النص المفهرس
صفحات 541-560
٥٤١
سورة التوبة : الآيتان ٦٣، ٦٤
وقد كان بعضُ نَحْوِى البصرةِ يختارُ/ الكسرَ فى ذلك على الابتداءِ؛ بسببٍ ١٧١/١٠
دخولِ ((الفاءِ)) فيها، وأن دخولَها فيها عندَه دليلٌ على أنها جوابُ الجزاءِ، وأنها إذا
كانت (١ جوابَ الجزاءٍ)، كان الاختيارُ فيها الابتداءَ.
والقراءةُ التى لا أسْتَجِيزُ غيرَها فتحُ الألفِ فى كلا الحرفَين - أعنى ((أنّ))
الأولى والثانيةَ - لأن ذلك قراءةُ الأمصارِ، وللعِلَّةِ التى ذكرتُ مِن جهةِ العربيةِ.
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ يَحْذَرُ الْمُنَفِقُونَ أَنْ تُغَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ نُنَبِتُهُم بِمَا
(٦٤)
فِى قُلُوبِهِمْ قُلِ أَسْتَهْزِءُواْ إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجُ مَّا تَحْذَّرُونَ
يقولُ تعالى ذكرُه: يَخْشَى المنافقون أن تَنزِلَ فيهم سورةٌ ﴿ نُنَبِّتُهُم بِمَا فِى
قُلُوبِهِمْ﴾ . يقولُ: تُظْهِرُ المؤمنين على ما فى قلوبهم .
وقيل: إن اللَّهَ أَنزَل هذه الآيةَ على رسولِ اللَّهِ عَ لَّمِ؛ لأن المنافقين كانوا إذا عابوا
رسولَ اللَّهِ عَهِ وَذَكَروا شيئًا مِن أمرِهِ وأمرٍ المسلمين، قالوا: لعل اللَّهَ لا يُفْشِى سِرَّنا.
فقال اللَّهُ لنبيّه محمدٍ عَلَّهِ: قلْ لهم: ﴿أَسْتَهْزِئُوْ﴾. مُتَهَدِّدًا لهم مُتَوَعِّدًا، ﴿إِنَّ
اللَّهَ مُخْرِجُ مَّا(٢) تَحْذَّرُونَ﴾ .
وبنحوِ الذى قُلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى ، عن ابنٍ أبى نجيح،
عن مجاهدٍ: ﴿ يَحْذَرُ الْمُنَفِقُونَ أَنْ تُغَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ﴾. قال: يقولون القولَ(٣)
(١ - ١) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((للجواب جزاء)).
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((ما كنتم)).
(٣) فى م: ((للقول)).
٥٤٢
سورة التوبة : الآيتان ٦٤، ٦٥
بينَهم، ثم يقولون : عسى اللَّهُ أن لا يُفْشِيَ سِرّنا علينا)).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابنٍ مجرَيجٍ، عن
مجاهدٍ مثلَه ، إلَّ أنه قال: سِرّنا هذا.
وأما قولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجُ مَّا تَحْذَّرُونَ﴾، فإنه يعنى به: إن اللَّهَ مُظْهِرْ
عليكم أيُّها المُنافِقون ما كنتم تَحْذَرون أن تُظْهِروه، فأَظهَر اللَّهُ ذلك عليهم
وفَضَحَهم، فكانت هذه السورةُ تُدْعَى الفاضحةً .
حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: كانت تُسَمَّى
هذه السورةُ الفاضحةً ؛ [٩٥١/١ظ] فاضحةً المنافقين(١).
القولُ فى تأويلِ قوله: ﴿وَلَيِنِ سَأَلْتَّهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ
٦٥
وَنَلْعَبُّ قُلْ أَبِاللَّهِ وَءَايَزِهِ، وَرَسُولِهِ، كُنْتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ
يقولُ جلّ ثناؤه النبيِّه محمدٍ سَلَّهِ: ولئن سألتَ يا محمدُ هؤلاء المنافقين عما
١٧٢/١ قالوا مِن /الباطل والكذبِ، لِيَقولُنَّ لك: إنما قُلنا ذلك لَعِبًا، وكنّا نخوضُ فى حديثٍ
لعبًا وهزؤًا. يقولُ اللَّهُ لمحمدٍ عَجٍ: قلْ يا محمدُ أباللَّهِ وآياتٍ كتابِه ورسوله كنتُم
تَسْتَهْزِئون ؟
وكان ابنُ إسحاقَ يقولُ: الذى قال هذه المقالةً - كما حدَّثنا ابنُ محُمَيدٍ ،
قال : ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ ، قال: كان الذى قال هذه المقالةَ - فيما بَلَغَنِى،
وديعةُ بنُّ ثابتٍ ، أخو بنى أميةً بنِ زيدٍ ، مِن بنى عمرو بنِ عوفٍ(٣).
(١) تفسير مجاهد ص ٣٧١، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٨٢٩/٦.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٨٢٩/٦ من طريق يزيد به .
(٣) سيرة ابن هشام ٢/ ٥٢٤، ٥٢٥.
٥٤٣
سورة التوبة : الآية ٦٥
حدَّثنا علىُّ بنُ داودَ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنا الليثُ، قال :
ثنى هشامُ بنُّ سعدٍ ، عن زيدِ بنِ أسلمَ ، أن رجلًا مِن المُنافِقين قال لعوفٍ بنِ مالكٍ فى
غزوة تبوكَ : ما لِقُرَّائِنا هؤلاء، أرغبُنا بُطونًا، وأكذبُنا ألسنةً، وأجْبَتُنا عندَ اللقاءِ!
فقال له عوفٌ: كذبتَ، ولكنك منافقٌ، لأُخْبِرَنَّ رسولَ اللَّهِ مَّهِ. فَذَهَب عوفٌ
إلى رسولِ اللَّهِ مَّهِ ليُخْبِرَه، فَوَجَد القرآنَ قد سَبَقَه. فقال زيدٌ: قال عبدُ اللَّهِ بنُ
عمرَ : فنظرتُ إليه مُتَعَلِّقًا بِحَقَبٍ (١) ناقةِ رسولِ اللَّهِ وَفِ تَنْكُبُه الحجارةُ(٢). يقولُ: إِنَّا
كنا نخوضُ ونلعبُ. فيقولُ له النبىُّ عَّهِ: ((﴿أَبِاللَّهِ وَءَايَتِهِ، وَرَسُولِهِ، كُنتُمْ
تَسْتَهْزِئُونَ﴾؟))، ما يزيدُه(٣) .
(" حدَّثنی يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ"، قال: ثنى هشامُ بنُ سعدٍ ، عن
زيدِ بنِ أسلمَ ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، قال : قال رجلٌ فى غزوة تبوكَ فى مجلسٍ : ما
رأينا مثلَ قُوَّائِنا هؤلاء، أرغبَ بُطونًا، ولا أكذبَ أَلْسُنًا، ولا أجبنَ عندَ اللقاءِ! فقال
رجلٌ فى المجلسِ: كذبتَ، ولكنك منافقٌ، لأَخْبِرَنَّ رسولَ اللَّهِ عَهِ. فبلغ ذلك
النبىَّ ◌َّ ◌َهِ، ونَزَلَ القرآنُ. قال عبدُ اللَّهِ بنُ عمرَ: فأنا رأيتُه مُتَعَلِّقًا بحَقَبٍ ناقةِ رسولٍ
اللَّهِ عَلِ، تَنْكُبُه الحجارةُ(٦) وهو يقولُ: يا رسولَ اللَّهِ ، إنما كُنَّا نخوضُ ونلعبُ.
