النص المفهرس
صفحات 481-500
٤٨١ سورة التوبة : الآيتان ٤٥ ، ٤٦ وَأَرْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ﴾. يقولُ: وشَكّت قلوبُهم فى حقيقةِ وحدانيةِ اللهِ ، وفى ثوابِه أهلَ طاعتِه، وعقابِهِ أهلَ مَعاصِيه، ﴿فَهُمْ فِ رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾. يقولُ: فى شَكُهم مُتَحَيِّرون ، وفى ظُلْمَةِ الحَيَرةِ مُتَرَدِّدون ، لا يَعْرِفون حَقًّا مِن باطلٍ فِيَعْمَلوا على بصيرةٍ . وهذه صفةُ المُنَافِقِين . وكان جماعةٌ مِن أهلِ العلم يَرَون أن هاتين الآيتين مَنْسُوخَتان بالآيةِ التى ذُكِرَت فى سورة (النورٍ)) . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، عن الحسينِ، عن يزيدَ ، عن عِكْرمةَ والحسنِ البَصْرِىِّ، قالا: قولُه: ﴿لَا يَسْتَعْذِئُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾. إلى قوله: ﴿فَهُمْ فِ رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾. نَسَخَتها الآيةُ التى فى ((النورِ)): ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِلَّهِ﴾ إلى ﴿ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾(١) [ النور: ٦٢] . وقد بيّنًّا الناسخَ والمنسوخَ بما أغنَى عن إعادتِه ههنا(٢) . ١٤٤/١٠ /القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿وَلَوْ أَرَادُواْ الْخُرُوِجَ لَأَعَدُواْ لَهُ عُذَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ أَنْعَائَهُمْ فَشَبَّطَهُمْ وَقِيلَ أَقْعُدُواْ مَعَ الْقَعِدِينَ ٤٦ يقولُ تعالى ذكره: ولو أرادَ هؤلاء المُسْتَأَذِنوك يا محمدُ ، فى تَرْكِ الخروجِ (١) أخرجه ابن الجوزى فى نواسخه ص ٣٦٧، ٣٦٨ من طريق على بن الحسين بن واقد عن أبيه عن يزيد عن عكرمة عن ابن عباس . وذكره النحاس فى ناسخه ص ٥٠٥ عن الحسن وعكرمة ، وفيه أن آية سورة التوبة هى التى نسخت آية سورة النور. (٢) تقدم فى ٣٨٨/٢ وما بعدها . ( تفسير الطبرى ٣١/١١ ) ٤٨٢ سورة التوبة : الآيتان ٤٦، ٤٧ معك " لجهادِ عدوّك - الخروجَ معك)، ﴿ لَأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً﴾. يقولُ: لِأَعَدُّوا للخروجِ عُدَّةً، ولَتَأْمَُّوا للسفرِ والعدوِّ أَهْبَتَهما، ﴿ وَلَكِنْ كَرِهَ اَللَّهُ الْبِعَاثَهُمْ﴾. يعنى: خروجهم لذلك، ﴿فَثَبَّطَهُمْ﴾. يقولُ: فَقَّل عليهم الخروجَ حتى اسْتَخَفُّوا القُعودَ فى مَنازلِهِم خِلافَك، واسْتَثْقَلوا السفرَ والخروجَ معك، فتَرَكوا لذلك الخروجَ، ﴿ وَقِيلَ أَقْعُدُواْ مَعَ اُلْقَعِدِينَ﴾. يعنى: اقْعُدُوا مع المَرْضَى والضُّعَفاءِ الذين لا يَجِدون ما يُنْفِقُون، ومع النساءِ والصِّئْيانِ، واتْرُكوا الخروجَ مع رسولِ اللَّهِ عَمِ والمجاهِدين فى سبيلِ اللهِ. وكان تَقْبِيطُ اللَّهِ إِيَّهم عن الخروجِ مع رسولِهِ عَلَه والمؤمنين به؛ لعِلْمِه بنفاقِهم وغِشِّهم للإسلامِ وأهلِه وأنهم لو خَرَجوا معهم ضَرُّوهم ولم يَنْفَعوا. وذُكِر أن الذين اسْتَأَذَنوا رسولَ اللَّهِ عَّمِ فى القُعُودِ كانوا عبدَ اللَّهِ ابنَ أَتَّ ابن سَلولَ ، والجَدَّ بنَ قَيْسٍ، ومَن كان على مثلِ الذى كانا عليه . كذلك حدَّثنا ابنُ محُمَيدٍ ، قال: ثنا سَلَمةُ ، عن ابن إسحاق ، قال: كان الذین اسْتَأْذَنوه، فيما بَلَغنى، مِن ذَوى الشَّرَفِ، منهم: عبدُ اللَّهِ بنُ أَتَى ابْنُ سَلولَ، والجدّ ابنُ قَيْسٍ، وكانوا أشْرافًا فى قومِهِم ، فتَبَطَهم اللَّهُ؛ لِعِلْمِه بهم، أن يَخْرُجوا معهم، فُفْسِدوا عليه جندَه (٢) . القولُ فى تأويل قوله: ﴿لَوْ خَرَجُواْ فِيَكُم مَّا زَادُوَكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَ وْضَعُواْ ◌ِلَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِئْنَةَ وَفِيَكُمْ سَمَّدَعُونَ لَهُمّ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ٤٧ يقولُ تعالى ذكرُه: لو خرَج، أيُّها المؤمنون، فيكم هؤلاء المُنْافِقون، ﴿مَّا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾. [٩٤٢/١ ] يقولُ: لم يَزِيدُوكم بخُروجِهم فيكم إلا فسادًا وضُرًّا؛ ولذلك ثَقَطْتُهم عن الخروجِ معكم . (١ - ١) سقط من: ت ١، س، ف. (٢) سيرة ابن هشام ٥٤٩/٢، ٥٥٠ . ٤٨٣ سورة التوبة : الآية ٤٧ وقد بيَّنَّا معنى الخَبَالِ بِشَواهدِه فيما مَضَى قبلُ(١). وَلَأَ وْضَعُواْ خَِلَكُمْ﴾. يقولُ: ولأُسْرَعوا برَكائِبِهم السَّيْرَ بينَكم. وأصلُه مِن إِيضاع الخيلِ والرِّكابِ، وهو الإسْرائُ بها فى السَّيْرِ. يقالُ للناقةِ إذا أَسْرَعَت السيرَ: وَضَعَت الناقةُ تَضَعُ وَضْعًا ومَوْضوعًا(١). وأوضَعَها صاحبُها: إذا جَدَّ بها وأسرَع. يُوضِعُها إِيضاعًا، ومنه قولُ الراجِ(٣): يا لَيْتَنى فيها جَذَعْ أَخُبُّ فيها وأَضَغْ /وأمَّا أصلُ الخِلالِ، فهو مِن الخَلَلِ، وهى الفُرَجُ تكونُ بينَ القومِ فى ١٤٥/١٠ الصُّفوفِ وغيرِها، ومنه قولُ النبيِّ عَله: «تَرَاصُّوا فى الصُّفوفِ لا يَتَخَلَّلُكم أولادُ الحَذَفِ))(٤). (١) ينظر ما تقدم فى ٧٠٨/٥. (٢) فى ص، ت أ، ت ٢، س، ف: ((ووضوعًا)). وهو