النص المفهرس
صفحات 441-460
٤٤١
سورة التوبة : الآية ٣٦
حدَّثنا يعقوبُ ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ ، قال: ثنا أيوبُ ، عن محمدِ بنِ
سيرينَ، عن أبى بَكْرةَ، أن النبيُّ عَ لّهِ خَطَبَ فى حجة الوداع، فقال: ((ألا إن
الزمانَ قد اسْتَدارَ كهيئتِه يومَ خَلَقَ اللَّهُ السماواتِ والأرضَ، السنةُ اثْنَا عَشَرَ شهرًا،
منها أربعةٌ حُرُمٌ ، ثلاثةٌ مُتَوالياتٌ؛ ذو القَعْدةِ، وذو الحِجَّةِ، والمحرمُ، ورجبُ مُضَرَ
الذی بینَ مُمادى وشعبانَ )»(١) .
حدَّثنا مجاهدُ بنُ موسى ، قال : ثنا يزيدُ ، قال : ثنا سليمانُ التَّثْمِئُ، قال : ثنى
رجلٌ بالبحرينِ، أن رسولَ اللَّهِ مْ لِ قال فى خطبته فى حَجَّةِ الوداع: «ألا إن الزمانَ
قد اسْتَدارَ كهيئتِه يومَ خَلَق اللَّهُ السماواتِ والأرضَ، وإن عِدَّةَ الشهورِ عندَ اللهِ اثْنا
عشَرَ شهرًا، ثلاثةٌ متوالياتٌ؛ ذو القَعْدةِ، وذو الحِجَّةِ، والمحرمُ، ورجبٌ الذى بينَ
جمادى وشعبانَ )) .
حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنٍ إسحاقَ، عن ابنِ أبى نجيح قولَه:
﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ أَثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِىِ كِتَبِ الَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَتِ
وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةُ حُرُمٌ﴾: إن النبيُّ عَّمِ قال: (( ثلاثةٌ متوالياتٌ؛ ذو
القَعْدةِ ، وذو الحِجَّةِ، والمحرمُ، ورجبٌ الذى بينَ جمادى وشعبانَ))(٢).
حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ذُكِر لنا أن
(١) أخرجه أحمد ٢٣٧/٥ (الميمنية)، وأبو داود (١٩٤٧)، والنسائى (٤١٤١)، وابن أبى حاتم فى تفسيره
١٧٩١/٦ من طريق إسماعيل بن إبراهيم به. وأخرجه البخارى ( ١٠٥، ٣١٩٧، ٤٤٠٦، ٤٦٦٢،
٥٥٥٠، ٧٤٤٧)، ومسلم (١٦٧٩)، وأبو داود (١٩٤٨)، والبيهقى فى الشعب (٣٨٠٥) من طريق أيوب
به. وأخرجه أحمد ٤٠/٥ من طريق ابن سيرين به، وأخرجه أحمد ٣٧/٥ (الميمنية)، والدارمى (١٩٢٢)،
والبخارى (٦٧)، ومسلم (١٦٧٩)، والترمذى (١٥٢٠)، والنسائى (٤٤٠١) من طرق عن أبى بكرة ،
وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٣٤/٣ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ وابن مردويه .
(٢) سيرة ابن هشام ٦٠٤/٢ من قول ابن إسحاق .
٤٤٢
سورة التوبة : الآية ٣٦
نبىَّ اللَّهِ عَظَلِّ قال فى خطبتِه يومَ منّى: ((أَلَا إِن الزمانَ قد اسْتَدارَ كهيئتِه يومَ خَلَقِ اللَّهُ
السماواتِ والأرضَ، وإن عِدَّةَ الشهورِ عندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شهرًا، منها أربعةٌ حرمٌ ،
ثلاثةٌ متوالياتٌ ؛ ذو القَعْدةِ، وذو الحِجَّةِ، والمحرمُ، ورجبُ مُضَرَ الذى بينَ جمادى
وشعبانَ )) .
وهو قولُ عامةِ أهلِ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
الشُدِّىِّ: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ أَثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَبِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ
١٢٦/١٠
؛ فذو القَعْدةِ ،
ج
الشَمَوَتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةُ / حُرٌُ﴾: أمَّا ﴿أَرْبَعَةُ حُرُمٌ﴾
وذو الحِجَّةِ ، والمُحرَّمُ، ورجبٌ، وأمَّا ﴿كِتَبِ اللَّهِ﴾، فالذى عندَه (١).
حدَّثنی محمدُ بنُ عمرو، قال : ثنا أبو عاصم، قال : ثنا عیسی ، عن ابنِ أبی
نجيح، عن مجاهدٍ فى قولِ اللَّهِ: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ أَثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾ .
قالَ: يُعْرَفُ بها شأنُ النَّسِىءٍ، ما نَقَص مِن السنةِ ().
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابنٍ تُجُرَيجٍ، عن
مجاهدٍ فى قولِ اللَّهِ: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ أَثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَبٍ
اللَّهِ﴾. قال: يُذْكَرُ بها شأنُ النَّسِىءِ.
وأمَّا قولُه: ﴿ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ . فإن معناه : هذا الذى أخبرتكم به ، مِن
أن عِدَّةَ الشهورِ عندَ اللَّهِ اثْنا عشرَ شهرًا فى كتابِ اللهِ ، وأن منها أربعةٌ حُرُمًا - هو
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧٩١/٦ من طريق أحمد به مقتصرا على آخره.
(٢) تفسير مجاهد ص ٣٦٨ ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦ / ١٧٩١، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٢٣٦/٣ إلى أبى الشيخ.
٤٤٣
سورة التوبة : الآية ٣٦
الدينُ المستقيمُ .
كما حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ الْمُفَضَّل، قال: ثنا
أسباطُ ، عن السُّدِّىِّ: ﴿ ذَلِكَ الذِيْنُ الْقَيِّمْ﴾. يقولُ: المستقيمُ(١).
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وَهْبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ ذَلِكَ
الدِّينُ الْقَيِّمْ﴾. قال: الأمرُ القَيّمُ.
يقولُ(٢) تعالى: واعلموا أيُّها الناسُ أن عِدَّةَ الشهورِ عندَ اللهِ اثْنا عَشَرَ شھرًا فى
كتابه(٢) الذى كَتَب فيه كلَّ ما هو كائنٌ، وأن مِن هذه الاثْنى العشرَ الشهرَ، أربعةً
أشهرٍ محُرُمًا، ذلك دينُ اللَّهِ المستقيمُ، لا ما يَفْعَلُه التَّسِىءُ(٤) مِن تَحْلِيلِه ما يُحَلِّلُ مِن
شهورِ السنةِ، وتَحْرِيمِه ما يُحَرِّمُه منها .
