النص المفهرس
صفحات 221-240
٢٢١
سورة الأنفال : الآية ٤٨
لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِى جَارٌ لَكُمَّ فَلَمَا تَرَآءَتِ اُلْفِتَتَانِ نَكَصَ عَلَى
عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنَىِ بَرِىٌّ مِّنكُمْ إِنِّ أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنَّ أَخَافُ اللَّهَ وَاَللَّهُ شَدِيدُ
الْعِقَابِ
٤٨
يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿ وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَلَهُمْ﴾: وحينَ زِيَّن
لهم الشيطانُ أعمالَهم .
وكان تزيينُه ذلك لهم كما حدَّثنى المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال :
ثنى معاويةُ ، عن عليّ بنِ أبى طلحةً، عن ابنِ عباسٍ، قال : جاء إبليسُ يومَ بدٍ فى
مُجُنْدٍ مِن الشياطينِ معه رايتُه، ( والشيطانُ) فى صورةٍ رجلٍ مِن بنى مُدْلِجٍ؛ فى
صورةٍ سُراقةَ بنِ مالكِ بنِ جُعْشُم، فقال الشيطانُ للمشركين: ﴿لَا غَالِبَ لَكُمُ
اَلْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنّى جَارٌ لَكُمْ﴾. فلما اضْطَفَّ الناسُ، أَخَذ
رسولُ اللَّهِ مَّهِ قبضةً مِن الترابِ، فرمَى بهاُ(١) وجوهَ المشركين، فولِّوْا مُذْبِرِين،
وأَقْبَل جبريلُ إلى إبليسَ، فلما رآه، وكانت يدُه فى [٩٠٨/١ظ] يد رجلٍ مِن
المشركين، انْتَزَع إبليسُ يدَه، فولَّى مدبرًا(٢) وشيعتُه، فقال الرجلُ: يا سُراقةُ ، أَتَزْعُمُ
أنك لنا جارٌ؟! قال: ﴿إِّ أَرَى مَا لَ تَرَوْنَ إِّ أَخَافُ اللَّهَ وَاَللّهُ شَدِيدُ
اٌلْعِقَابِ﴾. وذلك حينَ رأَى الملائكةَ(٤).
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال : ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
(١ - ١) سقط من: م.
(٢) بعده فى م: (( فى )) .
(٣) بعده فى م: ( هو)).
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥/ ١٧١٥، والبيهقى مطولًا فى دلائل النبوة ٣/ ٧٨، ٧٩ من طريق أبى
صالح به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٩٠/٣ إلى ابن المنذر وابن مردويه.
٢٢٢
سورة الأنفال : الآية ٤٨
السدِّى، قال: أتَى المشركين إبليسُ فى صورةٍ شراقةً بنِ مالكِ بنِ مُعْثُم الكنانيّ
الشاعرِ، ثم المُدْلِيِّ، فجاء على فرسٍ، فقال للمشركين: ﴿لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ
مِنَ النَّاسِ﴾. فقالوا: ومَن أنت؟ قال: أنا جارُكم سُراقةُ، وهؤلاء كنانةُ قد
أتَوْكم .
١٩/١
/حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ، قال: قال ابنُ إسحاقَ ، ثنى يزيدُ بنُ
رُومانَ، عن عروةَ بنِ الزبيرِ، قال: لِمّ أجْمَعَت قريشٌ المسيرَ ذَكَرَت الذى بينها وبينَ
بنى(١) بكرٍ - يعنى مِن الحربِ - فكاد ذلك أن يَثْنِيَهم(١) ، فتَبَدَّى لهم إبليسُ فى صورةٍ
شراقةً بنٍ مُجُعْثُم المُدْلِجِىِّ - وكان مِن أَشرافٍ بنى كِنانةَ - فقال: أنا جارٌ لكم مِن أن
تَأْتِيَكم كنانةُ بشىءٍ تَكْرَهونه . فخرجوا سِراعًا(٢) .
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: قال ابنُ إسحاقَ فى قولِه: ﴿ وَإِذْ زَيَّنَ
لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَلَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِى جَارٌ
لَكُمْ﴾. فذكر اسْتِدراجَ إبليسَ إياهم وتشَبُّهَه بسراقةَ بنِ مالكِ بنِ مُجُمْثُمٍ
لهم، حينَ ذكّروا ما بينَهم وبينَ بنى(١) بكرِ بنِ عبدِ مَناً بن كنانةً فى(٢) الحربِ التى
كانت بينَهم، يقولُ اللَّهُ: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَتِ اَلْفِتَتَانِ ﴾، ونظَر عدوُ اللَّهِ إِلى جنودِ اللَّهِ مِن
الملائكةِ ، قد أيَّد اللَّهُ بهم رسولَه والمؤمنين على عدوّهم، ﴿ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ
إِنِِّ بَرِىٌّ مِّنكُمْ إِّ أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ﴾، وصدَق عدوُّ اللَّهِ ، إنه رأى ما لا يَرَوْن ،
وقال: ﴿إِّ أَخَافُ اللَّهُ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾. فأُؤْرَدَهم ثم أُسْلَمَهم . قال :
(١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف.
(٢) فى م: ((يثبطهم)) .
(٣) سيرة ابن هشام ١/ ٦١٢، وأخرجه المصنف فى تاريخه ٤٣١/٢ عن ابن حميد به.
(٤) سقط من : م.
(٥) فى م: ((من)).
٢٢٣
سورة الأنفال : الآية ٤٨
فذُكِر لى أنهم كانوا يَرَوْنه فى كلِّ منزلٍ فى صورةٍ سُراقةَ بنِ مالكِ بنِ جُعْشُم لا
يُنْكِرونه، حتى إذا كان يومُ بدرٍ ، والْتَّقَى الجمعان، كان الذى رآه حينَ نكَص
الحارثُ بنُ هشامٍ أو عميرُ بنُ وهبِ الجُمَحِىُّ، فذُكِر أحدُهما، فقال(١): أين ("أى
سُراقَ ؟ مثَل١َ عدوُ اللَّهِ وذهَب(٢) .
