النص المفهرس
صفحات 361-380
٣٦١ سورة التوبة : الآيتان ١٠، ١١ فلا تُثْقُوا عليهم، أيُّها المؤمنون، كما لا يُثْقُون عليكم لو ظَهَروا عليكم، ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ﴾. يقولُ: المتجاوزون فيكم إلى ما ليس لهم بالظُلْمِ والاعتداءِ . القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُوا الصَّلَوَةَ وَءَاتَواْ الزَّكَوَةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِينُ وَنُفَصِلُ الْأَيَتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ يقولُ جلَّ ثناؤه: فإن رجَع هؤلاء المشركون الذين أمَرْتُكم ، أيُّها المؤمنون ، بقَتْلِهم عن كفرِهم وشِرْكِهم باللّهِ إلى الإيمانِ به وبرسولِه، وأنابُوا إلى طاعتِه وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ﴾ المكتوبةَ، فَأَدَّوْها بِحُدُودِها، ﴿وَءَاتَوْ الزَّكَوَةَ﴾ المفروضةَ أهلَها. يقولُ: فهم إخوانُكم فى الدينِ الذى أمَركم اللَّهُ به، وهو / الإسلام ﴿ وَنُفَصِلُ الْأَيَتِ﴾. يقولُ: ونُبَيِّنُ حُجَجَ اللَّهِ وأدلتَه على خَلْقِه. ﴿لِقَوْمِ يَعْلَمُونَ﴾ ما بِيِّنَ لهم، فَتَشْرَحُها لهم مُفَصَّلةٌ دونَ الجُّهَّالِ الذين لا يَعْقِلون عن اللَّهِ بيانَه ، ومُحْكَمَ آياتِه . ٨٧/١٠ وبنحوِ ما قُلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بِشْرُ بنُ مُعاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الضَّلَوَةَ وَءَاتَواْ الزَّكَوَةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينُ﴾. يقولُ: إِن تَرَكوا اللاتَ والْعُزَّى، وشَهِدوا أن لا إلهَ إلا اللَّهُ، وأن محمدًا رسولُ اللَّهِ ﴿فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينُ وَنُفَصِّلُ اُلْآَيَتِ لِقَوْمِ يَعْلَمُونَ﴾ (١). (١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧٦٠/٦ من طريق يزيد به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢١٤/٣ إلى ابن المنذر . ٣٦٢ سورة التوبة : الآيتان ١٢،١١ حدّثنا ابنُ و کیع، قال : ثنا حَفْصُ بنُ غِیَاثٍ ، عن لیث ، عن رجلٍ ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُوا الصَّلَوَةَ وَءَاتَوْ الزَّكَوَةَ﴾. قال: حَرَّمَت هذه الآيةُ دماءَ أهلِ القِبْلةِ(١). حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وَهْبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ: افتُرِضَت الصلاةُ والزكاةُ جميعًا، لم يُفَرَّقْ بينَهما. وقرَأ: ﴿فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُوا الصَّلَوَةَ وَءَاتَّوْاْ الزَّكَوَةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِى الدِّينَ﴾ وأتَى أن يَقْبَلَ الصلاةَ إلا بالزكاةِ. وقال: رَحِم اللَّهُ أبا بكرٍ ، ما كان أفْقَهَه(٢)! حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا شَرِيكٌ ، عن أبى إسحاقَ ، عن أبى عُبَيدةَ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: أَمِرْتم بإقام الصلاة ، وإيتاءِ الزكاةِ ، ومَن لم يُزَكٌّ فلا صلاةَ له(٢) . وقيل: ﴿ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ . فرُفِع بضميرٍ : فهم إخوانكم ، إذ كان قد جرَى ذكرُهم قبلُ، كما قال: ﴿فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوَاْ ءَابَآءَ هُمْ فَإِخْوَتُكُمْ فِ الدِّينِ﴾ [ الأحزاب: ٥]. بمعنى : فهم إخوانكم فى الدينِ . القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿وَإِن تُكَثُواْ أَيْمَنَهُم مِّنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِىِ ١٢ دِينِكُمْ فَقَئِلُواْ أَبِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَآَ أَيْمَنَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ يقول تعالى ذكره : فإن نقض هؤلاء المشركون الذين عاهدْتُموهم من قریشٍ، عهودَهم مِن بعدِ ما عاقَدوكم، أن لا يُقاتِلوكم، ولا يُظاهِروا عليكم أحدًا مِن أعدائِكم، ﴿ وَطَعَنُواْ فِ دِينِكُمْ﴾. يقولُ: وَقَدَحوا فى دينكم الإسلامِ، (١) ذكره القرطبى فى تفسيره ٨١/٨. (٢) ذكره البغوى فى تفسيره ١٦/٤. ٣٦٣ سورة التوبة : الآية ١٢ فتَلَبوه(١) وعابُوه، ﴿فَقَائِلُواْ أَبِعَّةَ الْكُفْرِ﴾. يقولُ: فَقَاتِلوا رؤساءَ الكفرِ بِاللَّهِ؛ ﴿ إِنَّهُمْ لَآَ أَيْمَئِنَ لَهُمْ﴾. يقولُ: إن رؤساءَ الكفرِ لا عهدَ لهم، ﴿لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ﴾: لكى يَنْتَهُوا عن الطَّعْنِ فى دينكم والمظاهرةِ عليكم . وبنحوِ ما قُلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ، على اختلافٍ بينَهم(٢) فى المَغَنِيِّين بأئمةِ الكفرِ . فقال بعضُهم: هم أبو جَهْلٍ بنُ هشامٍ ، وعُثْبةُ بنُ ربيعةً ، وأبو سُفيانَ بنُ حَوْبٍ ، ونظراؤهم. وكان حُذَيفةُ يقولُ : لم يأتِ أهلُها بعدُ . /ذكرُ مَن قال: (٢هم مَن سَمَّيْت٣ُ) ٨٨/١٠ حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمِّى ، قال : ثنى أبى ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍٍ قوله: ﴿وَإِن تَكَثُواْ أَيْمَنَهُم مِّنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ﴾ إلى ﴿لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ﴾. يعنى: أهلَ العهدِ مِن المشركين، سَمَّاهم ﴿أَبِنَّةَ الْكُفْرِ﴾ وهم كذلك. يقولُ اللَّهُ لنبيّه: وإن نَكَثوا العهدَ الذى بينك وبينَهم، فقاتِلْهم(٤)، أئمةُ الكفرِ(٥) لا أَيْمانَ لهم ﴿لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ﴾(١). حدَّثْنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَإِن تَكَثُواْ أَيْمَنَهُم (١) فى م: (فثلموه)). وثلبه يثليه ثلبا: لامه وعابه وصرح بالعيب وقال فيه وتنقصه. اللسان (ث ل ب) . (٢) فى ص، ت١، ت٢، س: ((منهم). (٣ - ٣) فى ت٢، ف: ((ذلك)). (٤) فى م: (( فقاتل))، وفى ت٢: (( فقاتلوا)) . (٥) بعده فى م: ((لأنهم))، وفى ت٢: ((إنهم). (٦) أخرجه ابن أبى حاتم ١٧٦٠/٦، ١٧٦١ عن محمد بن سعد به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢١٤/٣ إلى ابن مردويه . ٣٦٤ سورة التوبة : الآية ١٢ مِنْ بَعْدٍ عَهْدِهِمْ﴾ إلى ﴿ يَنْتَهُونَ﴾. فكان مِن أئمةِ الكفرِ ؛ أبو جهلٍ بنُ هشامٍ، وَأَمَيَّةُ بنُ خَلَفٍ ، وعُثْبةُ بنُ رَبيعةَ ، وأبو سفيانَ، وسهيلُ بنُ عمرٍو، وهم الذين هَمُّوا بإخراجه . حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأَعْلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ ، عن مَعْمٍَّ، عن قتادةً : ﴿أَبِغَّةَ أَلْكُفْرِ﴾ أبو سُفْيانَ، وأبو جَهْلٍ ، وَأُمَيَّةُ بنُ خَلَفٍ ، وسُهَيلُ بنُ عمرٍو، وُثْبةُ بنُ رَبيعةَ(١) . حدَّثنا ابنُ وَكِيعِ وابنُ بَشَّارٍ - قال ابنُ وَكِيعٍ: ثنا غُنْدَرّ. وقال ابنُ بَشَّارِ: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ - عن شُعْبةَ، عن أبى بِشْرٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَقَئِلُواْ أَبِعَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَآَ أَيْمَانَ لَهُمْ ﴾. قال: أبو سُفْيانَ منهم (١) . حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى "أحمدُ بنُ المفضَّل، قال: ثنا أشباطُ، عن الشُّدِّىِّ: ﴿وَإِن تَكَثُواْ أَيْمَنَهُمْ﴾ إلى ﴿يَنْتَهُونَ﴾: هؤلاء قريشٌ. يقولُ : إِن نَكَثُوا عهدَهم الذى عاهَدوا على الإسلامِ وطعَنوا فيه، فقاتِلْهم(٤) . حُدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفرج، قال : سَمِعتُ أبا مُعاذٍ ، قال: ثنا عُبَيدٌ ، قال : سَمِعتُ الضََّّاكَ يقولُ فى قوله: ﴿ فَقَئِلُواْ أَبِعَّةَ الْكُفْرِ﴾. يعنى: رءوسَ () المشركين، أهلَ مكةً(٦). (١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧٦١/٦ من طريق محمد بن عبد الأعلى به، وأخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٦٨/١ عن معمر به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢١٤/٣ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ. (٢) أخرجه ابن عساكر فى تاريخه ٤٣٨/٢٣ من طريق الحكم عن مجاهد به . (٣ - ٣) فى م: ((حجاج)). وهذا السند فيه تخليط وسقط ولعله إسنادان ؛ الأول: القاسم عن الحسين عن حجاج عن ابن جريج ، والثانى : القاسم عن محمد بن الحسين عن أحمد بن المفضل ... الخ . (٤) فى م: (( فقاتلوهم)). (٥) فى م: ((رأس)). (٦) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧٦١/٦ من طريق أبى معاذ النحوى به . ٣٦٥ سورة التوبة : الاية ١٢ حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ فى قولِه: ﴿فَقَدِلُواْ أَبِعَّةَ الْكُفْرِ﴾: أبو سُفْيَانَ بِنُ حَوْبٍ، وأُمَّةُ بنُ خَلَفٍ ، وعُثْبةُ بنُ رَبيعةَ ، وأبو جهلٍ بنُ هشامٍ ، وسُهَيلُ بنُ عمرٍو ، وهم الذين نَكَثُوا عهدَ اللَّهِ، وهَقُّوا بإخراج الرسولِ، وليس واللَّهِ كما يتأوَّلُهُ(١) أهلُ الشُّبُهاتِ والبِدَع والفِرَى على اللَّهِ ، وعلى كتابِه(٢) . ذكرُ الرواية عن حُذَیفةً بالذى ذكَرنا عنه حدّثنا ابنُ وَ كِيع، قال : ثنا أبو مُعاویةً ، عن الأعمش ، عن زيد بنِ وَهْبٍ ، عن حُذَيفةً: ﴿فَقَائِلُواْ أَسِعَّةَ الْكُفْرِ﴾. قال: ما قُوتِل أهلُ هذه الآيةِ بعدُ(٢). حدَّثنا أحمدُ بنُ إِسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ ، قال: ثنا حبيبُ بنُّ حَسَّانَ ، عن زيدٍ بنِ وَهْبٍ، قال: كنتُ عندَ حُذَيفةَ، فقرأ هذه الآيةَ: ﴿فَقَئِلُواْ أَبِغَّةَ اَلْكُفْرِ﴾، فقال: ما قُوتِلَ أهلُ هذه الآيةِ بعدُ. حدَّثنى أبو السائبِ ، قال: ثنا الأَعْمشُ، عن زيد بنِ وَهْبٍ ، قال: قَرَأْ حُذَيفةُ : فَقَئِلُواْ أَبِئَةَ الْكُفْرِ﴾. قال: ما قُوتِلَ أهلُ هذه الآيةِ بعدُ. / حدَّثنا ابنُ وَكِيع، قال: ثنا أبى، عن سُفيانَ وإسرائيلَ، عن أبى إسحاقَ، عن ٨٩/١٠ صِلَّةَ بنِ زُفَرَ: ﴿إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ ﴾: لا عهدَ لهم(٤). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن (١) فى م: ((تأوله)). (٢) تفسير عبد الرزاق ٢٦٨/١. (٣) أخرجه ابن أبى شيبة ١٥ / ١٠٨، وابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧٦١/٦ من طريق أبى معاوية به ، وأخرجه ابن أبى شيبة ٢٢/١٥ عن أبى معاوية عن الأعمش عن أبى وائل عن حذيفة، وعلقه فى ١٧٦٢ ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢١٤/٣ إلى أبى الشيخ وابن مردويه . ٣٦٦ سورة التوبة : الآية ١٢ مجاهدٍ قوله: ﴿ وَإِن تَكَثُواْ أَيْمَنَهُمْ﴾. قال: عهدَهم(١). حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن الشُدِّىِّ: ﴿ وَإِن تَكَثُواْ أَيْمَنَهُمْ﴾: عهدَهم الذى عاهَدوا على الإسلامِ. حدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبى إسحاقَ ، عن صِلَةَ، عن عَمَّارٍ بنٍ ياسرٍ فى قوله: ﴿لَآَ أَيْمَئِنَ لَهُمْ﴾. قال: لا عهدَ لهم(٢). حدَّثنى محمدُ بنُ عُبَيدِ المحارِىُّ، قال: ثنا أبو الأخوصِ، عن أبى إسحاقَ ، عن صِلَّةَ بنِ زُفَرَ، عن حُذَيفةً فى قوله: ﴿فَقَئِلُواْ أَبِعَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَآَ أَيْمَانَ لَهُمْ﴾. قال: لا عهدَ لهم. وأمَّا النَّكْثُ : فإن أصلَه، النَّقْضُ، يقالُ منه: نَكَثَ فلانٌ قُوَى حبلِه . إذا نَقَضها ، والأيمانُ : جمعُ اليمينِ . واختَلَفَت القرأةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿ إِنَّهُمْ لَآَ أَيْمَانَ لَهُمْ ﴾. فقرَأه قرأةُ الحجازِ والعراقٍ وغيرُهم: ﴿إِنَّهُمْ لَآَ أَيْمَانَ لَهُمْ﴾. بفَتْحِ الألفِ مِن ﴿ أَيْمَنَ﴾(٢). بمعنى : لا عُهُودَ لهم، على ما قد ذكرنا مِن قولِ أهلِ التأويلِ فيه . وذُكِر عن الحسن البصرىِّ أنه كان يقرأُ ذلك: (إِنَّهُمْ لا إِيمانَ لَهُمْ) . بکسرِ الألفِ ، بمعنى: لا إسلامَ لهم(٤). (١) تفسير مجاهد ص ٣٦٥، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢١٤/٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر. (٢) تفسير الثورى ص ١٢٣، ١٢٤، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧٦٢/٦ من طريق عبد الرحمن بن مهدى به، وأخرجه ابن أبى شيبة ٤٨/١١ من طريق سفيان به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢١٥/٣ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ . (٣) هى قراءة القراء العشرة عدا ابن عامر الشامى. النشر ٢٧٨/٢. (٤) وهى قراءة ابن عامر من السبعة . وينظر معانى القرآن للفراء ص ٤٢٥، والسبعة لابن مجاهد ٣١٢، والحجة لأبى زرعة ص ٣١٥ . ٣٦٧ سورة التوبة : الآيتان ١٣،١٢ وقد يُتَوجَّهُ لقراءته كذلك وَجْةٌ غيرُ هذا. وذلك أن يكونَ أرادَ بقراءتِه ذلك كذلك: أنهم لا أمانَ لهم: أى لا تُؤْمِنوهم، ولكن اقتُلُوهم حيثُ وجَدْتُموهم، كأنه أرادَ المصدرَ مِن قولِ القائلِ: آمِنْتُه، فأنا أو مِنْه إيمانًا . قال أبو جعفرٍ : والصوابُ مِن القراءةِ فى ذلك الذى لا أستَجِيزُ القراءةَ بغيرِهِ ، قراءةُ مَن قَرَأَه بفَتْحِ الألفِ دونَ كسرِها (١)؛ لإجماعِ الحُتَّةِ مِن القرأةِ على القراءةِ به، ورَفْضِ خلافِه، ولإجماع أهلِ التأويلِ على ما ذكرتُ مِن أن تأويلَه لا عهدَ لهم، والأيمانُ التى هى بمعنى العهدِ ، لا تكونُ إلا بفَتْح الألفِ ؛ لأنها جمعُ يمين كانت على عَقْدٍ كان بينَ الُوادِعِين . القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿أَلَا تُقَيِّلُونَ قَوْمًا تَكَثُواْ أَيْمَنَهُمْ وَهَنُواْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَهُوكُمْ أَوَّلَـ مَرَّةَ أَتَخْشَوْنَهُمَّ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِن ١٣ كُثُثُ مُؤْمِنِينَ يقولُ تعالى ذكرُه للمؤمنين باللّهِ ورسولِه، حاضًّا لهم على جهادِ أعدائهم مِن المشركين: ﴿أَلَا تُقَتِلُونَ﴾، أيُّها المؤمنون، هؤلاء المشركين الذين نقَضوا العهدَ الذى بينكم وبينَهم، وطعنوا فى دينكم، وظاهروا عليكم أعداءَكم، ﴿ وَهَنُواْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ﴾ مِن بينِ أَظْهُرِهم فأخْرَ جوه، ﴿وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوَّلَـ مَرَّةَ﴾ بالقتالِ، يعنى: فِعْلَهم / ذلك يومَ بَدْرٍ. وقيل: قتالهم حلفاءَ رسولِ اللهِ وَ لَّم. مِن خُزاعةً، ﴿ أَتَخْشَوْنَهُمَّ﴾. يقولُ: أتَخافونهم على أنفسِكم(٢)، فتْؤُكوا قتالَهم خَوْفًا على أنفسِكم منهم ، ﴿ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ﴾. يقولُ: فاللَّهُ أَوْلَى بكم أن تَخافوا عُقوبته بتَرْكِكم جهادَهم، وتَحْذَروا سَخَطَه عليكم ، مِن هؤلاء المشركين، ٩٠/١٠ (١) القراءتان كلتاهما صواب . (٢) فى م: ((أنفسهم)). ٣٦٨ سورة التوبة : الآية ١٣ الذين لا يَمْلِكون لكم ضُرًّا ولا نَفْعًا إلا بإذنِ اللَّهِ، ﴿إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَ﴾. يقولُ: إن كنتم مُقِرِّين أن خشيةً اللَّهِ بكم أَوْلَى مِن خشيةِ هؤلاء المشركين على أنفسكم . وبنحوِ ما قُلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ : ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى محمدُ بنُ الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ ، عن الشّدِّىِّ قوله: ﴿أَلَا نُقَيِّلُونَ قَوْمًا نَّكَثُواْ أَيْمَنَهُمْ﴾ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ ، ﴿وَهَنُواْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ﴾. يقولُ: هَمُّوا بإخراجِه فأخرَجوه ﴿ وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةَ﴾ بالقتالِ (١). حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو ، قال: ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابنٍ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٌ﴾. قال : قتالُ قريشٍ حلفاءَ محمد ێ . حدَّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ بنحوه . حدَّثنا ابنُ وَكِيع، قال: ثنا ابنُ ثُمَيرٍ ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبى نجيح، عن مجاهدٍ (٢) مثلَه(٢) . حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنٍ إسحاقَ ، قال: أمَر اللَّهُ رسولَه بجهادِ أهلِ الشِّرْكِ، ممن نَقَض مِن أهلِ العهدِ الخاصِّ(١)، ومَن كان مِن أهلِ العهد (١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧٦٢/٦، ١٧٦٣ من طريق أحمد بن المفضل به . (٢) تفسير مجاهد ص ٣٦٥، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧٦٢/٦، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢١٥/٣ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ . (٣) سقط من النسخ ، والمثبت من مصدر التخريج . ٣٦٩ سورة التوبة : الآيتان ١٤،١٣ العامّ ، بعدَ الأربعةِ الأشهرِ التى ضرَب لهم أجلًا ، إلا أن يَعْدُو فيها عادٍ منهم فيُقتلَ بعدائِه فقال: ﴿أَلَا نُقَئِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُواْ أَيْمَنَهُمْ وَهَنُواْ بِإِخْرَاجِ الزَّسُولِ﴾ إلى قوله: ﴿وَاَللَّهُ خَبِيْرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾(١). القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿ قَتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَصُرَّكُمْ ١٤ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُوَرَ قَوْمٍ مُؤْمِينَ يقولُ تعالى ذكرُه: قاتِلوا ، أيُّها المؤمنون، باللّهِ ورسولِه هؤلاء المُشْرِ كين الذين نكَثُوا أيمانَهم، ونقَضُوا عُهُودَهم بينكم وبينَهم، فأخْرَجُوا رسولَ اللَّهِ مَّهِ مِن بينِ أَظْهُرِهم - ﴿ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾. يقولُ: يَقْتُلْهم اللَّهُ بأيدِيكم، ﴿ وَيُخْزِهِمْ﴾. يقولُ: ويُذِلَّهم بالأَسْرِ والقَهْرِ، ﴿وَصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ ، فيُعْطِيكم الظَّفَرَ عليهم والغَلَبةَ، ﴿وَيَشْفِ صُدُوَرَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينٌَ﴾. يقولُ: ويُثْرِئُ داءَ صدورٍ قومٍ مؤمنين باللَّهِ ورسوله، بقَتْلِ هؤلاء المشركين بأيديكم ، وإِذْلالِكم وقَهْرٍ كم إِيَّاهم . وذلك الدَّاءُ هو ما كان فى قلوبِهم عليهم مِن المَوْجِدَةِ بما كانوا يَنالونهم به مِن الأَذَى والمكْرُوهِ . وقيل: إن اللَّهَ عنَى بقولِه: ﴿وَيَشْفِ/ صُدُوَرَ قَوْمٍ ثُؤْمِنِينَ﴾: صدورَ خُزاعةَ حلفاءِ رسولِ اللَّهِ عَ لَه ؛ وذلك أن قريشًا نقَضُوا العهدَ بينَهم وبينَ رسولِ اللَّهِ ملته بمَعُونِتِھم بَكْرًا عليهم . ٩١/١٠ ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُّ المُثَنَّى وابنُ وَكِيع قالا : ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ ، قال : ثنا شُعبةُ ، (١ - ١) فى ص، ت ١، ت٢، س، ف: ((يعودوا فيها على دينهم مقبل بعذابه فقال))، وفى م: (( يعودوا فيها على دينهم فيقبل بعد ثم قال)). والمثبت موافق لما فى مصدر التخريج . (٢) سيرة ابن هشام ٥٤٦/٢ . ( تفسير الطبرى ٢٤/١١ ) ٣٧٠ سورة التوبة : الآيتان ١٤، ١٥ عن الحكم، عن مجاهدٍ فى هذه الآية: ﴿وَيَشْفِ صُدُوَرَ قَوْرٍ مُؤْمِنِينَ﴾. قال : ي(١) خزاعةٌ(١). حدَّثنا ابنُ وَكِيع، قال: ثنا عمرُو بنُّ محمدِ العَنْقَزِىُّ، عن أسباطَ ، عن السُّدِّىِّ: ﴿وَيَشْفِ صُدُوَرَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينٌَ﴾. قال: خُزاعةٌ ؛ يَشْفِ صدورَهم مِن (٢) بنی بکړ(٢). حدَّثنا محمدُ بنُّ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ ، قال: ثنا أسباطُ، عن الشُّدِّىِّ مثلَه . حدَّثنی محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال : ثنا عیسی، عن ابنٍ أُبی نجيح، عن مجاهدٍ: ﴿وَيَشْفِ صُدُوَرَ قَوْمٍ مُؤْمِينٌَ﴾: خُزاعةً، حلفاءِ محمّدٍ عَاجٍ (). حدَّثنا ابنُ وَكِيع، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ رجاءٍ، عن ابنٍ مُجُرَيجٍ، عن عبدِ اللهِبنِ كثيرٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَيَشْفِ صُدُوَرَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينٌَ﴾ . قال: حلفاءِ رسولِ اللَّهِ عَلَّهِ مِن خزاعةً . حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجْ، عن ابنٍ مجرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثله . القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ وَ يُذْهِبْ غَيْطَ قُلُوبِهِمُّ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ١٥ عَلِيمٌ حَكِيمُ (١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧٦٣/٦ من طريق شعبة عن مجاهد . (٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧٦٣/٦ من طريق أسباط به . (٣) تفسير مجاهد ص ٣٦٥، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧٦٣/٦، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢١٥/٣ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ . ٣٧١ سورة التوبة : الآية ١٥ يقولُ اللَّهُ تعالى ذكره: ويُذْهِبْ وَجْدَ قلوبٍ هؤلاء القومِ المؤمنين مِن خُزاعةً ، على هؤلاءِ القومِ الذين نَكَثوا أيمانَهم مِن المشركين، وغَمَّها وكَوْبَها بما فيها مِن الوَجْدِ عليهم، بمَعُونِهم بَكْرًا كما حدَّثنى ابنُ وَكِيع، قال : ثنا عمرُو بنُ محمدِ العَنْقَزِئُّ، عن أسباطَ ، عن السُّدِّئِّ: ﴿وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ حينَ قَتَلهم بنو بكرٍ ، وأعانتهم قریشٌ . حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن الشُّدِّئِ مثلَه، إلا أنه قال: وأعانهم (١) عليهم قريشٌ(٣). وأمَّا قولُه: ﴿وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَن يَشَءُ ﴾ . فإنه خبرُ مبتدأُ؛ ولذلك رُفِع، وُزِم الأحرفُ الثلاثةُ قبلَ ذلك على وَجْهِ المجازاةٍ ، كأنه قال: قاتِلوهم ، فإنكم إن تُقاتِلوهم يُعَذِّبْهم اللَّهُ بأيدِيكم، ويُخْزِهم، ويَنْصُرْكم عليهم، ثم ابتَدَأ فقال: ﴿ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَن يَشَآءُ﴾؛ لأن القتالَ غيرُ مُوجِبٍ لهم التوبةَ مِن اللَّهِ، وهو مُوجِبٌ لهم العذابَ مِن اللَّهِ والخِزْىَ، وشِفاءَ صُدورٍ المؤمنين، وذَهابَ غَيْظِ قلوبِهم ، فجَزَم ذلك شَرْطًا وجَزاءً على القتالِ ، ولم يكنْ مُوجِبًا القتالُ التوبةَ ، فِابتُدِئَّ .(٣) الخَبَرُ به ورُفِع . ومعنى الكلام: ويَمُنَّ اللَّهُ على مَن يشاءُ مِن عبادِه الكافرين، فيُقْبِلُ به إلى التوبةِ بتَوفيقِه إِيَّاه، ﴿ وَاَللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بسَرائرِ عبادِهِ، ومَن هو للتوبةِ أهلٌ ، فيتوبُ عليه، ومَن منهم غيرُ أهلِ لها، فَيَخْذُلُه، ﴿ حَكِيمُ﴾ فى تَصْرِيفِ /عبادِه مِن حالٍ كفرٍ إلى حالٍ ٩٢/١٠ (١) فى ص، ف: ((أعانتهم)). والمثبت موافق لما فى مصدر التخريج . (٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧٦٤/٦ من طريق أسباط به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢١٥/٣ إلى أبى الشيخ . (٣) فى م: ((الحكم)). ٠ ٣٧٢ سورة التوبة : الآيتان ١٦،١٥ إيمانٍ بتوفيقِه مَن وَفَّقَه لذلك، ومِن حالٍ إِيمانٍ إلى كُفْرٍ، بخِذْلانِه مَن خَذَل منهم عن طاعتِه وتوحيدِه، وغيرِ ذلك مِن أمْرِهم . القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿أَمّ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَّكُواْ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَهَدُواْ مِنكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ، وَلَا اُلْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةٌ وَاَللَّهُ خَبِيرٌ ج بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾﴾. يقولُ تعالى ذكرُه للمؤمنين الذين أمَرهم بقتالٍ هؤلاء المشركين، الذين نَقَضُوا عهدَهم الذى بينهم وبينَهم (١) بقولِه: ﴿قَتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ الآية . حاضًّا على جهادِهم: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ﴾ أيُّها المؤمنون، أن يَرُكَكم اللهُ بغيرِ مِحْنةٍ پمتچِنکم بها ، وبغير اختبارٍ يَخْتیر کم به ؛ لیعْرِفَ الصادقَ منکم فی دینه مِن الكاذب فيه، ﴿ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَهَدُوا﴾. يقولُ: أَحَسِبتُم أن تُتْرَكوا بغيرِ اختبارٍ يَعْرِفُ به أهلَ ولايتِه المجاهدين منكم فى سبيله، مِن المُضَيِّعِين أمرَ اللهِ فى ذلك الْمُفَرَّطِين، ﴿ وَلَمَّ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ﴾. يقولُ: ولمّا يعلم اللَّهُ الذين آمنوا) منکم، والذين لم يتخذوا مِن دونِ اللهِ ولا مِن دونٍ رسوله، ولا مِن دونٍ ج المؤمنين ﴿ وَلِيجَةً﴾: هو الشىءُ يَدْخُلُ فى آخَرَ غيرِهِ، يقالُ منه: ولَج " فلانٌ فى " كذا يَلِجُه فهو وَلیجةٌ . وإنما عنَى بها فى هذا الموضع البطانةَ مِن المشركينَ. نَهَى اللهُ المؤمنين أن يَتَّخِذُوا مِن عدوّهم مِن المشركين أولياءَ، يُفْشُون إليهم أسرارَهم، ﴿ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا (١) فى م: ((بينه))، وت١: ((بين)). (٢) فى م، ف: ((جاهدوا)). وينظر التبيان ١٨٧/٥. (٣ - ٣) فى ص، ت١، س، ف: ((فى فلان)). وفى ت٢: ((فلان)). ٣٧٣ سورة التوبة : الآية ١٦ تَعْمَلُونَ﴾. يقولُ: واللهُ ذو خِبْرةٍ بما تَعْمَلون، مِن اتِّخاذِ کم مِن دونِ اللهِ ودونِ رسولِه والمؤمنين به أولياءَ وبطانةً ، بعدَ ما قد نَهاكم عنه، لا يَخْفَى ذلك عليه، ولا غيرُه مِن أعمالِكم، واللـهُ مُجازِيكم على ذلك، إنْ خيرًا فخيرًا، وإنْ شؤًا فشَرًّا . وبنحوِ الذى قلنا فى معنى الوَليجةِ قال أهلُ التأويلِ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّل، قال: ثنا أسباطُ ، عن الشدِّىِّ: ﴿ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةٌ﴾: يَتَوَلَجُها مِن الولايةِ للمشركين(١). حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ ، قال: ثنا حَكَامٌ، عن أبى جعفرٍ، عن الربيع: ﴿ وَلِيجَةٌ ﴾. ج .(٢) قال: دَخَلًا(٢) . حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وَهْبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿أَمَّ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَّكُواْ﴾ إلى قوله: ﴿وَلِيجَةٌ﴾. قال: أتَى أن يَدَعَهم دونَ التَّمْحيصِ، وقرَأ: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَّكُواْ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَهَدُواْ مِنكُمْ﴾، وقرَا (٢): ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اَللَّهُ الَّذِينَ جَهَدُواْ مِنكُمْ﴾، ﴿﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُواْ الْجَنَةَُ) وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ﴾ الآياتِ كلَّها، أخبرَهم أن لا يَترُكُهم حتى يُمَخِّصَهم ويَخْتَبِرَهم، وقرأ : ﴿الَمَـ ﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُواْ أَنْ يَقُولُوَاْ ءَامَنَا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾: لا يُخْتَبَرون (١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧٦٥/٦ من طريق أحمد بن المفضل به . (٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧٦٥/٦ من طريق أبى جعفر به . (٣) فى ص، ف: ((قوله)). (٤ - ٤) سقط من : ص، م . ٣٧٤ سورة التوبة : الآيتان ١٧،١٦ ﴿ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ اُلْكَذِبِينَ﴾. أتَى اللهُ إِلا أن يُمَحِّصَ (١). ٩٣/١٠ /حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأَعْلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عن مَعْمَرٍ، عن الحسنِ: ﴿وَلِيجَةٌ﴾. قال: هو الكفر والنفاقُ - أو قال أحدَهماً(٢). وقيل : ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ﴾، ولم يَقُلْ: أَحَسِبتُم، لأنه مِن الاستفهامِ المُغْتَرَضِ فى وسطِ الكلام، فأُدخِلت فيه ﴿أَمَ﴾ ليُفرِّقَ بينَه وبينَ الاستفهام المبتداً . وقد بَيَّنتُ نظائرَ ذلك فى غيرِ موضعٍ مِن الكتابٍ(٢). القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُواْ مَسَجِدَ اللَّهِ شَهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِم بِالْكُفْرِّ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ وَفِى النَّارِ هُمْ خَلِدُونَ ١٧ يقولُ تعالى ذكره: ما ينبغى للمشركين أن يَعْمُروا مساجدَ اللهِ ، وهم شاهِدون على أنفسِهم بالكفرِ . يقولُ : إن المساجدَ إِنما تُعْمَرُ لعبادةِ اللهِ فيها ، لا للكفرِ به. فمَن كان باللهِ كافرًا، فليس مِن شأنه أن يَعْمُرَ مساجدَ اللهِ . وأمَّا شهادتهم على أنفسِهم بالكفرِ، فإنها كما حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّل، قال: ثنا أسباطُ ، عن السّدِّىِّ قولَه: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُواْ مَسَجِدَ اَللَّهِ شَهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِم بِالْكُفْرِ﴾. يقولُ: ما ينبغى لهم أن يَعْمُروها. وأمَّا: ﴿ شَهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِم بِالْكُفْرِّ﴾، فإن النصرانىَّ يُسْألُ: ما (١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦/ ١٧٦٤، ٣٠٣٢/٩ من طريق أصبغ عن ابن زيد، ٩/ ٣٠٣٢. (٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧٦٥/٦ (١٠٠٤٧) من طريق محمد بن عبد الأعلى به ، وأخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٦٨/١ عن معمر به . (٣) ينظر ما تقدم فى ٤١١/٢ - ٤١٣، ٥٨٥، ٦٢١/٣، ومعانى القرآن ٤٢٦/١ . ٣٧٥ سورة التوبة : الآية ١٧ أنتَ ؟ فيقولُ : نَصْرانىٌ. واليهودىُّ، فيقولُ: يهودىٌّ. والصَّابِىُّ، فيقولُ: صابِئٌّ . والمشركُ يقولُ إذا سألتَه: ما دينك؟ فيقولُ: مُشْرِكٌ. لم يكنْ ليقولَه أحدٌ إلا العربَ(١) . حدَّثنا ابنُ وَكيع، قال: ثنا عمرو العَنْقَزِىُّ، عن أسباطَ ، عن السُّدِّىِّ: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُوا مَسَجِدَ اللَّهِ ﴾. قال: يقولُ: ما كان ينبغى لهم أن (٢) يَعْمُرُوها(٢) . حدَّثنا ابنُ وكِيع، قال: ثنا عمرو، عن أسباطَ، عن السُّدِّىِّ: ﴿شَهِدِينَ عَ أَنفُسِهِم بِالْكُفْرِ﴾. قال: النصرانىُ يقالُ له: ما أنتَ؟ فيقولُ: نصرانىٌّ . واليهودىُّ يقالُ له : ما أنتَ؟ فيقولُ: يهودىٌّ. والصَّابِئُ يقالُ له: ما أنتَ ؟ فيقولُ: صائ. وقولُه: ﴿أُوْلَبِّكَ حَطَتْ أَعْمَلُهُمْ﴾. يقولُ: بَطَلَت وذَهَبَت أُجورُها؛ لأنها لم تكنْ للهِ، بل كانت للشيطانِ، ﴿وَفِيِ النَّارِ هُمْ خَلِدُونَ﴾. يقولُ : ما كثون فيها أبدًا ، لا أحياءً ولا أمواتًا . واختَلَفَت القرأةُ فى قراءةٍ قولِه: ﴿ مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُواْ مَسَجِدَ اللَّهِ ﴾؛ فقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ والكوفةِ: ﴿ مَسَجِدَ اللَّهِ﴾ على الجماع. وقرَأ ذلك بعضُ المَكَيِّين والتَصْرِئِّين: (مَسْجِدَ اللهِ ) على التوحيد، بمعنى : المسجدِ الحرامِ . (١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧٦٥/٦ من طريق أحمد بن مفضل به . (٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧٦٥/٦ من طريق أسباط به . (٣) وهى قراءة ابن كثير وأبى عمرو. وقرأ نافع وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائى ﴿مساجد الله ﴾ على الجمع . ينظر السبعة ص ١١٣ ، والتيسير ص ٩٦ . ٣٧٦ سورة التوبة : الآيتان ١٧، ١٨ وهم جميعًا مُجْمِعون على قراءةٍ قوله: ﴿ مَسَجِدَ اللَّهِ﴾(١) على الجماع؛ لأنه إذا قُرِئ كذلك ، احتَمَل معنى الواحدِ والجماع؛ لأن العربَ قد تذهبُ بالواحدِ إلى الجماعِ، وبالجماعِ إلى الواحدِ، كقولهم: عليه ثوبٌ أخلاقٌ(١). ٠ ٩٤/١٠ / القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَجِدَ اَللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَوةَ وَءَاتَ الزَّكَوَةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّ اللَّهَ فَعَسَىّ أُوْلَئِكَ أَنْ يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ ١٨ يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿ إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَجِدَ اللَّهِ﴾ المُصَدِّقُ بوحدانيةِ اللهِ، المخلصُ له