وأمَّا قولُه: ﴿فَلَا تَظْلِمُواْ فِهِنَّ أَنفُسَكُمْ﴾. فإن معناه: فلا تَعْصُوا اللَّهَ فيها ،
ولا تُحِلُّوا فِيهِنَّ ما حَرَّمَ اللَّهُ عليكم، فتُكْسِبوا أنفسكم ما لا قِبَلَ لها به مِن سَخَطِ اللَّهِ
وعقابه .
كما حدَّثنی يونسُ، قال : أخبرنا ابنُ وَهْبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله :
﴿فَلَا تَظْلِّمُواْ فِهِنَّ أَنفُسَكُمْ﴾. قال: الظُّلْمُ العملُ بمعاصى اللَّهِ والتَّكُ
(٥)
لطاعتِهُ).
ثم اختَلَف أهلُ التأويل فى الذى عادَت عليه الهاءُ والنونُ فى قوله: ﴿فِيهِنَّ﴾؛
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧٩٢/٦ من طريق أحمد بن المفضل به .
(٢) بعده فى م: ((قال)).
(٣) فى م: (( كتاب الله)).
(٤) فى ت ١، س، ف: ((الذى)).
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧٩٢/٦ من طريق أصبغ عن ابن زيد .
٤٤٤
سورة التوبة : الآية ٣٦
فقال بعضُهم: عادَ ذلك على ((الاثْنى العشَرَ الشهرَ)). وقال: معناه : فلا تَظْلِموا فى
الشهورِ كلِّها أنفسكم .
[٩٣٧/١و] ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى المُنُنَّى ، قال: ثنا أبو صالح، قال : ثنى معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ
عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ أَثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَبٍ اُللهِ
يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةُ حُرُمْ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا
تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾: فى كُلُّهن، ثم اختصَّ مِن ذلك أربعة أشهرٍ فَجَعَلَهن
حُرُمًا، وعَظّمَ حُرُماتِهِن، وجَعَل الذنبَ فيهنّ أعظمَ، والعملَ الصالحَ والأجرَ
(١)
أعظمَ(١).
حدَّثنا ابنُّ وَكِيعِ، قال : ثنا سویدُ بنُ عمرٍو ، عن حَمَّادِ بنِ سَلَمةً، عن علىِ بنِ
زيدٍ، عن يوسفَ بنِ مِهْرانَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَلَا تَظْلِمُواْ فِهِنَّ أَنفُسَكُمْ﴾.
قال : فی الشهورِ كلّها(٢).
وقال آخرون: بل معنى ذلك: فلا تَظْلِموا فى الأربعةِ الأشهرِ الحُرُم أنفسكم .
والهاءُ والنونُ عائدةٌ على ((الأشهرِ الأربعةِ)).
١٢٧/١٠
/ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بِشْرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: أمّا قولُه:
﴿فَلَا تَظْلِمُواْ فِهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾. فإن الظلمَ في الأشهرِ الحُم أعظمُ خطيئةً ووِزْرًا
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦/ ١٧٩١، والبيهقى فى الشعب (٣٨٠٦) من طريق أبى صالح به،
وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٣٦/٣ إلى ابن المنذر.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧٩٢/٦ من طريق حماد بن سلمة به .
٤٤٥
سورة التوبة : الآية ٣٦
مِن الظلمِ فيما سِواها ، وإن كان الظلمُ على كلِّ حالٍ عظيمًا، ولكنَّ اللَّهَ يُعَظِّمُ مِن
أمرِهِ ما شاء . وقال: إن اللَّهَ اصْطَفى صَفَايا مِن خلقِه؛ اصْطَفى مِن الملائكةِ رُسُلًا،
ومِن الناسِ رُسُلًا، واصْطَفِى مِن الكلامِ ذِكْرَه، واضْطَفى مِن الأرضِ المساجدَ،
واصْطَفى مِن الشهورِ رمضانَ والأشهرَ الحُمَ، واضْطَفى مِن الأيامِ يومَ الجمعةِ،
واصْطَفى مِن الليالى ليلةَ القَدْرِ ، فَعَظُّموا ما عَظَّمَ اللَّهُ، فإنها تُعَظّمُ الأُمورُ بما عَظّمَها
اللَّهُ عندَ أهلِ الفهمِ وأهلِ العقلِ(١).
وقال آخرون : بل معنى ذلك: فلا تَظْلِموا فى تَصْبِيرٍ كم حرامَ الأشهرِ الأربعةِ
حلالا، وحَلالَها حرامًا - أنفسكم .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنٍ إسحاقَ: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ
عِندَ اللَّهِ أَثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾. إلى قولِه: ﴿فَلَا تَظْلِمُواْ فِهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾. أى : لا
تَجْعَلوا حَرامَها حلالا، ولا حلالَها حرامًا، كما فَعَل أهلُ الشِّرْكِ، فإنما النَّسِيءُ الذى
كانوا يَصْنَعون مِنْ) ذلك ﴿زِيَادَةٌ فِ الْكُفْرِ يُضَلُ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾
الآية (٣) .
حدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ ، قال : ثنا عبدُ الرحمنِ ، قال : ثنا سفيانُ، عن قيسٍ بنِ
مسلمٍ، عن الحسنِ: ﴿فَلَا تَظْلِمُواْ فِهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾. قال: ظلمُ أنفسِكم ألا
(١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٤/ ٩٠. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٣٦/٣ إلى ابن أبى حاتم وابن المنذر
وأبى الشيخ، وهو عند ابن أبى حاتم ١٧٩٣/٦ من طريق يزيد به إلى قوله: ما شاء.
(٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف.
(٣) سيرة ابن هشام ٢/ ٥٤٨.
٤٤٦
سورة التوبة : الآية ٣٦
تُحرَّموهن كحُزْمتِهن(١).
حدَّثنى الحارثُ ، قال : ثنا عبدُ العزيزِ، قال : ثنا سفيانُ ، عن قیسٍ بنِ مسلم ،
عن الحسنِ بنِ محمدِ بنِ علىٍّ: ﴿فَلَا تَظْلِمُواْ فِهِنَّ أَنفُسَكُمْ﴾. قال: ظُلْمُ
أنفسِكم أن لا تُحرَّمُوهِنَّ كحُزْمَتِهِنّ(١).
حدّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ ، قال: ثنا أبو أحمد ، قال : ثنا سفيانُ ، عن قیسٍ بنِ
مسلمٍ، عن الحسنِ بنِ محمدٍ بنحوِه .
قال أبو جعفرٍ: وأولى الأقوالِ فى ذلك عندى بالصوابِ قولُ مَن قال : فلا
تَظْلِموا فى الأشْهرِ الأربعةِ أنفسَكم، باستحلالٍ حَرامِها ، فإن اللَّهَ عَظِّمَها وعَظّمَ
حُرْمَتها .
