النص المفهرس

صفحات 61-80

٦١
سورة الأنفال : الآية ١١
﴿ إِذْ يُغَشِيَكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ﴾. قال: أَنزَل اللَّهُ عزَّ وجلَّ النعاسَ أمنةً من
ء
الخوفِ الذى أصابَهم يومَ أَحدٍ. فقرأ: ﴿ثُمَّ أَنَزَلَ عَلَيْكُم مِّنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً
تُّفَاسًا﴾ [آل عمران: ١٥٤].
واختلَفت القرأةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿ إِذْ يُغَشِيَكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ﴾؛ فقرأ
ذلك عامَّةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ: ( يُغْشِيكُمُ النُّعاسَ ) بضمِّ الياءِ وتخفيفِ الشينِ ونصبٍ
النعاسِ، من أغشاهمُ اللَّهُ النعاسَ، فهو يُغْشِيهم(١).
وقرأتْه عامةُ قرأةِ الكوفيين: ﴿يُغَنِّيَكُمُ﴾ بضم الياءِ وتشديدِ الشين من
غشَّاهمُ اللَّهُ النعاسَ، فهو يُغْشِّيهم (١).
وقرأ ذلك بعضُ المكيّين والبصريِّين (تَغْشاكُم التُّعاسُ) بفتحِ الياءِ ورفعٍ
النعاسِ، بمعنى غَشِيهم النعاسُ، فهو يَغْشاهُم (١) ، واستشهدَ هؤلاء لصحةٍ قراءتِهم
كذلك بقولِه فى آلٍ عمرانَ: ﴿يَغْشَى طَآئِفَةٌ﴾ [آل عمران: ١٥٤].
وأوْلَى ذلك بالصوابِ: ﴿إِذْ يُغَشِّيَكُمُ﴾(٤). على ما ذكرتُ من قراءةٍ
الكوفيين لإجماعِ جميعِ القرأة على قراءةٍ قولِه: ﴿ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِّنَ السَّمَاءِ مَآءَ﴾
بتوجيه ذلك إلى أنه من فعل اللَّهِ عزَّ وجلَّ، فكذلك الواجبُ أن يكون كذلك :
﴿ يُغَشِيَكُمُ﴾، إذْ كان قولُه: ﴿ وَيُنَزِّلُ﴾ عطفًا على يُغَشِّى ؛ ليكون الكلامُ مشَِّقًا
على نحوٍ واحدٍ .
وأما قولُه عزَّ وجلَّ: ﴿ وَيُزِلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ لَيْطَهِّرَّكُمْ بِهِ﴾، فإن
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، س: ((يغشاكم)). وهى قراءة نافع. ينظر السبعة ص ٣٠٤، والكشف ٤٨٩/١، ٤٩٠.
(٢) هى قراءة عاصم وابن عامر وحمزة والكسائى. ينظر المصدرين السابقين.
(٣) هى قراءة ابن كثير وأبى عمرو. ينظر المصدرين السابقين.
(٤) القراءات كلها صواب ومقروء بها .

٦٢
سورة الأنفال : الآية ١١
ذلك مطرٌ أنزله اللَّهُ من السماءِ يومَ بدرٍ؛ ليُطهِّرَ به المؤمنين ( لصلاتهم؛ لأنهم كانوا
أصبحوا يومَئذٍ مُجْنِبين على غيرِ ماءٍ؛ فلما أَنزَل اللَّهُ عليهم الماءَ، اغتسلوا وتطهَّرُوا،
وكان الشيطانُ "قد وسوس إليهم بما حزنهم به، من إصْباحِهم مُجنبين على غيرِ
ماءٍ، فأذْهب اللَّهُ ذلك من قلوبِهم(٢) بالمطرِ، فذلكَ ربْطُه على قلوبِهم وتقويتُه
أسبابَهم وتَتْبِيتُه بذلك المطرِ أقدامَهم؛ لأنهم كانوا التَّقَوْا مع عدوّهم على رَمْلةٍ
ميثاءً (٥)، فلَّدَها المطرُ" حتى صارت الأقدامُ عليها ثابتةٌ لا تسوخُ فيها؛ توطئةً من اللّهِ
عزَّ وجلَّ لنبيِّه عليه الصلاةُ والسلامُ وأوليائِه - أسبابَ التمكّنِ من عدوّهم والظفَرِ
بهم .
