَهلِ الإيمانِ بهما جَهْرًا، ﴿أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ﴾
الذى يُسِرُّونه فى أنفسِهم مِن الكفرِ به وبرسولِه، ﴿ وَنَجْوَ هُمْ﴾. يقولُ: ونَجْواهم
إذا تَناجوا بينهم بالطعنِ فی الإسلام وأهله، وذِ کْرِهم بغیرِ ما ينبغى أن يُذْكروا به -
فيَحْذَروا مِن اللَّهِ عقوبتَه أن يُحِلَّها بهم، وسَطْوتَه أن يُوقِعَها بهم، على كفرِهم باللّهِ
وبرسوله، وغِشِّهم(٢) للإسلامِ وأهلِه، فيَنْزِعوا عن ذلك، ويَتُوبوا منه، ﴿ وَأَنَّ اللَّهَ
عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾. يقولُ: ألم يَعْلَموا أن اللَّهَ عَلَّمُ ما غابَ عن أسماع خلقِه
(١) فى م: ((فه)) بهاء السكت، وقد ذهب البصريون إلى أن ثبوتها فى الوصل - مكسورة أو مضمومة -
ضرورة، والكوفيون إلى الجواز. ينظر خزانة الأدب ١١/ ٤٥٧.
(٢) فى م: (( عيبهم)).
٥٨٨
سورة التوبة : الآيتان ٧٨، ٧٩
وأبصارِهم وحَواسِّهم ، مما أكَثَّه نفوسُهم فلم يَظْهَرْ على جَوارِحِهم الظاهرةِ ، / فَيَتْهاهم
ذلك عن خِداع أوليائِه بالنفاقِ والكذبِ ، ويَزْجُرُهم عن إِضْمارٍ غيرِ ما يُتْدُونه،
وإظهارِ خلافٍ ما يَعْتَقِدونه ؟
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِى
الضَّدَقَاتِ وَاُلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابُ
آلِيمُ
يقولُ تعالى ذكره: الذين يَلْمِزُون المُطَوِّعِين فى الصدقةِ على أهلِ المَسْكنةِ
والحاجةِ بما لم يُوجِبْه اللَّهُ عليهم فى أموالِهم، ويَطْعَنُون فيها عليهم بقولهم: إنما
تَصَدَّقوا به رياءً وسُمْعةٌ ولم يُرِيدوا وَجْهَ اللَّهِ . وَيَلْمِزُون الذين لا يَجِدُون ما يَتَصَدَّقون
به إلا جُهدَهم، وذلك طاقتُهم، فينْتَقِصُونهم ويقولون: لقد كان اللَّهُ عن صدقةٍ
هؤلاء غَنِيًّا؛ سُخْرِيةٌ منهم بهم، ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمُّ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ .
وقد بَيَّنَّا صفةَ سُخْرِيةِ اللَّهِ بَمَنْ يَسْخَرُ به مِن خلقِه، فى غيرِ هذا الموضعِ بما أُغْنَى
عن إعادته هلهنا(١).
﴿ وَلَّمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. يقولُ: ولهم مِن عندِ اللَّهِ يومَ القيامةِ عذابٌ مُوجِعٌ
مؤلم .
وذُكِرَ أن المعنىَّ بقولِه: ﴿اُلْمُطَّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ : عبدُ الرحمنِ بنُ
عوفٍ، وعاصمُ بنُ عَدِىِّ الأنصارىُّ، وأن المعنىَّ بقوله: ﴿ وَاَلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا
جُهْدَهُمْ﴾: أبو عَقِيلِ الإراشىُّ أخو بنى أُنَيفٍ .
(١) تقدم فى ٣١٢/١ وما بعدها .
١٩٤/١٠
٥٨٩
سورة التوبة : الآية ٧٩
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى المُثُنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال: ثنى معاويةُ ، عن علىٍّ، عن
ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِى
الصَّدَقَاتِ﴾. قال: جاء عبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ بأربعين أَوقيةً مِن ذهبٍ إلى
النبيِّ عَظِلّهِ، وجاءه رجلٌ مِن الأنصارِ بصَاعٍ مِن طعامٍ، فقال بعضُ المُنافِقين: واللَّهِ ما
جاء عبدُ الرحمنِ بما جاء به إلا رياءً. وقالوا: إن كان اللَّهُ ورسولُه لَغَنِيَّيْنٍ عن هذا
(١)
الصَّاعِ().
