النص المفهرس

صفحات 121-140

١٢١
سورة الأنفال : الآية ٢٧
وقد اخْتَلف أهلُ التأويلِ فى من نزَلت هذه الآيةُ وفى السببِ الذى نزَلت فيه ؛
فقال بعضُهم: نزَلت فى منافقٍ كتَب إلى أبى سفيانَ يُطْلِعُه على سرِّ المسلمين.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ بنُ بشرِ بنِ معروفٍ، قال: ثنا شَبَابَةُ بنُ سَوَّارٍ، قال: ثنا محمدٌ(١)
المُحْرِمُ ، قال: لِقِيتُ عطاءَ بنَ أبى رَباحِ فحدَّثنى، قال: ثنى جابرُ بنُ عبدِ اللَّهِ أن أبا
سفيانَ [٨٩٦/١ظ] خرَج من مكةَ، فأتى جبريلُ النبيَّ عَّه، فقال: إن أبا سفيانَ فى
مكانٍ كذا وكذا . فقال النبيُّ ◌َ ◌ّهِ لأصحابِه: ((إن أبا سفيانَ فى مكان كذا وكذا،
فاخرُجوا إليه واكتُموا)). قال: فكتَب رجلٌ من المنافقين إلى أبى سفيانَ أن
محمدًاً) يريدُكم فخُذوا حِذْرَكم. فَأَنْزَل اللَّهُ عزَّ وجلَّ: ﴿لَا تَخُونُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ
وَتَخُونُواْ أَمَنَتِكُمْ﴾ (١).
وقال آخرون: بل نزَلت فى أبى لُبابةَ، الذى(٤) كان من أمرِه وأمرٍ بنى قريظةً .
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال : ثنى أبو سفيانَ، عن معمرٍ ، عن الزُّهْرىِّ
قولَه: ﴿ لَا تَّخُونُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَنَتِكُمْ﴾. قال: نزَلت فى أبى لُبابةً، بعثه
رسولُ اللَّهِ عَظِهِ فأشار إلى حلقِه أنه الذبحُ. قال الزُّهْرِىُّ: فقال أبو لُبابةَ: لا واللَّهِ ، لا
أذوقُ طعامًا ولا شرابًا حتى أموتَ أو يتوبَ اللَّهُ علىَّ. قال: فمكث سبعةً أيام لا
(١) بعده فى م: ((بن)). وينظر الجرح والتعديل ١٩/٨.
(٢ - ٢) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((أن النبى معَلِّ)).
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٧٨/٣ إلى المصنف وابن المنذر وأبى الشيخ، وذكره ابن كثير فى تفسيره
٥٨٢/٣ عن المصنف ثم قال : هذا حديث غريب جدا، وفى سنده وسياقه نظر.
(٤) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((الذى)).

١٢٢
سورة الأنفال : الآية ٢٧
يذوقُ طعامًا ولا شرابًا حتى خرّ مغشيًّا عليه، ثم تاب اللَّهُ عليه، فقيل له : يا أبا لُبابةً
قد تيب عليك. قال: واللَّهِ لا أُحُلُّ نفسى حتى يكونَ رسولُ اللَّهِ عَ طَهِ هو الذى
يحُلُّنى . فجاءه فحلَّه بيدِه، ثم قال أبو لُبابةَ: إن من توبتى أن أهمجُرَ دارَ قومى التى
أصبتُ فيها (١) الذنبَ، وأن أنخلِعَ من مالى، قال: ((يُجزئك الثلثُ أن تصدَّقَ به))(٢).
٢٢٢/٩
/ حدَّثنى المثنى، قال : ثنا إسحاقُ ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ الزُبيرِ، عن ابنِ عُيينةً،
قال : ثنا إسماعيلُ بنُ أبى خالدٍ، قال: سمِعت عبدَ اللهِ بنَ أبى قتادةَ يقولُ: نزَلَت:
وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ لَا تَّخُونُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَنَتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ فى
أبى لُبابةَ(٣).
وقال آخرون : بل نزَلت فى شأنٍ عثمانَ رضِى اللهُ عنه .
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا يونسُ بنُ الحارثِ الطائفىُّ،
قال: ثنا محمدُ بنُ عُبَيْدِ(٤) اللَّهِ بنِ عونِ الثقفىُ، عن المغيرةِ بنِ شعبةَ ، قال : نزَلت هذه
الآيةُ فى قتلِ عثمانَ رضِى اللَّهُ عنه: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَّخُونُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾.
.(٥)
الآية (٥) .
وأولى الأقوالِ فى ذلك بالصوابِ أن يقال: إن اللَّهَ نهى المؤمنين عن خيانتِه
(١) فى م: ((بها)).
(٢) سيأتى تخريجه فى ٦٥٧/١١.
(٣) أخرجه سعيد بن منصور فى سننه (٩٨٧ - تفسير)، وابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٨٤/٥ من طريق
سفيان به . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٧٨/٣ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.
(٤) فى ص، ف، م: ((عبد)). والمثبت من تفسير ابن كثير، وينظر الجرح والتعديل ١/٨.
(٥) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٥٨١/٣ عن المصنف. ويونس بن الحارث ضعيف، ولو صح فالمراد أن ذلك
نوع خيانة لله ورسوله عزائي، فقتل عثمان رضى الله عنه كان بعد نزول القرآن .