من مصادر وضع ولكن وجدناه فى معاجم اللغة بمعنى آخر؛ قالوا: ومن المجاز: وضع فلان نفسه وضعًا ووضوعًا، بالضم، وضَعةً، بالفتح ؛ أذلها . وأثبتنا الذى فى المطبوعة، إذ وجدنا فى المعاجم ما يؤازره حيث وجدنا: ووضع البعير حَكَمتَه وضعًا ومَوضوعًا إذا طامن رأسه وأسرع. ومن المجاز: وضعت الناقة وضعًا ومَوضوعًا: أسرعت فى سيرها والدابة تضع فى سيرها وهو سير دونٌ. ولها موضوع ومرفوع. ينظر اللسان ، والتاج، والأساس (وضع). (٣) البيتان لدريد بن الصمة، وينظر سيرة ابن هشام ٤٣٩/٢، واللسان (وضع). والجذع: صغير السن، وأخب : من الخبب وهو ضرب من العدو أو هو مثل الرمل أو السرعة ، اللسان (ج ذ ع، خ ب ب). (٤) أخرجه الطبرانى فى الصغير ١/ ١١٩، والحاكم ٢١٧/١ بهذا اللفظ من حديث البراء بن عازب ، وفيه زيادة: (قيل: وما أولاد الحذف؟ قال: ((ضأن سود تكون بأرض اليمن)) ). وأخرجه أبو داود (٦٦٧)، والنسائى (٨١٤) من حديث أنس عن النبى معٍَّ بلفظ: ((رصوا صفوفكم وقاربوا بينها وحاذوا بالأعناق فوالذي نفسي بيده إنى لأرى الشياطين تدخل من خلل الصف كأنها الحذف)). وكان فى النسخ الخطية بياض بعد قوله: ((يتخللكم)). فلعله إشارة إلى سقط يوازيه قوله مياتلم فى حديث البراء عند الطبرانى: (( لا يتخللكم الشيطان كأولاد)». وكذلك ما فى حديث أنس. ٤٨٤ سورة التوبة : الآية ٤٧ وأمَّا قولُه: ﴿ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾. فإن ١ معناه: يبغون بكم الفتنةَ. يقولُ): يَطْلُبون لكم ما تَفْتِنُون(١) به عن مَخْرَجِكم فى مَغْزاكم ، بتْبِيطِهم إياكم عنه . يقالُ منه: بَغَيْتُهُ الشَّرَّ، وبَغَيْتُه الخيرَ، أَبْغِيهِ بُغَاءَ. إِذا الْتَمَسْتَه له، بمعنى: بَغَيتُ له. وكذلك عَكَمْتُك(٣)، وحَلَبْتُك. بمعنى: حَلَبتُ لك، وعَكَمتُ لك. وإذا أرادوا: أَعَنْيُّك على التماسِهِ وطَلَبِهِ ، قالوا: أَبْغَيْتُك كذا، وأحْلَبتُك وأعْكمتُك. أى أَعَنْتُكَ عليه . وبنحوِ الذى قُلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأَعْلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ : وَلَوْضَعُواْ خِلَلَكُمْ﴾: بينكم، ﴿يَبْغُونَكُمُ اَلْفِتْنَةَ﴾ بذلك(٤). حدَّثنا بِشْرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قولَه : وَلَأَ وْضَعُواْ خَِلَكُمْ﴾. يقولُ: ولأَوضَعوا أسلحتَهم خِلالَكم، بالفِتنةِ. حدَّثنی محمدُ بنُ عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم، قال : ثنا عیسی ، عن ابنِ أبی تَجِيح، عن مجاهدٍ: ﴿ وَلَأَ وْضَعُواْ ◌َِلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِئْنَةَ﴾: يُبَطِّئُونكم. قال: رِفاعةُ بنُ التابوتِ، وعبدُ اللَّهِ بِنُ أَتَّ ابْنُ سَلولَ، وأوسُ بنُ قَيْظِىِّ(٥). ٠ (١ - ١) فى م: ((معنى يبغونكم الفتنة)). (٢) فى م: ((تفتنون)). (٣) عَكَم المتاع يَعكِمُه عَكمًا: شده بثوب. وهو أن يبسطه ويجعل فيه المتاع ويشده ويسمى حينئذ عِكمًا . اللسان (ع ك م) . (٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٨٠٨/٦ من طريق محمد بن عبد الأعلى به، وأخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٧٦/١ عن معمر به . (٥) تفسير مجاهد ص ٣٦٩، ٣٧٠. ومن طريقه ابن أبى حاتم ١٨٠٨/٦، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٤٧/٣ إلى ابن أبى شيبة وابن المنذر وأبى الشيخ. ٤٨٥ سورة التوبة : الآية ٤٧ حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجْ، عن ابنٍ جُرَيجٍ، عن مُجاهدٍ قولَه: ﴿ وَلَأَ وْضَعُواْ خَِكُمْ﴾. قال: لِأُسْرَعوا الأَزِقَّةَ(١) خلالَكم، يَبْغُونَكُمُ الْفِئْنَةَ﴾. يُبَطْئُونكم؛ عبدُ اللَّهِ بِنُّ نَتَلِ، ورِفاعةُ بنُ تابوتٍ، وعبدُ اللَّهِ ابنُّ أَتَىِّ ابنُ سلولَ . قال: حدَّثنا الحسينُ(٢)، قال: ثنى أبو سُفيانَ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةً: ﴿ وَلَأَ وْضَعُواْ خَِلَكُمْ﴾. قال: لِأُسْرَعوا خلالَكم، ﴿ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾ بذلك (٣). حدَّثنی يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وَهْبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله : ﴿لَوْ خَرَجُواْ فِيَكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾. قال: هؤلاء المُنافِقون فى غزوة تبوكَ . يُسَلِّى اللَّهُ عنهم نبيَّه مَ الِ والمؤمنين، فقال: وما يُخْزِنُكم؟ ﴿لَوْ خَرَجُواْ فِيَكُ مَّا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾. يقولون: قد مجمِع لكم، وفُعِل وفُعِل. يُخَذِّلونكم، ﴿ وَلَأَ وَضَعُواْ ◌َِلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾: الكفرَ(٤) . وأمَّا قولُه: ﴿وَفِيَكُرْ سَمَّعُونَ لَمُّ﴾. فإن أهلَ التأويلِ اختلفوا فى تأويله؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك : وفيكم سَمَّاعُون لحديثِكم لهم، يُؤْدُّونه إليهم، عيونٌ لهم علیکم . (١) كذا فى النسخ. والأزقة جمع زُقاق وهو السكة. وقيل: هو الطريق الضيق نافذًا أو غير نافذ دون السكة . والتاج (ز ق ق). (٢) فى م: ((الحسن)). (٣) أخرجه ابن أبى حاتم ١٨٠٨/٦ من طريق معمر، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٤٧/٣ إلى ابن المنذر. (٤) أخرجه ابن أبى حاتم ١٨٠٧/٦ من طريق أصبغ عن ابن زيد به إلى قوله: ((يخذلونكم)). وذكر آخره معلقا ٦ / ١٨٠٨، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٤٧/٣ إلى أبى الشيخ. وعندهما: ((سأل)). بدلاً من (((يسلى)). ٤٨٦ سورة التوبة : الآية ٤٧ ذكرُ مَن قال ذلك حدّثنا محمدُ بنُ عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم، قال : ثنا عیسی ، عن ابنِ أبی نَجيح، عن مجاهدٍ: ﴿وَفِيَكُمْ سَمَّعُونَ لَمُمْ﴾: يُحَدِّثون بأحاديثِكم، عيونٌ غيرُ (١) مُنافِقين . ١٤٦/١٠ /حدَّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسینُ، قال : ثنی حجاج ، عن ابنٍ مُرَیج، عن مجاهدٍ: ﴿وَفِيَكُمْ سَمَّعُونَ لَهُمْ﴾. قال: مُحَدِّثُون، عيونٌ غيرُ المُنَافِقِينَ(١). حدَّثنى يونسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وَهْبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿وَفِيكُمْ سَمَّدْعُونَ لَمُمْ﴾. يَسْمَعون ما يُؤَدُّونه لعدوّكم (١) . وقال آخرون : بل معنى ذلك : وفيكم مَن يَسْمَعُ كلامَهم ويُطِيعُ لهم . ذكرُ مَن قال ذلك [٩٤٣/١و] حدَّثْنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَفِيَكُمْ سَمَّعُونَ لَهُمْ﴾: وفيكم مَن يَسْمَعُ كلامَهم . حدَّثنا ابنُ محُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنٍ إسحاقَ ، قال: كان الذين اسْتَأْذَنوا، فيما بَلَغَنى، مِن ذَوِى الشَّرَفِ، منهم: عبدُ اللَّهِ بنُ أَتَىّ ابنُ سَلولَ، والجَدُّ ابنُ قيسٍ، وكانوا أشْرافًا فى قومِهم، فَتَبَطَهم اللَّهُ، لعلمِه بهم ، أن يَخْرُجوا معهم، فيُفْسِدوا عليه جُنْدَه ، وكان فى جُنْدِه قومٌ أهلُ مَحَبَّةٍ لهم وطاعةٍ فيما يَدْعونهم إليه ؛ (١) تفسير مجاهد ص ٣٧٠، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٨٠٨/٦، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٤٧/٣ إلى ابن أبى شيبة وابن المنذر وأبى الشيخ. (٢) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (١٠٢٠ - تفسير ) من طريق ابن جريج به بنحوه . (٣) أخرجه بن أبى حاتم ١٨٠٩/٦ من طريق أصبغ عن ابن زيد به . ٠٠ ٤٨٧ سورة التوبة : الآية ٤٧ لشَرَفِهم فيهم، فقال: ﴿ وَفِيَكُمْ سَمَّعُونَ لَمْ﴾(١). فعلى هذا التأويلِ: وفيكم أهلُ سَمْعِ وطاعةٍ منكم ، لو صَحِبوكم أفسدوهم عليكم بتثبيطِهم إياهم عن الشَّيْرِ معكم . وأمّا على التأويلِ الأُوَّلِ فإن معناه: وفيكم منهم سَمَّاعون يَسْمَعون حديثكم لهم ، فيُبَلِّغونهم ويُؤَدُّونه إليهم، عيونٌ لهم عليكم . قال أبو جعفرٍ : وأَوْلى التأويلَين عندى فى ذلك بالصوابِ تأويلُ مَن قال : معناه : وفيكم سَمَّاعون لحديثكم لهم، يُلِّغونه عنكم، عيونٌ لهم. لأن الأغْلَبَ مِن كلامِ العربِ فى قولهم: سَمَّاعٌ. وَصْفُ مَن وُصِف به أنه سَمَّائعٌ للكلام، كما قال اللَّهُ جلَّ ثناؤه فى غيرِ موضعٍ مِن كتابِهِ ﴿سَفَّعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ [المائدة: ٤١، ٤٢]. واصِفًا بذلك قومًا بسماع الكذبِ مِن الحديثِ. وأمّا إذا وَصَفوا الرجلَ بسماع كلامٍ الرجلِ وأمرِهِ ونَهْيِهِ وقبوله منه وانتهائه إليه، فإنما يَصِفُه له بأنه له سامعٌ مُطِيعٌ، ولا يكادُ يقولُ : هو له سَمَّاعٌ مُطِيعٌ . وأمّا قولُه: ﴿ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَِّمِينَ﴾. فإن معناه: واللّهُ ذو عِلْمِ بَمَن يُوَجّهُ أفعالَه إلى غيرِ وجوهِها، ويَضَعُها فى غيرِ مَواضعِها، ومَن يَشْتَأْذِنُ رسولَ اللّهِ عَل لعُذْرٍ، ومَن يَشْتأذِنُه شَكًا فى الإسلامِ ونِفاقًا ، ومَن يَسْمَعُ حديثَ المؤمنين ليُخْبِرَ به المُنَافِقِين، ومَن يَسْمَعُه ليُسَرَّ بما سَرَّ المؤمنين () ويُسَاءَ بما ساءَهم، لا يَخْفَى عليه شىءٌ مِن سَرائرِ خلقِه وعَلانیتهم . (١) سيرة ابن هشام ٥٤٩/٢، ٥٥٠، وذكره ابن كثير فى تفسيره ٤/ ١٠٠، وقد تقدم طرف منه ص ٤٨٢. (٢ - ٢) فى م: (( تصفه)). (٣) فى ص، ف: ((المؤمنون)). ٤٨٨ سورة التوبة : الآيتان ٤٧، ٤٨ وقد بَيَّّا معنى الظُّلْم فى غيرِ موضعٍ مِن كتابنا هذا، بما أُغنَى عن إعادتِه فى هذا (١) الموضع(١) . القولُ فى تأويل قوله: ﴿لَقَدِ أَبْتَغَوْ اَلْفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وَقَلَبُواْ لَكَ اْلْأُمُورَ ٤٨ حَتَّ جَآءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْهُ اَللَّهِ وَهُمْ كَرِهُونَ ١٤٧/١٠ /يقولُ، تعالى ذكرُه: لقد الْتَمَس هؤلاء المُنافِقون الفِتْنَةَ لأصحابِك، يا محمدُ ، التَمَسوا صَدَّهم عن دينهم، وحَرَصوا على رَدِّهم إلى الكفر بالتَّخْذیلِ عنه، كفعلٍ عبدِ اللَّهِ بنِ أُتَىِّ بك وبأصحابِك يومَ أُحُدٍ ، حينَ انصَرَف عنك بَنْ تَبِعِه مِن قومِه ، وذلك كان ابتغاءَهم ما كانوا ابْتَغَوا لأصحابِ رسولِ اللَّهِ عَلَه مِن الفِتنةِ مِن قبلُ . ويعنى بقوله: ﴿مِن قَبْلُ﴾. مِن قبلِ هذا، ﴿ وَقَلَبُوا لَكَ اْلْأُمُورَ﴾. يقولُ : وأجالوا فيك وفى إبطالِ الدِّينِ الذى بَعَثك به اللَّهُ الرأىَ بالتَّخْذِيلِ عنك، وإنكارٍ ما تأتيهم به، ورَدِّه عليك، ﴿ حَتَّى جَاءَ الْحَقُ﴾. يقولُ: حتى جاءِكَ(٢) نصرُ اللَّهِ، ﴿وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ﴾. يقولُ: وظَهَر دينُ اللَّهِ الذى أُمَر به وافتَرَضَه على خَلْقِهِ، وهو الإسلامُ، ﴿وَهُمْ كَرِهُونَ﴾. يقولُ: والمُنافِقون لظُهورِ أمرِ اللَّهِ ونَصْرِه إياك كارِهون. وكذلك الآنَ يُظْهِرُكُ اللَّهُ، ويُظْهِرُ دِينَه على الذين كَفَروا مِن الرومِ وغيرِهم مِن أهلِ الكفرِ به، وهم كارهون . وبنحوِ الذى قُلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ . (١) تقدم فى ١/ ٥٥٩، ٥٦٠. (٢) فى م: ((جاء)). : ٤٨٩ سورة التوبة : الآية ٤٨ ذكرُ مَن قال ذلك [٩٤٣/١ظ] حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿وَقَلَبُوا لَكَ الْأُورَ﴾. أى: لِيُخَذِّلوا عنك أصحابَك، ويَرُدُّوا عليك أمرَك، ﴿ حَتَّى جَآءُ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْهُ اللَّهِ﴾(١). وذُكِر أن هذه الآيةَ نَزَلَت فى نَفَرٍ مُسَمَّين بأَعْيانِهم . حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنٍ إسحاقَ، عن عمرٍو، عن الحسنِ قولَه: ﴿وَقَلَّوْا لَكَ الْأُورَ﴾. قال: منهم عبدُ اللَّهِ بِنُ أَتَّىِّ ابْنُ سَلولَ ، وعبدُ اللَّهِ ابْنُ نَبْتَلِ أخو بنى عمرو بنِ عوفٍ، ورِفاعةُ بنُ رافعٍ، وزيدُ بنُ التابوتِ (٢) القَيْنُقاعِىُُّ). وكان تَحْذِيلُ عبدِ اللهِ بنِ أبيِّ أصحابَه عن رسولِ اللَّهِ ◌َِّ فى هذه الغَزاةِ كالذى حدَّثنا ابنُ محُمَيدٍ ، قال: ثنا سَلَمَةُ، عن ابنِ إسحاقَ ، عن الزُّهْرِىِّ، ويزيدَ بنِ رُومانَ ، وعبدِ اللَّهِ بنِ أبى بكرٍ ، وعاصمٍ بنِ عمرَ بنِ قتادةً، وغيرِهم، كلٌّ قد حَدَّثَ فى غزوة تبوكَ ما بَلَغه عنها، وبعضُ القومِ يُحَدِّثُ ما لم يُحَدِّثْ بعضٌ، وكلٌّ قد اجتَمَع حديثُه فى هذا الحديثِ، أن رسولَ اللَّهِ عْ لَّهِ أَمَر أصحابَه بالتَّهَيُؤْ لِغَزْوِ الرومِ ، وذلك فى زمانٍ عُشْرةٍ مِن الناسِ ، وشِدَّةٍ مِن الحَرَّ ، وجَدْبٍ مِن البلادِ ، وحينَ طابَ الثّمارُ، وأُحِبَّت الظِّلالُ، فالناسُ يُحِبُون المُقَامَ فى ثِمارِهم، وظِلالِهم، ويَكْرَهون الشُّخُوصَ عنها ، على الحالِ مِن الزمانِ الذى هم عليه، وكان رسولُ اللَّهِ وَلٍ فَلَّمَا يَخْرُجُ فى غزوةٍ إلا كَنَى عنها ، وأخبر أنه یریدُ غیرَ الذی یَصْمِدُ له ، إلا ما کان مِن (١) سيرة ابن هشام ٢ / ٥٥٠، وتقدم بعضه ص ٤٨٢، ٤٨٦. (٢) أخرجه المصنف فى تاريخه ١٠٣/٣، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٤٧/٣ إلى ابن المنذر. ٤٩٠ سورة التوبة : الآية ٤٨ غزوةٍ تَبوكَ، فإنه بَيَّنَها للناسِ لبُعْدِ الشُّقَّةِ(١)، وشِدَّةِ الزمانِ، وكثرة العدوّ الذى صَمَد له ليَتَأْهَّبَ الناسُ لذلك أَهْبَتَه، وأمَر الناسَ بالجهادٍ(١)، وأخبرهم أنه يريدُ الرومَ، فَتَجَهَّز الناسُ على ما فى أنفسِهم مِن الكُرْهِ لذلك الوجهِ؛ لما فيه، مع ما عَظْموا مِن ذكرِ الرومِ وغَزْوِهم. ثم إن رسولَ / اللَّهِ مِ ظَلِ جَدَّ فى سَفَرِهِ، فَأَمَرِ الناسَ بالجهادٍ(١) والانْكِماشِ)، وحَضَّ أهلَ الغِنَى على النَّفَقةِ والحُمْلانِ فى سبيل اللَّهِ(٥). ١٤٨/١٠ فلمَّا خَرَج رسولُ اللَّهِ مِ له، ضَرَب عَسْكَرَه على ثَنِيَّةِ الوداع، وضَرَبَ عبدُ اللَّهِ ابنُّ أَتَّىِّ ابْنُ سَلولَ عَشْكَرَه على(٢) حِدَةٍ أسفلَ منه، بحَذْوٍ(٧) ذُبَابٍ؛ جبلٍ بِالْجَانِةِ أسفلَ مِن ثَنِيَّةِ الوَداع، وكان فيما يَزْعُمون، ليس بأقلُ العَشكرَين، فلمَّا سارَ رسولُ اللَّهِ عَلَّهِ، تَخَلَّف عنه عبدُ اللَّهِ بِنُ أَتَىٌّ فيمَن تَخَلَّف مِن الْمُنَافِقِين وأهلِ الرَّيْبِ، وكان عبدُ اللَّهِ بِنُ أَتَىّ أخا بنى عَوْفٍ بنِ الخَزَّرِجِ، وعبدُ اللَّهِ بنُ نَبْتَلٍ أخا بنى عمرو بنِ عوفيٍ، ورِفاعةُ بنُ زيدٍ(٨) بنِ التابوتِ أخا بنى قَئِنُقَاعَ، وكانوا مِن عُظَماءِ المُنَافِقِين، و کانوا ممن تکیدُ للإسلام وأهله. قال : وفیھم - کما ثنا ابنُ حُمَیدٍ ، قال : ثنا سَلَمةُ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن عمرٍو بنِ عُبَيدٍ، عن الحسنِ البَصْرِىِّ - (١) ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((المشقة)). (٢) فى تاريخ الطبرى وسيرة ابن هشام: ((الجهاز)). (٣) فى م: ((الجهاز)). (٤) الانكماش : الإسراع والجد . وينظر اللسان (ك م ش). (٥) سيرة ابن هشام ٥١٦/٢، وأخرجه المصنف فى تاريخه ٣/ ١٠١، وأخرجه البيهقى فى الدلائل ٢١٣/٥، ٢١٤ من طريق ابن إسحاق به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٤٨/٣ إلى ابن المنذر. (٦) بعده فى النسخ: ((ذى)). وينظر تاريخ المصنف ١٠٣/٣ وسيرة ابن هشام ٥١٩/٢ حيث ذکر ذلك فى سياق أثر طويل لابن إسحاق يحكى غزوة تبوك يجتزئ منه أبو جعفر هذه الأقوال . (٧) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((بحدو)). وفى م، والسيرة: ((نحو)). وفى تاريخ المصنف. ((بحذاء)) والحذو والحذاء: الإزاء والمقابل. اللسان (ح ذو). (٨) فی م: ( یزید)). ٤٩١ سورة التوبة : الآيتان ٤٨، ٤٩ أَنزَل اللَّهُ: ﴿لَقَدِ أَبْتَغَوْ اَلْفِتْنَةَ مِن قَبْلُ﴾ الآية. [٩٤٤/١و] القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَثْذَن ◌ِىِ وَلَا نَفْتِنِّ أَلَا فِى اَلْفِتْنَةِ سَقَطُوْ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَفِرِينَ ٤٩٦ وذُكِر أن هذه الآيةَ نَزَلَت فى الجَدِّ بنِ قَيْسٍ . ويعنى جل ثناؤه بقولِه: ﴿وَمِنْهُمْ﴾: ومِن المُنَافِقِين، ﴿مَن يَقُولُ أَثْذَن تِى﴾ أُقِمْ فلا أَشْخَصُ معك، ﴿ وَلَا نَفْتِنٌِّ﴾. يقولُ: ولا تَتَتَلِى برؤيةِ نساءٍ بنى الأصفرِ وبناتِهم، فإنى بالنساءِ مُغْرَمٌ، فأخْرُجَ وآثَمَ بذلك . وبذلك مِن التأويلِ تَظاهَرَت الأخبارُ عن أهلِ التأويلِ. ذكرُ " الروايةِ بذلك عمَّن قاله) حدَّثنى محمدُ بنُّ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبى نجيح، عن مُجاهدٍ فى قولِ اللَّهِ: ﴿أَثْذَن ◌ِ وَلَا نَفْتِنِِّ﴾. قال: قال رسولُ اللَّهِ بِهِ: ((اغْزُوا تَبوكَ تَعْنَموا بَناتِ الأَصْفرِ " نساءَ الروم)). فقال الجَدُّ: ائْذَنْ لنا ولا تَفْتِنًا بالنساءِ (٤) . حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن (١) أخرجه المصنف فى تاريخه ٣/ ١٠٣. (٢ - ٢) فى ت ٢، ف: ((من قال ذلك)). (٣) بعده فى م: ((و)). (٤) فى تفسير مجاهد ص ٣٧٠، بنحوه، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٤٨/٣ إلى ابن أبى شيبة وابن المنذر وأبى الشيخ، وينظر ابن كثير ١٠٢/٤ والحديث يروى من حديث أبى هريرة كما عند الحاكم ٢١٩/٣، وكعب بن مالك كما عند الطبرانى فى الكبير ٨١/١٩ (١٦٣، ١٦٤)، ويروى عن غيرهما . ٤٩٢ سورة التوبة : الآية ٤٩ مُجاهدٍ، قال(١): قال رسولُ اللَّهِ مَّ لَعِ: ((اغْزُوا تَغْتَمُوا بناتِ الأُصْفَرِ)). يعنى نساءً الروم، ثم ذكر مثلَه . قال : ثنى حَجَّاجٌ، عن ابنٍ جُرَيجٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ قولَه: ﴿آُثْذَنِ وَلَا نَفْتِنِّ﴾. قال: هو الجَدُّ بنُ قَيْسِ، قال: قد عَلِمَت الأنصارُ أنى إذا رأيتُ النساءَ لم أصْبِرْ حتى أُقْتَتَنَ، ولكن أُعِينُك بمالى(٢) . حدَّثنا ابنُ محُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ ، عن الزُّهْرِىِّ، ويزيدَ بنِ رُؤْمانَ ، وعبدِ اللَّهِ بنِ أبى بكرٍ ، وعاصمٍ بنِ عمرَ بنِ قتادةَ وغيرِهم ، قال : قال رسولُ اللّهِ وَ لِ ذاتَ يومٍ، وهو فى جَهازِه، للجَدِّ بنِ قَيْسٍ أَخى بنى سَلِمةً: ((هل لك يا جَدُّ العامَ فى جِلادِ بنى الأصْفَرِ؟)). /فقال: يا رسولَ اللَّهِ، أَوَ تَأْذَنُ لى ولا تَفْيِى؟! فواللَّهِ لقد عَرَف قومى ما رَجَلٌ أشدَّ عُجْبًا بالنساءِ مِنِّى، وإنى أُخشَى إن رأيتُ نساءَ بنى الأصْغرِ أَلَّا أصْبِرَ عنهنَّ. فأعْرَضَ عنه رسولُ اللَّهِ مَّهِ، (٣ وقال: قد ٣) ((أَذِنْتُ لكَ)) . ففى الجَدِّ بنِ قَيْسٍ نَزَلَت هذه الآيةُ: ﴿ وَمِنْهُم مَن يَقُولُ أَثْذَن ◌ِىِ وَلَا نَفْتِنِّ﴾ الآية. أى: إن كان إنما يَخْشَى الفِتْنة مِن نساءٍ بنى الأُصْفرِ وليس ذلك به، فما سَقَط فيه مِن الفِتْنَةِ بَتَخَلُّفِه عن رسولِ اللَّهِ مَّهِ، والرَّعْبةِ بنفسِه عن نفسِه - (٤) ١٤٩/١٠ أعظمُ(4) . حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وَهْبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه : (١) فى م: ((قالوا)) .. (٢) أخرجه الطبرانى (١٢٦٥٤) من طريق الضحاك عن ابن عباس بنحوه. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٤٧/٣ إلى ابن المنذر وابن مردويه وأبى نعيم فى المعرفة . (٣ - ٣) فى م: (( وقد قال)). (٤) جزء من حديث تقدم ص ٤٨٩. ٤٩٣ سورة التوبة : الآية ٤٩ ﴿ وَمِنْهُم مَن يَقُولُ أَثْذَن ◌ِىِ وَلَا نَفْتِنِِّ﴾. قال: هو رجلٌ مِن المُنَافِقِين يقال له: جَدُّ بنُ قَيْسٍ. فقال له رسولُ اللَّهِ عَهِ: ((العامَ نَغْزو بنى الأَصْفرِ، وَتَّخِذُ منهم سَرارِىَّ وَوُصَفاءَ (١)). فقال: أْ رسولَ اللَّهِ، اثْذَنْ لى ولا تَفْيِنِى، إن لم تَأْذَنْ لى اقْتِنْتُ وقَعَدتُ (٢) . فغَضِب(٢)، فقال اللَّهُ: ﴿أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَفِرِينَ﴾. وكان مِن بنى سَلِمةً، فقال لهم النبيُّ عَ لَّمِ: ((مَن سَيِّدُكم يا بنى سَلِمةَ)). فقالوا: جَدُّ بنُ قَيْسٍ، غيرَ أنَّه بَخيلٌ جَبانٌ. فقال النبىُّ عَ له: ((وأىُّ داءٍ أَدْوَى مِن البُخْلِ، ولكنْ سَيِّدُكم الفتى الأبيضُ الجَعَدُ (*بِشْرُ بنُ" البراءِ بنِ مَغْزُورٍ))(٥). حدَّثنی المنُنَّى ، قال : ثنا أبو صالح، قال : ثنی معاویةُ ، عن على ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: [٩٤٤/١ ظ] ﴿ وَمِنْهُم مَن يَقُولُ أَثْذَن ◌ِ وَلَا نَفْتِنٌِّ﴾. يقولُ: ائْذَنْ لی ولا تُخْرِجْنِى. ﴿أَا فِ الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ﴾. يعنى: فى الحَرَجِ سَقَطوا(٢) . حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ وَمِنْهُم مَن يَقُولُ (١) فى م: ((وصفانا)). والوصفاء جمع وصيف وهو الخادم والخادمة. التاج (وص ف). (٢) فى م: ((وقعت)). (٣) أى: رسول الله عَّعٍ. (٤ - ٤) فى م: ((الشعر)). وفى ت ١، ت ٢، س، ف: ((بشرب)). وينظر ترجمته فى الاستيعاب ١٦٧/١، وأسد الغابة ٢١٨/١، وسير أعلام النبلاء ١٦٩/١، والإصابة ٢٩٤/١. (٥) من أول قول النبى عَ لقوله: ((من سيدكم يا بنى سلمة ... )) إلى آخره. أخرجه البخارى فى الأدب المفرد (٢٩٦)، والطيرانى فى الأوسط (٨٩١٣)، وأبو نعيم فى الحلية ٣١٧/٧ من حديث جابر، وقد فصل ابن حجر فى الإصابة ٢٩٤/١، ٢٩٥ الكلام على هذا الحديث، فليراجع. (٦) أخرجه ابن أبى حاتم ٦/ ١٨٠٩، ١٨١٠، من طريق أبى صالح به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٤٨/٣ إلى ابن المنذر. ٤٩٤ سورة التوبة : الآيتان ٤٩ ، ٥٠ أَثْذَن ◌ِّيِ وَلَا نَفْتِنِّ﴾: ولا تُؤْثِمِنِى، ألا فى الإثم سَقَطوا (١). وقولُه: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَفِرِينَ﴾. يقولُ: وإن النارَ لُطِيفَةٌ(٢) بِمَن كَفَر باللَّهِ وجَحَد آياتِه وكَذَّب رُسُلَه، مُخدِقةٌ بهم، جامِعةٌ لهم جميعًا يومَ القيامةِ. يقولُ: فَكَفَى للجَدِّ بنِ قَيْسٍ وأشكالِهِ مِن المُنَافِقِين بصِلِيِّها خِزْيًا . القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿إِن تُصِبْكَ حَسَنَّةٌ تَسُؤْهُمٌ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُواْ قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ وَيَتَوَلَّواْ وَهُمْ فَرِحُونَ ٥٠ يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ عَّله: يا محمدُ، إِن يُصِبْك سرورٌ بفَتْح اللَّهِ عليك أرضَ الرومِ فى غَزائِك هذه، يَشُؤُ الجَدَّ بنَ قَيْسٍ ونُظَراءَه وأَشْياعَهم مِن المُنَافِقِين، وإن تُصِبْك مُصِيبَةٌ بِقُلُولٍ جيشِك فيها، يَقُلِ الجَدُّ ونُظَراؤه: ﴿قَدْ أَخَذْنَآَ أَمْرَنَا مِن قَبْلُ﴾. أى: قد أَخَذْنا حِذْرَنا بتَخَلُّفِنا عن محمدٍ ، وتَوْكِ أَتْبَاعِه إلى عدوّه، ﴿مِن قَبْلُ﴾. يقولُ: مِن قبل أن تُصِيبَه هذه المصيبةُ. ﴿وَيَتَوَلَّواْ وَهُمْ فَرِحُونَ﴾. يقولُ / ويَرتَدُّوا عن محمدٍ وهم فَرِحون بما أصابَ محمدًا وأصحابَه مِن المُصِيبةِ ، بِفُلُولِ أصحابِهِ واْهِزامِهم عنه، وقَتْلٍ مَن قُتِل منهم . ١٥٠/١٠ وبنحوِ الذى قُلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجْ، عن ابنٍ جُرَيجٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ: ﴿إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمٌ﴾ . يقولُ: إن تُصِبْك فى سَفَرِك (١) أخرجه ابن أبى حاتم ١٨١٠/٦ من طريق يزيد به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٤٨/٣ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ . (٢) أى: يقال: أطاف به. إذا أحاطه. اللسان (ط وف). ٤٩٥ سورة التوبة : الآيتان ٥٠، ٥١ هذا لغزوةٍ تَبوك حَسَنةٌ تَسُؤْهم . قال: الجَدُّ وأصحابُه(١). حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابنٍ أبى نجيحِ، عن مُجاهدٍ: ﴿قَدْ أَخَذْنَآَ أَمْرَنَا مِن قَبْلُ﴾: حِذْرَنا . حدّثنا ابنُ وَكيعٍ، قال: ثنا ابنُ ثُمَرٍ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبِى تَجِيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿قَدْ أَخَذْنَآَ أَمْرَنَا مِن قَبْلُ﴾. قال: حِذْرَنا(٢). حدَّثنا بِشْرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه : ﴿ إِن تُصِبْكَ حَسَنَّةٌ تَسُؤْهُمٌ﴾: إن كان فَتْعٌ للمسلمين، كَبُر ذلك عليهم (٣) وساءهم(١). القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿قُل لَّنْ يُصِيبَنَآ إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَئِنَا وَعَلَى اَللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ٥١ يقولُ تعالى ذكرُه مُؤدِّبًا نبيّه محمدًا عَّهِ: قُل يا محمدُ، لهؤلاء المُنافِقِين الذين تَخَلَّفوا عنك: ﴿لَّنْ يُصِيبَنَآ﴾. أيُّها المُرْتابون فى دينهم، ﴿إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ فى اللَّوح المحفوظِ، وقَضاه علينا، ﴿هُوَ مَوْلَئِنَا﴾. يقولُ: هو ناصِرُنا على أعدائِه، ﴿ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾. يقولُ: وعلى اللَّهِ فليَتَوكّل المؤمنون ؛ فإنهم إن يَتَوَكَّلوا عليه، ولم يَرْجُوا النصرَ مِن عندٍ غيرِه، ولم يَخافوا شيئًا غيرَه، يَكْفِهم أمورَهم، ويَنْصُرْهم على مَن بَغاهم وكادَهم . (١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٤٩/٣ إلى المصنف وسنيد. (٢) تفسير مجاهد ص ٣٧٠، ومن طريقه ابن أبى حاتم ١٨١١/٦. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٤٩/٣ إلى ابن أبى شيبة وابن المنذر وأبى الشيخ . (٣) أخرجه ابن أبى حاتم ١٨١١/٦ من طريق يزيد به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٤٩/٣ إلى ابن المنذر . ٤٩٦ سورة التوبة : الآية ٥٢ القولُ فى تأويل قوله: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَّا إِلَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِّ وَنَحْنُ نَتَرَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ: أَقْ بِأَيَدِينَا فَتَرَبَُّواْ إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَيْصُونَ ٥٢ يقولُ تعالى ذكرُه لنبيُّه محمدٍ عَّه: قُلْ يا محمدُ، لهؤلاء المنافِقِين الذين وَصَفتُ لك صِفَتَهم وبَيَّنتُ لك أمرَهم: هل تَنْتَظِرون بنا إلا إحدى الخَلَّتَينِ اللَّتين هما أحسنُ مِن غيرِهما؛ إِمَّا ظَفَرًا بالعدوِّ وفَتْحًا لنا بغَلَبَتِناهم، ففيها الأَجْرُ والغَنِيمةُ والسلامةُ ؛ وإمَّا قَتْلًا مِن عدوّنا لنا ، ففيه الشهادةُ والفوزُ بالجنةِ ، والنَّجَاةُ مِن النارِ، وكلتاهما مما ( يُحَبُّ، ولا يُكْرَةُ" ﴿ وَتَحْنُ نَتَرَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ﴾. / يقولُ: ونحنُ نَنْتَظِرُ بكم أن يُصِيبَكمُ اللَّهُ بعُقويةٍ مِن عندِه عاجلةٍ، تُهْلِكُكم، أو بِأَيْدِينَا فتَقْتُلُكم، ﴿فَتَرَبََُّّواْ إِنَّا مَعَكُمْ مُتَّرَبِّصُونَ﴾ . يقولُ : فَانْتَظِرُوا إِنَّا معكم مُنْتَظِرون ما اللَّهُ فاعلٌ بنا ، وما إليه صائرٍ أمرُ كلّ فريقٍ مِنَّا ومنكم . ١٥١/١٠ وبنحوِ الذى قُلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنی المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالح، قال : ثنی معاویةُ، عن علىٍّ ، عن ابنٍ عباسٍ قوله: ﴿قُلْ هَلْ تَرَّصُونَ بِنَّا إِلَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾. يقولُ: فَتْح أو شَهادةٌ. وقال مَرَّةً أخرى: يقولُ: القَتْلُ، فهى الشهادةُ والحياةُ والرزقُ، وإمّا يُخْزِيكم بأيْدِينا(٢). (١ - ١) فى ت ١، ت ٢: ((نحب ولا نكره)). (٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٨١٢/٦ من طريق أبى صالح به . : ٤٩٧ سورة التوبة : الآية ٥٢ حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى ، قال : ثنى عمى ، قال : ثنى أبى ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَّا إِلََّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾. يقولُ: قَتْلٌ فيه الحياةُ والرِّزْقُ ، وَإِمَّا أن يَغْلِبَ فيُؤْتِيَه اللّهُ أجرًا عظيمًا، وهو مثلُ قولِه: ﴿ وَمَن يُقَتِلْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٧٤]. (١) حدَّثنا ابنُ وَكِيعٍ، قال : ثنا ابنُ ثُمَيرٍ ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبى تَجِيحِ، عن مجاهد قولَهِ: ﴿إِلَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾. قال: القَتْلُ فى سبيلِ اللَّهِ، والظُّهورُ على (٢) أعْدائِه (٢) . (٣ قال : ثنا محمدُ بنُ بكرٍ ، عن ابنِ مجرَیجٍ، قال : بَلَغنى عن مجاهدٍ ، قال : القَتْلُ فى سبيلِ اللَّهِ، والظُّهورُ. حدَّثنا محمدُ بنُ عمرو، قال : ثنا أبو عاصمٍ ، قال : ثنا عيسى ، عن ابنٍ أبى تَجِيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِحْدَى الْحُسْنَيَيِّ﴾: القتلُ فى سبيلِ اللَّهِ، والظُّهورُ على ـ ٣) أعداءِ اللَّهِ ) . حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابنٍ مُرَيجٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه. قال ابنُ جُرَيج: قال ابنُ عباسٍ: ﴿بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ﴾: بالموتِ . ﴿ أَوْ بِأَيَدِينَا﴾ . قال : القتلُ. حدَّثْنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿قُلْ هَلْ (١) حدث خلط فى هذه الآية فى النسخ: ص، ت ١، ف، س فجاءت هكذا (( ومن يقاتل فى سبيل الله يجد فى الأرض مراغما كثيرا وسعة)) وجاءت فى المطبوعة هكذا ((ومن يقاتل فى سبيل الله)) إلى ((فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما)) والمثبت من: ت ٢. (٢) تفسير مجاهد ص ٣٧٠، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦/ ١٨١٢. (٣ - ٣) سقط من: ت ١. ( تفسير الطبرى ٣٢/١١ ) ٤٩٨ سورة التوبة : الآيتان ٥٢، ٥٣ تَرَّصُونَ بِنَّا إِلََّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾: إلا فَتْحًا، أو قَتْلًا فى سبيلِ اللَّهِ، ﴿ وَفَحْنُ نَتَرَبَّهُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ، أَوْ بِأَيْدِينَا﴾. أى: * (١) قَتْلٌ(١). القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿قُلْ أَنِفِقُواْ طَوَعًا أَوْ كَرْهًا لَّنْ يُنَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَسِقِينَ ٥٣ ١٥٢/١٠ يقولُ تعالى ذكرُه لنبيّه محمدٍ عَِّ: ﴿قُلْ﴾ يا محمدُ، لهؤلاء المتافِقِين: أُنْفِقوا کیف شِئْتُم أموالکم فی سَفَرِ کم هذا وغیرہ ، وعلی ایِّ حال شِئْتُم ، مِن حالٍ الطَّوْعِ والكَرْهِ، فإِنكم إن تُنْفِقوها ، لن / يَتَقبَّلَ اللَّهُ منكم نَفَقَاتِكم، وأنتم فى شَكِّ مِن دينكم، وجَهْلٍ منكم بتُوَّةِ نبيِّكم، وسُوءِ معرفةٍ منكم بثوابِ اللَّهِ وعِقَابِهِ، ﴿ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَسِفِينَ﴾ . يقولُ: خارِچین عن الإيمانِ بربِّم. وخرج قولُه: ﴿أَنفِقُواْ طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ مَخْرِجَ الأُمْرِ، ومعناه الخبرُ(٢)، والعربُ تَفْعَلُ ذلك فى الأماكن التى يَحْسُنُ فيها ((إن))، التى تأتى بمعنى الجَزَاءِ، كما قال، جلّ ثناؤُه: ﴿ أَسْتَغْفِرْ لَمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [ التوبة: ٨٠]. فهو فى لفظِ الأمرِ، ومعناه الجزاء(١)، ومنه قولُ الشاعرِ(٤): أَسِيئِى بِنا أو أحْسِنى لا مَلُومَةٌ لَدَيْنا ولا مَقْلِيَّةٌ إِنْ تَقَلَّتِ (١) أخرجه ابن أبى حاتم ١٨١٢/٦ من طريق يزيد به ببعضه . (٢) قال الفراء فى معانى القرآن ١/ ٤٤١: ((وهو أمر فى اللفظ وليس بأمر فى المعنى؛ لأنه أخبرهم أنه لن يتقبل منهم. وهو فى الكلام بمنزلة إن فى الجزاء؛ كأنك قلت: إن أنفقت طوعا أو كرها فليس بمقبول منك ... )) وينظر الكشاف ١٩٥/٢، والبحر المحيط ٥٢/٥، والمحكم لابن سيده ٣/ ١٤٤، وينظر أيضا تفسير المصنف لقوله تعالى: ﴿استغفر لهم أو لا تستغفر لهم﴾ الآية [التوبة: ٨٠]. (٣) فى م: ((الخبر)). وينظر الحاشية السابقة. (٤) هو كثير عزة، وقد تقدم تخريج البيت فى ١٩٤/٢. ٤٩٩ سورة التوبة : الآيتان ٥٣ ، ٥٤ فكذلك قولُه: ﴿أَنِفِقُواْ طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾. إنما معناه: إن تُنْفِقوا طَوْعًا أو كَْهًا ﴿لَنْ يُنَقَبَّلَ مِنْكُمْ﴾ . وقيل: إن هذه الآيةَ نَزَلَت فى الجَدِّ بنِ قَيْسٍ، حين قال للنبىِّ مَّهِ، لَمّ عَرَضَ عليه النبيُّ عَِّ الخروجَ معه لغزو الرومِ: هذا مالى أَعِينُك به حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسینُ، قال : ثنی حجاج، عن ابنِ مجرَيجٍ، قال : قال ابنُ عباسٍ : قال الجَدُّ بنُ قَيْسٍ: إنى إذا رأيتُ النساءَ لم أَصْبِرْ حتى أَقْتَتَنَ، ولكن أُعِينُك بمالى. قال: ففيه نَزَلَت: ﴿ أَنْفِقُواْ طَوْعًا أَوْ كَرْهَا لَنْ يُنَقَبَّلَ مِنْكُمْ﴾ . قال : لقولِه: أُعِينُك بمالى(١) . القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَدْتُهُمْ إِلَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ، وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَوَةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ ٥٤ يقولُ تعالى ذكرُه: وما مَنَع هؤلاء المُنَافِقِين، يا محمدُ ، أن تُقْبَلَ منهم نَفَقَاتُهم التى يُنْفِقونها فى سَفَرِهم معك، وفى غيرِ ذلك مِن السُّبُلِ ﴿إِلَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ ء بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ،﴾ فـ((أن)) الأولى فى موضعٍ نَصْبٍ، والثانيةُ فى موضعِ رفعٍ؛ لأن معنى الكلام: ما مَنَع قبولَ نَفَقاتِهم إلا كفرُهم باللّهِ، ﴿ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَوةَ إِلَّ وَهُمْ كُسَالَى﴾، يقولُ: لا يأتونها إلا مُتَثاقِلِين بها؛ لأنهم لا يَرْجون بأدائها ثوابًا ، ولا يَخافون بتَرْكِها عِقابًا، وإنما يُقِيمونها مَخافةً على أنفسِهم بتَزْكِها مِن المؤمنين، فإذا أَمِنُوا لم يُقِيموها، ﴿ وَلَا يُنفِقُونَ﴾. يقولُ: ولا يُنْفِقون مِن أموالِهم شيئًا ﴿ إِلَّا وَهُمْ كَرِهُونَ﴾ أن يُنْفِقوه فى الوَجْهِ الذی یُنفِقُونه فيه ، مما فيه (١) ينظر ما تقدم فى ص ٤٩٢. ٥٠٠ سورة التوبة : الآيتان ٥٤، ٥٥ تقويةٌ للإسلامِ وأهلِه . ١٥٣/١٠ /القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿فَلَ تُعْجِبْكَ أَمْوَلُهُمْ وَلَّ أَوْلَدُهُمّْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ ٥٥ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ اختلف أهلُ التأويلِ فى تأويلٍ ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه : فلا تُعْجِئْك يا محمدُ أموالُ هؤلاء المنافِقِين ولا أولادُهم فى الحياةِ الدنيا ، إنما يريدُ اللَّهُ ليُعَذِّبَهم بها فى الآخرةِ . وقال: معنى ذلك التَّقْديمُ، وهو مُؤخَّرٌ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَلَ تُعْجِبْكَ أَمْوَلُهُمْ وَلَآَ أَوْلَدُهُمْ﴾. قال: هذه مِن تَقاديم الكلامِ، يقولُ: لا تُعْجِبْك أموالُهم ولا أولادُهم فى الحياةِ الدنيا، إنما يريدُ اللَّهُ ليُعَذِّبَهم بها فى (٢) الآخرةِ(٢). حدّثنا المُنَّى ، قال : ثنا أبو صالح، قال : ثنی معاویةُ ، عن علىّ ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا﴾: فى الآخِرَةِ(١). وقال آخرون : بل معنى ذلك: إنما يريدُ اللَّهُ ليُعَذِّبَهم بها فى الحياةِ الدنيا ، بما أُلزَمَهم فيها مِن فَرائضِه . (١ - ١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف. (٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٨١٣/٦ من طريق يزيد به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٤٩/٣ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ . (٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٤٩/٣ إلى ابن المنذر.