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ وَإِذْ زَيَّنَ
لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَلَهُمْ﴾ إلى قولِهِ: ﴿ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾. قال: ذُكِر لنا أنه
رأَى جبريلَ تَنْزِلُ معه الملائكةُ، فزعَم عدوُّ اللَّهِ أنه لا يَدَانِ(٤) له بالملائكةِ، وقال :
﴿ إِنَّ أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنَّ أَخَافُ الله﴾. وكذَب واللَّهِ عدُ اللَّهِ، ما به مخافةُ اللَّهِ،
ولكن علِمٍ أن لا قوةَ له ولا مَنَعَةً له، وتلك عادةُ عدوٌّ اللَّهِ لمن أطاعَه (واستقاد لهْ) ،
حتى إذا الْتَّقَى الحقُّ والباطلُ، أَسْلَمَهم شرَّ مُسْلَمٍ ، وتبؤَّأُ منهم عندَ ذلك(٦).
حدَّثنى القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال :
قال ابنُ عباسٍ: ﴿ وَإِذْزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَلَهُمْ﴾ الآية. قال: لمّ كان يومُ بدرٍ،
سار إبليسُ برايتِه وجنودِه مع المشركين، وألْقَى فى قلوبِ المشركين: إن أحدًا لن
يَغْلِبَكم، وإنى جارٌ لكم. فلمَّا الْتَقَوْا ونظَر الشيطانُ إلى أمدادِ الملائكةِ، ﴿ نَكَصَ
(١) سياق العبارة فى سيرة ابن هشام: قال ابن إسحاق: وعمير بن وهب أو الحارث بن هشام قد ذُكِر لی
أحدهما الذى رأى إبليس حين نكص على عقبيه يوم بدر، فقال ....
(٢ - ٢) فى م: ((سراقة، أسلمنا)). ومثل: من الأضداد، يقال للقائم: مائل. وللاصق بالأرض: ماثل.
ويقال : رأيت شخصا ثم مثل أى غاب عن عينى. ينظر الأضداد ص ٢٨٨.
(٣) سيرة ابن هشام ٦٦٣/١.
(٤) فى النسخ: ((يدى)). والمثبت من مصدرى التخريج. وما لى بفلان يدان: أى طاقة. اللسان (ى دى).
(٥ - ٥) فى م: (( واستعاذ به)).
(٦) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧١٦/٥ من طريق يزيد به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٩٠/٣
إلى أبى الشيخ .
٢٢٤
سورة الأنفال : الآية ٤٨
عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ - قال: رجَع مُذْبِرًا - وقال: ﴿إِنِّ أَرَ مَا لَا تَرَوْنَ﴾ الآية(١).
حدَّثنا أحمدُ بنُّ الفرجِ، قال : ثنا عبدُ الملكِ بنُ عبدِ العزيزِ بنِ الماجشونِ ، قال :
ثنا مالكٌ، عن إبراهيمَ بنِ أبى عَبْلةَ، عن طلحةَ بنِ عُبيدِ اللهِ بنِ كَرِيٍ، أن رسولَ
اللَّهِ عَمِ قال: ((ما رُؤى إبليسُ يومًا هو فيه أصغرُ ولا أحْقَرُ ولا أدْخَر ولا أَغْيَظُ مِن يومٍ
عرفةَ ، وذلك مما يَرَى مِن تنزيلِ الرحمةِ والعفوِ عن الذنوبِ ، إلا ما رأى يومَ بدٍ)).
قالوا: يا رسولَ اللَّهِ، وما رأَى يومَ بدرٍ؟ قال: ((أمَا إنه رأى جبريلَ يَزَعُ
الملائكةَ(٢)))(٣) .
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ ، قال : ثنا عبدُ الرحمنِ، قال : ثنا سليمانُ بنُ المغيرةِ ،
٢٠/١٠ عن حميدٍ بن هلالٍ، عن / الحسنِ فى قوله: ﴿إِّ أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ﴾. قال: رأَى
جبريلَ مُعْتَجِرًا) بيزدٍ، يَمْشِى بينَ يدي النبيِّ ◌ٍَّ، وفى يدِه اللِّجامُ، ما ريكِب(٥).
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا هاشمُ بنُ القاسم ، قال: ثنا سليمانُ بنُ المغيرةِ ، عن
مُحُميدِ بنِ هلالٍ، قال: قال الحسنُ: وتلا هذه الآيةَ: ﴿ وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ
أَعْمَلَهُمْ ﴾ الآية ، قال: سار إبليسُ مع المشركين بيدرٍ برايتِه وجنودِه، وأُلْقَى فى
(١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١٦/٤ عن ابن جريج به .
(٢) يزع الملائكة: يرتبهم ويسويهم ويصفهم للحرب. تاج العروس ( وزع).
(٣) الموطأ ١/ ٤٢٢، ومن طريقه أخرجه عبد الرزاق فى المصنف (٨٨٣٢)، والبيهقى فى شعب الإيمان
(٤٠٦٩)، والبغوى (١٩٣٠)، وفى تفسيره ٣٦٧/٣ عن إبراهيم بن أبى عبلة، وهذا الحديث مرسل من هذا
الوجه . وقد رواه البيهقى موصولًا فى شعب الإيمان (٤٠٧٠) من طريق ابن أبى عبلة عن طلحة ، عن أبى
الدرداء .
(٤) الاعتجار: لىُّ الثوب على الرأس من غير إدارة تحت الحنك، تاج العروس (ع ج ().
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧١٦/٥ من طريق سليمان بن المغيرة به، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ١٩٠/٣ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ .
٢٢٥
سورة الأنفال : الآية ٤٨
قلوبِ المشركين: إن أحدًا لن (١) يَغْلِبَكم وأنتم تُقاتِلون على دينٍ آبائِكم، ولن تُغْلَبوا
كثرةً . فلمَّا الْتَقَوْا ﴿نَكَصَ عَلَى عَقِّبَيْهِ﴾. يقولُ: رجَع مُذْبرًا وقال: ﴿إِنِّ بَرِىٌّ
◌ِنكُمْ إِّ أَرَ مَا لَا تَرَوْنَ﴾. يعنى الملائكةَ.
حدَّثنى الحارثُ ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا أبو مَعْشَرٍ، عن محمدِ بنِ
كعب، قال: لمّ أَجْمَعَت قريشٌ على السيرِ، قالوا: إنما نَتَخَوَّفُ مِن بنى بكرٍ . فقال
لهم إِبليسُ فى صُورةٍ شراقةً بنِ مالكِ بنِ جُعْثُم: أنا جارٌ لكم مِن بنى بكرٍ ، ولا
غالبَ لكم اليومَ مِن الناسِ .