(٦٥) لا
ورسولُ اللَّهِ مَّهِ يقولُ: ((﴿أَبِاللَّهِ وَءَايَيْهِ، وَرَسُولِهِ، كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ
(١) فى ت ٢: ((بعقب)). والحقب محركة: الحزام الذى يلى حَقْو البعير، أو هو حبل يشدّ به الرحل فى بطنه
مما يلى ثيله. ينظر التاج (ح ق ب).
(٢) أى: تناله وتصيبه . ينظر النهاية ١١٣/٥.
(٣) فى ت ١، ت ٢: ((يريده)). وذكره ابن كثير فى تفسيره ١١٢/٤ عن الليث بنحوه، وذكره القرطبى فى
تفسيره ١٩٧/٨ وعزاه إلى المصنف .
(٤ - ٤) سقط من: م، ف .
(٥) فى ص، ف: ((سعيد)) وهو المتقدم فى السند قبله، وينظر تهذيب الكمال ٢٠٤/٣٠.
(٦) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: (( بالحجارة)).
٥٤٤
سورة التوبة : الآية ٦٥
تَعْنَذِرُواْ قَدْ كَغَرُ بَعْدَ إِبِمَنِكٌ﴾(١)).
حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ ، قال : أخبَرَنا أيوبُ ، عن عكرمةَ
فى قوله: ﴿ وَلَيِنِ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوُضُ وَنَلْعَبٌ﴾، إلى قولِه:
بِأَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾. قال: فكان رجلٌ ممن إن شاء اللَّهُ عَفا عنه يقولُ:
اللهمَّ إنى أسمعُ آيَةً أَنا أَعْنَى بها، تَقْشَعِرُ منها الجلودُ ، وَجِبُ (٢) منها القلوبُ، اللهمَّ
فاجعلْ وفاتى قتلًا فى سبيلك؛ لا يقولُ أحدٌ: أنا غَشَلْتُ ، أنا كَفَّنْتُ، أنا دَفَنْتُ. قال:
فَأُصِيبَ يومَ اليمامةِ ، فما أحدٌ مِن المسلمين إلا وُجِد غيرُه(١).
حدَّثْنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ وَلٍَن
سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾. الآية، قال: بَيْنَا رسولُ
اللَّهِ مَهِ يسيرُ فى غزوتِه إلى تبوكَ، وبينَ يَدَيه ناسٌ مِن المنافقين، قالوا: أتَوْجو(٤) هذا
الرجلُ أن يفتحَ قصورَ() الشام وحصونَها، هيهات هيهاتَ! فَأَطْلَعَ اللَّهُ نِيَّه ◌َطِّ على
ذلك، فقال نبىُّ اللّهِ وَهِ: ((احتيِسوا(٢) علىَّ(١) الوَّكْبَ)). فأتاهم فقال: ((قُلْتُم
كذا، قُلْتُم كذا)). قالوا: يا نبيَّ اللَّه، إنما كُنَّا نخوضُ ونلعبُ. فأنزل اللّهُ تبارك
وتعالى(٨) ما تَشْمَعون(٩) .
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٨٢٩/٦ من طريق يونس به، وأخرجه العقيلى ٩٣/١ (١٠٦) من
طريق نافع عن ابن عمر، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٥٤/٣ إلى أبى الشيخ وابن مردويه.
(٢) فى ص، ت ١، ف: ((يحب))، وفى م: ((تجل))، وتجب أى: تضطرب وتخفق. ينظر النهاية ١٥٤/٥.
(٣) أى: إن الله استجاب دعوته فوجد القتلى والمصابون إلا هو لم يوجد. والأثر ذكره ابن كثير فى تفسيره ٤/ ١١٢.
(٤) فى ص، ت ١، ت ٢، س: ((أنرجو)).
(٥) فى ف: (( قبور)).
(٦) فى ص، ف: ((احبسوا)).
(٧) بعده فى م: ((هؤلاء)).
(٨) بعده فى م: ((فيها))، وفى مصدر التخريج: ((فيهم)).
(٩) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٨٣٠/٦ من طريق يزيد به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ٢٥٤=
٥٤٥
سورة التوبة : الآية ٦٥
١٧٣/١٠
/حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعْلَى، قال: ثنا محمدُ بنُّ ثَوْرٍ، عن مَعْمَرٍ ، عن قتادةً:
﴿ وَلَيِنِ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبٌ﴾. قال: بينَما
النبىُّ مَّهِ فى غزوة تبوكَ، ورَكْبٌ مِن المُنَافِقِين يَسِيرون بِينَ يَدَيه ، فقالوا: يَظُنُّ هذا
أن يفتحَ قصورَ الرومِ وحصونَها! فَأَطْلَعِ اللَّهُ نبيَّه ◌ِ لِ على ما قالوا، فقال: ((علىَّ
بهؤلاء النَّفَرِ)). فَدَعاهم فقال: ((قُلْتُم كذا و(١) كذا)). فحَلَفوا: ما كُتَّا إِلا نخوضُ
(٢)
ونلعب(٢).
حدَّثنا الحارثُ ، قال : ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا أبو مَعْشرٍ، عن محمدِ بنِ كعبٍ
وغيرِه، [٩٥٢/١ و] قالوا: قال رجلٌ مِن المنافقين: ما أَرَى قُرَّاءَنا هؤلاء إلا أرْغَبَنا بُطُونًا ،
وأَكْذَبَنا ألسنةً، وأجْبَتَنا عندَ اللقاءِ. فرُفِع ذلك إلى رسولِ اللَّهِ مَّاتهم ، فجاء إلى رسولٍ
اللَّهِ مَ لِّ وقد ارْتَحَلَ وَرَكِبَ ناقتَه، فقال: يا رسولَ اللَّهِ، إنما كُتَّا نخوضُ ونلعبُ.
فقال: ((﴿ أَبِاللَّهِ وَءَايَئِهِ، وَرَسُولِهِ، كُنْتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ﴾))، إلى قوله: ﴿مُجْرِمِينَ﴾،
وإن رِمْلَيه "لتْسِفَان الحجارةَ)، وما يَلْتَفِتُ إليه رسولُ اللَّهِ عَهِ، وهو متعلقٌ
بِنِسْعَةِ(٤) رسولِ اللَّهِ عَ﴾ (٥).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال : ثنا أبو عاصم، قال : ثنا عيسى، عن ابنٍ أبى
نجيح، عن مجاهدٍ: ﴿إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبٌ﴾. قال: قال رجلٌ مِن
= إلى ابن المنذر وأبى الشيخ .