١٢٣
سورة الأنفال : الآية ٢٧
وخيانةِ رسولِه وخيانةِ أمانِه، وجائزٌ أن تكونَ نزَلت فى أبى لُبابةَ، وجائزٌ أن تكونَ
نزَلت فى غيرِهِ ، ولا خبرَ عندَنا بأىِّ ذلك كان يجبُ التسليمُ له بصحتِه ، فمعنى الآيةِ
وتأويلُها ما قدَّمنا ذكرَه .
وبنحوِ ما قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: ﴿ يَأَيُّهَا
اُلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَّخُونُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾. قال: نهاهم (١) أن يخونوا اللَّهَ والرسولَ كما
صنَع المنافقون(١) .
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
الشُدِّئِّ: ﴿لَا تَّخُونُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ الآية. قال: كانوا يسمعون من النبيِّ عَ لَّه
الحديثَ فيُفْشُونه حتى يبلُغَ المشركين .
واختلفوا فى تأويلِ قولِه: ﴿ وَتَخُونُواْ أَمَثَتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ؛ فقال
بعضُهم: لا تخونوا اللَّهَ والرسولَ ، فإن ذلك خيانةٌ لأماناتِكم(٢) وهلاكٌ لها .
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال : ثنا أحمدُ بنُ مفضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
الشّدِّئِّ: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ لَا تَّخُونُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَنَتِكُمْ﴾: فإنهم
إذا خانوا اللَّهَ والرسولَ فقد خانوا أماناتِهم.
(١) سقط من: ت ١، وفى ص، م، ت ٢، س: (( نها كم)) .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٨٤/٥ من طريق أصبغ، عن ابن زيد.
(٣) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((لأمانتكم)).
٠

١٢٤
سورة الأنفال : الآية ٢٧
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا
تَخُونُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَنَتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أى: لا تُظْهِروا للَّهِ مِن الحقِّ
ما يَرْضَى به منكم، ثم تخالفوه فى السرِّ إلى غيرِه، فإن ذلك هلاكٌ لأماناتِكم،
وخيانةٌ لأَنفُسِكم(١).
فعلى هذا التأويل، قولُه: ﴿ وَتَخُونُواْ أَمَنَتِكُمْ﴾ . فى موضع نصبٍ على
الصرفِ(٢) ، كما قال الشاعرُ():
عارٌ عليكَ إِذَا فعَلتَ عظيمُ
لا تَنَهْ عن خُلُقٍ وتأتىَ مثلَهُ
ویُزوی : وتأتى مثلَه .
/ وقال آخرون : معناه: لا تخونوا اللَّهَ والرسولَ، ولا تخونوا أماناتِكم وأنتم
تعلّمون .
٢٢٣/٩
ذكرُ من قال ذلك
حدّثنی المثنی ، قال : ثنا أبو صالح، قال : ثنی معاویةُ ، عن علىٍّ ، عن ابنِ عباسٍ
قولَه: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَّخُونُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَنَتِكُمْ﴾. يقولُ: لا
تخونوا . يعنى : لا تَنْقُصوها .
فعلى هذا، التأويلُ(٤): لا تخونوا اللَّهَ والرسولَ، ولا تخونوا أماناتِكم .
(١) سيرة ابن هشام ١/ ٦٦٢. وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٨٤/٥ من طريق سلمة، عن ابن
إسحاق ، عن محمد ، عن عروة من قوله .
(٢) فى ص: ((الطرف)). وفى م، ت ١، ت ٢، س، ف: ((الظرف)). والمثبت هو الصواب. وينظر تعريف
المصنف للصرف فى ٦/ ٩٢، وينظر أيضا ٦٠٨/١.
(٣) تقدم البيت وتخريجه فى ١/ ٦٠٨.
(٤) بعده فى ص، ت ١، ف: ((قوله)).

١٢٥
سورة الأنفال : الآية ٢٧
واختلف أهلُ التأويل فى معنى الأمانةِ التى ذكرها اللَّهُ فى قوله: ﴿ وَتَخُونُواْ
أَمَنَتِكُمْ﴾ ؛ فقال بعضُهم: هى ما يخفى عن أعينِ الناسِ من فرائضِ اللَّهِ .
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنی المثنی ، قال : ثنا أبو صالح، قال : ثنی معاویةُ ، عن على ، عن ابنِ عباسٍ
قولَه: ﴿ وَتَخُونُوَاْ أَمَنَتِكُمْ ﴾: والأمانةُ: الأعمالُ التى أمِن اللَّهُ عليها العبادَ ، يعنى
الفريضةَ. يقولُ: ولا تخونوا. يعنى: لا تَنْقُصوها .
حدَّثنا علىُ بنُ داودَ ، قال: ثنا أبو صالح، قال : ثنی معاویةُ ، عن علىٍّ ، عن ابنِ
عباسٍ قولَه: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَّخُونُواْ اللَّهَ﴾. يقولُ: بتركِ فرائضِه،
﴿ وَالرَّسُولَ﴾. يقولُ: بتركِ سنتِه (١) وارتكابٍ معصيته. قال: وقال مؤَّةً أخرى :
﴿لَا تَّخُونُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَنَتِكُمْ﴾: والأمانةُ: الأعمالُ. ثم ذكَر(١) نحوَ
حدیث المثنى() .
وقال آخرون : معنى الأماناتِ هدهنا الدِّينُ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنى يونسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَتَخُونُوا
أَمَنَتِكُمْ﴾: دينكم ﴿ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. قال: قد فَعَل ذلك المنافقون، وهم
يعلمون أنهم كفارٌ، يُظْهِرون الإِيمانَ. وقرَأ: ﴿ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلَوْةِ قَامُواْ
(١) فى ص، م، فى: ((سننه)).
(٢) سقط من : م.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥/ ١٦٨٣، ١٦٨٤ من طريق أبى صالح به، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ١٧٨/٣ إلى ابن المنذر.