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال: ثنى أبى ، قال: ثنى عمى ، قال : ثنى أبى: عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِى
الصَّدَقَتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهْ﴾: وذلك أن رسولَ اللَّهِ مْ لَهِ خَرَجَ إلى
الناسِ يومًا فنادَى فيهم أنِ اجْمَعُوا صَدَقاتِكم فجَمَع الناسُ صدقاتِهم ، ثم جاء رجلٌ
مِن آخرِهم(١) بِمَنٍّ مِن تمرٍ، فقال: يا رسولَ اللَّهِ، هذا صاعٌ مِن تمرٍ، بِتُّ ليلتى أَجُ
بالجريرِ (١) الماءَ حتى نِلْتُ صاعَين مِن تمرٍ، فأمْسَكْتُ أحدَهما وأَتيتُكَ بالآخرِ. فأمَرَه
رسولُ اللَّهِ عَمِ أن ينثُرَه فى الصدقاتِ، فسخِرَ منه رجالٌ وقالوا: واللَّهِ إِنَّ اللَّهَ
ورسولَه لغنيانٍ عن هذا، وما يصنعانِ بصاعِك من شىءٍ. ثمَّ إِنَّ عبد الرحمنِ بنَ
عوفٍ - رجلٌ من قريشٍ من بَنِى زُهْرَةَ - قال الرسولِ اللَّهِ مَ ◌ّهِ: هل بَقِى مِن أحدٍ مِن
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسیره ١٨٥٠/٦، وابن مردويه - کما فی تخريج الکشاف للزیلعی ٨٩/٢ من
طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٦٢/٣ إلى ابن المنذر.
(٢) فى م: ((أحوجهم )).
(٣) فى ص، ف: ((بالحرير)) غير منقوطة والجرير: حبل من أدَم نحو الزمام، ويطلق على غيره من الحبال
المضفورة . ينظر النهاية ١/ ٢٥٩.
٥٩٠
سورة التوبة : الآية ٧٩
١٩٥/١٠
أهلِ هذه الصدقاتِ؟ فقال: ((لا))). فقال عبدُ الرحمن بن عوفٍ: إن عندى
مائةَ أوقيةٍ مِن ذهبٍ فى الصدقاتِ . فقال له عمرُ بنُ الخطابِ : أمجنونٌ / أنت ؟
فقال: ليس بى جنونٌ. فقال: أتعلمُ(١) ما قلتَ؟ قال: نعم، مالى ثمانيةُ آلافٍ؛ أمّا
أربعةُ آلافٍ فَأَقْرِضُها ربى، وأمَّا أربعةُ آلافٍ فلِى. فقال له رسولُ اللَّهِ صَ الِ: «بارَكَ
اللَّهُ لك فيما أمْسَكْتَ وفيما أعْطَيْتَ)). وَزَه(٣) المنافِقون فقالوا: واللَّهِ ما أعطَى
عبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ عَطِيَّتَه إلا رياءً. وهم كاذِبون ، إنما كان به مُتَطَوِّعًا ، فأنزل اللَّهُ
عُذْرَه وعذرَ صاحبِهِ المسكينِ الذى جاء بالصَّاعِ مِن التمرِ ، فقال اللّهُ فى كتابِه :
الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَوّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَتِ﴾ الآية(٤).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو أُسامةَ، عن شِئْلٍ، عن ابنٍ أبى تَجِيحٍ، عن
مجاهدٍ : ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال: جاءٌ"
عبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ بصدقةٍ مالِهِ أربعةِ آلافٍ، فَلَمَزَه المُنافِقون، وقالوا: رَاءَى .
وَاَلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾. قال: رجلٌ مِن الأنصارِ، آجَرَ نفسَه بصاعٍ
مِن تمرٍ ، لم يكنْ له غيرُه، فجاءَ به فلَمَزُوه، وقالوا: كان اللَّهُ غَنِيًّا عن صاع هذا.
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال : ثنا أبو عاصمٍ، قال : ثنا عيسى، عن ابنٍ أبى
تَجِيحِ، عن مجاهدٍ نحوَه (١).
(١ - ١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، في.
(٢) فى ص: ((أفعلنا))، وفى ت١، ت٢، س: ((أفعلمنا))، وفى ف: ((أتعلمنا)).
(٣) فى م، ف: (( کره)).
(٤) أخرجه ابن مردويه - كما فى تخريج الزيلعى ٨٩/٢، ٩٠ من طريق محمد بن سعد به .
(٥) فى ص، ت٢، س، ف: ((حدثنا)).
(٦) تفسير مجاهد ص ٣٧٣، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٨٥٠/٦، ١٨٥١ من طريق ابن جريج عن
مجاهد مطولا بنحوه ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٦٣/٣ إلى ابن المنذر.
٥٩١
سورة التوبة : الآية ٧٩
حدَّثنى المُثَنَّى ، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نجيح، عن
مجاهدٍ نحوه .