فتأويلُ الكلامِ: ﴿وَإِن اَللَّهَ لَسَمِيعُ عَلِيمٌ ﴾ فى هذه الأحوالِ وحینَ زَّن لهم
الشيطانُ خروجهم إليكم أيُّها المؤمنون لحربِكم وقتالِكم ، وحسَّن ذلك لهم ، وحثّهم
عليكم، وقال لهم : لا غالبَ لكم اليومَ مِن بنى آدمَ، فاطْمَئِنوا وأَبْشِروا، ﴿ وَإِنِّى
جَارٌ لَكُمٌ﴾ مِن كِنانةَ أن تَأْتِيَكم مِن ورائِكم فتُغِيرَكم؛ أُجِيرُكم وأَمْتَعُكم منهم ،
فلا تَخافوهم، واجْعَلوا حدَّكم(٢) وبأسَكم على محمدٍ وأصحابِه، ﴿فَلَمَّا تَرَآءَتِ
اُلْفِئَتَانِ﴾. يقولُ: فلما تزاحَفَت جنودُ اللَّهِ مِن المؤمنين وجنودُ الشيطانِ مِن
المشركين، ونظَر بعضُهم إلى بعضٍ، ﴿نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾. يقولُ: رجَع
القَهْقَرَى على قَفاه هاربًا. [٩٠٩/١و] يقالُ منه: نكَص يَنْكُصُ ويَنْكِصُ نُكوصًا .
ومنه قولُ زُهَيْرٍ(٣) :
لا يَنْكُصون إذا ما اسْتُلْحِموا وحَمُوا
هم يَضْرِبون حَبِيكَ البَيْضِ (٤) إِذ ◌َحِقِوا
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((لا)).
(٢) فى م، ف: ((جد كم)).
(٣) ديوانه ص ١٥٩.
(٤) البيض : جمع البيضة أى المغفر، وهو الخوذة ، وحبيك البيض: طرائق حديده جمع حبيكة. ينظر اللسان
(ح ب ك)، و(ب ی ض).
( تفسير الطبرى ١٥/١١ )
م
٢٢٦
سورة الأنفال : الآيتان ٤٨، ٤٩
وقال للمشركين: ﴿إِنِّ بَرِىٌّ مِّنكُمْ إِنِّ أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ﴾. يعنى أنه
يَرَى الملائكةَ الذين بعَثهم اللَّهُ مَدَدًا للمؤمنين، والمشركون لا يَرَؤْنهم، إنى أخافُ
عقابَ اللَّهِ، وكذَب عدُّ اللَّهِ، ﴿ وَاللَّهُ شَدِيدُ أَلْعِقَابِ﴾.
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ إِذْ يَقُولُ الْمُنَفِقُونَ وَالَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم مَّرَضُ غَزَّ
٤٩
هَؤُلاءِ دِينَهُمُّ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
يقولُ تعالى ذكره: ﴿وَإِن اٌللَّهَ لَسَمِيعُ عَلِيمٌ﴾ فى هذه الأحوالِ(١) ﴿إِذَ
يَقُولُ الْمُنَفِقُونَ﴾ وكرّ ) بقولِه: ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَفِقُونَ﴾ على قولِه: ﴿ إِذْ
يُرِيِكَهُمُ اللَّهُ فِى مَنَامِكَ قَلِيلًا﴾ .
﴿ وَلَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم مَّرَضُ﴾. يعنى: شكٌّ فى الإسلامِ، لم يَصِحّ
يقينُهم ، ولم تُشْرَحْ بالإيمانِ صدورُهم ، ﴿غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهُمْ﴾./ يقولُ: غرَّهؤلاءِ
الذين يُقاتِلون المشركين مِن أصحابٍ محمدٍ عَ لِّ مِن أنفسِهم - دينُهم وذلك
الإسلامُ .
٢١/١٠
وذُكِر أن الذين قالوا هذا القولَ كانوا نفرًا ممَّن كان قد تكلّم بالإسلامِ مِن
مشركي قريشٍ، ولم يَسْتَحْكِمِ الإِسلامُ فى قلوبهم .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُّ المُثَّى، قال: ثنا عبدُ الأعلى ، قال: ثنا داودُ، عن عامٍ فى
هذه الآيةِ: ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَفِقُونَ وَالَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضُ غَرَّ هَؤُلَاءِ
(١) بعده فى م : (( و)).
(٢) فى ص، ت١، ت٢، س، ف: ((كرر)).
٢٢٧
سورة الأنفال : الآية ٤٩
دِينُهُمْ﴾. قال: كان ناسٌ مِن أهلِ مكةَ تكَلَّموا بالإسلامِ، فخرجوا مع المشركين
يومَ بدرٍ ، فلمَّا رَأَوْا قلةَ المسلمين، قالوا: ﴿غَزَّ هَؤُلاءِ دِينُهُمْ﴾(١).
حدَّثنى إسحاقُ(١) بنُ شاهينَ، قال: ثنا خالدٌ، عن داودَ ، عن عامٍ مثلَه .
حدَّثنى الحارثُ، قال : ثنا عبدُ العزيزِ، قال : ثنا يحيى بن زكريا، عن ابنٍ
جُريج، عن مجاهدٍ فى قولِهِ: ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَفِقُونَ وَالَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم مَّرَضُ
غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ﴾. قال: فئةٌ مِن قريشٍ؛ أبو قيسٍ بنُ" الوليدِ بنِ المغيرةِ، وأبو
قيسٍ بنُ الفاكهِ بنِ المغيرةِ ، والحارثُ بنُ زَمْعةَ بنِ الأسودِ بنِ المطلبِ ، وعلىٍّ بنُ أميةَ بنِ
خلفٍ، والعاصى بنُ مُنَّهِ بنِ الحجاجِ، خرَجوا مع قريشٍ مِن مكةً، وهم على
الارتيابِ، فحبسهم ارتيابُهم، فلمَّا رأَوْا قلةً أصحابِ رسولِ اللَّهِ مَ اهِ قالوا: ﴿غَرَّ
هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ﴾ حتى (أقدموا على ماُ) قدِموا عليه مع قلةٍ عددِهم وكثرةٍ
عدوّهم. فشرّد بهم من خلفَهم" .
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ ، عن
الحسنِ: ﴿إِذْ يَقُولُ اَلْمُنَفِقُونَ وَالَّذِينَ فِىِ قُلُوبِهِم مَّرَضُ غَزَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ﴾.
قال: هم قومٌ لم يَشْهَدوا القتالَ يومَ بدرٍ، فسُمُّوا منافقين. قال معمرٌ: وقال
بعضُهم: قومٌ كانوا أقَرُّوا بالإسلامِ، وهم بمكةَ، فخرَجوا مع المشركين يومَ بدٍ ،
(١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١٩/٤، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٩١/٣ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((أبو إسحاق)).
(٣ - ٣) فى م: ((قيس بن)). ومكانه بياض فى: ص، ت ١، ت ٢، س، ف. وتنظر سيرة ابن هشام ١/ ٦٤١.
(٤ - ٤) سقط من : ت ١، س، ف .
(٥) فى ت ١، ت ٢، ف: ((عددهم)).
(٦ - ٦) سقط من: م. والأثر ذكره ابن كثير فى تفسيره ١٩/٤.
٢٢٨
سورة الأنفال : الآية ٤٩
فلمَّا رَأَوْا قلةَ المسلمين قالوا: ﴿غَزَّ هَؤُلاءِ دِينُهُمْ﴾(١)
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِذْ يَقُولُ
اَلْمُنَفِقُونَ وَالَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضُ﴾، إلى قولِه: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ
حَكِيمٌ﴾. قال: رأَوْا عِصابةً مِن المؤمنين شرَدتْ(٢) لأمرِ اللَّهِ. وذُكِر لنا أن أبا
جهلٍ عدوَّ اللَّهِ لما أَشْرَف على محمدٍ عَّهِ وأصحابِهِ، قال: واللَّهِ لا يُعْبَدُ اللَّهُ بعدَ
اليومِ . قَسْوةً(٣) وتُثُوّ(٤).
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال: ثنى حجاجٌ ، قال : قال ابنُ جريجٍ فى
قوله: ﴿ إِذْ يَقُولُ الْمُنَفِقُونَ وَالَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم مَّرَضُ﴾. قال: ناس كانوا مِن
المنافقين بمكةً، قالوه يومَ بدرٍ، وهم يومَئذٍ ثلاثُمائةٍ وبضعةً عشَرَ رجلًاً(*).
قال: حدَّثنی حجاجٌ، عن ابنٍ جريجٍ فى قولِهِ: ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَفِقُونَ
وَالَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم مَّرَضُّ﴾. قال: لما دنا القومُ بعضُهم مِن بعضٍ، فقلَّل اللَّهُ
المسلمين فى أعين المشركين، وقلَّل المشركين فى أعين المسلمين ، فقال المشركون :
﴿غَزَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ﴾. وإنما قالوا ذلك مِن قلتِهم فى أعينهم، وظنُّوا أنهم
سيَهْزِمونهم لا يَشُكّون فى ذلك، فقال اللَّهُ: ﴿ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ
عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.
(١) أخرج ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧١٦/٥ أثر الحسن وحده من طريق محمد بن عبد الأعلى به ، وأخرجه
عبد الرزاق فى تفسيره ٢٦٠/١، ٢٦١ عن معمر به وسمى المجهول الكلبى ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
١٩١/٣ إلى ابن المنذر.
(٢) فى م، ومصدرى التخريج: ((تشددت)). وفى ف: ((سردب)). وشرد القوم: ذهبوا. التاج (ش رد).
(٣) فى ت ١، ف: (فسبوه).
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧١٧/٥ من طريق يزيد به .
(٥) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١٩/٤، وليس فيه: ((وهم يومئذ)).
٢٢٩
سورة الأنفال : الآيتان ٤٩، ٥٠
٢٢/١٠
/ وأما قولُه: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾. فإن معناه: ومَن يُسْلِمْ أمرَه إلى اللَّهِ
ويَثِقْ به ، ويَرْضَ بقضائِه، فإن اللَّهَ حافظُه وناصرُه؛ لأنه عزيزٌ لا يَغْلِبُه شىءٌ، ولا
يَقْهَرُه أحدٌ ، فجارُه مَنِيعٌ، ومَن يَتَوَكَّلْ عليه مكفىٌ (١).
وهذا أمرٌ مِن اللَّهِ جلَّ ثناؤُه المؤمنين به مِن أصحابِ رسولِ اللَّهِ وغيرِهم أن
يُفَوِّضوا أمرَهم إليه، ويُسَلِّموا لقضائه، كيما يَكْفِيَهم أعداءَهم، ولا يَسْتَذِلُّهم مَن
ناوَأَهم ؛ لأنه عزيزٌ غيرُ مغلوبٍ ، فجارُه غيرُ مَقْهورٍ، ﴿حَكِيمٌ﴾ يقولُ: هو فيما
يُدَبِّرُ مِن أمرٍ خلقِه، حكيمٌ لا يَدْخُلُ تدبيرَه خَلَلٌ(٢).
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿ وَلَوْ تَرَىّ إِذْ يَتَوَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمَلَتَبِكَةُ
٥٠
يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَرَهُمْ وَذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ عَّلَه: ولو تُعايِنُ يا محمدُ حينَ يَتَوَفَّى الملائكةُ
أرواح الكفارِ ، فتَنْزِعُها مِن أجسادِهم، تَضْرِبُ الوجوه منهم والأسْتاه، ويقولون
لهم: ذُوقوا عذابَ النارِ التى تُحْرِقُكم يومَ وُرودِ كم جهنمَ .
[٩٠٩/١ظ] وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابنٍ أبى
نجيحِ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿ إِذْ يَتَوَى الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمَلَتَئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ
وَأَدْبَرَهُمْ﴾. قال : يومَ بدٍ(٢) .
(١) فى م: ((يكفه))، وفى ص، ت١، ت٢، س، ف: ((يكفى)).
(٢) بعده فى ف: ((أبدا)).
(٣) تفسير مجاهد ص ٣٥٦، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧١٨/٥.
٢٣٠
سورة الأنفال : الآية ٥٠
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا يحيى بنُ سليم (١) ، عن إسماعيلَ بنِ كثيرٍ، عن
مجاهدٍ: ﴿ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَرَهُمْ﴾. قال: وأَسْتاهَهم، ولكنَّ اللَّهَ كريم
(٢)
ێکْنِی(٢).
:
حذَّثنا ابنُ و کیع، قال : ثنا أبى ، عن سفيان ، عن أبى هاشم ، عن مجاهدٍ ، فی
قوله: ﴿ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَرَهُمْ﴾. قال: وأستاههم، ولكنه كريمٌ
(٣)
يَكْنِى(٣).