وإنما قُلنا : ذلك أَوْلِى بالصوابِ فى تأويلِه؛ لقوله: ﴿فَلاَ تَظْلِمُوا فِيهِنَّ﴾ .
فأخرَج الكنايةَ عنهن (١) مُخْرَجَ الكنايةِ عن جمعٌ ما بينَ الثلاثةِ إلى العشرةِ . وذلك
أن العربَ تقولُ فیما بینَ الثلاثةِ إلی العشرة إذا کنتْ عنه : فَعَلنا ذلك لثلاثٍ ليالٍ
ـحَلَون ، ولأربعة أيامٍ بَقِين. وإذا أُخْبَرَت عما فوقَ العشرةِ إلى العشرين قالت : فَعَلْنا
ذلك لثلاثَ عِشْرَةَ خَلَت ، ولأربعَ عِشْرَةَ مَضَت . فكان فى قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿فَلَا
تَظْلِمُواْ فِهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾. وإخراجِه كنايةَ عددِ الشهورِ التى نَهَى المؤمنين عن ظُلْم
أنفسِهم فِيهن مُخْرَجَ عددِ الجَمْع القليلِ مِن الثلاثةِ إلى العشرةِ - الدليلُ الواضح على
أن الهاءَ والنونَ مِن ذكرِ ((الأشهرِ الأربعةِ)) دونَ ((الاثْنى العشَرَ))؛ لأن ذلك لو كان
كنايةً عن ((الاثْنى العشَرَ الشهرَ)) لكان: فلا تَظْلِموا فيها أنفسكم .
(١) أخرجه ابن أبى حاتم ١٧٩٢/٦ من طريق سفيان به .
(٢) فى م: ((عنه)) .
(٣) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((جميع)).
٤٤٧
سورة التوبة : الآية ٣٦
فإن قال قائلٌ: فما أَنْكَوْتَ أن يكونَ ذلك كنايةً عن ((الاثْنى العشرَ الشهرَ))،
وإن كان الذى ذَكَرْتَ هو المعروفَ / فى كلامِ العربِ؟ فقد عَلِمتَ أن المعروفَ مِن
كلامِها إخراجُ كنايةِ ما بينَ الثلاثِ إلى العشرِ بالهاءِ دونَ النونِ، وقد قال
(١)
الشاعرُ(١):
١٢٨/١٠
أَصْبَحْنَ فى فُرْحٍ(٢) وفى دَارَاتِها(٣)
سَبْعَ ليالٍ غَيْرَ مَعْلُوفاتِها
ولم يَقُلْ : مَعْلوفاتِهن. وذلك كنايةٌ عن السَّبْعِ؟
قيل : إن ذلك وإن كان جائزًا ، فليس بالأفصح الأُعرفِ فى كلامِها ، وتوجيهُ
كلام اللَّهِ إلى الأفْصح الأغرفِ أَوْلِى مِن تَوْجيهِه إلى الأُنكرِ.
فإن قال(٤) : فإن كان الأمرُ على ما وَصَفتَ، فقد يجبُ أن يكونَ مُباحًا لنا
ظُلْمُ أنفسِنا فى غيرِهنَّ مِن سائرِ شهورِ السنةِ .
قيل : ليس ذلك كذلك ، بل ذلك حرام علينا فى كلِّ وقتٍ وزمانٍ ، ولكنَّ اللَّهَ
عَظَّمَ حُرمةَ هؤلاء الأشهرِ وشَرَّفَهن على سائرٍ شهورِ السنةِ، فَخَصَّ الذنبَ فيهن
بالتعظيم، كما خَصَّهنَّ بالتشريفِ، وذلك نظيرُ قولِه: ﴿حَفِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ
وَالضَّلَوْةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨]. ولا شكَّ أن اللَّهَ قد أَمَرَنا بالمحافظةِ على
الصلواتِ المفروضاتِ كلِّها بقولِه: ﴿ حَفِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾. ولم يُيخْ تَوْكَ
(١) معانى القرآن للفراء ٤٣٥/١ ونسبه إلى أبى القمقام الفقعسى، وحماسة أبى تمام ٤١٦/٢ من أبيات
نسب بعضها إلى عمرو بن لجأ .
(٢) القرح: سوق وادى القرى. معجم البلدان ٤/ ٥٣.
(٣) داراتها: جمع دارة، وهى: كل أرض واسعة بين جبال. اللسان (دور).
(٤) بعده فى م: ((قائل)).
٤٤٨
سورة التوبة : الآية ٣٦
المحافظةِ عليهنَّ بأمرِه بالمحافظةِ على الصلاةِ الوسطى، ولكنه تعالى ذكرُه زادَها
تَعْظِیمًا ، وعلى المحافظة علیھا تو کیدًا ، وفی تَضْنِيعِها تَشْدیدًا . فكذلك ذلك فى
قوله: ﴿ مِنْهَا أَرْبَعَةُ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُواْ فِهِنَّ أَنفُسَكُمْ﴾.
وأما قولُه: ﴿وَقَائِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَفَّةً كَمَا يُقَدِلُونَكُمْ كَفَّةٌ﴾. فإنه
يقولُ جلَّ ثناؤه : وقاتِلوا المشركين باللَّهِ أيُّها المؤمنون جميعًا غيرَ مختلفين، مؤتَّلِفين
غيرَ مُتفرّقين(١)، كما يُقاتِلُكُم المشركون جميعًا مُجْتَمِعين غيرَ مُتَفَرِّقِين.
كما حدَّثنى محمدُ بنُّ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضل، قال: ثنا أسباطُ ،
عن السدِّىِّ: ﴿ وَقَائِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَفَّةٌ كَمَا يُقَئِلُونَكُمْ كَافَّةٌ﴾ : أما
كَفَّةٌ﴾ فجميعٌ وأمركم مُجْتَمِعٌ(٢) .
حدّثنی المُنُنَّى ، قال : ثنا أبو صالح، قال : ثنی معاویةُ ، عن علىّ ، عن ابنِ عباسٍ
قولَه: ﴿وَقَئِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَفَّةً﴾. يقولُ: جميعًا(٣).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَقَئِلُواْ الْمُشْرِكِينَ
كَنَّةٌ﴾. أى : جميعًا .
والكافَّةُ فى كلِّ حالٍ على صورةٍ واحدةٍ لا تُذَكّرُ ولا تُجْمَعُ؛ لأنها وإن كانت
بلفظِ ((فاعلةٍ))، فإنها فى معنى المصدرِ، كالعافيةِ والعاقبةِ، ولا تُدْخِلُ العربُ فيها
الألفَ واللامَ؛ لكونِها آخرَ الكلامِ، مع الذى فيها مِن معنى المصدرِ ، كما لم
يُدخِلوها إذا قالوا: قاموا معًا، وقاموا جميعًا .