وبمثلِ الذى قلنا، تتابعت الأخبارُ عن "رسولِ اللَّهِ عَّهِ وغيرِه") من أهلٍ
العلم .
ذكرُ الأخبارِ الواردةِ بذلك
حدَّثنا هارونُ بنُ إسحاقَ ، قال : ثنا مُصعبُ بنُ المِقِدامِ ، قال : ثنا إسرائيلُ،
قال : ثنا أبو إسحاقَ، عن حارثةَ، عن علىِّ رضِى اللَّهُ عنه، قال: أصابَنا من الليلِ
طش٢ٌِّ من المطرِ، يعنى الليلةَ التى كانت فى صبيحتِها وقعةُ بدرٍ، فانطلَقنا تحتَ
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((المؤمنون)).
(٢ - ٢) فى م: ((وسوس لهم)).
(٣) بعده فى ت ١، س، ف: (( وتقويته ذلك من قلوبهم)).
(٤ - ٤) سقط من: ت ١، س، ف.
(٥) فى م: ((هشاء))، وفى ت ٢: ((تثبتا)). وأرض ميثاء: لينة سهلة. الوسيط (م ی ث).
(٦ - ٦) كذا فى النسخ ولعل صواب العبارة ((أصحاب رسول الله مع ﴾ وغيرهم)).
(٧) الطش: المطر الضعيف وهو فوق الرذاذ . القاموس المحيط (ط ش ش).

٦٣
سورة الأنفال : الآية ١١
الشجَرِ [٨٩٠/١و] والحجَفِ(٢)، نَشتظلُّ تحتَها من المطرِ، وباتَ رسولُ اللّهِ عَه
/ يدعو ربَّه: ((اللَّهُمَّ إِنْ تهلِكْ هذه العِصابَةُ لا تُعْبَدْ فى الأرضِ)). فلمَّا أن طلع الفجرُ ١٩٥/٩
نادى: ((الصَّلاةَ عِبادَ اللَّهِ)). فجاء الناسُ من تحتِ الشجرِ والحجَفِ، فصلَّى بنا
رسولُ اللَّهِ عَه، وحرَّض على القتالِ(٢).
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال : ثنا حفصُ بنُ غياثٍ وأبو خالدٍ، عن داودَ، عن
سعيدِ بنِ المسيبِ: ﴿مَ لِطَهِّرَّكُمْ بِهِ﴾. قال: طشٌٍّ يومَ بدٍ(6) .
حدَّثنى الحسنُ بنُ يزيدَ، قال: ثنا حفصٌ، عن داودَ، عن سعيدٍ ، بنحوِه (١).
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال : ثنا محمدُ بنُ أبى عدىٍّ وعبدُ الأعلى ، عن داودَ ، عن
الشعبىِّ وسعيدِ بنِ المسيّبِ، قالا: طشٌٍّ يومَ بدرٍ (٥) .
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا ابنُ أبى عدىٍّ، عن داودَ، عن الشعبىِّ وسعيدِ بنِ
المسيّبِ فى هذه الآيةِ: ﴿وَيَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِّنَ السَّمَاءِ مَآءَ لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ، وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ
رِجْزَ الشَّيْطَانِ﴾. قالا: طَشِّ كان يومَ بدرٍ، فثبَت اللَّهُ به الأقدامَ(٥) .
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: (إِذ
يغشاكم النعاسُ أمنةً منه) الآية ، ذُكِر لنا أنهم مُطِرُوا يومَئذٍ حتى سالَ الوادى ماءٌ،
(١) فى ص، ف: ((الشجرة)).
(٢) الحجفة : الترس . النهاية (ح ج ف).
(٣) أخرجه ابن أبى شيبة ٣٦٢/١٤، وأحمد ٢٥٩/٢ (٩٤٨)، وأبو داود (٢٦٦٥)، والبزار (٧١٩)،
والبيهقى ٢٧٦/٣، ٣٣١/٩ من طريق إسرائيل به مطولا .
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٦٥/٥ من طريق حفص به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٧١/٣
إلى ابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.