(١) فى ت ١، ت ٢، س، ف: ((قلتم)).
(٢) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٨٢/١عن معمر به.
(٣ - ٣) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((لينسفان الحجارة)) وفى م: ((لتسفعان بالحجارة)). وينظر
مصدر التخريج، والنسف : قلع الشىء من أصله. التاج (ن س ف).
(٤) النسعة ، بالكسر: سير مضفور يجعل زماما للبعير وغيره . النهاية ٤٨/٥.
(٥).ذكره ابن كثير فى تفسيره ١١١/٤ عن أبى معشر به .
( تفسير الطبرى ٣٥/١١ )
٥٤٦
سورة التوبة : الآيتان ٦٥ ، ٦٦
المنافقين: يحدِّثنا محمدٌ أن ناقةً فلانٍ بوادى كذا وكذا « فى يومٍ كذا وكذا)، وما
يُذْرِيه ما الغيبُ(٢) ؟
حدَّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن
مجاهدٍ بنحوه .
القولُ فى تأويلٍ قوله: ﴿لَا تَعْنَذِرُواْ قَدْ كَغَرْتُ بَعْدَ إِيمَنِكٌُ إِن نَعْفُ(٣) عَنْ
٦٦
طَآئِفَةٍ مِّنْكُمْ نُعَذِّبْ(٤) طَائِفَةٌ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيّه محمدٍ عَظَلَّهِ: قلْ لهؤلاء الذين وَصَفتُ لك
صفتَهم: ﴿لَا تَعْنَذِرُواْ﴾ بالباطلِ، فتقولوا: كُنَّا نخوضُ ونلعبُ. ﴿قَدْ
كَفَرْتُ﴾، يقولُ: (قد جَحَدْتُ الحقَّ بقولِكمْ) ما قلتُم فى رسولِ اللَّهِ عَ لَّه والمؤمنين
به. ﴿بَعْدَ إِيمَنِكُمْ﴾، يقولُ: بعدَ تَصْدِيقِكم به، وإِقْرارِكم به، ﴿ إِن نَّعْفُ عَن
طَآئِفَتْرٍ مِّنْكُمْ نُعَذِّبْ طَانِفَةٌ﴾. وذُكِر أنه عُنِى (( بالطائفةِ)) فى هذا الموضعِ رجلٌ
واحدٌ .
وكان ابنُّ إسحاقَ يقولُ فيما حدَّثنا به ابنُ حُمَيدٍ ، قال : ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ
إسحاقَ، قال: كان الذى عُفِى عنه - فيما بَلَغَنى - مَخْشِئُ (١) بنُ حُمَيِّرِ الأشْجَعِىُّ
(١ - ١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف، وينظر مصادر التخريج.
(٢) تفسير مجاهدص ٣٧١، ٣٧٢، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦/ ١٨٣٠، وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ٢٥٤/٣ إلى ابن أبى شيبة وابن المنذر وأبى الشيخ.
(٣) فى ت ١، ت ٢، س فى هذا الموضع وما بعده: (( يعف)) بالياء، وهى قراءة السبعة غير عاصم، فإنه قرأه
بالنون: ﴿ نعف ﴾. ينظر السبعة ص ٣١٦.
(٤) فى ت ١، ت ٢، س، فى هذا الموضع وما بعده ((تعذب)) بالتاء مبنيا للمفعول ، وهى قراءة السبعة غير
عاصم، فإنه قرأه ﴿ نعذب﴾ بالنون. ينظر المصدر السابق.
(٥ - ٥) سقط من : ف .
(٦) غير منقوطة فى ص، وفى ت ١: ((محسى))، وفى ف: (( يحىى)) وهو مخشى ويقال له (( مخشن)) =
٥٤٧
سورة التوبة : الآية ٦٦
حليفُ بنى سلمةَ، وذلك أنه أنكَر منهم بعضَ ما سَمِع (١).
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا زيدُ بنُ محُبَابٍ (١) ، عن موسى بنِ عُبَيدةَ، عن
محمدِ بنِ كعبٍ : ﴿إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنْكُمْ﴾. قال: الطائفةُ(١): رجلٌ.
واختَلَف أهلُ التأويلِ فى تأويلٍ ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: ﴿إِن تَعْفُ عَنْ
طَآئِفَةٍ مِّنْكُمْ﴾(٤) بإنكارِه ) ما أنكَر عليكم(١) مِن قِبَلِ الكفرِ، ﴿ نُعَذِّبْ طَآَيِفَةٌ﴾.
بكفرِه واستهزائِه بآياتِ اللَّهِ ورسوله .
١٧٤/١٠
/ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأَعْلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ ، عن مَعْمَرٍ ، قال: قال
بعضُهم : كان رجلٌ منهم لم يُمالِئْهم فى الحديثِ ، يسيرُ مُجانِبًا لهم، فَتَزَلَت: ﴿ إِن
نَّعْفُ عَنْ طَآئِفَةِ مِّنْكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةٌ﴾، فشُمِّى طائفةٌ وهو واحدٌ(٧).
وقال آخرون: بل معنى ذلك : إن تَتُبْ طائفةٌ منكم فَيَعْفو اللَّهُ عنه ، يُعَذِّبِ اللَّهُ
طائفةً منكم بتَزْكِ التوبةِ .
وأما قولُه: ﴿بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ فإن معناه: نُعَذِّبْ طائفةٌ منهم
= أيضًا. ينظر سيرة ابن هشام ٥٢٤/٢، والإصابة ٥٣/٦.
(١) سيرة ابن هشام ٢/ ٥٢٥.
(٢) فى م: ((حبان)) وينظر تهذيب الكمال ١٠/ ٤٠.
(٣) فى م: ((طائفة)).
(٤) أخرجه ابن أبى شيبة ٦١/١٠ عن زيد بن حباب به .
(٥) بعده فى ص، ت ١، ت ٢، س: ((تعذب طائفة))، وبعده فى ف: ((تعذب به طائفة)).
(٦) عبر المصنف بالإفراد اعتمادا على أن المقصود بالطائفة: الرجل كما دل عليه الأثر قبله، وكذا الآثار التى
يسوقها المصنف بعد .
(٧) فى ف: ((عليهم)) .
(٨) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٨٢/١ عن معمر عن الكلبى به، فسمَّى ما أَبهم فى رواية المصنف.
٥٤٨
سورة التوبة : الآيتان ٦٦، ٦٧
ـا
باكْتِسابِهم الجُرْمَ، وهو الكفرُ باللَّهِ، وطَعْنُهم فى رسولِ اللهِ عَه .