حدَّثنى محمدُ بنُ المُثَنَّى ، قال : ثنا وهبُ بنُ جريرٍ، قال: أخبرَنا شعبةُ، عن
يَعْلَى بنِ مسلم، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ فى قوله: ﴿ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَرَهُمْ﴾ .
قال : إن اللَّهَ كتَى، ولو شاء لقال: أسْتاهَهم، وإنما عنى بأدبارِهم أستاهَهم ..
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريجٍ، عن
مجاهدٍ ، قال : أستاههم يوم بدرٍ .
قال ابنُ جريجٍ: قال ابنُ عباسٍ : إذا أقْبَل المشركون بوجوهِهم إلى المسلمين
ضرَبوا وجوهَهم بالسيوفِ، وإذا ولَّوْا أدْرَ كَتهم الملائكةُ، فضرَبوا أدبارَهم (٢).
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال : ثنا عبدُ الرحمنِ، قال : ثنا عبَّادُ بنُ راشدٍ ، عن
الحسن، قال: قال رجلٌ: يا رسولَ اللَّهِ ، إنى رأيتُ بظهرٍ أبى جهلٍ مثلَ الشِّراكِ!
(١) فى م، ت ٢، ف: ((أسلم))، وينظر تهذيب الكمال ٣٦٥/٣١.
(٢) أخرجه سعيد بن منصور فى سننه (٩٩٧ - التفسير) عن يحيى بن سليم به .
(٣) تفسير سفيان ص ١١٩، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧١٨/٥ من طريق سفيان به، وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ١٩١/٣ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.
(٤) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧١٨/٥ معلقًا.
(٥) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٢٠/٤.
ـهـ
٢٣١
سورة الأنفال : الآيتان ٥٠، ٥١
قال: ما ذاك؟ قال: ((ضربُ الملائكةِ)) (١) .
٢٣/١٠
/ حدّثنا محمدٌ ، قال : ثنا عبدُ الرحمنِ ، قال : ثنا إسرائيل ، عن منصورٍ ، عن
مجاهدٍ ، أن رجلاً قال للنبيِّ عَظله: إنى حمَلْتُ على رجلٍ مِن المشركين، فذهَبْتُ
لأَضْرِبَه، فندَر (١) رأسُه! فقال: ((سبقك إليه المَلَكُ)).
حدَّثنى يونُسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال : ثنى حَرْملةُ ، أنه سمع عمرَ مولی
غُفْرةَ(٣) يقولُ: إذا سمِعْتَ اللَّهَ يقولُ: ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَرَهُمْ﴾. فإِنما يُرِيدُ
(٤)
أستاهَهم
قال أبو جعفرٍ : وفى الكلامِ محذوفٌ اسْتُغْنِى بدلالةِ الظاهرِ عليه مِن ذکرِه،
وهو قولُه: ويقولون: ﴿ وَذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾. حُذِفَت ((يقولون))، كما
حُذِفَت مِن قوله: ﴿ وَلَوْ تَرَىّ إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَآَ
أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا﴾ [السجدة: ١٢]. بمعنى: يقولون: ربَّنا أبْصَرْنا.
القولُ فى تأويل قوله: ﴿ ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّمٍ
لِلْعَبِيدِ
٥١
يقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن قيلِ الملائكةِ لهؤلاء المشركين الذين قُتِلوا بيدٍ ،
أنهم يقولون لهم، وهم يَضْرِبون وجوهَهم وأدبارَهم : ذُوقوا عذابَ اللَّهِ الذى
يُخْرِقُكم، هذا العذابُ لكم ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾. أى: بما كسَبَت أيديكم
(١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٢٠/٤ عن الحسن البصرى، وقال: رواه ابن جرير، وهو مرسل.
(٢) ندر رأسه: سقط ووقع. النهاية ٣٥/٥.
(٣) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((عفرة).
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧١٨/٥ معلقًا.
٢٣٢
سورة الأنفال : الآيتان ٥١، ٥٢
مِن الآثامِ والأَوْزَارِ، واجْتَرَحْتُمْ (١) مِن معاصى اللَّهِ أيامَ حياتِكم، فذُوقوا اليومَ
العذابَ، وفى مَعادِكم عذابَ الحريقِ، وذلك لكم بأن اللَّهَ ﴿لَيْسَ بِظَلَّمٍ
لِّلْعَبِيدِ﴾: لا يُعاقِبُ أُحدًا مِن خلْقِه إلا بُرْمِ اجْتَرَمه، ولا يُعَذِّبُه إلا بمعصيتِه إياه ؛
لأن الظلمَ لا يَجوزُ أن يكونَ منه .
وفى فتح ((أن)) مِن قولِهِ: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ﴾، وجهان مِن الإعرابِ ؛ أحدُهما :
النصبُ، وهو للعطفِ على ((ما)) التى فى قوله: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ﴾ بمعنى: ﴿ذَلِكَ
بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ وب﴿ أَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ فى قولِ بعضِهم،
والخفضُ فى قولٍ بعضٍ .
والآخرُ: الرفعُ على: ﴿ ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ﴾ وذلك أن اللَّهَ(٣).
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿كَدَأْبِ ءَالِ فِرْعَوْنٌ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَفَرُواْ بِعَايَتِ
٥٢
اُللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِىٌّ شَدِيدُ أُلْعِقَابِ
يقولُ تعالى ذكره : فعَل هؤلاء المشركون مِن قريشِ الذين قُتِلوا بيدرِ كعادةٍ قومٍ
فرعونَ وصَنيعِهم وفعلِهم، وفعلٍ من كذّب بحُجَج اللَّهِ ورسلِه مِن الأمم الخاليةِ
قبلَهم ، ففعَلْنا(٤) بهم كفعلنا بأولئك.
وقد بيَّنا فيما مضى أن الدَّأْبَ هو الشأنُ والعادةُ، بما أغْنَى عن إعادتِه فى هذا
(٥)
الموضعُ" .
(١) فى ص، ف: ((اخترتم)). واجترح الشئ: كسبه. ينظر اللسان (ج ر ح).
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((العطف)).
(٣) ينظر معانى القرآن للفراء ٤١٣/١.
(٤) فى ص، ت ١، ت ٢، س: ((فعلنا)).
(٥) تقدم فى ٢٣٧/٥ .