حدَّثَنَا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿الَّذِينَ
يَلْمِزُونَ الْمُطَّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِ الصَّدَقَتِ﴾ الآية. قال: أَقبَل
عبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ بنصفٍ مالِهِ فَتَقَّب به إلى اللّهِ ، فَلَمَزَه المُنافِقون ، فقالوا: ما
أُعْطَى ذلك إلا رياءً وسمعةٌ . فأقبَل رجلٌ مِن فقراء المسلمين يقالُ له: حَبْحَابٌ(١) أبو
عَقِيلٍ . فقال: يا نبيَّ اللَّهِ، بِتُّ أجرُ الجريرَ على صاعَين مِن تمٍ؛ أمَّا صائحْ فأمسَكْتُه
الأهلِى، وأما صاعٌ فها هو ذا. فقال المنافقون: واللَّهِ إِن اللَّهَ ورسولَه لَغَنِيَّان عن هذا.
فأنزل اللَّهُ فى ذلك القرآنَ: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ﴾ الآية(١).
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعْلَى ، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةً:
الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَوّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِى الصَّدَفَتِ﴾. قال: تَصَدَّقَ
عبدُ الرحمنِ بنُّ عوفٍ بشَطْرِ مالِه، وكان مالُه ثمانيةَ آلافٍ دينارٍ ، فَتَصَدَّقَ بأربعةِ
آلافٍ دينارٍ ، فقال ناسٌ مِن المنافقين: إن عبد الرحمنِ بنَ عوفٍ لعظيمُ الرِّياءِ. فقال
اللَّهُ: ﴿ الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَفَتِ﴾. وكان
لرجلٍ صاعان من تمرٍ ، فجاء بأحدِهما، فقال ناسٌ مِن المُنافِقين: إن كان اللَّهُ عن صاع
هذا لَغَنِيًّا. فكان الُنافِقون يَطْعَنون عليهم ويَسْخَرون بهم، فقال اللَّهُ: ﴿ وَاُلَّذِينَ لَا
يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾(١).
(١) غير منقوطة فى ص، ف، وفى س: ((حجاب))، وقد اختلف فى اسمه، فقيل: ((الحبحاب)) كما أثبتناه ،
وقيل: ((الحثحاث))، وقيل: ((الجنجات)). ينظر الإصابة ٤٦٤/١، ١٣/٢، وأسد الغابة ٤٣٨/١، ٢٢٠/٦.
(٢) عزاه ابن حجر فى الفتح ٣٣١/٨ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن منده ، وقال : وهذا مرسل .
(٣) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٨٣/١، ٢٨٤ عن معمر به ، ومن طريقه ابن عساكر ٢٦٢/٢٥ .
٥٩٢
سورة التوبة : الآية ٧٩
حدَّثنى المُتَّى، قال: ثنا الحَتَّاجُ بنُ المِنْهالِ الأنْماطئُّ، قال: ثنا أبو عَوانةً ،
عن "عمرَ بنِ) أبى سَلَمَةَ، عن أبيه أن رسولَ اللَّهِ وَمِ قال: ((تَصَدَّقُوا، فإنى أريدُ أن
أَبْعَثَ بَعْثًا)). قال: فقال عبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ: يا رسولَ اللَّهِ، إن عندى أربعةً
آلافٍٍ؛ ألفين أُقْرِضُهما اللَّهَ، وألفين لعِيالى. قال: فقال رسولُ اللَّهِ وَ لِ: (( بارَكَ اللَّهُ
لك فيما أعْطَيتَ، وبارَكَ لك فيما أمْسَكْتَ)). فقال رجلٌ مِن الأنصارِ: وإن عندى
صاعَين مِن تمرٍ؛ صاعًا لربِّى، وصاعًا لعِيالى. قال: فَلَمَزَ المنافقون / وقالوا: ما أعْطَى
ابنُّ عوفٍ هذا إلا رياءً. وقالوا: أو لم يكنِ اللَّهُ غَنِيًّا عن صاع هذا. فأنزَل اللَّهُ:
﴿ الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، إلى آخرِ الآيةِ(١).
١٩٦/١٠
حدَّثنى المُثَنَّى، قال : ثنا إسحاقُ ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ سعدٍ ، قال :
أخبرنا أبو جعفرٍ، عن الربيع بنِ أنسٍ فى قوله: ﴿ الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَوّعِينَ مِنَ
اَلْمُؤْمِنِينَ فِ الصَّدَقَتِ﴾. قال: أصابَ الناس جَهْدٌ شديدٌ، فأمَرهم
رسولُ اللَّهِ ◌ِ أَن يَتَصَدَّقوا، فجاء عبدُ الرحمنِ بأربعِمائةٍ أَوقيةٍ ، فقال رسولُ اللَّهِ
عَالَمِ: ((اللهمَّ بارِكْ له فيما أمْسَكَ)). فقال المنافِقون: ما فَعَل عبدُ الرحمنِ هذا إلا
رياءً وسُمْعةٌ . قال: وجاءَ رجلٌ بصَاعٍ مِن تمرٍ ، فقال: يا رسولَ اللَّهِ، آجَرْتُ نفسى
بصاعَين ، فانطلقتُ بصاع منهما إلى أهلِى ، وجئتُ بصاع مِن تمرٍ . فقال المنافقون :
إن اللَّهَ غنىٌ عن صاع هذا. فأنزل اللَّهُ هذه الآيةَ: ﴿ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا
جُهْدَهْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾(١).
حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنٍ إسحاقَ: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ
(١ - ١) سقط من النسخ، والمثبت من مصادر التخريج، وينظر تهذيب الكمال ٤٤٣/٣٠.
(٢) أخرجه البزار (٢٢١٦ - كشف)، وابن أبى حاتم فى تفسيره ١٨٥١/٦، وابن مردويه - كما فى تخريج
الكشاف للزيلعى ٨٨/٢ من طريق أبى عوانة به ، وينظر المجمع ٣٢/٧ .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٨٥١/٦ من طريق عبد الرحمن بن سعد - وهو الدشتكى - به .
٥٩٣
سورة التوبة : الآية ٧٩
اٌلْمُطَوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَتِ﴾ الآية: وكان المطّوِّعون (١) مِن المؤمنين
فى الصدقاتِ [٩٦٠/١و] عبد الرحمنِ بنَ عوفٍ ، تَصَدَّقَ بأربعة آلافٍ دینارٍ ، وعاصمَ
ابنَ عَدِىٌّ أخا بنى العَجْلانِ، وذلك أن رسولَ اللّهِ نَّهِ رَغَّبَ فى الصدقةِ وخَضَّ
عليها ، فقامَ عبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ فَتَصَدَّقَ بأربعةِ آلافٍ درهم، وقام عاصمُ بنُ
عَدِىِّ فتَصَدَّقَ بمائةٍ وَسْقٍ مِن تمرٍ، فَلَمَزُوهما وقالوا: ما هذا إلا رياءً. وكان الذى
تَصَدَّقَ بِجُهْدِه أبو عَقِيلِ ، أخو بنى أَنَيْفِ الإراشىُّ، حليفُ بنى عمرو بنِ عوفٍ ، أَتَّى
بصَاعِ مِن تمرٍ فأفْرَغَه فى الصدقةِ ، فَتَضاحَكوا به وقالوا: إن اللَّهَ لغنىٌ عن صاع أبى
-(٢)
عَقِيلِ(١).
حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا أبو النُّعْمانِ الحكمُ بنُ عبدِ اللَّهِ ، قال : ثنا
شعبةُ، عن سليمانَ، عن أبى وائلٍ، عن أبى (٣) مسعودٍ، قال: لَّ نَزَلَت آيةُ الصدقةِ
كُنَّا تُحامِلُ (٤) . قال أبو النعمانِ: كُتَّا نعملُ. قال : فجاء رجلٌ فَتَصَدَّقَ بشىءٍ كثيرٍ .
قال : وجاء رجلٌ فَتَصَدَّقَ بصاع تمرٍ ، فقالوا: إن اللَّهَ لَغَنِيٌّ عن صاع هذا. فتَزَلَت:
﴿ الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُتَطَّوّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِ الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا
يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهْ﴾(٥).
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال : ثنا زيدُ بنُ حبابٍ ، عن موسى بنِ عُبَيدةَ، قال : ثنی
(١) فى م: ((من المطوعين))، وينظر مصدر التخريج .
(٢) سيرة ابن هشام ٥٥١/٢.
(٣) فى ص، ت١، ت٢، س، ف: ((ابن)). وينظر مصادر التخريج، وينظر تهذيب الكمال ٥٥٠/١٢ .
(٤) تحاملت الشيء: تكلفته على مشقة ، والمحاملة : أن يتكلف الحمل بالأجرة ليكتسب ما يتصدق به . النهاية
٠٤٤٣/١
(٥) أخرجه الطيالسى (٦٤٣)، والبخارى (١٤١٥، ٤٦٦٨)، ومسلم (١٠١٨)، والنسائى (٢٥٢٩)،
وابن أبى حاتم فى تفسيره ١٨٥٠/٦، وابن حبان (٣٣٣٨، ٣٣٧٦)، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٦٢/٣
إلى ابن المنذر وأبى الشيخ وابن مردويه وأبى نعيم فى معرفة الصحابة وغيرهم من طريق شعبة به .
( تفسير الطبرى ٣٨/١١ )
٥٩٤
سورة التوبة : الآية ٧٩
خالدُ بنُ يسارٍ ، عن ابنٍ أبى عقيل، عن أبيه ، قال: بِتُّ أَجُرُ الجَرِيرَ على ظَهْرى على
صاعَين مِن تمرٍ ، فانْقَلَبْتُ بأحدِهما إلى أهلى يَلَّغون به، وجئتُ بالآخرِ أَتَقَرَّبُ به
إلى رسولِ اللهِ مَ له، فأتيتُ رسولَ اللَّهِ عَهِ فأخبَرتُه، فقال: ((انْثُرُه فى الصدقةِ)) .