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿ الْمُتَفِقُونَ وَالْمُنَّفِقَتُ بَعْضُهُم مِّنْ بَعْضِِّ بَأْمُرُونَ
بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيَدِيَهُمْ نَهُواْ اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ
اٌلْمُنَفِقِينَ هُمُ اُلْفَاسِقُونَ
٦٧
يقولُ تعالى ذكرُه : ﴿ الْمُنَفِقُونَ وَالْمُنَفِقَتُ﴾ وهم الذين يُظْهِرون للمؤمنين
الإيمانَ بألسنتِهم، ويُسِرُون(١) الكفرَ باللّهِ ورسولِه. ﴿بَعْضُهُم مِّنْ بَعْضٍ﴾
يقولُ: هم صِنْفٌ واحدٌ ، وأَمْرُهم واحدٌ ، فى إعلانِهم الإيمانَ واسْتِبْطانِهم الكفرَ؛
﴿ يَأْمُرُونَ﴾ مَن قبِلَ منهم ﴿ بِالْمُنكَرِ﴾: وهو الكفرُ باللّهِ وبمحمدٍ عَلتمه وبما
جاء، وتَكْذيئه، ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ﴾. يقولُ : ويَنْهَونهم عن الإيمانِ باللَّهِ
ورسوله، "وبما) جاءهم به مِن عندِ اللَّهِ.
وقولُه: ﴿وَيَقْبِضُونَ أَيَدِيَهُمْ﴾. يقولُ: ويُمْسِكون أيديهم عن النفقةِ فى سبيلٍ
اللَّهِ ، ويَكْفُّونها عن الصدقةِ، فيَمْنَعون الذين فَرَضَ اللَّهُ لهم فى أموالِهم ما فَرَض مِن
الزكاةِ حقوقهم .
کما حدّثنا محمدُ بنُ عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال: ثنا عیسی ، عن ابنِ
أبى نَجيح، عن مجاهدٍ فى قولِ اللَّهِ: ﴿ وَيَقْبِضُونَ أَيَدِيَهُمْ﴾. قال : لا يَتْسُطُونها
بنفقةٍ فى حقٍّ(٢).
حدَّثْنا المُثَنَّى، قال: ثنا أبو محُذَيفةً، قال : ثنا شِبْلٌ، عن ابنٍ أبى نجيح، عن
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((يستسرون)).
(٢ - ٢) فى ت ١: ((لما)).
(٣) تفسير مجاهد ص ٣٧٢، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦/ ١٨٣٢، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٢٥٥/٣ إلى ابن أبى شيبة وابن المنذر وأبى الشيخ.
٥٤٩
سورة التوبة : الآية ٦٧
مجاهدٍ مثله .
حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا [٩٥٢/١ظ] إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن ورقاءَ،
عن ابنٍ أبى نَجيحِ، عن مجاهدٍ مثلَه .
حدَّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجْ، عن ابنٍ مُجُرَيجٍ، عن
مجاهدٍ نحوه .
حدَّثْنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ وَيَقْبِضُونَ
أَيْدِيَهُمْ﴾ : لا يَتْسُطُونها بخيرٍ .
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعْلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عن مَعْمَرٍ ، عن قتادةً:
وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ﴾. قال: يَقْبِضون أيديهم عن كلِّ خيرٍ().
/ وأما قولُه: ﴿نَسُواْ اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾، فإن معناه: تَرَكوا اللَّهَ أن يُطِيعوه ويَتَّبِعوا ١٧٥/١٠
أمره، فترَکَهم اللهُ مِن توفیقه وهدايته ورحمتِه .
وقد دَلَّلنا فيما مَضَى على أن معنى النسيانِ التَّوكُ ، بشواهدِه، فأُغْنَى ذلك عن
(٢)
إعادته هلهنا (٢).
وكان قتادةُ يقولُ فى ذلك ما حدَّثْنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال : ثنا
سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿نَسُواْ اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ : نُسُوا مِن الخيرِ، ولم يُنْسَوا مِن
(٣)
الشرّ(٣).
قولُه: ﴿إِنَّ الْمُنَفِقِينَ هُمُ الْفَسِقُونَ﴾. يقولُ: إن الذين يُخادِعون
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٨٣٢/٦ من طريق محمد بن عبد الأعلى به .
(٢) تقدم فى ٣٩٣/٢.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٨٣٣/٦ من طريق يزيد بن زريع به .
٥٥٠
سورة التوبة : الآيات ٦٧ - ٦٩
المؤمنين بإظهارِهم لهم بألسنتِهم الإيمانَ باللَّهِ، وهم للكفرِ مُسْتَبْطِنون - هم
المفارِقون طاعةَ اللَّهِ ، الخارجون عن الإيمانِ به وبرسولِه .
القولُ فى تأويلِ قوله: ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَفِقِينَ وَالْمُنَفِقَتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ
٦٨
خَلِينَ فِيهَأَ هِىَ حَسْبُهُمَّ وَلَعَنَّهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ
يقولُ تعالى ذكره: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَفِقِينَ وَالْمُنَفِقَتِ وَالْكُفَّارَ﴾ بِاللَّهِ ﴿ نَارَ
جَهَنََّ﴾ أن يُصْلِيَهموها جميعًا، ﴿خَلِينَ فِيهَا﴾. يقولُ: ما كِئِين فيها أبدًا ، لا
يَخْيَون فيها ولا يموتون. ﴿هِىَ حَسْبُهُمْ﴾، يقولُ: ھی کافِيتُهم؛ عقابًا وثوابًا على
كفرِهم باللّهِ. ﴿وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾، يقولُ: وَأَبْعَدَهم اللَّهُ وأَسْحَقَهم مِن رحمتِه،
﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾. يقولُ: وللفريقَين جميعًا، يعنى مِن أهلِ النفاقِ والكفرِ،
عندَ اللَّهِ ﴿ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾: دائمٌ، لا يزولُ ولا يَبِيدُ.
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿كَلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ كَانُواْ أَشَدَ مِنْكُمْ قُوَّةً
وَأَكْثَرَ أَمْوَلَاً وَأَوْلَدًا فَأَسْتَمْتَعُواْ بِخَلَقِهِمْ فَأُسْتَمْتَعْتُم بِخَلَقِكُمْ كَمَا أُسْتَمْتَعَ
الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ مِخَقِمْ وَخُضْتُمْ كَلَّذِى خَاضُوَاْ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ
٦٩
فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيّه محمدٍ مَّهِ: قلْ يا محمدُ لهؤلاء المنافقين الذين قالوا :
﴿ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوُضُ وَنَلْعَبُّ﴾: أباللَّهِ وآياتٍ كتابِه ورسوله كنتم تستهزئون ؟
كَلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ مِن الأممِ الذين فَعَلوا فعلَكم فأهْلَكَهم اللَّهُ، وعَّلَ(١)
لهم فى الدنيا الخِزْىَ، مع ما أعدَّ لهم مِن العقوبةِ والنَّكالِ فى الآخرةِ . يقولُ لهم جلَّ
ثناؤه : واخذَروا أن يَحِلَّ بكم مِن عقوبةِ اللَّهِ مثلُ الذى حَلَّ بهم؛ فإنهم كانوا أشدَّ
(١) فى ت ١، ت ٢، س، ف: ((حل)).