(١) فى ص، ت ١، ف: ((متفقين))، وفى م: ((مفترقين)).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧٩٣/٦ من طريق أحمد بن المفضل به .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧٩٣/٦ من طريق أبى صالح به .
٤٤٩
سورة التوبة : الآيتان ٣٦، ٣٧
/وأمَّا قولُه: ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُنَّقِينَ﴾. فإن معناه: واعْلَمُوا أَيُّها ١٢٩/١٠
المؤمنون باللّهِ أنكم إن قاتَلْتم المشركين كافَّةٌ ، وانَّقَيْتُم اللَّهَ ، فَأَطَعْتُموه فيما أمَركم
ونَهاكم، ولم تُخالِفوا أمرَه فَتَعْصُوه، كان اللَّهُ معكم على عدوٌّكم وعدوِّه مِن
المشركين، ومَن كان اللَّهُ معه لم يَغْلِبْه شىءٌ؛ لأن اللَّهَ مع مَن اتَّقاه، فَخافَه وأطاعَه
فيما كَلَّفَه مِن أمرِه ونَهْيِهِ .
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿ إِنَّمَا الشَُِّّ زِيَادَةٌ فِ الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ
كَفَرُواْ يُحِلُونَهُمٍ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُواْ مَا حَزَّمَ اللَّه
٣٧
زُيِنَ لَهُمْ سُوَهُ أَعْمَلِهِمْ وَلَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ اُلْكَافِرِينَ
يقولُ تعالى ذكره : ما النَّسِىءُ إلا زيادةٌ فى الكفرِ .
والنَّسِىءُ مصدرٌ مِن قولِ القائلِ: نَسَأْتُ فى أيامِك(١). و: نَسَأَ اللَّهُ فِى
أجلِك. أى: زادَ اللَّهُ فى أيامِ عُمُرِك ومُدَّةٍ حياتِك حتى تَبْقَى فيها حيًّا . وكلُّ زيادةٍ
حَدَثَت فى شىءٍ ، فالشىءُ الحادثُ فيه تلك الزيادةُ بسببٍ ما حَدَثَ فيه، نَسِىءٌ ،
ولذلك قيل للَّبَنِ إذا كُثِّر بالماءِ: نَسِىءٌ. وقيل للمرأةِ الحُثْلَى: نَشُوءٌ. ونُسِئَت المرأةُ؛
لزيادةِ الولدِ فيها . وقيل: نَسَأْتُ الناقةَ وأَنْسَأَتُها. إذا زَجَرتَها ليزدادَ سَيْرُها .
وقد يَحتَمِلُ أن يكونَ(١) النسىءُ ((فَعِيل))، صُرِف إليه مِن ((مفعولٍ))، كما
قيل: لَعِيْنٌ وقَتِيلٌ . بمعنى: مَلْعونٌ ومَقْتولٌ، ويكونُ معناه: إنما الشهرُ المُؤخَّرُ زيادةٌ فى
الكفرِ. وكأنَّ القولَ الأولَ أشبهُ بمعنى الكلام، وهو أن يكونَ معناه : إنما التأخيرُ الذى
يُؤْخِّرُه أهلُ الشِّرْكِ باللَّهِ مِن شهورِ الحُمِ الأربعةِ، وتَصْبِيرُهم الحرامَ منهنَّ حلالًا،
(١) تقول إذا أخرت الرجل بدينه: أنسأته. فإذا زدت فى الأجل زيادة يقع عليها تأخير قلت : قد نسأت فى
أيامك وفى أجلك. معانى القرآن للفراء ٤٣٧/١.
(٢) سقط من: م.
( تفسير الطبرى ٢٩/١١ )
٤٥٠
سورة التوبة : الآية ٣٧
والحلالَ منهنَّ حرامًا - زيادةٌ فى كفرِهم وجُحُودِهم أحكامَ اللَّهِ وآیاتِه .
وقد كان بعضُ القرأة يقرأ ذلك: (إنّما النسِئُ). بتَزْكِ الهمزِ، وتركِ مَدِّه (١) ،
يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾.
واخْتَلَفَت القرأةُ فى قراءةِ ذلك؛ فقَرَأته عامةُ قرأةٍ(٢) الكُوفِئِين: ﴿يُضَلُّ بِهِ
الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. بمعنى: يُضِلُّ اللَّهُ بالنسىءِ الذى ابْتَدَعوه وأحدثوه الذين كفروا .
وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ وبعضُ الكوفيّين: (يَضِلُّ به الذين
كفروا). بمعنى: يزولُ عن مَحَجّةِ اللَّهِ التى جَعَلها لعبادِه طريقًا يَسْلُكونه إلى مَرْضاتِهِ
الذين كَفَروا(٣).
وقد حُكِى عن الحسن البصرىِّ: ( يُضِلَّ به الذين كفروا). بمعنى: يُضِلَّ
بالنَّسِيءِ الذى سَنَّه الذين كَفَروا الناسَ(٤) .
قال أبو جعفرٍ: والصوابُ مِن القولِ فى ذلك أن يُقالَ: هما قِراءتان
مَشْهورتان ، قد قرَأُ بكلٌ واحدةٍ (°مِن القراءةِ ) أهلُ علم(٦) بالقرآنِ (" ومعرفةٍ) به،
وهما مُتقارِبتا المعنى؛ لأن مَن أُضَلَّ اللَّهُ فهو ضالٌّ، ومَن ضلَّ فبإضلالِ اللَّهِ إِياه
وخِذْلانِه له ضَلَّ، فبأيَتِهما قرَأ القارئُ فهو للصوابِ فى ذلك مُصِيبٌ .
(١) قراءة ورش وأبى جعفر بإبدال الهمزة ياءً وإدغام الياء قبلها فيها فيصير اللفظ بياء مشددة. النشر ٣١٤/١،
وإتحاف فضلاء البشر ١٤٥.
(٢) سقط من : م .
(٣) قرأ عاصم - فى رواية حفص - وحمزة والكسائى وخلف بضم الياء وفتح الضاد . وقرأ ابن كثير ونافع
وابن عامر وأبو عمرو وعاصم فى رواية أبى بكر بفتح الياء وكسر الضاد . السبعة لابن مجاهد ص ٣١٤.
(٤) وقرأ بها يعقوب الحضرمى، ينظر معانى القرآن للقراء ١/ ٤٣٧، وإتحاف فضلاء البشر ص ١٤٥، والنشر
٠٢١٠/٢
(٥ - ٥) فى م: « القراء)).
(٦) فى م: ((العلم)).
(٧ - ٧) فى م: ((والمعرفة)).
٤٥١
سورة التوبة : الآية ٣٧
وأمَّا الصوابُ مِن القراءةِ فى ﴿الشِِّىُّ﴾ فالهمزُ ، وقراءتُه على تقديرٍ فعيلٍ؛
لأنها القراءةُ المستفيضةُ فى قرأةِ الأمصارِ التى لا يجوزُ خلافُها فيما أَجْمَعَت (٢) عليه .