(٥) أخرجه ابن أبى شيبة ٣٥٩/١٤ عن ابن أبى عدى به .

٦٤
سورة الأنفال : الآيتان ١١، ١٢
واقتتلوا على كَثيبٍ أَعْفَرَ، فلتَده اللَّهُ بالماءِ، وشرِبَ المسلمون وتوضَّئوا وسقَوْا،
وأذهبَ اللَّهُ عنهم وَسْواسَ الشيطانِ(١) .
حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ ، قال : ثنى معاويةُ ، عن علىّ ، عن ابنِ عباسٍ،
قال: نزل النبىُ عَ لَه، يعنى حينَ سارَ إلى بدرٍ، والمسلمون بينهم وبين الماءِ رملةٌ
دْصَةٌ(٢)، فأصابَ المسلمين(٣) ضعفٌ شديدٌ، وألقى الشيطانُ فى قلوبِهِمُ الغيظَ،
فوسوَس بينهم: تزعمون أنكم أولياءُ اللَّهِ وفيكمْ رسولُه، وقد غلبكم المشركون على
الماءِ وأنتم تُصلُّون مُجْنِبينَ! فأمطَر اللَّهُ عليهم مطرًا شديدًا، فشرِب المسلمون
وتطهَّروا، وأذهَب اللَّهُ عنهم رِجْزَ الشيطانِ، وثَبَتَ الرملُ حين أصابه المطرُ، ومشى
الناسُ عليه والدوابُ، فسارُوا إلى القومِ، وأمدَّ اللَّهُ نبيَّه عَ لَه بألفٍ من الملائكة، فكان
جبريلُ عليه السلامُ فى خمسِمائةٍ من الملائكةِ مُجنّةٌ، وميكائيلُ فى خمسِمائةٍ
٢ =(٤)
مجنّةً (٤).
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى ، قال : ثنى عمى ، قال : ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه : (إذ يغشاكم النعاسُ أمنةً منه) إلى قوله: ﴿ وَيُثَبِتَ بِهِ
اُلْأَقْدَامَ﴾. وذلك أن المشركين من قريشٍ لما خرَجوا لينصُروا العِيرَ ويقاتلوا عنها،
نزَلوا على الماءِ يومَ بدرٍ ، فغلبوا المؤمنين عليه، فأصابَ المؤمنين الظمأُ ، فجعلوا يُصَلُّون
مُجنِبينَ مُحدِثينَ، حتى تعاظم ذلك فى صدورٍ أصحابٍ رسولِ اللَّهِ مَاهِ، فأنزل اللَّهُ
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٦٥/٥ من طريق سعيد بن بشير عن قتادة مطولًا بنحوه.
(٢) فى اللسان (د ع ص) الدعصاء: أرض سهلة فيها رملة تحمى عليها الشمس فتكون رمضاؤها أشدّ من
غيرها .
(٣) فى ص، ت ١، س: ((المسلمون)).
(٤) مجنبة الجيش: هى التى تكون فى الميمينة والميسرة، وهما مجنبتان. النهاية ٣٠٣/١. والأثر ذكره ابن
کثیر فی تفسيره ٣/ ٥٦٣.

٦٥
سورة الأنفال : الآية ١١
من السماءِ ماءً حتى سال الوادِى، فشرِب المسلمون وملئُوا الأُسْقِيةَ، وسقَوا الرِّكابَ
واغتسلوا من الجنابةِ ، فجعَل اللَّهُ فى ذلك طُهورًا، وثبَتَ الأقدامَ ، وذلك أنه كانت
بينهم وبينَ القومِ رملةٌ فبعَث اللَّهُ عليها المطرَ، فضربَها حتى اشْتدتْ ، وثبتَتْ عليها
(١)
الأقدامُ(١).