:
٢٣٣
سورة الأنفال : الآيتان ٥٢، ٥٣
حدَّثنى الحارثُ، قال: ثنى عبدُ العزيزِ، قال: ثنا شَيْبانُ ، عن جابرٍ، عن عامٍ
ومجاهدٍ وعطاءٍ: ﴿ كَدَأْبٍ ◌َالٍ فِرْعَوْنَ﴾: كفعلٍ آلٍ فرعونَ، كسُننٍ آلٍ فرعونَ .
وقولُه: ﴿ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمَّ ﴾. يقولُ: فعاقَبَهم اللَّهُ بتكذيبهم حججُه
٢٤/١٠
ورسله ، ومعصيتهم ربَّهم،/ كما عاقبَ أشكالَهم، والأممَ الذين قبلَهم ، ﴿إِنَّ اللَّهَ
قَوِىٌّ ﴾: لا يَغْلِبُه غالبٌ ، ولا يَرُدُّ قضاءَه رادٌ، يَنْفُذُ أُمرُه، ويَحْضِى قضاؤه فى خلقِه ،
شدیدٌ عقائُه من كفَر بآياتِه ، وجحَد حُجَجَه .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيْرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى
يُغَيِرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمٌ وَأَنَ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
٥٣
يقولُ تعالى ذكره : وأخَذْنا هؤلاء الذين كفروا بآياتنا مِن مشركى قريشٍ ببدرٍ
بذنوبهم، وفعَلْنا ذلك بهم، بأنهم غيّروا ما أَنْعَم اللَّهُ عليهم به مِن ابتعاثِه رسولَه منهم
وبينَ أظهرِهم، بإخراجهم إياه مِن بينهم، وتكذيِهم له، وحريهم إياه، فغيَّوْنا
نعمتَنا عليهم بإهلاكِنا إياهم، كفعلنا ذلك فى الماضِين قبلَهم، مَمَّن طفَى علينا،
وعصَى أُمرَنا .
وبنحوِ ما قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
[٩١٠/١و] حدَّثنى محمدُ بنُ الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّل، قال : ثنا
أسباطُ ، عن السدىِّ: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيْرًا نِعْمَةٌ أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِرُواْ مَا
بِأَنْفُسٌِ ﴾. يقولُ: نعمةُ اللَّهِ محمدٌ عَظِلّهِ، أَنْعَم به على قريشٍ وكفَروا، فنقَله إلى
(١)
الأنصارِ().
(١) فى ص، ت ١، ف: ((الأمصار)). والأثر أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧١٨/٥ من طريق أحمد بن =
٢٣٤
سورة الأنفال : الآيات ٥٣ - ٥٥
وقولُه: ﴿ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعُ عَلِيمٌ﴾. يقولُ: لا يَخْفَى عليه شىءٌ مِن كلامِ
خلقِهِ، يَسْمَعُ كلامَ كلِّ ناطقٍ منهم، بخيرِ نطَق أو بشرٍ، ﴿عَلِيمٌ﴾ بما تُضْمِرُه
صدورُهم، وهو مُجازِيهم ومُثيبُهم على ما يقولون ويَعْمَلون، إن خيرًا فخيرًا، وإن
شرا فشرًا .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿كَدَأْبِ ءَالِ فِرْعَوْنٌَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُواْ بِشَايَتِ
رَبِهِمْ فَأَهْلَكْنَهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَآ ءَالَ فِرْعَوْنَ وَكُلُّ كَانُواْ ظَلِمِينَ
٥٤
يقولُ تعالى ذكره: غيَّرِ هؤلاء المشركون باللَّهِ ، المقتولون ببدرٍ، نعمةً ربّهم
التى أَنْعَم بها عليهم ، بابتعائِه محمدًا منهم ، وبينَ أظهرِهم ، داعيًا لهم إلى الهدى ،
بتكذيبهم إياه، وحربهم له، ﴿كَدَأْبِ ءَلِ فِرْعَوْنٌَ﴾: كسُنَّةِ آلٍ فرعونَ
وعادتِهم، وفعلِهم بموسى نبيّ اللَّهِ فى تكذيبهم إياه، وقَصْدِهم ١١ لحربِه، وعادةِ مَن
قبلَهم مِن الأمم المكذِّبةِ رسلَها وصَنيعِهم، ﴿ فَأَهْلَكْنَهُم بِذُنُوبِهِمْ﴾: بعضًا
بالرَّجْفةِ، وبعضًا بالخَشْفِ، وبعضًا بالريح، ﴿ وَأَغْرَقْنَآ ءَالَ فِرْعَوْنَ﴾ فى اليَمِّ،
وَكُلُ كَانُواْ ظَلِمِينَ﴾. يقولُ: كلُّ هؤلاء الأمم التى أهْلَكْناها كانوا فاعلين ما لم
یگنْ لهم فعلُه مِن تکذیپھم رسل الله والجحود لآیاته، فكذلك أهلكنا / هؤلاء الذين
أَهْلَكْناهم ببدرٍ، إذ غيّروا نعمةَ اللَّهِ عندَهم، بالقتلِ بالسيفِ (١) ، وأذْلَلْنا بعضَهم
بالإسارِ والسّباءِ .
٢٥/١٠
القولُ فى تأويل قوله: ﴿ إِنَّ شَرَّ الدَّوَآتٍ عِندَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَهُمْ لَا
يُؤْمِنُونَ
= المفضل به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٩١/٣ إلى أبى الشيخ.
(١) فى م: ((تصديهم))، وفى ف: ((قصده)) .
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، س: (( والسيف)).
٢٣٥
سورة الأنفال : الآيات ٥٥ - ٥٧
يقولُ تعالى ذكرُه: إن شرّ ما دبَّ على الأرضِ عندَ اللَّهِ الذين كفروا بربِّهم،
فجحَدوا وَحْدانيتَه، وعبدوا غيرَه، ﴿فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. يقولُ: فهم لا يُصَدِّقون
رسلَ اللهِ ، ولا يُقِرُّون بوحیه وتنزیلِه .