٥٥١
سورة التوبة : الآية ٦٩
منكم قوّةً وبَطْشًا، وأكثرَ منكم أموالاً وأولادًا ﴿فَأَسْتَمْتَعُواْ بِخَلَقِهِمْ﴾. يقولُ:
فَتَمَتَّعوا بنصيبِهم وحَظُّهم مِن دنياهم ودينهم، ورَضُوا بذلك مِن نصيبهم فى
الدنيا عِوَضًا مِن نصيبهم فى الآخرةِ، وقد سَلَكُم أيّها المنافقون سبيلَهم فى
الاستمتاع /﴿ پغلقِگٌ﴾ . یقولُ : فَعَلتم بدینکم ودُنْیا کم، کما اسْتَمْتَع الأُمُ الذین
كانوا مِن قبلِكم(١) ، الذين أهلكتُهم بخلافِهم أمْرى - ﴿مِخَقِهِمْ﴾. يقولُ:
كما فَعَل الذين مِن قبلِكم بنصيبهم مِن دُنياهم ودينهم . ﴿وَخُضْتُمْ﴾ فی الكذبِ
والباطلٍ على اللَّهِ ﴿كَلَّذِى خَاضُواْ﴾. يقولُ: وخُضْتُم أنتم أيضًا أيُّها المنافقون
كخَوْضٍ تلك الأمم قبلكم .
١٧٦/١٠
وبنحوِ الذى قُلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى المُثَنَّى، قال : ثنا أبو صالح، قال : ثنى أبو معشرٍ ، عن سعيد بن أبى
سعيدِ المَقْبُرِىِّ، عن أبى هريرةَ، عن النبىِّ مَله، قال: ((لَتَأْخُذُنَّ كما أخَذَ الأممُ مِن
قَبْلِكم ؛ ذِرَاعًا بذِراعٍ، وشِبْرًا بشِبْرٍ، وباعًا بياعٍ، حتى لو أن أحدًا مِن أولئك دَخَلَ
جُحْرَ ضَبِّ لَدَخَلْتُمُوه)). قال أبو هريرةَ: اقْرَءُوا إن شِئْتُم القرآنَ: ﴿كَلَّذِينَ مِن
قَبْلِكُمْ كَانُواْ أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَلَا وَأَوْلَدًا فَأُسْتَمْتَعُواْ بِخَلَفِهِمْ
فَأُسْتَمْتَعْتُمْ بِخَفِكُ كَمَا أُسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ بِخَلَقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَلَِّى
خَاضُوَاْ﴾. قالوا(٢): يا رسولَ اللَّهِ، كما صَنَعَت فارسُ والرومُ؟ قال: ((فَهَلِ الناسُ
(١ - ١) سقط من: ت ١.
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((قبلهم)).
(٣) فى س: ((قال)). وفى صحيح البخارى: ((فقيل)).
٥٥٢
سورة التوبة : الآية ٦٩
(١)
إلا هُمْ؟))(١) .
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن
عمرَ بنِ عطاءٍ، [٩٥٣/١و] عن عِكْرمةً، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿كَلَّذِينَ مِن
قَبْلِكُمْ﴾ الآية. قال: قال ابنُ عباسٍ: ما أشْبَهَ الليلةَ بالبارحةِ: ﴿كَلَّذِينَ مِن
قَبْلِكُمْ﴾: هؤلاء بنو إسرائيلَ شُبَّهْنا بهم. لا أعلمُ إلا أنه قال: والذى نَفْسِى بيدِه
لتَّبِعُنَّهم حتى لو دَخَلَ الرجلُ منهم بجُخْرَ ضَبِّ لَدَخَلْتُموهُ(١) . قال ابنُ جرَيجٍ:
وأخبرنى زيادُ بنُ سعدٍ، عن محمدِ بنِ زيدِ بنِ مُهاجرٍ، عن سعيدِ بنِ أبى سعيد
المَقْبُرِىِّ، عن أبى هريرةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ عَمِ: (( والذى نَفْسِى بيدِه لَتَّبِعُنَّ
سَنَنَ الذين مِن قبلِكم ؛ شِبْرًا بشِبْرٍ، وذِرَاعًا بذراعٍ ، وباعًا بياع، حتى لو دَخَلوا بجحْرَ
ضَبِّ لَدَخَلْتُموه)). قالوا: ومَن هم يا رسولَ اللَّهِ، أهلُ الكتابِ؟ قال:
((فَمَهْ(٣))(٤).
حدَّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجْ، عن ابنٍ مُرَيجٍ، قال :
قال أبو سعيد الخُدْرِىُّ أنه قال: ((فمَن؟))(٥) .
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأَعْلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عن مَعْمَرٍ، عن
(١) أخرجه أحمد ٦٠/١٤، ١٥٣، ٤٠٤، ٤٠٥ (٨٣٠٨، ٨٤٣٣، ٨٨٠٥، ٨٨٠٦)، والبخارى
(٧٣١٩) من طريق سعيد به .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٨٣٤/٦ من طريق حجاج به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٥٥/٣
إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.
(٣) فى م: ((فمن)) وينظر مصدر التخريج.
(٤) أخرجه أحمد ٨١/١٤ (٨٣٤٠) عن حجاج به .
(٥) أخرجه الطيالسى (٢٢٩٢)، وأحمد ٣٢٢/١٨ (١١٨٠٠)، والبخارى (٣٤٥٦، ٧٣٢٠)، ومسلم
(٢٦٦٩) وغيرهم من حديث أبى سعيد .
٥٥٣
سورة التوبة : الآيتان ٦٩ ، ٧٠
الحسنِ: ﴿فَأَسْتَمْتَعُواْ بِخَلَقِهِمْ﴾. قال: بدينِهم(١).
حدَّثنى المُثَنَّى، قال : ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه ، عن
الربيعِ، قال: قال رسولُ اللَّهِ وَهِ: ((حَذَّرَكم(٢) أن تُحْدِثُوا فى الإسلامِ حَدَثَّا ،
وقد عَلِمَ (١) أنه سيفعلُ ذلك(٤) أقوامٌ مِن هذه الأمةِ، فقال اللَّهُ فى ذلك: ﴿فَاسْتَمْتَعُواْ
بِخَلَقِهِمْ فَاسْتَعْتَعْتُمْ بِحَقِكُ كَمَا أُسْتَمْتَعَ الَِّينَ مِن قَبْلِكُمْ بِخَقِهِمْ وَخُضْتُمْ
ج
كَلَّذِى خَاضُواْ﴾)). وإنما حَسِبوا أن لا يقعَ بهم مِن الفتنةِ ما وَقَع ببنى إسرائيلَ
قبلَهم ، وإن الفتنةَ عائدةٌ كما بَدَتْ(٥).
/وأمَّا قولُه: ﴿أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ﴾، فإن معناه: هؤلاء الذين قالوا: ١٧٧/١٠
﴿﴿ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوُضُ وَنَلْعَبُّ﴾، وفَعَلوا فى ذلك فعلَ الهالِكِين مِن الأمم قبلَهم .
حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ﴾، يقولُ: ذَهَبَتْ أعمالُهم باطلًا ، فلا ثوابَ لها إلا النارُ؛ لأنها
كانت فيما يَسْخَطُ اللَّهُ ويَكْرَهُه. ﴿ وَأُوْلَكَ هُمُ الْخَسِرُونَ﴾، يقولُ: وأولئك
هم المَغَّبونُون صفقتُهم، بيَيْعِهم نعيمَ الآخرةِ بخَلاقِهم مِن الدنيا اليسيرِ الزهيدِ .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿أَلَمَّ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ
وَثَمُودَ وَقَوْمٍ إِنْزَهِيمَ وَأَصْحَبٍ مَذْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَتِّ أَنَنْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَِّنَتِّ فَمَا
كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
٧٠
يقولُ تعالى ذكره : ألم يأتِ هؤلاء المنافقين الذين يُسِرُون الكفرَ باللَّهِ ، ويَنْهَون
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٨٣٤/٦ من طريق محمد بن عبد الأعلى به، وأخرجه عبد الرزاق فى
تفسیره ٢٨٣/١ عن معمر به .
(٢) فى ص، ت ٢، س، ف: ((حدثكم))، وينظر مصدر التخريج .
(٣) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((علمتم))، وينظر مصدر التخريج.
(٤) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف .
(٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٥٥/٣ إلى أبى الشيخ.
٥٥٤
سورة التوبة : الآية ٧٠
عن الإيمانِ به وبرسولِه، ﴿نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾. يقولُ: خبرُ الأمم الذين
كانوا مِن قبلِهم حينَ عَصَوا(١) رُسُلَنَا وخالَفوا أمْرَنا، ماذا حَلَّ بهم مِن عقوبتِنا؟
ثم يَّنَ جل ثناؤه مَن أولئك الأممُ التى قال لهؤلاء المنافِقِين: ألم يأتِهم نَبَؤُهم؟
فقال: ﴿قَوْمِ نُوجِ﴾. ولذلك خَفَضَ القومَ، لأنه تَرْجُمَ بهم عن ((الذين))
و «الذین)» فى موضعٍ خفضٍ .
ومعنى الكلام : ألم يأتِ هؤلاء المنافقين خبرُ قوم نوح وصَنیعی بهم إذ كَذِّبوا
رسولى نوحًا، وخالَفوا أمْرِى؟ ألم أَغْرِقْهم بالطّفانِ؟ ﴿وَعَادٍ﴾، يقولُ: وخبرُ
عادٍ إِذْ عَصَوا رسولى هودًا، ألم أَهْلِكْهم بريحِ صَرْصَرٍ عاتيةٍ ؟ وخبرُ ثمودَ إِذ عَصَوا
رسولى صالحاً ، ألم أهلِكْهم بالرَّجْفَةِ ، فأَتْرُكُهم بأفْنِيَتِهم خُمودًا؟ وخبرُ قومِ إبراهيمَ
إذْ عَصَوه، ورَدُّوا عليه ما جاءهم به مِن عندِ اللَّهِ مِن الحقِّ، ألم أَسْلُتهم النعمةَ،
وأُهلِكْ مَلِكَهمْ تُمْرُوذُ(٣)؟ وخبرُ أصحابٍ مَدْيَنَ بنِ إبراهيمَ ، ألم أُهلِكُهم بعذابٍ يومٍ
الظُّلَّةِ إِذ كَذَّبوا رسولى شعيبًا؟ وخبرُ المُتْقَلِيةِ بهم أرضُهم، فصار أعلاها أسفلَها، إذ
عَصَوا رسولى لوطًا، وكَذَّبوا ما جاءهم به مِن عندى مِن الحقِّ؟ يقولُ تعالى ذكره :
أفأمِن هؤلاء المنافقون الذين يَسْتَهْزِءون باللّهِ وبآياتِه ورسوله، أن يُسْلَكَ بهم فى
الانْتِقامِ منهم وتَعْجيلِ الخِزْيِ والتَّكالِ لهم فى الدنيا، سبيلُ أسلافهم مِن الأمم،
ويَحِلَّ بهم بتكْذييهم رسولى محمدًاً عَّهِ ما حَلَّ بهم فى تَكْذيِهم رُسُلَنا، إذ أنتْهم
بالبينات .
وبنحوِ الذى قُلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
(١) فى ت ١، ت ٢، س: ((عموا))
(٢) فی م: (( بهن)).
(٣) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((نمرود)) بالمهملة، وينظر تعليقنا المتقدم فى ٥٦٨/٤ .
٥٥٥
سورة التوبة : الآية ٧٠
ذکرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأَعْلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ :
﴿وَالْمُؤْتَفِكَتِ﴾. قال: قوم لوطٍ ، انْقَلَبَت بهم أرضُهم، فُجُعِل عالِيَها سافلَها(١).
حدَّثْنا بِشْرٌ، [٩٥٣/١ظ] قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:
﴿وَالْمُؤْتَفِكَتِ﴾. قال: هم قوم لوطٍ .
/فإن قال قائلٌ: فإن كان عَنَى بـ ﴿الْمُؤْتَفِكَثِ﴾ قومَ لوطٍ ، فكيف قيل: ١٧٨/١٠
المؤتفكاتُ ، فجُمِعَت ولم تُوَخَّدْ؟
قيل : إنها كانت قَرْياتٍ ثلاثًا ، فجُمِعَت لذلك، ولذلك مجمِعَت بالتاءِ على
قولِ اللَّهِ: ﴿ وَالْمُؤْنَفِكَةَ أَهْوَى﴾ [النجم: ٥٣].
فإن قال: وكيف قيل: أَتَتْهم رسلُهم بالبيناتِ، وإنما كان المُؤْسَلُ إليهم
واحدًا ؟
قيل : معنى ذلك: أَتَى كلَّ قريةٍ مِن المؤتفكاتِ رسولٌ يَدْعُوهم إلى اللَّهِ ،
فتكونُ رسلُ رسولِ اللهِ عَظَاهِ الذين بَعَثَهم إليهم(١) للدعاءِ إلى اللَّهِ عن رسالاتِه(٣) -
رُسُلَّا إليهم، كما قالت العربُ لقومٍ نُسِبوا إلى أبى فُدَيْكِ الخارِجيّ: الفُدَيْكَاتُ،
وأبو فُدَيْكِ واحدٌ ولكن أصحابَه لما نُسِبوا إليه وهو رئيسُهم، دُعُوا بذلك ونُسِبوا إلى
رئيسِهم. فكذلك قولُه: ﴿أَنَّهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَتِّ﴾ .
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٨٣٧/٦ من طريق محمد بن عبد الأعلى، وأخرجه عبد الرزاق فى
تفسيره ٢٨٣/١ عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٥٥/٣ إلى ابن المنذر.
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((إليه)).
(٣) فى م: ((رسالته)).
٥٥٦
سورة التوبة : الايتان ٧٠ ، ٧١
وقد يَحتمِلُ أن يقالَ: معنى ذلك: أَتَتْ قومَ نوحٍ وعادٍ وثمودَ وسائرَ الأمم الذين
ذَكَرهم اللَّهُ فى هذه الآيةِ - رسلُهم مِن اللَّهِ بالبيناتِ .