/وأمَّا قولُه: ﴿يُحِلُونَهُ عَامًا﴾. فإن معناه: يُحِلُّ الذين كَفَروا النسىءَ، ١٣٠/١٠
و («الهاءُ)) فى قولِه: ﴿ يُحِلُّونَهُ﴾ . عائدةٌ عليه .
ومعنى الكلام: يُحِلُّون الذى(٣) أخّروا تحريمَه مِن الأشهرِ الأربعةِ الحُرُمِ عامًا ،
﴿ وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ ﴾ . يقولُ: ليُوافِقوا بتَحْليلهم ما حَلَّلوا
مِن الشهورِ وتَحريمِهم ما حَرَّموا منها ◌ِدَّةَ ما حَرَّم اللَّهُ، فيحلوا ما حرم اللَّهُ، ﴿زُيِّنَ
لَهُمْ [٩٣٨/١ر] سُوَهُ أَعْمَالِهِمْ﴾. يقولُ: حُسِّنَ لهم وحُبَّب إليهم سَيِّئُّ أعمالِهم
وقَبِيحُها، وما خُولِف به أمرُ اللَّهِ وطاعتُه، ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ اَلْكَفِرِينَ﴾.
يقولُ: واللَّهُ لا يُوفِّقُ لمحاسن الأفعالِ (* وجَميلها)، وما للَّهِ فيه رضِى، القومَ
الجاحِدِين توحيدَه، والمُنْكِرِين نبوةَ محمدٍ عَِّ، ( ولكنهْ) يُخَذِّلُهم عن الهُدى،
كما خَذَّلَ هؤلاءِ الناسَ عن(٦) الأشهرِ الحُرُمِ .
وبنحوِ الذى قُلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح ، قال: ثنى معاويةُ، عن علىِّ، عن
(١) القراءتان كلتاهما صواب .
(٢) فى ت ٢: ((إجتمعت)).
(٣) فى م، س، ف: ((الذين).
(٤ - ٤) فى م. ((وحلها)).
(٢ - ٥) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((ولكنهم)).
(٦) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف .
٤٥٢
سورة التوبة : الآية ٣٧
ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّمَا النَِّّءُ زِيَادَةٌ فِ الْكُفْرِ﴾. قال: النَّسِىءُ(١): أن
٩
جُنادةَ بنَ عوفٍ بنِ أَمَيَّةَ الكِنانىَّ كان يُوافى الموسمَ() كلَّ عام، وكان يُكْنَى أبا
ثُمامةَ(٢) ، فيُنادِى: ألّا إن أبا ثُمامةَ لَا يحابُ(٤) ولا يُعابُ، أَلَا وإن صَفَرَ العامِ الأُولِ
العامَ(٥) حلالٌ. فَيَحِلُّهُ(١) الناسُ، فَيُحَرَّمُ صفرٌ عامًا، ويُحَرَّمُ المحرمُ عامًا، فذلك قولُه
تعالى: ﴿ إِنَّمَا الشَّيُِّ زِيَادَةٌ فِ اَلْكُفْرِ﴾ إلى قولِه: ﴿ اَلْكَفِرِينَ﴾. وقولُه:
﴿ إِنَّمَا النَّسِّءُ زِيَادَةٌ فِ اَلْكُفْرِ﴾. يقولُ: يَتْرُكون المحرمَ عامًا، وعامًا
(٧)
يُحرمونه(٧).
قال أبو جعفرٍ : وهذا التأويلُ مِن تأويلِ ابنِ عباسٍ يدلُّ على صحةٍ قراءةٍ مَن قرأ
(النَّسىُّ) بتركِ الهمزِ وتركِ المدِّ. وتَوْجيهُه معنى الكلام إلى أنه ((فَعْلٌ)) مِن قولٍ
القائلِ: نَسِيتُ الشىءَ أنْساه. ومِن قولِ اللَّهِ: ﴿نَسُواْ اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧].
بمعنى : تَرَكوا اللَّهَ فَتَرَكَهم .
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی أبی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی ابی ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ إِنَّمَا النَُِّّ زِيَادَةٌ فِ الْكُفْرِ﴾. قال: فهو المحرّمُ،
كان يُحَرَّمُ عامًا وصفرٌ عامًا، وزِيدَ صفرٌ آخَرُ فى الأشهرِ الحُرُم. وكانوا يُحَرِّمون
صفرًا مرةً، ويُحِلُّونه مرةً ، فعابَ اللَّهُ ذلك. وكانت هَوازنُ وغَطَفانُ وبنو سُلَيْمِ
(١) بعده فى م: (هو)).
(٢) بعده فى م: (( فى )).
(٣) بعده فى ص، ت ١، س، ف: ((فيوافى الموسم كل عام))، وبعده فى ت ٢: ((فيوافى كل عام)).
(٤) فى م، ف: ((يجاب)). ويحاب من الحوب وهو الإثم، والمعنى: لا يُنسب إلى الإثم. ينظر اللسان (ح وب).
(٥) سقط من : م.
(٦) فى م: ((فيحل)).
(٧) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧٩٣/٦، ١٧٩٤ من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ٢٣٦/٣ إلى ابن مردويه بنحوه.
-
سورة التوبة : الآية ٣٧
٤٥٣
(١)
تفعلُه(١) .
حدَّثنا ابنُ وَكِيع، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن منصورٍ، عن أبى وائلٍ: ﴿إِنَّمَا الشَُِّّ
زِيَادَةٌ فِ الْكُفْرِ﴾. قال: كان النسىءُ رجلًا مِن بنى كِنانةَ، وكان ذا رأي
فيهم، وكان يجعَلُ سنةً المحرَّمَ صفرًا، فيُغيرون(١) فيه، فيَغْتَمون(١) فيه ويُصِيبون ،
=(٤)
ويُحرِّمُه سنةً (٤) .
قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن أبى وائلٍ: ﴿ إِنَّمَا النَّسِىُّ زِيَادَةٌ
فِي الْكُفْرِ﴾ الآية، وكان رجلٌ مِن بنى كِنانةَ يُسَمَّى النسىءَ، فكان يجعَلُ المحرَّمَ
صفرًا، ويَسْتَحِلُّ فيه الغنائمَ، فَزَلَت هذه الآيةَ(٥) .
/حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: سمِعتُ لَيئًا ، عن مجاهدٍ ،
قال: كان رجلٌ مِن بنى كِنانةَ يأتى كلَّ عامٍ فى الموسم على حمارٍ له ، فيقولُ: أيُّها
الناسُ، إنى لا أعابُ ولا أحابُ(٦)، ولا مَرَدَّ لِما أقولُ، إِنَّا قد حَرَّمنا المحرمَ وأَخَّرْنا
صفرًا. ثم يَجِى ءُ العامَ المقبلَ بعدَه فيقولُ مثلَ مقالتِه، ويقولُ: إِنا قد حَرَّمْنا صفرًا وأَّوْنا
المحرمَ. فهو قولُه: ﴿لِيُوَاِقُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اَللَّهُ﴾. قال: يعنى الأربعةَ، ﴿فَيُحِلُّوا ما
(٧)
حرَّم اللهُ﴾ ، لتأخيرِ هذا الشهرِ الحرامِ .