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿ الَّذِينَ عَهَدَتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنَقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِ كُلِّ
مَّةٍ وَهُمْ لَا يَثَّقُونَ
٥٦
يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابٍ عِندَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾، ﴿الَّذِينَ
عَهَدَتَ مِنْهُمْ﴾ يا محمدُ ، يقولُ: أَخَذْتَ عهودَهم ومَواثيقَهم أن لا يُحارِبوك، ولا
يُظاهِروا عليك محاربًا لك، كقُرَيظةَ ونُظرائِهِم مَمَّن كان بينك وبينَهم عهدٌ وعقدٌ ،
ثم ينقُضون عهودَهم ومَواثيقَهم، كلما عاهَدوا دافَعوك (١) وحارَبوك وظاهَروا
عليك ، وهم لا يَتَّقُون اللّهَ، ولا يَخافون فى فعلِهم ذلك أن يُوقِعَ بهم وَقْعةً تَجتَاحُهم
وتهلگُهم .
كالذى حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن
ابنِ أَبِى نَجيح، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿ الَّذِينَ عَهَدَثَّ مِنْهُمْ ثُمَ يَنَقُضُونَ عَهْدَهُمْ﴾ .
قال: قريظةُ مالَئوا على محمدٍ يومَ الخندقِ أعداءَه (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ تجريجٍ، عن
مجاهدٍ نحوه .
القولُ فى تأويل قوله: ﴿فَإِمَّا نَثْقَفَّهُمْ فِى الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ
(١) فى ص: ((واصوك)) غير منقوطة وفى ت ١: ((وافقوك)). وفى ف: ((فقول)).
(٢) تفسير مجاهد ص ٣٥٧، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧١٩/٥، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
١٩١/٣ إلى ابن أبى شيبة، وابن المنذر وأبى الشيخ .
٢٣٦
سورة الأنفال : الآية ٥٧
يَذَّكَّرُونَ
oV
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيّه محمدٍ عَ له: فإما تَلْقَيَنَّ فى الحربِ هؤلاء الذين
عاهَدْتَهم، فنقضُوا عهدَك مرةً بعدَ مرةٍ مِن قُرَيظةَ فتَأْسِرْهم، ﴿فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ
خَلْفَهُمْ﴾. يقولُ: فافْعَلْ بهم فعلًا يكونُ مُشَرِّدًا مَن خلفَهم مِن نظرائِهِم مَمَّن بينَك
وبينَه عهدٌ وعقدٌ .
والتشريدُ : التطريدُ والتبديدُ والتفريقُ .
وإنما أُمِرِ بذلك نبىُ اللَّهِ عَّهِ أَن يَفْعَلَ بالناقضِ العهدَ بينَه وبينَهم، إذا قدر
عليهم، فعلًا يكونُ إخافةً لمن وراءَهم ممن كان بينَ رسولِ اللَّهِ عَظِلِّ وبينَه عهدٌ،
حتى لا يَجْتَرِئُوا على مثلِ الذى اجْتَرَأْ عليه هؤلاء الذين وصَف اللَّهُ صفتَهم فى هذه
الآيةِ مِن نقضِ العهدِ .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثْنى المُثَنَّى، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحِ، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن
٢٦/١٠ علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ / قولَه: ﴿ فَإِمَّا نَثْقَفَنَّهُمْ فِى الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمِ مَنْ خَلْفَهُمْ﴾ .
يعنى : نكِّلْ بهم مَن بعدَهم(١).
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى ، قال : ثنى عمى ، قال : ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَشَرِدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ﴾. يقولُ: نكَلْ بهم مَن وراءَهم(١).
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧٢٠/٥ من طريق أبى صالح به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
١٩١/٣ إلى ابن المنذر.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٩١/٣ إلى المصنف.
٢٣٧
سورة الأنفال : الآية ٥٧
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿فَإِمَّا
تَثْقَفَّهُمْ فِ اٌلْحَرْبِ فَشَرِدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ﴾. يقولُ: عِظْ بهم مَن سِواهم مِن
(١)
الناسِ(١).
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السدىِّ: ﴿فَإِمَّا [٩١٠/١ظ] نَثَقَفَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ﴾. يقولُ :
نَكِّلْ بهم مَن خلفَهم ، مَن بعدَهم مِن العدوِّ، لعلهم يَخْذَرون أن يَنْكُثُوا ، فَتَصْنَعَ بهم
مثلَ ذلك(٢) .
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال : ثنا محمدُ بنُ ثورٍ ، عن معمرٍ ، عن أيوبَ ،
عن سعيدِ بنِ جبيرٍ: ﴿فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ﴾. قال: أَنْذِرْ بهم مَن خلفَهم (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ تجريجٍ، عن
عطاءٍ الْخُراسانىٌّ، عن ابنِ عباسٍ، قال : نكِّلْ بهم مَن خلفَهم ؛ مَن بعدَهم . قال ابنُ
نجريج: قال عبدُ اللَّهِ بنُ كثيرٍ: نَكُلْ بهم مَن وراءَهم .
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿فَإِمَّا نَثْقَفَنَّهُمْ فِ اُلْحَرْبِ
فَشَرِّدُ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾. أى: نكَلْ بهم مَن وراءَهم لعلهم
(٤)
يَعْقِلون (٤).
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧١٩/٥، ١٧٢٠ من طريق يزيد به.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧١٩/٥، ١٧٢٠ من طريق أسباط به مفرقا .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧١٩/٥ من طريق محمد بن الأعلى به. وأخرجه عبد الرزاق فى
تفسيره ٢٦١/١ عن معمر به .
(٤) سيرة ابن هشام ١ / ٦٧٤، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧٢٠/٥ من طريق ابن إدريس عن ابن
إسحاق به .
٢٣٨
سورة الأنفال : الآيتان ٥٧، ٥٨
حُدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفرج، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ، قال: ثنا عبيدُ بنُ
سليمانَ ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ بنَ مُزاحم يقولُ فى قولِه: ﴿فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ
خَلْفَهُمْ﴾. يقولُ: نَكْلْ بهم مَن بعدَهم (١).
حدَّثنى يونُسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِ اللَّهِ: ﴿فَإِمَّا
تَثْقَفَنَّهُمْ فِ اُلْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ﴾. قال: أُخِفْهم بما تَصْنَعُ بهؤلاء. وقرأ :
وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا نَعْلَمُونَهُمّ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠].
وأما قولُه: ﴿ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾. فإن معناه: كى يَتَّعِظوا بما فَعَلْتَ بهؤلاء
الذين وصَفْتُ صفتَهم، فيَخْذَروا نقضَ العهدِ الذى بينَك وبينَهم؛ خوفَ أن يَنْزِلَ
بهم منك ما نزل بهؤلاء إذا هم نقَضوه .