١٢٦
سورة الأنفال : الآيتان ٢٧، ٢٨
كُسَالَى﴾ [النساء: ١٤٢]. الآية. قال: هؤلاء المنافقون، اَّمنَهم ) اللَّهُ ورسولُه علی
دينه فخانوا، أَظْهروا الإيمانَ وأسرُوا الكفرَ(١).
فتأويلُ الكلام إذن : يا أيُّها الذين آمَنوا لا تَنْقُصوا اللَّهَ حقوقَه عليكم من
فرائضِه، ولا رسولَه من واجبٍ طاعتِه عليكم، ولكن أَطِيعوهما فيما أمراكم به
ونهياكم عنه، لا تَنْقُصوهما، ﴿ وَتَخُونُواْ أَمَنَتِكُمْ﴾: وتَنْقُصوا أديانَكم وواجبَ
أعمالِكم ولازمَها لكم، ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ أنها لازمةٌ عليكم (١)، واجبةٌ بالحجج
التی قد ثبتَتْ للَّهِ عليكم .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا أَمْوَلُكُمْ وَأَوْلَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ
عِنْدَهُ، أَجْرٌ عَظِيمٌ
٢٨
٢٢٤/٩
يقولُ تعالى ذكرُه للمؤمنين: واعْلَموا أيُّها المؤمنون أنما أموالكم) التى
خوَّلكموها اللَّهُ، وأولادُكم التى / وهَبها اللَّهُ لكم، اختبارٌ وبلاءٌ أعطاكموها؛
ليختبِرَ كم بها ويبتليَّكم لينظُرَ كيف أنتم عاملون من أداءٍ حقِّ اللَّهِ عليكم فيها،
والانتهاءِ إلى أمرِه ونهيهِ فيها، ﴿ وَأَنَّ اللَّهَ [٥٨٩٧/١] عِندَهُ، أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾. يقولُ:
واعْلَموا أن اللَّهَ عندَه خيرٌ وثوابٌ عظيمٌ، على طاعتكم إِيَّه فيما أمَركم ونها كم فى
أموالكم وأولاد كم، التى اختبركم بها فى الدنيا، وأطيعوا اللَّهَ فيما، كلَّفكم فيها
تنالوا به الجزيلَ من ثوابِه فى مَعادِکم .
حدَّثنى الحارثُ ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا المسعودىُّ، عن القاسم، عن
(١) فى م: ((أمنهم)).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٨٥/٥ من طريق أصبغ، عن ابن زيد إلى قوله: يظهرون الإيمان.
(٣) بعده فى م: (( ر).
(٤) بعده فى ص، ت ١، ت ٢: ((لا)).

١٢٧
سورة الأنفال : الآيتان ٢٨، ٢٩
عبد الرحمنِ، عن ابن مسعودٍ فى قوله: ﴿ أَنَّمَا أَمْوَلُكُمْ وَأَوْلَدُكُمْ فِتْنَةٌ
قال: ما منكم من (١) أحدٍ إلَّا " وهو مشتمِلٌ" على فتنةٍ، فمن استعاذ منكم، فليستعِذْ
باللَّهِ مِن مُضلَّاتِ الفتنِ ().
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ أَنَّمَآَ
أَمْوَلُكُمْ وَأَوْلَدُكُمْ فِتْنَةٌ﴾. قال: ﴿فِتْنَةٌ﴾: الاختبارُ؛ اختبارُهم. وقرأ :
﴿ وَنَبْلُوكُمْ بِلشَّرِّ وَالْخَيَّرِ فِتْنَةُ وَإِلَيْنَا تُجَعُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٥].
القولُ فى تأويل قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن تَنَّقُواْ اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ
فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ
٢٩
يقولُ تعالى ذكره: يأيّها الذين صدَّقوا اللَّهَ ورسولَه، إن تَتَّقُوا اللَّهَ بطاعته
وأداءِ فرائضِه، واجتنابٍ معاصيه، وتركِ خيانتِه وخيانةِ رسولِه وخيانةٍ
أماناتِكم، ﴿يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا﴾. يقولُ: يجعَلْ لكم فَضْلًا وفَرْقًا بين حقٌّكم
وباطلٍ من يَتْغِيكم السوءَ من أعدائِكم المشركين، بنُصرتِه(٥) إِيَّاكم عليهم،
وإعطائِكم الظَّفَرَ بهم، ﴿وَيُكَفِرْ عَنكُمْ سَبِّئَاتِكُمْ﴾. يقولُ: ويمحو عنكم
ما سلَف من ذنوبِكم بينكم وبينه، ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾. يقولُ: ويغطِّيها فيسترها
عليكم، فلا يؤاخذُكم بها، ﴿ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ اَلْعَظِيمِ﴾. يقولُ: واللَّهُ
الذى يفعلُ ذلك بكم، له الفضلُ العظيمُ عليكم وعلى غيرِکم من خلقِه بفعلِه
(١) سقط من ص، ت ١، ت ٢، س، ف.
(٢ - ٢) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((مشتملًا)).
(٣) تقدم تخريجه فى ص ١١٦.
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٨٥/٥ من طريق أصبغ، عن ابن زيد، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
١٧٨/٣ إلى أبى الشيخ .
(٥) فى م: (( بنصره)) .

١٢٨
سورة الأنفال : الآية ٢٩
ذلك وفعلِ أمثالِه، وإنَّ فعلَه جزاءٌ منه لعبدِه(١) على طاعتِه إِيَّاه؛ لأنه الموفِّقُ
عبدَه لطاعتِه التى اكتسبها، حتى استحقَّ من ربِّه الجزاءَ الذى وعَده عليها .
وقد اختلف أهلُ التأويلِ فى العبارةِ عن تأويلٍ قوله: ﴿ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا﴾؛
فقال بعضُهم : مخرجًا .
وقال بعضُهم : نجاةٌ .
وقال بعضُهم: فَضْلًا(٢) .
وكلُّ ذلك متقاربُ المعنى وإن اخْتَلفت العباراتُ عنها ، وقد بيَّنت صحةً ذلك
فيما مضَى قبلُ بما أَغْنى عن إعادته(٣) .
ذكرُ من قال : معناه المخرجُ
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِن تَتَّقُواْ اللَّهَ
يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا﴾. قال: مخرجًا (٤).
/ قال: حدَّثنا أبى، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِن تَتَّقُواْ اللَّهَ
يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا﴾. قال: مخرجًا(٥).
٢٢٥/٩
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال : ثنا حكّامٌ، عن عَنْبسةً، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ :
فُرْقَانًا﴾: مخرجًا .
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، س: ((لعبيده)).
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((نصرًا)).
(٣) ينظر ما تقدم فى ١ / ٩٤، ٩٥.
(٤) أخرجه سعید بن منصور فى سننه (٩٨٩ - تفسیر) عن جرير به .
(٥) تفسير الثوری ص ١١٨.

١٢٩
سورة الأنفال : الآية ٢٩
حدَّثنى محمدُ بنُّ عمرٍو ، قال : ثنا أبو عاصم، قال : ثنا عيسى ، عن ابنٍ أبى
تَجِيحِ، عن مجاهدٍ: ﴿ قُرْقَانًا﴾. قال: مخرجًا فى الدنيا والآخرةِ(١).
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال : ثنا شبلٌ، عن ابنٍ أبى نجيح، عن
مجاهدٍ مثله .
حدَّثنا ابنُّ وكيعِ، قال: ثنا هانئُ بنُ سعيدٍ ، عن حجَّاجِ، عن ابنِ أبى تَجِيحٍ،
عن مجاهدٍ : ﴿ فُرْقَانًا﴾. قال: الفرقانُ المخرج.
حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا أبو صالح، قال: ثنى معاويةُ، عن علىٍّ ، عن ابنِ عباسٍ
قولَه: ﴿فُرْقَانًا﴾. يقولُ: مخرجًا(٢).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى ، قال : أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال : أخبرنا الثورىُّ، عن
منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فُرْقَانًا﴾: مخرجًا (٢).
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ رجاءِ البصرىُّ، قال: ثنا زائدةٌ، عن
منصورٍ ، عن مجاهدٍ مثلَه .
حدَّثنا ابنُ وكبعٍ، قال: ثنا المحاربىُّ، عن بُجُوَيبٍ، عن الضخَّاكِ: ﴿ فُرْقَانًا﴾.
قال: مخرجًا (1) .
حُدِّثت عن الحسينِ بنِ الفرج، قال : سمِعتُ أبا معاذٍ قال: سمِعت عُبيدًا
يقولُ : سمِعتُ الضَّاك يقولُ: ﴿فُرْقَانًا﴾: مخرجًا .
(١) تفسير مجاهد ص ٣٥٤، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٧٩/٣ إلى ابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن
المنذر وأبى الشيخ .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٨٦/٥ من طريق أبى صالح به .
(٣) تفسير عبد الرزاق ٢٥٨/١، وليس فيه : عن منصور.
(٤) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٨٦/٥ معلقًا.
( تفسير الطبرى ٩/١١ )

١٣٠
سورة الأنفال : الآية ٢٩
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ ، قال: ثنا أبو أحمدَ ، قال: ثنا سفيانُ ، عن منصورٍ ،
عن مجاهدٍ مثلَه .
حدَّثنا ابنُ وكبعٍ، قال: ثنا حُميدٌ، عن زُهيرٍ، عن جابرٍ، عن عكرمةً ، قال :
الفرقانُ المخرج (١) .
ذكرُ من قال: معناه النجاةُ
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال: ثنا حكّام، عن عَنْبسةً، عن جابرٍ، عن عكرمةَ: ﴿ إِن
تَكَّقُواْ اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا﴾. قال: نجاةً(١).
حدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن رجلٍ، عن
عكرمةً ومجاهدٍ فى قوله: ﴿يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا﴾. قال عكرمةُ: المخرجُ. وقال
مجاهدٌ : النجاةُ .
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضَّل، قال: ثنا أسباطُ ، عن
الشّدِّىِّ: ﴿ يَجْعَل لَّكُمْ فَرْقَانًا﴾. قال: نجاةً(٣) .
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباس: ﴿يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا﴾. يقولُ: يجعَلْ لكم نجاةٌ(٤) .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا﴾
أى : نجاةً .
:
(١) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٨٦/٥ معلقًا.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٧٩/٣ إلى المصنف.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٨٦/٥ من طريق أسباط به .
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٧٩/٣ إلى ابن المنذر، وذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٨٦/٥ معلقًا.

١٣١
سورة الأنفال : الآيتان ٣٠،٢٩
٢٢٦/٩
/ ذكرُ من قال : فصلًا
(١) ﴿إِن تَنَّقُواْ اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا﴾ .
قال: فرقانًا يَفْرُقُ فى قلوبِهم بين الحقِّ والباطلِ حتى يعرِفوه ويهتدُوا بذلك
الفرقانِ .
حدَّثنا ابنُ محُميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
إِن تَتَّقُواْ اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا﴾ أى: فصلًا بين الحقِّ والباطلِ، يُظهِرْ به حقَّكم،
ويُطْفِئُ (٢) به باطلَ مَن خالفكم(١).
والفرقانُ فى كلامِ العربِ مصدرٌ من قولِهِم : فَرَقتُ بينَ الشىءِ والشىءِ ، أفرق
بينهما فَرْقًا (٢ وفُروقًا ) وفُوْقَانًا .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُقْبِتُوَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ
يُخْرِ جُولَةٌ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَكِرِينَ
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيّه محمدٍ عَ لِ مذكَّرَه نعمَه عليه: واذُكُوْيا محمدُ إذ يمكُرُ
بك الذين كفروا من مشركى قومِك كى يُثْبِتُوك .
واختلف أهلُ التأويلِ فى تأويلٍ قولِه: ﴿ لِيُّشْتُوَ﴾؛ فقال بعضُهم: معناه:
ليُقيّدوك .
(١) سقط إسناد هذا الأثر من النسخ التى بين أيدينا، وقد جاء الكلام متصلا فى م، ت ١، ت ٢، س، ف،
ومكان الإسناد بياض فى ص .
(٢) فى م: (( يخفى)).
(٣) سيرة ابن هشام ٦٦٩/١، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٨٦/٥ من طريق سلمة، عن ابن
إسحاق، عن محمد ، عن عروة قوله .
(٤ - ٤) سقط من : م.

١٣٢
سورة الأنفال : الآية ٣٠
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال: ثنى معاويةُ، عن علىٍّ ،
عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوَ ﴾. يعنى:
(١)
لیُوثِقوك(١) .
قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبى نجيح، عن مجاهدٍ :
لِيُشِْتُوكَ ﴾: ليُوثِقوك.
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِذْ
يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُشْبِتُوكَ ﴾ الآية. يقولُ: ليشدُّوك [٨٩٧/١ ظ] وَثاقًا، وأرادوا
بذلك نبيَّ اللَّهِ سَلِ وهو يومَئذٍ بمكةً .
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ ، عن قتادةَ
ومِقْسم ، قالا : قالوا : أَوْثِقوه بالوثاقِ .
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السُّدِّئِّ: ﴿ لِيُشْتُوَكَ﴾. قال: الإثباتُ هو الحبسُ والوَثاقُ(٢).
وقال آخرون : بل معناه : الحبسُ .
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، عن ابنٍ جريج، قال :
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٨٨/٥ من طريق أبى صالح به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
١٨٠/٣ إلى ابن المنذر . .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٨٨/٥ من طريق أسباط به .