١٣١/١٠
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٣٧/٣ إلى ابن مردويه بنحوه مختصرا.
(٢) فى م: ((فيغزون)).
(٣) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((فيعلمون)).
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧٩٤/٦ من طريق جرير به .
(٥) تفسير سفيان ص ١٢٦، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧٩٤/٦ بدون ذكر منصور، وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ٢٣٧/٣ إلى ابن المنذر.
(٦) فى م، ت ١، س، فى: ((أجاب)).
(٧) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٩٢/٤ عن ليث به .
٤٥٤
سورة التوبة : الآية ٣٧
حدِّثْتُّ عن الحسينِ بنِ الفرج، قال: سمعتُ أبا مُعاذٍ، قال: أُخبرَنا عُبَيدُ بنُ
سليمانَ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ فى قوله: ﴿ إِنَّمَا أَلَِّيِّءُ زِيَادَةٌ فِى
اَلْكُفْرِ﴾: النسىءُ المحرمُ، وكان يُحرَّمُ المحرمُ عامًا ويُحرَّمُ صفرٌ عامًا، فالزيادةُ
صفرٌ، وكانوا يُؤْخِّرون الشهورَ حتى يَجْعَلوا صفرًا المحرمَ، فَيُحِلُّوا ما حَرَّم اللَّهُ.
وكانت هَوازنُ وغَطَفانُ وبنو سُلَیم یُعَظُّمونه، وهم الذين كانوا يفعلون ذلك فی
(١)
الجاهلية(١).
حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ إِنَّمَا النَِّىُّ زِيَادَةٌ
فِي الْكُفْرِ﴾ إلى قوله: ﴿اَلْكَافِينَ﴾: عَمَد أناسٌ مِن أهلِ الضلالةِ فزادوا
صفرًا فى الأشهرِ الحُرُم، فكان يقومُ قائمُهم فى الموسم فيقولُ: أَلَّا إن آلهتكم قد
حَرَّمَت العامَ المحرمَ. فَيُحَرِّمونه ذلك العامَ، ثم يقومُ فى العام المقبلِ فيقولُ: ألا إن
آلهتكم قد حَرَّمَت صَفَرًا. فيُحَرِّمونه ذلك العامَ ، وكان يقالُ لهما: الصَّفَران . قال:
فكان أولَ مَن نَسَأُ النسىءَ بنو مالكِ بنِ كِنانةً، وكانوا ثلاثةٌ ؛ أبو ثُمامةَ صفوانُ بنُ
أميةَ، أَحدُ بنى فُقَيْمٍ(٢) بنِ الحرثِ، ثم أحدُ بنى كنانةً(١) .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ ، عن ابنِ
أَبِى نَجِيح، عن مجاهدٍ فى قوله: ﴿إِنَّمَا النَّسِىُّ زِيَادَةٌ فِ الْكُفْرِ﴾. قال:
فَرَض اللَّهُ الحَجَّ فى ذى الحِجَّةِ. قال: وكان المشركون يُسَمُّون الأشهرَ: ذو الحِجَّةِ ،
والمحرَّمُ، وصفرٌ، وربيعٌ، وربيعٌ، وجمادَى، وجُمادَى، ورجبٌ، وشعبانُ ،
(١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٤/ ٩٢ .
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: (( نعيم)).
(٣) كذا فى النسخ والدر المنثور؛ لم يذكر إلا واحدا. والأثر عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٣٧/٣ إلى ابن
المنذر .
٤٥٥
سورة التوبة : الآية ٣٧
ورمضانُ، وشوّالٌ، وذو القَعدةِ، وذو الحِجَّةِ(١)، يَحُجُون فيه مرَّةً أخرى(١) ، ثم
یسگُتُون عن المحرّم فلا يذكرونه ، ثم يعودون فيُسَمُّون(١) صَفَرًا صَفَرًا ، ثم يُسَتُون رجبًا
جمادى الآخرةَ، ثم يُسَكُون شعبانَ رمضانَ، (ثم يُسَمُّون رمضانَ شوالاً)، ثم
يُسَمُّون ذا القَعدةِ شوالًا، ثم يُسَمُّون ذا الحِجَّةِ ذا القَعْدةِ، ثم يُسَمُّون المحرمَ ذا الحِجَّةِ ،
فيحُون فيه ، واسمه عندهم ذو الحجّةِ . ثم عادوا بمثل(٢) هذه القصة، فكانوا يَحُون
فى كلِّ شهرٍ عامَين، حتى وافَقَ حَبَّةٌ أبى بكرٍ ، رَضِى اللَّهُ عنه، الآخِرَ مِن العامين فى
ذى القَعْدةِ، ثم حَجَّ النبىُّ عَلِّ حَجَّتَه التى حَجَّ ، فوافَق ذا الحِبَّةِ ، فذلك حينَ يقولُ
النبيُّ عَلَه فى خُطبِهِ: ((إن الزمانَ قد اسْتَدَارَ كهيئتِه يومَ خَلَقَ اللَّهُ السماواتِ
(٦)
والأرض))(٦).
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعْلَی ، قال : ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ ، عن معمرٍ ، عن ابنِ أُبی
نجيح، عن مجاهدٍ: ﴿ إِنَّمَا الشَّيِّءُ زِيَادَةٌ فِ الْكُفْرِ﴾. قال: حَجُوا فى ذى
الحجّةِ عامَین ، ثم حُوا فی المحرمِ عامَین ، ثم حُوا فی صفرٍ عامَین ، فكانوا يحُّون
فى كلِّ سنةٍ فى كلِّ شهرٍ عامَين، حتى وافَقَت حَجَّةُ أبى بكرِ الآخِرَ / مِن العامين فى
ذى القَعْدةِ قبلَ حَجَّةِ النبىِّ عَ لَه بسنةٍ، ثم حُجَّ النبيُّ ◌َ ◌ّهِ مِن قابلٍ فى ذى الحِجَّةِ ،
فذلك حينَ يقولُ النبىُّ عَِّ فِى خُطبِه: ((إن الزمانَ قد اسْتَدَارَ كَهَيَتِهِ يومَ خَلَقَ اللَّهُ
١٣٢/١٠
(١) بعده فى تفسير عبد الرزاق والدر المنثور: ((ثم)).
(٢) سقط من: م.
(٣) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((يسمون)).