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
الشُّدِّىِّ، قال: بينا / رسولُ اللَّهِ مَّه والمسلمون، فسبقهم المشركون إلى ماءِ بدرٍ ، ١٩٦/٩
فنزَلُوا عليه ، وانصرف أبو سفيانَ وأصحابُه تلقاءَ البحرِ، فانطلقُوا . قال : فنزلُوا على
أُعلَى الوادِى، ونزَل محمدٌ عَّ له فى أسفلِه، فكان الرجلُ من أصحابٍ محمدٍ عليه
الصلاةُ والسلامُ يُجنِبُ فلا يقدرُ على الماءِ، فيصلَّى جُنُبًا، فألقى الشيطانُ فى
قلوبهم ، فقال: كيف ترجون أن تظْهَروا عليهم، وأحدُ كم يقومُ إلى الصلاةِ جُنُبًا
على غيرِ وضوءٍ؟! قال: فأرسَل اللَّهُ عليهم المطرَ، فاغتسَلوا وتوضُوا وشرِبوا،
واشتدَّتْ لهم الأرضُ ، وكانت بطحاءَ تدخلُ فيها أرجلُهم، فاشْتدَّت لهم من المطرِ
واشْتدُّوا عليها(٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال : ثنا الحسينُ، قال : ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ نجريجٍ، قال :
قال ابنُ عباس: غَلَب المشركون المسلمين فى أوَّلِ أمرِهم على الماءِ فظمِئَ
المسلمون، وصلَّوا مُجْنِبين محدِثينَ، وكانت بينَهم رمالٌ، فألقى الشيطانُ فى
قلوبِ المسلمين(٧) الحزَنَ، فقال: تزعمون أن فيكم نبيًّا، وأنكم أولياءُ اللَّهِ ، وقد غُلِئْتُم
على الماءِ، وتصلُّون مُجنِبين محدِثين! قال: فأنزل اللَّهُ ماءً من السماءِ، فسال كلُّ وادٍ،
(١) أخرجه ابن مردويه - كما فى تخريج الكشاف للزيلعى ٢ / ١٦، ١٧ - وأبو نعيم فى الدلائل (٤٠٠)،
والبيهقى فى الدلائل ٧٨/٣، ٧٩ من طريق عبد الله بن صالح به نحوه.
(٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٣/ ٥٦٣.
(٣) فى م: ((المؤمنين)).
( تفسير الطبرى ٥/١١ )

٦٦
سورة الأنفال : الآية ١١
فشرِب المسلمون وتطهَّروا، وثبتتْ أقدامُهم ، وذهبتْ وسوسةُ الشيطانِ (١) .
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال : ثنا عيسى، عن ابنٍ
أبى نَجيح، عن مجاهدٍ فى قوله: ﴿مَآءٌ لِيطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾. قال: المطرُ أنزله عليهم
قبلَ النعاسِ، ﴿رِجْزَ الشَّيْطَنِ﴾. قال: وسوستَه، قال: فأطفَأ بالمطرِ الغبارَ،
والتّبدتْ به الأرضُ، وطابت به أنفُسُهم ، وثبتتْ به أقدامُهم(١) .
حدَّثنا المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال : ثنا شبلٌ، عن ابنٍ أبى نجيحٍ، عن
مجاهدٍ: ﴿مَآءَ لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾: أنزلَه عليهم قبلَ النُّعاسِ، طَبَّق بالمطرِ الغبارَ، ولَبَّدَ
به الأرضَ، وطابتْ به أَنفُسُهم، وثبَّت به أقدامَهم(١).
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةً، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن
مجاهدٍ : ﴿مَآءُ لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾. قال: القطْرُ، ﴿وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ
الشَّيْطَنِ﴾: وساوِسَه، أطفأُ بالمطرِ الغُبارَ، ولّد به الأرضَ، وطابتْ به
أَنفُسُهم، وثبتَتْ به أقدامُهم(٢) .
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنٍ أبى نَجيح، عن
مجاهدٍ، ﴿رِجْزَ الشَّيْطَنِ﴾: وسْوسَتَهُ(١).
حدَّثْنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿وَيُنْزِّلُ
عَلَيْكُمْ مِّنَ السَّمَاءِ مَآءَ لِطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾. قال: هذا يومَ بدرٍ أَنزَل عليهم القطرَ،
﴿ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَنِ﴾: الذى ألقَى فى قلوبِكم(" ليس لكم بهؤلاء
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٧١/٣ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.
(٢) تفسير مجاهد ص ٣٥٢، ومن طريقه أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٦٥/٥.
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٧١/٣ إلى ابن أبى شيبة وابن المنذر وأبى الشيخ. وينظر التخريج السابق.