١٣٣
سورة الأنفال : الآية ٣٠
سألتُ عطاءً عن قولِه: ﴿ لِيُشْتُوكَ﴾. قال: يَسْجُنوك. وقالها عبدُ اللَّهِ بنُ
(١)
كَثير (١).
حدَّثنى يونسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ (١) : قالوا: اسْجُنوه .
وقال آخرون : بل معناه : ليسحَروك(٣).
/ حدَّثنى محمدُ بنُ إسماعيلَ البصرىُّ المعروفُ بالوَساوِسيّ، قال: ثنا ٢٢٧/٩
عبدُ المجيدِ بنُ أبى روَّادٍ، عن ابنٍ جريجٍ، عن عطاءٍ، عن عبيدِ بنِ عُميرٍ، عن (٢)
المُطَلِبِ بنِ أبِى وَداعةَ، أن أبا طالبٍ قال لرسولِ اللَّهِ بِّهِ: ما يأتمرُ به قومُك؟ قال:
((يريدون أن يسحَرونى ويقتلونى ويُخرجونى)). فقال: من أَخْبَرك هذا(٥)؟ قال:
((ربى)). قال: نِعْم الربُّ ربُّك، فاستوصٍ به خيرًا. فقال رسولُ اللَّهِ عَ له: ((أنا
أَسْتَوْصِى به؟ بل هو يَسْتَوْصِى بى خيرًا)). فنزَلت: ﴿ وَإِذْ يَمَّكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ
◌ِيُقْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُواْ ﴾ الآية(١).
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال: ثنى حجَّاج ، قال : قال ابنُ نجريج : قال
عطاءٍ: سمِعت عبيدَ بنَ عميرٍ يقولُ: لما ائْتَمَروا بالنبيِّ عَّهِ ليقتُلوه أو يُشْبِتوه أو (١)
يُخْرِجوه، قال له أبو طالبٍ: هل تَدْرِى ما ائتمّروا بك؟ قال: ((نعم)). قال: فَأَخْبَره.
قال: من أَخْبَرك؟ قال: ((ربِّى)). قال: نعمَ الربُّ ربُّك، استوصٍ به خيرًا. قال: ((أنا
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٨٨/٥ من طريق حجاج به .
(٢) بعده فى ص، ف: ((فى قوله)).
(٣) فى ص، ت ١، ت٢، س، ف: ((يسحروك)).
(٤) فى النسخ: ((بن))، وينظر تهذيب الكمال ٢٢٣/١٩، ٨٦/٢٨.
(٥) فى م: ((بهذا)).
(٦) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٧٩/٣ إلى المصنف.
(٧) فى ص، ت ٢، س: (( و)).

١٣٤
سورة الأنفال : الآية ٣٠
أَشْتَوْصِی به أو هو يَشْتَوْصِی بی؟))(١).
وكان معنى مَكْرٍ قومِ رسولِ اللَّهِ لَه به ليثْتوه كما حدَّثنا سعيدُ بنُ يحيى
ءُ
الأُموىُّ، قال: ثنى أبى، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، عن عبدِ اللهِ بنِ أبى تَجِيح،
عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: وحدَّثنى الكَلْبِىُّ، عن باذانَ(٢) مَوْلى أمّ هانىَّ،
عن ابنِ عباسٍ ، أن نفرًا من قريشٍ من أشرافٍ كلٌّ قبيلةٍ، اجْتَمعوا ليدخلوا دارَ
الندوةِ ، فاعترَضهم إبليسُ فى صورةٍ شيخ جليلٍ ، فلما رأوه قالوا : من أنت ؟ قال :
شيخٌ مِن تَجْدٍ ، سمِعْتُ أنكم اجْتَمعتم ، فأردتُ أن أحضُرَ كم ولن يعدَمَكم منى رأىٌ
ونصح. قالوا: أجلْ، ادخُلْ. فدخَل معهم، فقال: انظُروا(٣) شأنَ هذا الرجلِ،
واللَّهِ ليُوشِكِنَّ أن يواثبَكم(٤) فى أمورٍ كم بأمرِهِ . قال: فقال قائلٌ: احْبِسوه فى وَثاقٍ ،
ثم تربَّصوا به ريبَ المنونِ حتى يَهْلِكَ كما هلك من كان قبلَه من الشعراءِ ؛ زهيرٌ
والنابغةُ ، إنما هو كأحدِهم. قال: فصرَخ عدوُّ اللَّهِ الشيخُ النَّجْدىُّ، فقال: واللهِ ما
هذا لكم برأي، واللَّهِ " ليُخْرِ جَنَّه ربُّه من مَخْبِسِه إلى أصحابِه، فليُوشِكُنَّ أن يَتْبوا
عليه حتى يأخُذوه من أيديكم فيمنَعوه منكم ، فما آمنُ عليكم أن يُخرجوكم من
بلادِ كم . قالوا: فانظُرُوا فى غيرِ هذا. قال: فقال قائلٌ: أُخْرِ جوه من بين أظهرٍ كم
تستريحوا منه، فإنه إذا خرج لن يضرّكم ما صنَع وأين وقَع ، إذا غاب عنكم أذاه
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٨٨/٥ من طريق ابن جريج به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٧٩/٣
إلى سنيد وابن المنذر وأبى الشيخ.
(٢) فى النسخ، والدلائل للبيهقى: ((زاذان)). وينظر ما تقدم فى ٩/ ٨٨.
(٣) بعده فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((إلى)).
(٤) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((يواتيكم)).
(٥) زيادة من : م .
(٦ - ٦) كذا فى النسخ، وفى سيرة ابن هشام: ((ليخرجن أمره))، وفى تاريخ المصنف، ودلائل أبى نعيم:
((لخرج أمره)). وفى تفسير ابن أبى حاتم، والدر المنثور: (ليخرجن رأيه)).