فسَخِرَ الُنافِقون منه وقالوا: لقد كان اللَّهُ غَنِيًّا عن صدقةِ هذا المسكينِ. فأنزل اللَّهُ:
﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَتِ﴾ الآيتين(١).
١٩٧/١٠
حدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةً، قال: أخبرنا الْجُرَيرىُّ(١) عن أبى السليلِ،
قال: وَقَفَ على الحىِّ رجلٌ، فقال: ثنى أبى أو عمى، فقال: شَهِدْتُ رسولَ اللَّهِ
عَلَّه وهو يقولُ: ((مَن / يَتَصَدَّقُ اليومَ بصدقةٍ أَشْهَدُ له بها عندَ اللَّهِ يومَ القيامةِ؟)) .
قال: وعلىَّ عمامةٌ لى. قال: فتَزَعْتُ ("لَوْثًا أو لَوْثَيْن٣) لأَنَصدَّقَ بهما. قال: ثم
أَدْرَكَنى ما يُدْرِكُ ابنَ آدمَ ، فَعَصَبتُ بها رأسِى . قال : فجاء رجلٌ لا أرَى بالبقيع رجلًا
أقصرَ قِمَّةً(٤)، ولا أشدَّ سَوادًا، ولا ("أدَّ بعينٍْ) منه، يقودُ ناقةً لا أَرَى بالبقيع أحسنَ
منها ولا أجملَ منها. قال: أصدقةٌ هى يا رسولَ اللَّهِ؟ قال: ((نعم)). قال:
فدونَكها. فألْقَى (١) بخِطامِها - أو بزِمامِها - قال: فَلَمَزَه رجلٌ جالسٌ، فقال: واللَّهِ
إنه ليَتَصَدَّقُ بها، ولهى خيرٌ منه. فتَظَر إليه رسولُ اللَّهِ عَ لَّهِ، فقال: ((بل هو خيرٌ
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٨٥٢/٦، والطبرانى (٣٥٩٨)، وابن مردويه - كما فى تخريج
الكشاف للزيلعى ٨٨/٢، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٦٢/٣ إلى ابن أبى شيبة، والبغوى فى معجمه،
وأبى الشيخ ، وأبى نعيم فى معرفة الصحابة من طريق زيد بن الحباب به ، وينظر تفسير ابن كثير ١٢٧/٤ ،
والفتح ٣٣١/٨، ومجمع الزوائد ٣٣/٧، والفتح ٣٣١/٨ .
(٢) فى ت١، س، ف: ((الحريرى)).
(٣ - ٣) أى لَقَّة أو لفَّتين، وهو من اللَّوث: الطيّ والجمع، يقال: لُنت العمامة أنوثها لَوثا. النهاية ٢٧٥/٤.
(٤) القمة بالكسر: شخص الإنسان إذا كان قائما ، وهى القامة . النهاية ١١٠/٤.
(٥ - ٥) فى م: ((أذم لعينى)) وقوله: ((أدم)) هو من الدمامة وهى القبح.
(٦) بعده فى ص، ف: ((الله))، وزيادتها خطأ واضح.
٥٩٥
سورة التوبة : الآية ٧٩
منك ومنها)). يقولُ ذلك نبينا(١) عَجٍ(٢).
حدَّثنى يونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وَهْبٍ ، قال : أخبرنى يونسُ ، عن ابن شهاب ،
قال: أخبرَنى عبدُ الرحمنِ بنُ عبدِ اللهِ بنِ كعبِ بنِ مالكِ، يقولُ: الذى تَصَدَّقَ
بصاعِ التمرِ فَلَمَزَه المنافقون، أبو خَيْثَمةَ الأنصارىُّ(٣).
حدَّثْنى المُنَّى ، قال: ثنا محمدُ بنُ رجاءٍ، أبو سهلِ العبادانيُ قال : ثنا عامرُ بنُ
يسافٍ اليمامُّ، عن يحيى بنِ أبى كثيرِ اليمامىٌّ ، قال : جاء عبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ
بأربعةِ آلافٍ درهم إلى رسولِ اللهِ عَه، فقال: يا رسولَ اللَّهِ ، مالى ثمانيةُ آلافٍ،
جئتُك بأربعةِ آلا فٍ فأَجْعَلُها فى سبيل اللّهِ ، وأَمْسَكْتُ أربعةَ آلافٍ لعيالى. فقال
رسولُ اللَّهِ عَهِ: ((بارَكَ اللَّهُ فيما أَعْطَيتَ وفيما أمْسَكْتَ)). وجاء رجلٌ آخَرُ فقال:
يا رسولَ اللَّهِ، بِتُّ الليلةَ أَجُ الماءَ على صاعَين؛ فأمَّا أحدُهما فتَرَكْتُ لعيالى، وأما
الآخرُ فجئتُك به أجعَلُه فى سبيل اللَّهِ . فقال: ((بارَكَ اللَّهُ لك فيما أعْطَيتَ وفيما
أَمْسَكتَ)). فقال ناسٌ مِن المنافقين: واللهِ ما أعْطَى عبدُ الرحمنِ إلا رياءً وسمعةً،
ولقد كان اللَّهُ ورسولُه غَنِيَيْنِ عن صاع فلانٍ. فَأَنزَل اللَّهُ: ﴿ الَّذِينَ يَلْمِزُونَ
الْمُطَوّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَتِ﴾ ، يعنى عبدَ الرحمنِ بنَ عوفٍ ،
﴿ وَاَلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهْ﴾، يعنى صاحبَ الصَّاعِ، ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ
سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَمْ عَذَابٌ أَلِيمُ﴾(٤).