(٤) فى ص، ف: ((قلوبهم)).

٦٧
سورة الأنفال : الآية ١١
طاقةٌ ، ﴿ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾.
حُدِّثتُ عن الحسينِ بنِ الفرج، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ : ثنا عبيدُ بنُ
سليمانَ ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ فى قوله: (إذ يغشاكم النعاسُ أمنةً منه) إلى
قولِه: ﴿ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾. أن المشركين نزلوا بالماءِ يومَ بدرٍ ، وغلَبوا المسلمين
عليه ، فأصابَ المسلمين الظمأُ، وصلَّوْا محدِثين مُْنِبين، فألقى الشيطانُ فى قلوبٍ
المؤمنين الحَزَنَ ، ووسْوَس فيها: إنكم تزعمون أنكم أولياءُ اللَّهِ، وأن محمدًا نبىُ اللّهِ
/وقد غُلِتُم على الماءِ، وأنتم تُصلُّون محدِثِين مجْنِبين. فأمطَر اللَّهُ السماءَ حتى سالَ
كلُّ وادٍ ، فشرِبَ المسلمون وملتُوا أسقِيتَهم، وسقَوْا دوابَّهم ، واغتسَلوا من الجنابةِ ،
وثُبَّت اللَّهُ به الأقدامَ ، وذلك أنهم كان بينهم وبينَ عدوّهم رملةٌ لا تجوزُها الدوابُّ،
ولا يمشى فيها الماشى إلا١) بجهدٍ ، فضربَها اللَّهُ بالمطرِ حتى اشتَدَّتْ وثبتتْ فيها
(٢)
١٩٧/٩
الأقدامُ(٢) .
حدَّثْنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنٍ إسحاقَ : (إِذ يغشاكم النعاسُ أمنةً
منه). أى أَنزَلتُ عليكم الأمنةَ حتى نِمْتُمْ لا تخافون، "ونزلتُ" عليكم من السماءِ
المطرّ؛ الذى أصابَهم تلك الليلةَ)، فحبِسَ المشركون أن (°يسبقُوا إلىْ) الماءِ، وخُلِّى
سبيلُ المؤمنين إليه، ﴿لَطَهِّرَّكُم بِهِ، وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَنِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى
قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾: ليُذهبَ عنهم شكّ الشيطانِ بتخويفِه إِيَّاهُم
(١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف .
(٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٣/ ٥٦٣.
(٣ - ٣) فى سيرة ابن هشام: ﴿وينزل عليكم من السماء ماء﴾ للمطر الذى أصابهم تلك الليلة .
(٤) فى م: ((نزل)).
(٥ - ٥) فى ت ٢، ف: ((يستقوا)).

٦٨
سورة الأنفال : الآية ١١
عدوَّهم، واستجلادِ الأرضِ لهم، حتى انتهَوْا إلى منزلهم الذى سبقوا إليه
(٣)
عدوّهم(٢).
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال : ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السدىِّ، قال : ثم ذكر ما ألقى الشيطانُ فى قلوبِهم من شأنِ الجنابةِ ، وقيامِهم
يُصلَّون بغيرِ وضوءٍ، فقال : (إذ يغشاكم النعاسُ أمنةٌ منه وينزلُ عليكم من السماءِ
ماءً ليطهرَ كم به ويذهبَ عنكم رجزَ الشيطانِ وليربطَ على قلوبِكم ويُثبّتَ به
الأقدامَ) حتى(٤) تشتدُّون على الرملِ، وهو كهيئةِ الأرضِ(٥).
حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ ، قال : ثنا ابنُ عليةً، قال : ثنا داودُ بنُ أبي هندٍ ،
قال: قال رجلٌ عندَ سعيدِ بنِ المسيَّبِ ، وقال مرَّةً: قرأ ﴿ وَيُنْزِّلُ عَلَيْكُمْ مِّنَ السَّمَآءِ
مَآءَ لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ(٦)﴾. فقال سعيدٌ: إنما هى (ويُنْزِلُ عليكُمْ مِن السّماءِ ماء ليُظْهِرَكم
بِهِ). قال: وقال الشعبيُ: كان ذلك طشًّا يومَ بدرٍ(١).