١٣٥
سورة الأنفال : الآية ٣٠
واسترحتم ، وكان أمرُه فى غيرِ كم . فقال الشيخُ النَّجْدىُّ: واللهِ ما هذا لكم برأي،
ألم تروا حلاوةَ قولِه ، وطلاقةً لسانِهِ ، وأَخْذَ القلوبِ ما تسمَعُ من حديثه ، واللَّهِ لئن
فعَلتم ثم استعرض العربَ ، لتجتمعَنَّ عليكم ، ثم ليأتينَّ إليكم حتى يخرِجَكم من
بلادِ كم ويقتُلَ أشرافَكم . قالوا : صدَق واللَّهِ، فانظُروا رأيًا غيرَ هذا. قال: فقال أبو
جهلٍ : واللَّهِ لأُشيرنَّ عليكم برأي ما أراكم أبصرتُموه بعدُ ، ما أرى غيرَه. قالوا: وما
هو؟ قال: نأخُذُ من كلِّ قبيلةٍ غلامًا وسيطًا (١) شابًا نهدًا (٢)، ثم يُغْطَى كلُّ غلامٍ
منهم سيفًا صارمًا، ثم يضرِبونه (١) ضربةَ رجلٍ واحدٍ ، فإذا قتَلوه تفرّق دمُه فى القبائلِ
كلِّها ، فلا أظنُّ هذا الحىَّ من بنى هاشم يقدرون على حربٍ قريشٍ كلّها ، فإنهم إذا
رأوا / ذلك قبِلوا العَقْلَ(٤) واسترَحنا، وقطعنا عنَّا أذاه. فقال الشيخُ النَّجْدىُّ: هذا ٢٢٨/٩
واللَّهِ الرأىُ، القولُ ما قال الفتى، لا أرى غيرَه. قال: فتفرَّقوا على ذلك وهم
مُجْمِعون له . قال: فأتى جبريلُ النبيَّ عَّهِ فَأمَره ألا يبيتَ فى مضجعِه الذى كان
يبيتُ فيه تلك الليلةَ ، وأذِن اللَّهُ له عندَ ذلك بالخروج ، وأَنْزَل عليه بعد قدومِه المدينةً
((الأنفالَ)) يُذَكِّرُه نعمَه عليه، وبلاءَه عندَه: ﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُفْسِتُوَكَ
أَوْ يَقْتُلُوَكَ أَوْ يُخْرِجُولٍَّ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَكِرِينَ﴾. وأَنْزَل فى
قولهم : تَرَبَّصوا به رَيْبَ المَنَونِ حتى يَهْلِكَ كما هلَك مَن كان قبلَه من الشعراءِ: ﴿أَمْ
يَقُولُونَ شَاعِرٌ تَّغْرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ [الطور: ٣٠]. وكان يُسمَّى ذلك اليومُ يومَ
الزحمةِ . للذى اجتمعوا عليه من الرأي(٥) .
(١) فى م: ((وسطًا)). والوسيط: الحسيب فى قومه. النهاية ١٨٤/٥.
(٢) النهد: القوى الضخم. النهاية ١٣٥/٥.
(٣) فى ص: ((يضربوه))، وفى ت ١: ((يضربه))، وفى ت ٢، س، ف: ((نضربه)).
(٤) العقل: الدية . الصحاح (ع ق ل).
(٥) سيرة ابن هشام ١/ ٤٨٠.

١٣٦
سورة الأنفال : الآية ٣٠
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ ، عن قتادةَ
ومِقْسم فى قوله: ﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْسِتُوَكَ﴾. قالا: تشاوروا فيه ليلةً
وهم بمكةَ ، فقال بعضُهم : إذا أصبح فأوثِقوه بالوَثاقٍ . وقال بعضُهم : بل اقتُلوه .
وقال بعضُهم: بل أَخْرِجوه. فلما أصبحوا رأوا عليًّا رضى اللَّهُ عنه، فردَّ اللَّهُ
مکتهم() ..
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال : أخبرنى أبى ، عن
عكرمةَ، قال: لما خرَج النبيُّ عَ لَّهِ وأبو بكرٍ إلى الغارِ، أمَر علىَّ بن أبى طالبٍ
[٨٩٨/١و] فنام فى مضجَعِه، فبات المشركون يحرسونه، فإذا رأوه نائمًا حسبوا أنه
النبىُّ عَ لَّهِ فترَكوه، فلما أصبحوا ثاروا إليه وهم يحسبون أنه النبيُّ عَ لَّه ، فإذا هم
بعلىٍّ ، فقالوا: أين صاحبُك؟ قال: لا أَذْرى. قال: فركِبوا الصَّغْبَ والذَّلولَ فى
(٢)
طلبِهُ(١) .
حدَّثنى المثنى، قال : ثنا إسحاقُ ، قال: ثنا عبدُ الرزاقِ ، عن معمرٍ ، قال :
أخبَرنى عثمانُ الجَزَرِىُّ(٢) ، أن مِقْسمًا مولى ابنِ عباسٍ أُخْبَره ، عن ابنِ عباسٍ فى قولِه :
﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُشْبِتُوَ ﴾. قال: تشاورت قريشٌ ليلةً بمكةً، فقال
بعضُهم : إذا أصبح فأثبتوه بالوَثاقٍ. يريدون النبىَّ عَ لِّ. وقال بعضُهم: بل اقتُلوه .
وقال بعضُهم: بل أَخْرِجوه . فَأَطْلَعِ اللَّهُ نبيّه على ذلك، فبات علىِّ رضى اللَّهُ عنه
= وأخرجه البيهقى فى الدلائل ٤٦٨/٢ من طريق سعيد بن يحيى الأموى به. وأخرجه ابن أبى حاتم فى
تفسيره ١٦٨٦/٥ من طريق يحيى بن سعيد الأموى، عن ابن إسحاق ، عن ابن أبى ليلى، عن مجاهد ، عن
ابن عباس. وأخرجه المصنف فى تاريخه ٢/ ٣٧٠، وأبو نعيم فى الدلائل (١٥٤)، من طريق سلمة عن ابن
إسحاق به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٧٩/٣ إلى ابن المنذر.
(١) أخرجه عبد الرزاق ٢٥٨/١ فى تفسيره عن معمر عن قتادة، وعن عثمان الجزرى عن مقسم.
(٢) تفسير عبد الرزاق ٢٥٩/١.
(٣) فى م: ((الجريرى)). وينظر الجرح والتعديل ٦/ ١٧٤.