(١) كذا فى النسخ، وفى مسند أحمد: (( ثلاث مرار)).
(٢) أخرجه أحمد ٣٤/٥ (الميمنية)، وابنه عبد الله فى زوائد الزهد ١٧٣/١، ١٧٤ من طريق الجريرى به،
وينظر تفسير ابن كثير ١٢٦/٤ .
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٦٢/٣ إلى المصنف، وسيأتى بتمامه فى ٥٨/١٢ - ٦٥.
(٤) ذكره ابن حجر فى الفتح ٣٣٢/٨ عن المصنف .
٥٩٦
سورة التوبة : الآية ٧٩
حدَّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن
مجاهدٍ ، قال: قال ابنُ عباسٍ: أمَر النبىُ سَمِ المسلمين أن يَجْمَعوا صدقاتِهم، وإذا
عبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ قد جاء بأربعةِ آلافٍ ، فقال: هذا مالى أُقْرِضُه اللَّهَ، وقد بَقِىَ
لى مثلُهَ. فقال له: ((بُورِكَ لك فيما أعْطَيتَ وفيما أَمْسَكتَ)). فقال المنافقون: ما
أَعْطَى إلا رياءً، وما أعطَى صاحبُ الصاع إلا رياءٌ ، إنْ كان اللَّهُ ورسولُه لَغَنِيَّيْنِ عن
هذا، وما يصنَعُ اللَّهُ بصاعٍ مِن شىءٍ.
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله :
﴿ الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِى الصَّدَقَتِ﴾ ، إلى قوله:
◌ْوَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. قال: أمَرِ النبىُّ صَلّهِ [٩٦٠/١ظ] المسلمين أن يَتَصَدَّقوا، فقال(١)
عمرُ بنُ الخطابِ: (فَأَلْفَى ذلك مالى وافرا٢ً) فآخذُ نصفَه . قال : فجئتُ أحملُ مالًا
كثيرًا . فقال له رجلٌ مِن المنافقين: تُرائِى يا عمرُ. فقال "عمرُ: أَرَائِى٣) اللَّهَ ورسولَه،
وأمَّا غيرهما فلا. قال: ورجلٌ مِن الأنصارٍ لم يكن عنده شيءٌ ، فآجرَ(٤) نفسه ليُُّ
الجريرَ على رقبتِه بصاعَين / ليلته، فتَرَكَ صاعًا لعيالِه، وجاء بصاع يحمِلُهُ(١) ، فقال له
بعضُ المنافقين: إن اللَّهَ ورسولَه عن صاعِك لَغَنِيَان. فذلك قولُ اللَّهِ تبارك وتعالى:
﴿ الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَاَلَّذِينَ لَا
يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾: هذا الأنصارىُّ، ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَهُمْ
عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾(١).
١٩٨/١٠
(١) فى م: ((فقام))، وينظر مصدر التخريج.
(٢ - ٢) فى م: (( فألقى مالا وافرا)).
(٣ - ٣) فى ص، ت١، ت٢، س، ف: ((لعمر إن)).
(٤) فى ص، ت١، ت٢، س، ف: ((فواجر)).
(٥) فى ت١: ((لحمله))، وفى ف: (( لجمله)) .
(٦) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٨٥٢/٦ من طريق أصبغ ، عن ابن زيد به .
٥٩٧
سورة التوبة : الآية ٧٩
وقد بَيِّنَّا معنى اللَّهْزِ فى كلام العربِ بشواهدِه، وما فيه مِن اللغةِ والقراءة فيما
(٢)
مَضَى(٢) .
وأما قولُه: ﴿اَلْمُقَطَوِّعِينَ﴾، فإن معناه: المتُطَوِّعِين، أُدْغِمَتِ ((التاءُ)) فى
((الطاءِ))، فصارت ((طاءً)) مشددةً، كما قيل: (ومن يَطْوَّعْ خَيْرًا) [البقرة: ١٥٨]
يعنى : يَتَطَّوَّعْ .
وأما الجُهْدُ ، فإن للعربِ فيه لُغَتَين؛ يقالُ: أَعْطانى مِن جُهْدِه . بضمِّ الجيمِ،
وذلك - فيما ذُكِر - لغةُ أهلِ الحجازِ. ومِن جَهْدِه (٢) بفتحِ ( الجيمِ))، وذلك لغةُ نجدٍ.