وقد زعم بعضُ أهلِ العلم بالغريبِ مِن أهلِ البصرةِ ، أَنَّ مجازَ قولِه: ﴿وَيُثَبِّتَ
بِهِ الْأَقْدَامَ﴾: ويُفْرِعْ عليهم الصبرَ وينزِّلَه عليهم، فيثبُتُون لعدوّهم(١) . وذلك قولٌ
(١) استجلاد الأرض: شدتها، واشتقاقها من الجَلَد، وهى الأرض الصُّلبة. ينظر تاج العروس (ج ل د).
(٢) فى م: (( سبق)).
(٣) سيرة ابن هشام ١/ ٦٦٧، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٦٦/٥ من طريق سلمة عن ابن إسحاق
عن محمد بن جعفر عن عروة بن الزبير قوله .
(٤) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((حين)).
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٦٧/٥ من طريق أحمد بن مفضل به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
١٧١/٣ إلى أبى الشيخ.
(٦) فى ص، م، ف: ((بها)).
(٧) كذا هى قراءة سعيد، وهى قراءة شاذة . ينظر مختصر شواذ القرآن لابن خالويه ص ٥٤.
(٨) أثر الشعبى تقدم ص ٦٣ حاشية (٥) .
(٩) ينظر مجاز القرآن ٢٤٢/١.

٦٩
سورة الأنفال : الآيتان ١٢،١١
خلافٌ لقولٍ جميع أهلِ التأويلِ مِن الصحابةِ والتابعين ، وحسْبُ قولٍ خطأً أن يكونَ
خلافًا لقولٍ مَن ذَكَرْنا. وقد بيَّنا أقوالَهم فيه ، وأن معناه: ويُثبّتُ أقدامَ المؤمنين
بتلبيدِ المطرِ الرملَ حتى لا تسوغَ فيه أقدامُهم وحوافِرُ دوابِّهم .
وأما قولُه: ﴿إِذْ يُوحِى رَبُّكَ إِلَى الْمَلَئِكَةِ أَنِّ مَعَكُمْ﴾: أنصرُكُم، ﴿فَشَبِتُواْ
الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾. يقولُ: قَؤُّوا عزمَهم، وصحّحُوا نيّاتِهم فى قتالِ عدوِّهم من
المشركين .
وقد قيلَ : إنَّ تثبيتَ الملائكةِ المؤمنين كان حضورَهم حربَهم معهم . وقيل :
كان ذلك معونتَهم إِيَّاهم بقتالِ أعدائهم . وقيل : كان ذلك بأن الملَكَ يأتى الرجلَ من
أصحابِ النبىِّ عَ لَه ويقولُ: سمِعتُ هؤلاء القومَ - يعنى المشركين - يقولون: واللَّهِ
لئن حمَلُوا عليْنا لتَنْكشِفنَّ. فيحدِّثُ المسلمون بعضُهم بعضًا بذلك، فتقوَى
أنفُسُهم. قالوا: وذلك كان وحىَ اللَّهِ إلى ملائكتِه.
وأما ابنُ إسحاقَ ، فإِنه قال بما حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ ، عن ابنِ
إسحاقَ: ﴿فَشَبِتُواْ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾. أى فآزِرُوا الذين آمنوا(١).
/ القولُ فى تأويل قوله: ﴿سَأُلِّقِى فِى قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ فَأَضْرِبُوا ١٩٨/٩
فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَأَضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ .
يقولُ تعالى ذكره : سأُرعِبُ قلوبَ الذين كفروا بى، أيها المؤمنون ، منكم،
وأملؤُها فَرَقًا حتى ينهزِموا عنكم ، ﴿ فَأَضْرِبُواْ فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾ .
واختلفَ أهلُ التأويلِ فى تأويلِ قولِه: ﴿فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾ ؛ فقال بعضُهم:
(١) سيرة ابن هشام ١/ ٦٦٧، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٦٧/٥ من طريق سلمة عن محمد بن
إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة بن الزبير قوله .

٧٠
سورة الأنفال : الآية ١٢
معناه : فاضرِبوا الأعناقَ .