١٣٧
سورة الأنفال : الآية ٣٠
على فراشِ النبيِّ ◌َّهِ تلك الليلةَ، وخرج النبيُّ عَ لَّ حتى لحِقٍ بالغارِ، وبات
المشركون يحرسون عليًّا، يحسبون أنه النبيُّ ◌َ ◌ّهِ، فلما أصبحوا ثاروا إليه ، فلما
رأوه عليًّا رضى اللَّهُ عنه، ردَّ اللَّهُ مكرَهم، فقالوا: أين صاحبُك؟ قال: لا أُدْرِى .
فاقتصُّوا أَثَرَه ، فلما بلغوا الجبلَ ومُرُوا بالغارِ ، فرأوا على بابِهِ نَسْجَ العنكبوتِ ، قالوا :
لو دخّل هلهنا لم يكنْ نسجٌ على بابِه. فمكث فيه ثلاثً(١).
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضَّل، قال: ثنا أسباطُ ، عن
الشُدِّىِّ: ﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُقْبِتُوَ أَوْ يَقْتُلُوَكَ أَوْ يُخْرِجُولٌ وَيَمْكُرُونَ
وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَكِرِينَ﴾. قال: اجتمعت مشيخةُ قريشٍ يتشاورون فى
النبيِّ ◌َّمِ بعدَما أَسْلَمت الأنصارُ، وفرِقوا أن يتعالى أمرُه إِذ وجَد ملجأُ لجأ إليه. فجاء
إبليسُ فى صورةٍ رجلٍ من أهلٍ تَجْدٍ ، / فدخَل معهم فى دارِ الندوةِ ، فلما أنْكروه ٢٢٩/٩
قالوا : من أنت ، فواللهِ ما كلُّ قومِنا أعلمناهم مجلسَنا هذا؟ قال : أنا رجلٌ من أهلٍ
نجدٍ أسمَعُ من حديثِكم وأُشيرُ عليكم. فاستحيُوا فخلَّوا عنه ، فقال بعضُهم: خُذوا
محمدًا إذا اضْطجَعُ على فراشِه، فاجعَلوه فى بيتٍ نتربَّصُ به رَيْبَ المنونِ - والرّيبُ
هو الموتُ، والَونُ هو الدهرُ - قال إبليسُ: بئسما قلت ، تجعَلونه فى بيتٍ فيأتى
أصحابُه فيخرجونه، فيكونُ بينكم قتالٌ؟ قالوا : صدَق الشيخُ. قال : أخرِجوه من
قريتكم . قال إبليسُ : بئسما قلت ، تُخرِجونه من قريتكم وقد أَفْسَد سفهاءَ كم ، فيأتى
قريةً أُخرى فيفسدُ سفهاءَهم ، فيأتيكم بالخيلِ والرجالِ؟ قالوا: صدَق الشيخُ . قال
أبو جهلٍ - وكان أولاهم بطاعةٍ إبليسَ - : بل نعمِدُ إلى كلّ بطنٍ من بطون قريش
(١) أخرجه أحمد ٣٠١/٥ (٣٢٥١)، والخطيب فى تاريخ بغداد ١٩١/١٣، والطبرانى (١٢١٥٥) من
طريق عبد الرزاق به. وهو فى تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٥٨، والمصنف ٣٨٩/٥ تحت (٩٧٤٣) لكن عن مقسم
قوله .
(٢) فى م: ((اصطبح)).

١٣٨
سورة الأنفال : الآية ٣٠
فنُخْرِجُ منهم رجلًا فنعطيهم السلاح، فيشُدُّون على محمدٍ جميعًا فيضربونه ضربةً
رجلٍ واحدٍ ، فلا يستطيعُ بنو عبد المطلبِ أن يقتُلوا قريشًا، فليس لهم إلا الدِّيةُ. قال
إبليسُ: صدَق هذا الفتى، هو أجودُ كم رأيًا. فقاموا على ذلك، وأَخْبَرِ اللَّهُ رسولَه
سَه، فنام على الفراشِ، وجعَلوا عليه العيونَ. فلما كان فى بعضِ الليلِ، انطلَق هو
وأبو بكرٍ إلى الغارِ، ونام علىٍّ بن أبى طالبٍ على الفراشِ، فذلك حينَ يقولُ اللَّهُ:
لِيُشِتُوَ أَوْ يَقْتُلُوَكَ أَوْ يُخْرِجُوكٌ﴾. والإثباتُ هر الحبسُ والوَثاقُ. وهو قولُه:
﴿ وَإِن كَادُواْ نَيَسْتَفِرُونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذَا لَا يَلْبَثُونَ خِلَفَكَ إِلَّا
قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٦]. يقولُ: يُهْلِكُهم. فلما هاجر رسولُ اللَّهِ سَمِ إلى المدينةِ لِقِيه
عمرُ، فقال له: ما فعَل القومُ؟ وهو يرى أنهم قد أَهْلِكوا حينَ خرَج النبىُّ عَ لّم من بين
أَظْهُرِهم، وكذلك كان يصنَعُ بالأمم، فقال النبيُّ عَّهِ: ((أَخِّروا بالقتالِ))(٢).
حدَّثنی محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عیسی ، عن ابنٍ أبى
نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿ لِيُقْبِتُوَ أَوَ يَقْتُلُوكَ ﴾. قال: كفار قريشٍ أرادوا ذلك
بمحمدٍ ◌ّمِ قبل أن يخرجَ من مكةً(٣) .
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبى نجيح، عن
مجاهدٍ نحوه .
حدَّثنى ابنُ وكيعِ، قال : ثنا هانئُ بنُ سعيدٍ، عن حجّاج، عن ابن أبى تَجِيحٍ،
عن مجاهدٍ نحوَه، إلا أنه قال: فعلوا ذلك بمحمدٍ عَ لَّه .
(١) فى م: ((وهذا)).
(٢) تقدم تخريج قوله : الإثبات هو الحبس والوثاق . فى ص ١٣٢.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٨٨/٥ من طريق ابن أبى نجيح به. وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ١٨٠/٣ إلى عبد بن حميد وأبى الشيخ.