القولُ فى تأويل قوله: ﴿ وَإِمَّا تَخَافَرَ مِن قَوْمٍ خِيَانَةُ فَأَنْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَآءٍ إِنَ
اَللَّهَ لَا يُحِبُّ الْآَيِنِينَ
٥٨
يقولُ تعالى ذكره : وإما تخافنَّ يا محمدُ مِن عدوٍّ لك، بينَك وبينَه عهدٌ
وعقدٌ ، أَن يَنْكُثَ عهدَه ويَنْقُضَ عقدَه ويَغْدِرَ بك، وذلك هو الخيانةُ والغدرُ،
فَائِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَآءٍ﴾. يقولُ: فناجِزْهم باخربٍ، وأعْلِمْهم قبلَ (٢) حرِك
إياهم أنك قد فسَحْتَ (١) العهدَ بينَك وبينَهم بما كان منهم؛ مِن ظهورٍ أمارٍ(٤) الغدرِ
والخيانةِ / منهم ، حتى تَصِيرَ أنت وهم على سَواءٍ فى١ العلم بأنك لهم محاربٌ ،
فَيَأْخُذُوا للحربِ آلْتَها، وتَبْرَأَ مِن الغدرِ. ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْآَيِنِينَ﴾: الغادرين
٢٧/١٠
(١) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧٢٠/٥ معلقًا، وابن كثير فى تفسيره ٢٢/٤.
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((مثل)).
(٣) فى ت ١، ت ٢، س: (( نسخت)) .
(٤) فى م، ف: ((آثار)). وأمار: قيل: هى العلامة. وقيل: جمع أمارة، وهى العلامة أيضًا. ينظر التاج (أمر).
(٥) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((من)).
٢٣٩
سورة الأنفال : الآية ٥٨
بَمَن كان منه فى أمانٍ وعهدٍ بينَه وبينَه أن يَغْدِرَ به، فيُحارِبَه قبلَ إعلامِه إياه أنه له
حربٌ ، وأنه قد فاسَخه العقدَ .
فإن قال قائلٌ : وكيف يَجوزُ نقضُ العهدِ بخوفِ الخيانةِ ، والخوفُ ظنٍ لا يقينّ؟
قيل: إن الأمرَ بخلافٍ ما إليه ذهبْتَ، وإنما معناه: إذا ظهَرَت أمارُ(١) الخيانةِ مِن
عدوّكِ، وخِفْتَ وقوعَهم بك، فأَلْقِ إليهم مقاليدَ السَّلْم، وآذِنْهم بالحربِ ، وذلك
كالذى كان مِن بنى قريظةً، إذ أجابوا أبا سفيانَ ومَن معه مِن المشركين إلى
مظاهرتِهم على رسولِ اللَّهِ ◌ِّه، ومحاربتهم معه بعدَ العهدِ الذى كانوا عاهَدوا
رسولَ اللّهِ عَمِ على المُسالَةِ، ولن يُقاتِلوا رسولَ اللَّهِ عَمِ، فكانت إجابتُهم إياه إلى
ذلك مُوجِبًّا لرسولِ اللَّهِ مَ ◌ِّ خوفَ الغدرِ به وبأصحابِه منهم، فكذلك حكمُ كلِّ
قومِ أهلِ مُوادَعةٍ للمؤمنين، ظهَر لإمامِ المسلمين منهم مِن دلائلِ الغدرِ مثلُ الذى ظهَر
الرسولِ اللَّهِ مَه وأصحابِهِ مِن قريظةَ منها، فحقٌّ على إمام المسلمين أن يَنْبِذَ إليهم
على سَواءٍ، ويُؤْذِنَهم بالحربِ .
ومعنى قوله: ﴿عَلَى سَوَآءٍ﴾. أى: حتى يَسْتَوِىَ علمُك وعلمُهم بأن كلّ
فريقٍ منكم حربٌ لصاحبِهِ لا سِلْمٌ .
وقيل : نزَلَت الآيةُ فى قريظةً .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال : ثنا أبو عاصم، قال : ثنا عيسى ، عن ابنٍ أبى
تَجِيحِ، عن مجاهدٍ: ﴿فَأَنْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَآءٍ﴾. قال: قريظةً(٢).
(١) فى ت ١، م، س، ف: ((آثار)).
(٢) تفسير مجاهد ص ٣٥٧، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧٢١/٥ من طريق ابن أبى نجيح به ،
وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٩١/٣ إلى ابن المنذر.
٦
٢٤٠
سورة الأنفال : الآية ٥٨
وقد قال بعضُهم: السَّواءُ فى هذا الموضعِ المَهَلُ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى علىٌّ بنُ سهلٍ ، قال: ثنا الوليدُ بنُ مسلم، قال: إنه مما تبيَّن لنا أن قولَه :
فَائِبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ ﴾. أنه على مَهَلٍ؛ كما حدَّثنا بكيرٌ، عن مُقاتِلٍ بِنِ حَيَّنَ
فى قولِ اللَّهِ: ﴿بَرَآءَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِ إِلَى الَّذِينَ عَهَدْ تُم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿ فَسِيحُواْ
فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ﴾ [التوبة: ١، ٢] .
وأما أهلُ العلم بكلامِ العربِ ، فإنهم فى معناه مُخْتَلِفون ، فكان بعضُهم
يقولُ : معناه : فائْبِذْ إليهم على عَدْلٍ . يعنى: حتى يَعْتَدِلَ علمُك وعلمُهم بما عليه
بعضكم لبعضٍ مِن المحاربةِ ، واسْتَشْهَدوا لقولِهم ذلك بقولِ الراجزِ (١) :
واضْرِبْ وُجوهَ الغُذُرِ الأَعْداءِ
حتى يُجِيبُوك إلى السَّواءِ
يعنى : إلى العدلِ .
وكان آخرون يقولون : معناه الوسَطُ . مِن قولٍ حشّانَ(٢):
بعدَ المُغَيَّبِ فى سَواءِ الْمُلْحَدِ
/ يا وَيْحَ أنصارِ الرسولِ ورَهْطِه
٢٨/١٠
بمعنى : فى وسَطِ الْمُلْحَدِ(٣) .
وكذلك هذه المعانى مُتَقارِبةٌ؛ لأن العَدْلَ وسَطٌ لا يَعْلُو فوقَ الحقِّ،
(١) التبيان ١٤٥/٥.
(٢) تقدم فى ٢ / ٤١٦.
(٣) فى م: ((اللحد)).