ذِكُر من قال ذلك
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال : ثنا ابنُ إدريسَ، عن أبيه، عن عطيةً: ﴿ فَأَضْرِبُواْ فَوْقَ
اُلْأَعْنَاقِ﴾. قال: اضربوا الأعناقَ(١).
قال: ثنا أبى، عن المسعودِىِّ، عن القاسم، قال: قال رسولُ اللَّهِ مَ اعِ: ((إِنّى
لم أُتْعَثْ لأُعذّبَ بعذابِ اللَّهِ، إَّمَا بُعِثْتُ لِضرْبِ الأَعْناقِ، وشدِّ الوَثَاقِ))(٢).
حُدِّثتُ عن الحسينِ بنِ الفرج، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ ، قال: ثنا عُبيدُ بنُ
سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ فى قوله: ﴿ فَأَضْرِبُواْ فَوْقَ الْأَعْنَاقِ ﴾.
يقولُ : اضربوا الرقابَ(٣) .
واحتجَّ قائلو هذه المقالةِ بأن العربَ تقولُ : رأيتُ نفْسَ فلانٍ. بمعنى رأيتُه،
قالوا: فكذلك(٤) قوله: ﴿ فَأَضْرِبُواْ فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾. إنما معناه: فاضربوا الأعناقَ .
وقال آخرون: بل معنى ذلك : فاضرِبوا الرغُوسَ .
ذِكرُ من قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال : ثنا يحيى بنُ واضح، قال: وحدثنا الحسينُ، عن يزيدَ،
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٧٢/٣ إلى ابن المنذر.
(٢) أخرجه ابن أبى شيبة ٣٩٠/١٢ من طريق وكيع به. واخواتعيف الإسناد
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٦٨/٥ من طريق أبى معاذ به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٧٢/٣
إلى أبى الشيخ .
(٤) فى ص، ت ١، س، فى: ((فذلك)).
١
(٥) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((قيل)).

٧١
سورة الأنفال : الآية ١٢
عن عكرمةَ: ﴿ فَضْرِبُواْ فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾. قال: الرءوسَ(١).
واعتلَّ قائلو هذه المقالةِ بأن الذى فوقَ الأعناقِ الرءوسُ. قالوا: وغيرُ جائزٍ أن
تقولَ: فوقَ الأعناقِ ). فيكونَ معناه: الأعناقَ. قالوا: ولو جازَ ذلك كان أن يُقالَ:
تحتَ الأعناقِ. فيكونَ معناه: الأعناقَ. قالوا : وذلك خلافُ المعقولِ من الخطابِ ،
وقلبُ معانى الكلامِ .
وقال آخرون : معنى ذلك: فاضرِبوا على الأعناقِ. وقالوا: ((على)) و((فوقَ))
معناهما مُتقارِبان، فجاز أن يُوضَعَ أحدُهُما مكانَ الآخرِ .
والصوابُ من القولِ فى ذلك أن يُقالَ: إن اللَّهَ أمَر المؤمنينَ مُعلِّمَهم كيفيةً قتلٍ
المشركين وضربِهم بالسيفِ ، أن يضرِبوا فوقَ الأعناقِ منهم والأيدِىَ والأرجلَ .
وقولُه: ﴿فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾. مُحتملٌ أن يكونَ مرادًا به الرءوسُ، ومحتملٌ أن يكونَ
مرادًا به [٨٩١/١و]: مِنْ فوقٍ جلدةِ الأعناقِ، فيكونَ معناه: على الأعناقِ ، وإذا
احتمل ذلك صحّ قولُ من قال: معناه: الأعناقُ. وإذا كان الأمر محتملًا ما ذكرنا
من التأويلِ، لم يكنْ لنا أن نوجّهَه إلى بعضٍ معانيه دونَ بعضٍ، إلا بحجةٍ يجبُ
التسليمُ لها ، ولا حجةَ تدلُّ على خصوصِه، فالواجبُ / أن يُقالَ: إن الله أمر بضربٍ ١٩٩/٩
رءوسٍ المشركين وأعناقِهم وأيديهم وأرجلهم، أصحابَ نبيّه ◌َطِّ الذين شهدوا معه
بدرًا .