وعلى الضمّ قراءةُ الأمصارِ، وذلك هو الاختيارُ عندَنا؛ لإجماع الحجةِ مِن
القرأةِ عليه .
وأما أهلُ العلم بكلامِ العربِ مِن رُواةِ الشعرِ وأهلِ العربيةِ ، فإنهم يَزْعُمون أنها
مفتوحةٌ ومضمومةٌ بمعنىٍ واحدٍ، وإنما اختلافُ ذلك لاختلافِ اللغةِ فيه، كما
اخْتَلَفَت لغاتُهم فى الؤُجْدِ والوَجْدِ، بالضمّ والفتحِ مِن ((وَجَدْتُ)).
ورُوِى عن الشعبىِّ فى ذلك ما حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا جابرُ بنُ نوحٍ ،
عن عيسى بنِ المغيرةِ، عن الشعبىِّ، قال: الجَهْدُ(٤) فى العملِ، والجُهْدُ فى
(٥)
القوتِ(٥) .
(١) فى ص، ت١، ت٢، س، ف: ((الهمز)).
(٢) تقدم فى ص ٥٠٥ .
(٣) فى م: ((جهد)).
(٤) فى ص، ت١، ت٢، س: (( الجهد والجهد فالجهد)) .
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٨٥٣/٦ من طريق عيسى بن المغيرة بنحوه ، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٢٦٣/٣ إلى ابن أبى شيبة وابن المنذر وأبى الشيخ .
٥٩٨
سورة التوبة : الآيتان ٧٩، ٨٠
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال : ثنا حَفْصٌ، عن عيسى بنِ المغيرةِ، عن الشعبىِّ مثلَه.
قال : ثنا ابنُ إدريسَ، عن عيسى بنِ المغيرةِ ، عن الشعبىِّ، قال : الجَهْدُ فى
العملِ، والجُهْدُ فى القِيّةِ(٢).
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿ أُسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَمُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَمْ
سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَهُمْ كَفَرُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَاللّهُ لَا يَهْدِى
٨٠
اٌلْقَوْمَ الْفَسِقِينَ
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيّه محمدٍ عَ له: ادْعُ اللّهَ لهؤلاء المنافقين الذين وَصَفَ
صفاتِهم فى هذه الآياتِ ، بالمغفرةِ ، أو لا تَدْعُ لهم بها .
وهذا كلامٌ خَرَجَ مَخرجَ الأمرِ ، وتأويلُه الخبرُ ، ومعناه : إن استغفرتَ لهم یا
محمدُ أو لم تستغفِرْ لهم، فلن يغفِرَ اللَّهُ لهم .
(٢ وقولُه: ﴿إِن تَسْتَغْفِرُ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمَّ﴾٤). يقولُ: إن
تسألْ لهم أن تُسْتَرَ عليهم ذنوبُهم بالعفوِ منه لهم عنها ، وتَركِ فضيحتِهم بها ، فلن
يَشْتُرَ اللَّهُ عليهم، ولن يعفوَ لهم عنها" ، ولكنهم يفضحُهم بها على رءوسٍ الأشهادِ
يومَ القيامةِ، ﴿ ذَلِكَ بِأَنَهُمْ كَفَرُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِةٍ،﴾. يقولُ جلّ ثناؤه: هذا
الفعلُ مِن اللَّهِ لهم(٥)، وهو تركُ عَفْوِه لهم عن ذنوبهم؛ مِن أجلِ أنهم جَحَدوا توحيدَ
(١ - ١) سقط من: ص، ف .
(٢) فى م: ((المعيشة))، وفى س: ((العينة))، وينظر مصدر التخريج، والقية كميتة، بوزن فِعلة، من القوت.
النهاية ١١٩/٤ .
(٣) فى ص، ت١، ت٢، س، ف: ((الجزاء)).
(٤ - ٤) سقط من: ت١، ت٢، س، ف .
(٥) فى م: ((بهم)).
٥٩٩
سورة التوبة : الآية ٨٠
اللَّهِ ورسالةَ رسولِه، ﴿ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْفَسِقِينَ﴾. يقولُ: واللَّهُ لا يوفِّقُ
للإيمانِ به وبرسولِهِ مَن آثرَ الكفرَ به، والخروجَ عن طاعتِه على الإيمانِ به وبرسوله .
ويُرْوَى عن رسولِ اللَّهِ عَهِ أنه حينَ نَزَلَت هذه الآيةُ، قال: «لأزِيدَنَّ فی
الاستغفارِ / لهم على سبعين مرةً))؛ رجاءً منه أن يغفِرَ اللَّهُ لهم، فَزَلَت: ﴿سَوَآءٌ ١٩٩/١٠
عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمَّ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [ المنافقون: ٦].