(٤ - ٤) سقط من: ت ٢، وفى ص، ت ١، س، ف: (( ثم يسمون شوال رمضان)).
(٥) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((مثل)).
(٦) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٧٥، ٢٧٦، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧٩٥/٦ من طريق ابن أبى نجيح
به نحوه ، بدون ذكر المرفوع، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٣٧/٣ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ ، وينظر تعليق
ابن كثير على هذا الأثر فى تفسيره ٩٣/٤.
٤٥٦
سورة التوبة : الآية ٣٧
السماواتِ والأرضَ)).
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا عِمْرانُ بنُ عُيَيْنةَ، عن محُصَينٍ، عن أبى مالكٍ :
﴿ إِنَّمَا النَّسِّءُ زِيَادَةٌ فِىِ الْكُفْرِ﴾. قال: كانوا يَجْعَلون السنةَ ثلاثةَ عشَرَ
شهرًا ، فيَجْعَلون المحرمَ صفرًا، فَيَسْتَحِلُّون فيه الحُرُماتِ، فَأَنزَل اللَّهُ: ﴿ إِنَّمَا الشَّيِّءُ
زِيَادَةٌ فِ الْكُفْرِ﴾.
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وَهْبٍ، قال: قال ابنُ زَيْدٍ فى قوله: ﴿ إِنَّمَا
الَِّيِّءُ زِيَادَةٌ فِ الْكُفْرِ يُضَلُّ بِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية. قال: هذا رجلٌ مِن
بني كنانةَ يقالُ له القَلَمَّسُ (١) . كان فى الجاهلية، وكانوا فى الجاهليةِ لا يُغِيرُ بعضُهم
على بعضٍ فى الشهرِ الحرامِ، يَلْقَى الرجلُ قاتلَ أبيه فلا يَمُدُّ إليه يَدَه، فلما كان هو،
قال: اخرجوا بنا. قالوا له: هذا المحرّمُ . فقال: " نُنسِقُه العامَ، هما العامَ صَفَران ، فإذا
كان "عام قابل٢) قَضَينا فجَعَلناهما(*) مُحَرَّمَين. قال: فَفَعَل ذلك، فلما كان ٢ عام
قابلٍ" قال: لا تَغْزُوا فى صفرٍ، حَرِّموه مع المحرَّم، هما مُحَرَّمان، المحرَّمُ أنسأناه عامًا أوّلَ
ونقضيه ذلك الإنساء. وقال منافؤهم:
ومِنَّا مُنْسِئ الشهرِ() القَلَكَّس(٨) »
(١) قيل له ذلك لجوده؛ إذ القلمس من أسماء البحر. ينظر الروض الأنف ١/ ٢٤٧، والتاج (قلمس).
(٢ - ٢) سقط من: ت ١.
(٣ - ٣) فى ص، ت ٢، س، ف: ((عاما قابلا))، وفى تفسير ابن كثير: ((العام القابل)).
(٤) فى ص، ت ٢، س، ف: ((جعلناها))، وفى تفسير ابن كثير: ((جعلناهما)).
(٥ - ٥) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((عاما قابلا)).
(٦) فى م: ((شاعرهم)). والمنافرة: المفاخرة. التاج (ن ف ر).
(٧) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((الشهور)).
(٨) البيت فى تفسير القرطبى ١٣٨/٨ غير منسوب، وفيه ((ناسئ)). بدل ((منسئ))، وينظر نسب قريش
لمصعب الزبيرى ص ٩٨.
٤٥٧
سورة التوبة : الآية ٣٧
وأنزل اللّهُ: ﴿ إِنَّمَا النَِّيِّءُ زِيَادَةٌ فِ الْكُفْرِ﴾ إلى آخِرِ الآيةِ (١).
وأما قولُه: ﴿زِيَادَةٌ فِى الْكُفْرِ﴾، فإن معناه : زيادةُ كفرٍ بِالَّسِىءِ إلى
كفرِهم باللّهِ قبلَ(٢) انتِداعِهم النسىءَ.
كما حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال : ثنى حَجَّاجْ، عن ابنِ جُرَیجٍ ،
عن مجاهدٍ: ﴿ إِنَّمَا النَِّىُّ زِيَادَةٌ فِ الْكُفْرِ﴾. يقولُ: ازدادوا به كفرًا إلى
(٣)
كفرهم().
وأمَّا قولُه: ﴿ لِيُوَاطِئُواْ﴾ ، فإنه مِن قولِ القائلِ: وَاطأتُ فلانًا على كذا أُواطِتُه
مُواطأةً . إذا وافَقتَه عليه ، مُعِينًا له، غيرَ مُخالفٍ عليه .
ورُوِى عن ابنِ عباسٍ فى ذلك ما حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح،
قال: ثنى معاويةُ، عن علىّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ لِيُوَاِئُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾.
يقولُ : يُشْبِهون(٤) .
وذلك قريبُ المعنى مما بَيِّنًا؛ وذلك أن ما شابَه الشىءَ فقد وافَقَه مِن الوجهِ الذى
شابهه .
وإنما معنى الكلام: أنهم يُوافِقون بعدةِ الشهورِ التى يُحَرِّمُونها عدةَ الأشهرِ
الأربعةِ التى حَرَّمها اللَّهُ ، لا يَزِيدون عليها ولا يَنْقُصون منها، وإن قَدَّموا وأَخَّروا .
فذلك مُواطأٌ عِدَّتِهِم عِدَّةَ ما حَرَّم اللَّهُ .
(١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٩٢/٤ إلى قوله: هما محرمان . وقال عقبه: هذه صفة غريبة فى النسىء وفيها
نظر؛ لأنهم فى عام إنما يحرمون على هذا ثلاثة أشهر فقط وفى العام الذى يليه يحرمون خمسة أشهر ، فأين
هذا من قوله تعالى: ﴿ يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله ﴾ .
(٢) فى م: ((وقيل)).
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧٩٤/٦ من طريق ابن أبى نجيح عن مجاهد.
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧٩٥/٦ من طريق أبى صالح به .
٤٥٨
سورة التوبة : الآية ٣٨
١٣٣/١٠
/ القولُ فى تأويل قوله: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُ أَنْفِرُواْ
فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَوْةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِّ فَمَا
مَتَعُ الْحَيَوَةِ الذُّنْيَا فِىِ الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلُ
٣٨
وهذه الآيةُ حَتٍّ مِن اللّهِ جلَّ ثناؤه المؤمنين به من أصحاب رسولِه على غزوٍ
الرومِ، وذلك غزوةُ رسولِ اللَّهِ مَّمِ تبوكَ.
يقولُ جلّ ثناؤه: يا أيُّها الذين صَدَّقوا اللَّهَ ورسولَه، ﴿ مَا لَكُمْ﴾: أَىُّ شىءٍ
أمْرُكم، ﴿ إِذَا قِيلَ لَكُمْ أَنِفِرُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾. يقولُ: إذا قال لكم رسولى
محمدٌ: ﴿أَنِفِرُواْ﴾. أى: اخرُجُوا مِن منازلكم إلى مَغْزاكم .