العبادةَ، ﴿ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾. يقولُ: الذى يُصَدِّقُ ببعثِ اللهِ الموتَى أحياءً مِن قبورِهم يومَ القيامةِ، وأقامَ الصلاةَ المكتوبةَ بحدودِها وأدَّى الزكاةَ الواجبةَ عليه فى مالِه إلى مَن أوجَبَها اللهُ له، ﴿ وَلَمَّ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾. يقولُ: ولم يَوْهَبْ عقوبةَ شىءٍ على معصيتِه إيَّه، سوى اللهِ، ﴿فَعَسَىّ أُوْلَئِكَ أَنْ يَكُونُواْ مِنَ اُلْمُهْتَدِينَ﴾. يقولُ: فخليقٌ بأولئك الذين هذه صفتُهم، أن يكونوا عندَ اللهِ ممن قد هَداه اللهُ للحقِّ وإصابةِ الصوابِ . حدَّثنى المُثَنَّى ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالح، قال: ثنا معاويةُ ، عن علىّ ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَجِدَ اَللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَّوْمِ الْآَخِرِ﴾. يقولُ: مَن وََّّد اللهَ، وآمَن باليومِ الآخرِ. يقولُ: أقرَّ بما أنزل اللهُ، ﴿ وَأَقَامَ الصَّلَوَةَ﴾. يعنى: الصلواتِ الخمسَ ﴿وَلَ يَخْشَ إِلَّا اللَّهُ﴾. يقولُ: لم يَعْبُدْ [٩٢٨/١ و] إلا اللهَ، قال: ﴿فَعَسَىِّ أُوْلَئِكَ﴾. يقولُ: إن أولئك هم المفلحون، كقولِه لنبيِّه: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]. يقولُ: إِن (١) يريد ( مساجد الله) الثانية التى فى الآية ١٨، ففيها الإجماع أما الأولى ففيها قراءتان . (٢) ينظر معانى القرآن ٤٢٦/١، ٤٢٧. ٣٧٧ سورة التوبة : الآيتان ١٨، ١٩ ربَّك سيَبْعَثُك مقامًا محمودًا، وهى الشفاعةُ، وكلَّ ((عسى)) فى القرآنِ فهى (١) واجِبةٌ(١). حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ ، قال: ثنا سَلَمةُ ، عن ابنِ إِسحاقَ ، قال: ثم ذَكَر قولَ قريشٍ : إنَّا أَهلُ الحرمِ ، وسُقاةُ الحاجُ، وعُمَّارُ هذا البيتِ، ولا أحدَ أفضلُ مِنَّا. فقال: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَتِدَ اللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾. أى: إن عمارتَكم ليست على ذلك، ﴿ إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَجِدَ اللَّهِ﴾. أى: مَن عَمَّرها بحقِّها؛ مَن آمَن باللهِ واليومِ الآخرِ، ﴿وَأَقَامَ الصَّلَوةَ وَءَاتَ الزَّكَوَةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ ﴾، فأولئك عُمَّارُها، ﴿ فَعَسَىّ أُوْلَئِكَ أَنْ يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ . وعسى مِن اللهِ حَقٌّ . القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿أَجَلْتُ سِقَائَةَ الْحَجْ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ اْرَامِ كَمَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَجَهَدَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِندَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهَدِى الْقَوْمَ الكَلِمِينَ ١٩ وهذا تَوبيخٌ مِن اللهِ تعالى ذكرُه لقومِ افْتَخَروا بالسقايةِ وسِدانِةِ البيتِ ، فأغلمهم ، جلَّ ثناؤه ، أن الفخرَ فى الإيمانِ بالله واليوم الآخرِ والجهادِ فی سبیله، لا فى الذى افتَخَروا به مِن السّدانةِ والسقايةِ . وبذلك جاءت الآثارُ وتأويلُ أهلِ التأويلِ. / ذكرُ مَن قال ذلك ٩٥/١٠ حدَّثنا أبو الوليدِ الدِّمَشْقُ أحمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ، قال: ثنا الوليدُ بنُ مسلم ، قال: ثنى معاويةُ بنُ سلَّام، عن جدِّه أبى سَلَّامِ الأسودِ، عن النُّعْمانِ بنِ بشيرٍ الأنصارىِّ، قال: كنتُ عندَ مِنْبرِ رسولِ اللهِ عَلِّ فِى نَفَرِ مِن أصحابِه ، فقال رجلٌ (١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧٦٦/٦ من طريق عبد الله بن صالح به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢١٦/٣ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ. ٣٧٨ سورة التوبة : الآية ١٩ منهم : ما أُبالى ألَّ أعمَلَ عملاً بعدَ الإسلام؛ إلا أن أَشْقِىَ الحاجّ. وقال آخر: بل عمارةُ المسجدِ الحرامِ . وقال آخَرُ : بل الجهادُ فى سبيلِ اللهِ خيرٌ مما قُلْتُم. فزَجَرهم عمرُ بنُ الخطابِ ، رَضِى اللهُ عنه، وقال: لا تَرْفَعوا أصواتكم عندَ مِنبرِ رسولِ اللهِ عٍَّ - وهو يومُ الجمعةِ - ولكن إذا صَلَّيْتُ الجمعةَ دخلتُ على رسولِ اللهِ عَلَّهِ ، فاسْتفتَيْتُه فيما اختَلَفْتُم فيه. قال: ففَعَل، فَأَنزَل اللهُ تبارك وتعالى: ﴿أَجَعَلْتُ سِقَايَةَ اَلْحَجِ﴾ إلى قولِه: ﴿ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّلِينَ حدَّثنى الْمُثَنَّى، قال : ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالح، قال: ثنى معاويةُ ، عن علىٍّ ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿أَجَعَلْتُ سِقَائَةَ الْحَجْ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْخَرَامِ كَمَنْ ءَامَنَ بِلَّهِ وَالْيَوْمِ اَلْآَخِ﴾. قال العباسُ بنُ عبدِ المُطَّلبِ حينَ أَسِر يومَ بدرٍ: لئن كنتم سَبَقْتُمونا بالإسلامِ والهجرة والجهادِ، لقد كُنَّا نُعمِّرُ المسجد الحرامَ، ونَشْقِى الحاجّ، ونَفُكُ العانىَ. قال اللهُ: ﴿أَجَعَلْتُ سِقَايَةَ الْحَجِ﴾ إلى قولِه: ﴿الظََّلِمِينَ﴾. يعنى: أن ذلك كان فى الشِّرْكِ، ولا أَقْبَلُ ما كان فى الشِّرْكِ (٢) . حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿أَجَعَلْتُمُ سِقَايَةَ الْحَجِ﴾ إلى قوله: ﴿اٌلَّلِينَ﴾. وذلك أن المشركين قالوا: عمارةُ بيتِ اللهِ، وقيامٌ على السِّقايةِ خيرٌ ممن آمَن وجاهَد، وكانوا يَفْخَرون بالحرمٍ ويَشْتَكْبِرون(٣) مِن أجلِ أنهم أهلُه وعُمَّارُه. (١) أخرجه أحمد ٣١٩/٣٠ (١٨٣٦٧)، ومسلم (١٨٧٩)، وابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧٦٧/٦ ، وابن حبان (٤٥٩١)، والطبرانى فى الأوسط (٤٢٣) وفى الشاميين (٢٨٦٧)، والبيهقى ١٥٨/٩، والواحدى فى أسباب النزول ص ١٨٢ ، والبغوى فى تفسيره ٢٢/٤ من طرق عن معاوية بن سلام عن زيد بن سلام عن أبى سلام به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢١٨/٣ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ وابن مردويه. (٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧٦٨/٦ من طريق عبد الله بن صالح به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢١٨/٣ إلى ابن المنذر . (٣) فى ص، ت١، ف: ((يستكثرون)). ٣٧٩ سورة التوبة : الآية ١٩ فذكَر اللهُ استكبارَهم (١) وإعراضَهم، فقال لأُهلِ الحَرَم مِن المشركين: ﴿قَدْ كَانَتْ مُسْتَكِْينَ بِهِ، سَِرًا تَهْجُرُونَ﴾ ٦٦ ءَايَئِ نُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ عَلَى أَعْقَبِكُمْ تَنْكِصُونَ [المؤمنون: ٦٦، ٦٧]. يعنى: أنهم يَسْتَكْبِرون بالحَرَم. وقال: ﴿بِهِ سَشِرًا﴾. لأنهم(٢) كانوا يَسْمُرُون، ويَهْجُرون القرآنَ والنبيَّ مََّه. فخيَّر الإيمانَ باللهِ والجهادَ مع نبيِّ اللهِ على عُمْرانِ المشركين البيتَ ، وقيامِهم على السِّقايةِ. ولم يكنْ يَنْفَعُهم عندَ اللهِ مع الشِّرْكِ به(٢)، أن كانوا يَعْمُرُون بيتَه ويَخْدُمُونه(٤). قال اللهُ: ﴿لَا يَسْتَوُنَ عِندَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّلِينَ﴾. يعنى: الذين زعموا أنهم أهلُ العمارةِ ، فسَمَّاهم اللهُ ظالمينَ بشِرْكِهم، فلم تُغْنِ عنهم العمارةُ شيئًا(٥) . حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن يحيى بن أبى كثيرٍ، عن النُّعْمانِ بنِ بشيرٍ، أن رجلًا قال: ما أَبالى أن لا أعملَ عملًا بعدَ الإِسلامِ، إلا أن «أَشْقِىَ الحاجّ. وقال آخَرُ: ما أُبالى أن لا أعملَ عملًا بعدَ الإسلام، إلا أن١) أَغْمُرَ المسجد الحرامَ. وقال آخَرُ: الجهادُ فى سبيلِ اللهِ أفضلُ ما قُلْتُم. فَجَرهم عمرُ وقال: لا تَرْفَعوا أصواتَكم عندَ منبرِ رسولِ اللهِ عَلَّهِ - وذلك / يومَ الجمعةِ - ولكن إذا صَلَّى الجمعةَ دَخَلْنا عليه. فَتَزَلَت: ﴿أَجَعَلْتُ سِقَايَةَ ٩٦/١٠ الْحَجْ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ﴾ إلى قوله: ﴿لَا يَسْتَوُنَ عِنْدَ اللَّهِ﴾﴾(١). (١) فى ص، ت١، ف: ((استكتارهم)). (٢) سقط من: ص، ت١، ت٢ ، س ، ف . (٣) بعده فى ص، ت١، ت٢، س.، ف: (( و)). (٤) فى ص، ت١، ت٢، س، ف: ((يحرمونه)). (٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧٦٧/٦ - ١٧٦٩ عن محمد بن سعد به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢١٨/٣ إلى ابن مردويه . (٦ - ٦) سقط من: ص، ت١، ت٢، س، ف. (٧) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٦٨، وفيه: (عن رجل) بين يحيى والنعمان بن بشير. ٣٨٠ سورة التوبة : الآية ١٩ - حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن عمرٍو، عن الحسنِ قال: نَزَلَت فى علىٍّ، وعباسٍ، وعثمانَ، وشَيْبةَ، تَكَلَّموا فى ذلك، فقال العباسُ: ما أَرَانى إلا تاركَ سِقايتِنا. فقال رسولُ اللهِ عَ الِ: ((أَقِيمُوا () سِقایتکم ، فإن لكم فيها خيرًا)) (١). قال(٢): أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا ابنُ عُيَيْنَةً، عن إسماعيلَ، عن الشعبىِّ، قال: نَزَلَت فى علىِّ والعباسِ، تَكَلُّما فى ذلك (٤). حدَّثنى يونسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وَهْبٍ ، قال: أَخْبِرْتُ عن أبى صَخْرٍ، قال: سمِعتُ محمدَ بنَ كعبِ القُرَظِىَّ يقولُ : افْتَخَر طلحةُ بنُ شَيبةً مِن بنى عبدِ الدارِ ، وعباسُ بنُ عبدِ المطلبِ، وعلىُ بنُ أبى طالبٍ ؛ فقال طلحةُ : أنا صاحِبُ البيتِ ، معى مِفْتَاحُه، لو أشاءُ بِتُّ فيه . وقال عباسٌ : أنا صاحِبُ السِّقايةِ والقائمُ عليها ، ولو أشاءُ بِتُّ فى المسجدِ . وقال علىٍّ: ما أدرى ما تقولان ، لقد صَلَّيْتُ إلى القبلةِ ستةً أشهرٍ قبلَ الناسِ ، وأنا صاحِبُ الجهادِ. فَأَنزَل اللهُ: ﴿ أَجَعَلْتُ سِقَايَةَ الحَجّ وَعِمَارَةَ اَلْمَسْجِدِ الْحَامِ ﴾ الآيةَ كلَّها . حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعْلَى، قال: ثنا محمدُ بنُّ ثَوْرٍ، عنِ مَعْمَرٍ، عن الحسنِ، قال: لمَّ نَزَلَت: ﴿أَجَعَلْتُ سِقَايَةَ الْحَاَجِ﴾. قال العباسُ: مَا أَرَانِى إِلا تاركَ سِقايتِنا. فقال النبيُّ عَّهِ: ((أقِيمُوا على سقايتِكم، فإن لكم فيها خيرًا)). حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن (١) بعده فى م، ت١: ((على)). (٢) تفسير عبد الرزاق ٢٦٩/١. (٣) يعنى الحسن بن يحيى . (٤) تفسير عبد الرزاق ٢٦٩/١، وأخرجه ابن أبى شيبة ١٢ / ٨١، وابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧٦٨/٦ من طريق إسماعيل بن أبى خالد به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢١٨/٣ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.