وقولُه: ﴿فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾. يقولُ جل ثناؤه: فما أهْلَكَ اللَّهُ
هذه الأممَ التى ذَكَر أنه أهْلَكها إلا بإجْرامِها وظلمِها أنفسَها واسْتحقاقِها مِن اللَّهِ
عظيمَ العقابِ ، لا ظلمًا مِن اللَّهِ لهم، ولا وضعًا منه جلّ ثناؤه عقوبةً فى غيرٍ مَن هو
لها أهلٌ ؛ لأن اللَّهَ حكيمٌ لا خَلَلَ فى تدبيرِه، ولا خطأً فى تقديرِه، ولكن القوم الذين
أُهْلَكُهم ظَلَموا أنفسهم بمعصيةِ اللَّهِ وتكذيِهم رسلَه، حتى أسْخَطوا عليهم ربَّهم،
فحَقَّتْ عليهم ) كلمةُ العذابِ فعُذِّبوا .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضِ يَأْمُونَ
◌ِلْمَعْرُوفٍ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ
وَرَسُولَهُ: أُوْلَئِكَ سَيِّرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (
يقولُ تعالى ذكره: وأما المؤمنون والمؤمناتُ، وهم المُصَدِّقون باللّهِ ورسوله
وآياتٍ كتابِهِ، فإن صفتَهم؛ أن بعضَهم أنصارُ بعضٍ وأعوانُهم، ﴿يَأْمُونَ
بِلْمَعْرُوفِ﴾. يقولُ: يأمُرون الناسَ بالإيمانِ باللَّهِ ورسوله، وبما جاءبه مِن عندِ اللَّهِ،
◌ْ وَيُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ﴾. يقولُ: ويؤدُّون الصلاةَ المفروضةَ، ﴿وَيُؤْتُونَ
الزَّكَوَةَ﴾. يقولُ: ويُعْطُون الزكاةَ المفروضةَ أهلَها، ﴿ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ ،
فيأتَّرون لأمرِ اللَّهِ ورسوله، ويَنْتَهُون عما نَهياهم عنه، ﴿أُوْلَئِكَ سَيَرْجُهُمُ
اللَّهُ﴾. "يقولُ: هؤلاء الذين هذه صفتُهم، الذين سيرحمُهم اللَّهُ، فَيُعِدُهم(٤)
(١ - ١) فى ت ١، ت ٢، س، ف: ((عليها)).
(٢) فى م، ت١: ((نهيناهم)).
(٣ - ٣) سقط من: ت ١، ت ٢، س، ف.
(٤) فى ف: (( فیعذبهم)) .
٥٥٧
سورة التوبة : الآيتان ٧١، ٧٢
مِن عذابِهِ، ويُدْخِلُهم جنتَه، لا أهلُ النفاقِ والتكذيبِ باللَّهِ ورسولِه، الَّاهون عن
المعروفِ ، الآمِرُون بالمنكرِ ، القابضون أيديهم عن أداءٍ حقٌّ اللَّهِ مِن أموالِهم، ﴿إِنَّ
اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾. يقولُ: إن اللَّهَ ذو عِزَّةٍ فى انتقامِه ممن انْتَقَم مِن خلقِه على
معصيته وكفرِه به، لا يمنعُه مِن الانتقام منه مانعٌ، ولا ينصُرُه منه ناصرٌ ،
حَكِيمٌ﴾ فى انتقامِه منهم وفى جميع أفعاله .
وبنحوِ الذى قُلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
١٧٩/١٠
/ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن
الربيع بن أنسٍ ، عن أبى العاليةِ ، قال: كلُّ ما ذَكَر اللَّهُ فى القرآنِ مِن الأمرِ بالمعروفِ
والنهي عن المنكرِ، فالأمر بالمعروفِ دعاءٌ مِن الشركِ إلى الإسلامِ، والنهى عن المنكرِ
النهى عن عبادة الأوثانِ والشياطين(١).
قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه:
يُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ﴾. قال : الصلواتُ الخمسُ.
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْنِهَا
اُلْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا وَمَسَكِنَ طَيِّبَةُ فِي جَنَّتِ عَلٍْ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ
(٧٢
ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ
يقولُ [٩٥٤/١ و] تعالى ذكره: وعَد اللَّهُ الذين صَدَقوا اللَّهَ ورسولَه، وأَقَرُوا به
(١) سقط من: م.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٨٣١/٦ من طريق أبى جعفر به مختصرا، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٦٨/١ إلى ابن أبى حاتم وابن إسحاق . بزيادة على هذا.
٥٥٨
سورة التوبة : الآية ٧٢
وبما جاء به مِن عندِ اللّهِ، مِن الرجال والنساءِ، ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْنِهَا الْأَنْهَرُ﴾.
يقولُ: بساتينَ تجرى تحتَ أشْجارِها الأنهارُ، ﴿خَلِينَ فِيهَا﴾. يقولُ: لَا يِثِين
فيها أبدًا، مُقِيمِين، لا يزولُ عنهم نَعِيمُها ولا تَبِيدُ، ﴿ وَمَسَكِنَ طَيِّبَةٌ﴾. يقولُ:
ومنازلَ يَسْكُنونها طيبةٌ .
وطِيبُها أنها فيما ذُكِر لنا كما حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا إسحاقُ بنُّ
سليمانَ، ((عن بجَشٍ()، عن الحسنِ، قال: سألتُ عِمْرانَ بنَ حُصينٍ وأبا هريرةً عن
آيةٍ فى كتابِ اللَّهِ تبارك وتعالى: ﴿ وَمَسَكِنَ طَيِّبَةٌ فِي جَّتِ عَدْنٍ﴾. فقالا:
على الخبيرِ سَقَطْتَ، سألْنا رسولَ اللَّهِ بِهِ، فقال: ((قَصْرٌ فى الجنةِ مِن لؤلؤُ، فيه
سبعون دارًا مِن ياقوتةٍ حمراءَ، فى كلِّ دارٍ سبعون بيتًا مِن زُمُردةٍ خضراءَ، فى كلِّ
بیتٍ سبعون سريرًا))(٢).
حدَّثنا إبراهيمُ بنُّ سعيدِ الجَوْهَرِىُّ، قال: ثنا قُوَةُ بنُ حبيبٍ، عن جَسْرٍ(٢) بنِ
فَرْقَدٍ، عن الحسنِ، عن عِمْرانَ بنِ حُصَينٍ وأبى هريرةَ، قالا: سُئِل رسولُ اللَّهِ عَتمِ عن
هذه الآية: ﴿ وَمَسَكِنَ طَيِّبَةٌ فِي جَنَّتِ عَدْنٍ﴾. قال: ((قَصْرٌ مِن لؤلؤةٍ ، فى
ذلك القصرِ سبعون دارًا مِن ياقوتةٍ حمراءَ، فى كلِّ دارٍ سبعون بيتًا مِن زَبَوْجدةٍ
خضراءَ، فى كلِّ بيتٍ سبعون سريرًا، على كلِّ سريرٍ سبعون فِراشًا مِن كلِّ لونٍ ،
على كلِّ فراشِ زوجةٌ مِن الحورِ العينِ ، فى كلِّ بيتٍ سبعون مائدةً ، على كلِّ مائدةٍ
سبعون لونًا مِن طعام، فى كلِّ بيتٍ سَبعون وصيفةً ، ويُعْطَى المؤمنُ مِن القُوَّةِ فِى غَداةٍ
(١ - ١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، س، ف، وفى ص: ((عن الحسن)). ثم ضرب على الألف واللام،
والمثبت من الأوسط للطبرانى، وانظره فى الأثر بعده. وينظر التاريخ الكبير ٢٤٦/٢.