١٣٩
سورة الأنفال : الآية ٣٠
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال: ثنى أبى ، قال : ثنى عمى ، قال : ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوَكَ أَوْ يَقْتُلُوَكَ ﴾ الآية:
هو النبيُّ عَ له مكروا به وهو بمكةً.
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿وَإِذْ
يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُقْبِتُوَكَ ﴾ إلى آخرِ الآيةِ. قال: اجتمَعوا فتشاوَروا فى رسولٍ
اللَّهِ عَهِ، فقالوا: اقتُلوا هذا الرجلَ. فقال بعضُهم: لا يقتُلُه رجلٌ إلا قُتِل به . قالوا :
خُذوه فاسجُنوه واجعَلوا عليه حديدًا. قالوا : فلا يدعُكم أهلُ بيتِه. قالوا : أخرجوه.
قالوا : إذَن يَسْتَغْوِىَ الناسَ عليكم . قال: / وإبليسُ معهم فى صورةِ رجلٍ من أهلِ ٢٣٠/٩
(١)
نجدٍ ، واجتمع رأيُهم أنه إذا جاء يطوفُ البيتَ ويَسْتَلِمُ أن يجتمِعوا عليه فيغُّوهُ
ويقتُلوه ، فإنه لا يَدْرِى أهلُه من قتله، فيرضَوْن بالعَقْلِ ، فنقتُلُه ونستريحُ ونعقِلُه . فلما
أن جاء يطوفُ بالبيتِ اجتمعوا عليه فغمُوهُ(١) ، فأتى أبو بكرٍ ، فقيل له ذاك ، فأتى فلم
يجِدْ مدخلًا، فلما أن لم يجدْ مدخلًا، قال: ﴿أَنَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبَِّ اللَّهُ وَقَدْ
جَآَ كُمْ بِالْبَيِّنَتِ مِن رَّبِّكُمْ ﴾؟ قال: ثم فرَّجها اللَّهُ عنه، فلما أن كان(٢) الليلُ أتاه
جبريلُ عليه السلامُ، فقال: من أصحابُك؟ فقال: ((فلانٌ وفلانٌ وفلانٌ)). فقال:
لا (٤) ، نحن أعلمُ بهم منك يا محمدُ، هم ناموسُ ليلٍ. [٨٩٨/١ظ] قال: وأُخِذ
أولئك من مضاجعِهم وهم نيامٌ، فأَتِى بهم النبيُّ عٍَّ، فقدِّم أحدُهم إلى جبريلَ
فكحَله، ثم أَرْسَله، فقال: (( ما صورتُه يا جبريلُ؟)). قال: كُفِيتَه يا نبيَّ اللَّهِ . ثم
(١) فى النسخ: ((فيعموه).
(٢) فى النسخ: ((فعموه)).
(٣) فى ص، ت ٢، س، ف: ((حبط))، وفى ت ١: (حنط)).
(٤) بعده فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((فقال جبريل عليه السلام)).
(٥) الناموس: المكر والخداع، والناموس: دويبة أغبر كهيئة الذرة. اللسان (ن م س).

١٤٠
سورة الأنفال : الآية ٣٠
قدِّم آخرُ فنقَر فوقَ رأسِه بعصًا نَقْرةً، ثم أَرْسَله فقال: (( ما صورتُه يا جبريلُ؟)).
فقال: كُفِيتَه يا نبيَّ اللَّهَ. ثم أتى بآخرَ) فنقَر فى ركبتِه، فقال: «ما صورتُه یا
جبريلُ؟)). قال: كُفِيتَه. ثم أُتَى بآخرَ، فسقاه مَذْقةً(٢)، فقال: «ما صورتُه یا
جبريلُ؟)). قال: كُفِيتَه يا نبيَّ اللَّهِ . وأَتى بالخامسِ، فلما غدا من بيته مرَّ بنبالٍ فتعلَّق
مِشْقصٌ(١) بردائِه فالتوى، فقطَع الأكحلَ(٤) من رجلِه، وأما الذى كُحِلت عيناه
فأصبح وقد عمِى، وأما الذى سُقِى مَذْقَةً فأصبح وقد استَسقى بطنُه ، وأما الذى نُقِر
فوق رأسِه، فأخذته الثُّقْرةُ(٥) - والتَّقْرَةُ(١) قُرْحَةٌ عظيمةٌ أخَذته فى رأسِه - وأما الذى
طُعِن فى ركبتِه، فأصبح وقد أُقْعِد، فذلك قولُ اللَّهِ : ﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ
لِيُقْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوَكَ أَوْ يُخْرِجُولَهٌ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ اَلْمَلِكِينَ﴾ .
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنٍ إسحاقَ قولَه: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ
اَللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَكِرِينَ﴾ أى: فمكَرتُ لهم(١) بكيدى المتين حتى خلَّصتُك
(٨)
منهم .
حدَّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجْ، عن ابنٍ تجريجٍ، عن
(١ - ١) فى ف: ((قدم آخر)).
(٢) المذقة : الشربة من اللبن إذا خلط بالماء. اللسان (م ذ ق).
(٣) المشقص: نصل السهم إذا كان طويلًا غير عريض. النهاية ٢ / ٤٩٠.
(٤) الأكحل : عرق فى اليد يفصد، وقيل: هو عرق الحياة، يدعى نهر البدن ، وفى كل عضو منه شعبة لها
اسم على حدة، فإذا قطع فى اليد لم يرقأ الدم. ينظر اللسان (ك ح ل).
(٥) فى ص، م، ت ١، ف: ((النقدة)).
(٦) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ف: ((النقدة)) .
(٧) فى سيرة ابن هشام، وتفسير ابن أبى حاتم: ((بهم)). وستأتى أيضًا فى كلام المصنف ص ١٤٤: مكرت
لهم .
(٨) سيرة ابن هشام ١/ ٦٦٩. وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٨٨/٥ من طريق سلمة، عن ابن
إسحاق ، عن محمد بن جعفر، عن عروة من قوله .