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال : ثنا عَبْدةُ بنُ سليمانَ ، عن هشام بنِ عُروةَ ، عن أبيه ، أن
عبدَ اللَّهِ بنَ أبىّ ابنَ سلولَ قال لأصحابه : لولا أنكم تُنْفِقون على محمدٍ وأصحابِه
لانْفَضُّوا مِن حولِه. وهو القائلُ: ﴿لَيْنِ رَّجَعْنَآ إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعْزُّ مِنْهَا
الْأَذَلَّ﴾ [ المنافقون: ٨]. فأَنزَل اللَّهُ: ﴿أَسْتَغْفِرْ لَمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ
لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةٌ فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾. قال النبيُّ عَّهِ: ((لأَزِيدنَّ على السبعين)).
فأنزل اللَّهُ: ﴿ سَوَآءُ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾، فَأتَى اللَّهُ
تبارك وتعالى أن يغفِرَ لهم(١) .
حدَّثنا ابنُ حميدٍ وابنُ وكيع، قالا: ثنا جريرٌ، عن مُغِيرةَ، عن شِباكٍ(١) ، عن
الشعبىِّ، قال: دَعا عبدُ اللَّهِ بنُ عبدِ اللهِ بنِ أبيّ ابنٍ سلولَ النبيَّ عَ لَّه إلى جنازةِ أبيه،
فقال له النبيُّ عَ له: ((مَن أنت؟)). قال: الحُبَابُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ أبيّ. فقال له النبيُّ
عَ لَّهِ: ((بل أنتَ عبدُ اللَّهِ بنُ عبدِ اللَّهِ بنِ أُبيِّ ابن سلولَ؛ إن الحُبابَ هو الشيطانُ)).
ثم قال النبىُ عليه الصلاةُ والسلامُ: ((إنه قد قيل لى: ﴿أَسْتَغْفِرْ لَمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ
لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اَللَّهُ لَهُمْ﴾ ، فأنا أستغفِرُ لهم سبعين وسبعين
(١) أخرجه البخارى (٤٦٧٠، ٤٦٧٢)، ومسلم (٢٤٠٠، ٢٧٧٤) من حديث ابن عمر .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٨٥٤/٦ من طريق عبدة بن سليمان به .
(٣) فى ف: ((سالم))، وينظر تهذيب الكمال ٣٩٨/٢٨ .
٦٠٠
سورة التوبة : الآية ٨٠
وسبعين)). وألبَسَه النبيُّ عَلِ قميصَه وهو عَرِقٌ(١).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابنٍ أُبی
تَجيح، عن مجاهدٍ: ﴿إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾: فقال النبيُّ عَ لَّهِ: [٥٩٦١/١]
((سأزِيدُ على سبعين استغفارةً)). فأنزل اللَّهُ فى السورةِ التى يُذكَرُ فيها المنافقون:
﴿فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمّ﴾ عَزْمًا(٢).
حدَّثنى المُثُنى، قال: ثنا أبو محُذَيفةً، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنٍ أبى نجيحٍ، عن
مجاهدٍ مثله .
قال : ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبى نجيحِ، عن
مجاهدٍ بنحوِه .
حدَّثُنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجْ، عن ابنٍ مُجُرَيجٍ، عن
مجاهدٍ نحوه .
قال: ثنا الحسينُ(٢)، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبرَنا مُغِيرةُ ، عن الشعبىِّ ، قال :
لمَّا تَقُلَ عبدُ اللَّهِ بنُ أَبِيِّ، انطلَقَ ابنُه إلى النبيِّ ◌َّه، فقال له: إن أبى قد اخْتُضِرَ،
فَأُحِبُّ أن تَشْهَدَه وتُصلىَ عليه. فقال النبىُّ عَمِ: ((ما اسْمُك؟)). قال: الحُبَابُ بنُ
عبدِ اللهِ. قال: ((بل أنتَ عبدُ اللَّهِ بنُ عبدِ اللَّهِ بنِ أُبىّ؛ إن الحُبابَ اسمُ شيطانٍ))(٤).
قال : فانطَلَق معه حتى شَهِدَه وألْبَسَه قميصَه وهو عَرِقٌ ، وصَلَّی علیه، فقيل له :
أتصلِّى عليه (° وهو منافقٌ°)؟ فقال: ((إن اللَّهَ قال: ﴿إِن تَسْتَغْفِرْ لَمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَن
(١) أخرجه ابن سعد ٥٤١/٣ من طريق عطاء بن السائب عن الشعبى.
(٢) تفسير مجاهد ص ٣٧٣، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٦٤/٣ إلى ابن أبى شيبة وابن المنذر.
(٣) فى م: ((الحسن))، وهو الحسين بن داود الملقب بسنيد. ينظر تهذيب الكمال ١٦١/١٢.
(٤) فى ت١، ف: ((الشيطان)).
(٥ - ٥) زيادة من : م .