(٢) أخرجه الطبرانى فى الأوسط (٤٨٤٩) من طريق أبي كريب به .
(٣) فى النسخ: ((حسن).
٥٥٩
سورة التوبة : الآية ٧٢
واحدةٍ ما يأتى على ذلك كلِّه أَجْمَعَ))(١).
وأمّا قولُه: ﴿فِي جَنَّتِ عَدْنٍ﴾. فإنه يعنى: وهذه المساكنُ الطيّبةُ التى
وَصَفَها جلّ ثناؤُه فى جناتٍ عدنٍ .
و﴿فى﴾ مِن صلةٍ ﴿ مَسَكِنَ﴾.
وقيل: ﴿جَنَّتِ عَدْنٍ﴾. لأنها بساتينُ خُلْدٍ وإقامةٍ، لا يَظْعَنُ منها (٢) أحدٌ .
وقيل: إنما / قيل لها: ﴿جَّتِ عَدْنٍ﴾. لأنها دارُ اللَّهِ التى اسْتَخْلَصَها لنفسِه، ١٨٠/١٠
ولمّن شاء مِن خلقِه، مِن قولِ العربِ: عَدَنَ فلانٌ بأرضٍ كذا . إذا أقامَ بها وخَلَدَ بها ،
ومنه المَعْدِنُ ، ويقالُ : هو فى مَعْدِنِ صدقٍ . يعنى به أنه فى أصلِ ثابتٍ . وقد أنشَد
بعضُ الرواةِ بيتَ الأَعْشَى(٣) :
وإنْ يَسْتَضِيفوا(٤) إلى حكمِه(٥)
يُضَافُوا إلى راجحٍ قد عَدَنْ(١)
ويُنْشَدُ : قد وَزَنْ .
وكالذى قُلنا فى ذلك كان ابنُ عباسٍ وجماعةٌ معه - فيما ذُكِر - يَتَأوَّلونه .
(١) أخرجه البيهقى فى البعث والنشور (٢٨١) وابن الجوزى فى الموضوعات ٢٥٢/٣ من طريق إبراهيم بن
سعيد به، وأخرجه ابن المبارك فى الزهد (١٥٧٧)، والطبرانى فى الكبير ١٦٠/١٨ (٣٥٣)، والبزار
(٢٢١٧) من طريق جسر بن فرقد به، وأخرجه أبو الشيخ فى العظمة ص (٦٠٩) من طريق الحسن به. وقال
ابن كثير فى البداية والنهاية ٢٨٦/٢٠: وهذا الحديث غريب، بل الأشبه أنه موضوع، وإذا كان الخبر ضعيفًا
لم یمکن اتصاله ، فإن جسرا هذا ضعيف جدا .
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((فيها)).
(٣) ديوانه ص ١٩.
(٤) فى م: ((تستضيفوا))، وفى الديوان: ((يستضافوا)).
(٥) فى ص، ت ١، ت ٢، س: ((حلمه))، وفى ف: ((حمله)).
(٦) فى الديوان: ((رزن)) بالراء، ووزن ورزن بمعنَّى، وكذا أيضًا: عدن ، كما فسره أبو عبيدة فى مجاز القرآن
٢٦٤/١.
٥٦٠
سورة التوبة : الآية ٧٢
حدَّثنى إسحاقُ بنُ إبراهيمَ بنِ حبيبٍ بنِ الشهيدِ ، قال : ثنا عَتَّابُ بنُ بشيرٍ ، عن
خُصَيفٍ ، عن عِكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿جَنَّتِ عَدْنٍ﴾. قال: مَعْدِنُ الرجلِ الذى
يكونُ فيه(١) .
حدَّثنا محمدُ بنُ سهلٍ بنِ عسكرٍ ، قال: ثنا ابنُ أبي مريمَ ، قال: ثنا الليثُ بنُ(١)
سعدٍ عن زيادةً ، عن محمدِ بنِ كعبِ القُرَظِىِّ ، عن فَضالةَ بنِ عُبيدٍ ، عن أبى الدرداءِ ،
قال: قال رسولُ اللَّهِ وَهِ: ((إِنَّ اللَّهَ يَفْتَحُ الذِّكْرَ فى ثلاثِ ساعاتٍ يَتْقَيْنَ مِن الليلِ؛
فى الساعةِ الأُولى مِنْهُنَّ ينظرُ فى الكتابِ الذى لا يَنْظُرُ فيه أحدٌ غيرُه ، فَيَمْحُو ما يشاءُ
ويُثْبِتُ، ثم يَنْزِلُ فى الساعةِ الثانيةِ إلى جنةِ عَدْنٍ ، وهى دارُه التى لم تَرَها عَيْنٌ ، ولم
تَخْطُرْ على قلبٍ بَشَرٍ، وهى مَشْكَنُه، ولا يَسْكُنُ معه مِن بنى آدمَ غيرُ ثلاثةٍ ؛ النَّبِّين
والصِّدِّيقِين والشهداءِ، ثم يقولُ: طُوبَى لَمَن دَخَلَكِ. وذَكَر فى الساعةِ الثالثةِ)) (١).
حدَّثنى موسى بنُ سهلٍ، قال : ثنا آدمُ ، قال : ثنا الليثُ بنُ سعدٍ ، قال: ثنا زيادةٌ
ابنُ محمدٍ ، عن محمدِ بنِ كعبِ القُرَظِىِّ، عن فَضالةَ بنِ عُبِيدٍ، عن أبى
الدرداءِ، قال: قال رسولُ اللَّهِ مَ له: ((عَدْنٌ دَارُه - يعنى: دارُ اللَّهِ - التى لم تَرَها
عيٌ، ولم تَخْطُرْ على قلبٍ بشرٍ، وهى مَسْكنُه، ولا يَشْكُنُها معه مِن بنى آدمَ غيرُ
ثلاثةٍ ، النَِّّين، والصِّدِّيقِين، والشهداءِ، يقولُ اللَّهُ تبارك وتعالى: طُوبَى لَّن
دَخَلَكِ)) .
وقال آخرون: معنى ﴿جَنَّتِ عَدْنٍ﴾: [٩٥٤/١ط] جنات أعْنابٍ وكُرُومٍ .
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٨٤٠/٦ من طريق خصيف به بلفظ: معدنهم فيها أبدًا بنحوه.
(٢ - ٢) فى النسخ: ((الكندى)). والمثبت كما فى الإسناد بعده، وسيأتى على الصواب أيضًا فى تفسير الآية
٣٩ من سورة الرعد .
(٣) سيأتى تخريجه ٥٧٠/١٣.