وأصلُ النَّفْرِ مُفارقةُ مكانٍ إلى مكانٍ لأمرٍ هاجَه على ذلك، ومنه نُفُورُ الدابةِ ،
غيرَ أنه يقالُ مِن النَّفْرِ إلى الغزوِ: نَفَر فلانٌ إلى ثَغْرِ كذا يَنْفِرُ نَفْرًا ونَفِيرًا. وأُحسَبُ أن
هذا مِن الفروقِ التى يُفَرَّقون بها بينَ اختلافِ المخْبَرِ عنه وإن اتَّفَقَت معانى الخبرِ.
فمعنى الكلام: مالكم أيُّها المؤمنون ، إذا قيل لكم : اخرُجُوا غُزاةٌ فى سبيلٍ
اللَّهِ. أى فى جهادٍ أعداءِ اللَّهِ، ﴿ أَنَّا قَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِّ﴾. يقولُ: تَنَاقَلْتُم إلى لُزوم
أرضِكم ومَساكنِكم والجلوسِ فيها .
وقيل: ﴿أَثَّا قَلْتُمْ﴾ لاندغامِ(١) ((التاءِ)) فى ((الثاءٍ))، فأُحدِثَت لها ألفٌ
لِيُوصَلَ(١) إلى الكلام بها، لأن ((التاءَ)) مندغمةٌ(١) فى ((الثاءِ))، ولو أُسْقِطَت
((الألفُ)) وابْتُدِئَ بها، لم تكنْ إلا متحركةٌ، فَأُحْدِثَت ((الألفُ)) لتَقَعَ الحركةُ بها،
(١) فى م: ((لأنه أدغم)).
(٢) فى م: ((ليتوصل)).
(٣) فى م: (( مدغمة).
٤٥٩
سورة التوبة : الآية ٣٨
كما قال جلّ ثناؤه: ﴿حََّ إِذَا أَدَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ٣٨]. وكما قال
الشاعر(١):
عَذْبَ المَذَاقِ إذا ما اتَّابَعَ القُبَلُ
تُولِى الضَّجِيعَ إذا ما اسْتَافَها خَصِرًا
فهو بَنِى(٢) الفعلَ اقْتَعَلْتُم مِن التَّاقُلِ(٣) .
وقولُه: ﴿أَرَضِيتُم بِالْحَيَوَةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ﴾. يقولُ [٥٩٣٩/١]
جلّ ثناؤه: أَرَضِيتُم بحَظُّ(٤) الدنيا والدَّعَةِ فيها، عِوضًا مِن نعيم الآخرةِ وما عندَ اللَّهِ
للمتقين فى جَناتِهِ، ﴿فَمَا مَتَعُ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا فِىِ الْآَخِرَةِ﴾. يقولُ: فما
الذى يَسْتمتِعُ به المستمتعون (١) فى الدنيا مِن عَيْشِها ولذَّاتِها فى نعيم الآخرةِ والكرامةِ
التى أعدَّها(٧) اللَّهُ لأوليائه وأهلٍ طاعتِه، ﴿إِلَّا قَلِيلُ﴾: يسيرٌ. يقولُ لهم:
فاطلُبُوا أيُّها المؤمنون نعيم الآخرةِ («وشَرَفٌَ) الكرامةِ التى عندَ اللَّهِ لأوليائه ، بطاعتِه
والمُسارعةِ إلى الإجابةِ إلى أمرِه فى النَّفِيرِ لجهادٍ عدوّه .
وبنحوٍ ما قُلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابنٍ أبى
(١) تقدم فى ١١٩/٢.
(٢) فى ت ١، ت ٢، س، ف: ((بين))، وهى غير منقوطة فى : ص .
(٣) كذا هذه العبارة فى النسخ، وينظر مجاز القرآن لأبى عبيدة ١/ ٢٦٠.
(٤) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: (( بحفظ)).
(٥) فى م: « جنانه)).
(٦) فى م: ((المتمتعون)).
(٧) فى ص، ت ١، س، ف: ((أوعدها))، وفى ت ٢: ((أودعها)).
(٨ - ٨) فى م: ((وترف)).
٤٦٠
سورة التوبة : الآيتان ٣٨، ٣٩
نَجِيح، عن مجاهدٍ: ﴿ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ أَنِفِرُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَنَّا قَلْتُمْ إِلَى
الْأَرْضِّ﴾: أُمِروا بغزوة تبوكَ بعدَ الفتحِ / وبعدَ الطائفِ وبعدَ حُنَينٍ، أُمِروا بالتّفْرِ(١)
فى الصيفِ، حينَ خُرِفَت (١) النخلُ، وطابَت الثمارُ، واشْتَهَوا الظُّلالَ، وشَقَّ عليهم
(٣)
١٣٤/١٠
المخرج() .
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجْ، عن ابنٍ ◌ُجرَيجٍ، عن
مجاهدٍ قوله: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُ أَنِفِرُواْ فِىِ سَبِيلِ اللَّهِ
أَثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ﴾ الآية. قال: هذا حينَ أُمِروا بغزوة تبوكَ بعدَ الفتحِ وحنّين
وبعدَ الطائفِ ، أَمَرَهم بالنَّغِيرِ فى الصيفِ، حينَ اختُرِفَت النخلُ، وطابَت الثمارُ،
واشْتَهَوا الظِّلالَ، وشَقَّ عليهم المخرجُ. قال: فقالوا: مِنَّا(٤) الثقيلُ، (°وذوْ الحاجةِ
والضَّيْعةِ والشُّغُلِ، والمنتشرُ به أمرُه فى ذلك كلِّه. فأنزل اللَّهُ: ﴿ آنِفِرُواْ خِفَافًا
وَثِقَالًا ﴾ [التوبة: ٤١].
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿إِلَّا نَفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا
غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُوهُ شَيْئًا وَاَللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرُ
٣٩
يقولُ تعالى ذكرُه للمؤمنين به مِن أصحابٍ رسولِه، مُتوعّدَهم على تركِ النَّفْرِ
إلى عدوّهم مِن الروم: إن لم تَنْفِروا أيُّها المؤمنون إلى مَن اسْتَنْفَرَكم رسولُ اللَّهِ،
(١) فى ص، م، ت ٢: (( بالنفير)).
(٢) خرف النخل : صرمه واجتناه. اللسان (خ ر ف).
(٣) تفسير مجاهد ص ٣٦٨، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦/ ١٧٩٦، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٢٣٧/٣ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.
(٤) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف، وفى تفسير مجاهد ص ٣٦٩: ((فينا)).
(٥ - ٥) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((ذو)).