وأما قولُه: ﴿ وَأَضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلّ بَنَانٍ﴾ . فإن معناه: واضربوا، أيها
المؤمنون ، من عدوّكم كلَّ طَرَفٍ ومَفْصِلٍ من أطرافِ أيديهم وأرجلهم .
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٦٨/٥ من طريق الحسين به .
(٢ - ٢) سقط من: ت ١، ت ٢، س، ف .
(٣) لیس فی : م، ت ١، ت ٢.

٧٢
سورة الأنفال : الآية ١٢
والبنانُ : جمعُ بنَانَةٍ ، وهى أطرافُ أصابع اليدَيْن والرجلين، ومن ذلك قولُ
الشاعرِ(١) :
(١)
ولاقیْتُهُ فی البَيْتِ یقظانَ حاذِرا
ألا ليْتَنِى قطّعْتُ منِّى(٢) بنانةٌ
يعنى بالبنانةِ : واحدةَ البنانِ .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو السائبِ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، عن أبيه، عن عطيةً: ﴿وَأَضْرِبُواْ
مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ ﴾. قال: كلَّ مَفْصِلٍ(٣).
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، عن أبيه، عن عطيةَ: ﴿وَأَضْرِبُواْ مِنْهُمْ
كُلَّ بَنَانٍ﴾. قال : المفاصِلَ(٣) .
قال: ثنا المحاربىُّ، عن جوبيرٍ، عن الضحاكِ: ﴿وَأَضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ
بَانٍ﴾. قال: كلَّ مَفْصلٍ(٤) .
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال : ثنا يحيى بنُ واضح، قال : ثنا الحسنُ، عن یزیدَ ، عن
عكرمةَ: ﴿ وَأَضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلّ بَنَانٍ﴾. قال: الأطرافَ. ويقالُ: كلَّ
(٤)
مفصِلٍ(٤).
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنى معاويةُ، عن علىٍّ ، عن ابنٍ
(١) هو عباس بن مرداس، والبيت فى مجاز القرآن ١/ ٢٤٢، واللسان (ب ن ن).
(٢) فى م: ((منه))، وينظر مجاز القرآن وتفسير ابن كثير ٣/ ٥٦٦.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٦٨/٥ من طريق ابن إدريس به .
(٤) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٦٨/٥ معلقًا ، وابن كثير فى تفسيره ٣/ ٥٦٦.

٧٣
سورة الأنفال : الآيتان ١٣،١٢
عباسٍ: ﴿وَأَضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾. يعنى بالبنانِ الأطرافَ(١) .
حدَّثنا القاسمُ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ تجريج قولَه :
وَأَضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلّ بَنَانٍ﴾. قال: الأطرافَ(٢).
حدِّثتُ عن الحسينِ بنِ الفرج، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ، قال: ثنا عُبيدُ بنُ
سليمانَ ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ فى قولِهِ: ﴿وَأَضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ .
يعنى الأطرافَ .
القولُ فى تأويل قولِه: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآَقُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهْ وَمَن يُشَافِقِ اَللَّهَ
١٣
وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ
/ يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ﴾ هذا الفعلُ مِن ضوْبِ هؤلاء ٢٠٠/٩
الكفرةِ فوقَ الأعناقِ ، وضربٍ كلِّ بنانٍ منهم ١١ - جزاءٌ لهم بشقاقِهم اللَّهَ ورسولَه،
وعقاب لهم عليه .
ومعنى قوله: ﴿ شَآَقُواْ اللَّهَ وَرَسُولَةٌ﴾: فارَقوا أمرَ اللَّهِ ورسولِه وعصوْهُما،
وأطاعوا أمرَ الشيطانِ .
ومعنى قوله: ﴿ وَمَن يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾: ومَن يخالفْ أمرَ اللَّهِ وأمرَ
رسولِه، وفارقَ طاعتَهما، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ له، وشدَّةُ عقابِه له فى
الدنيا : إحلالُهُ به ما كان يُحِلُّ بأعدائِه من النِّقم ، وفى الآخرةِ الخلودُ فى نارِ جهنمَ ،
وحذفَ (له) من الكلامِ لدلالةِ الكلامِ عليها .
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٦٨/٥ من طريق أبى صالح به .
(٢) ذكره البغوى فى تفسيره ٣/ ٣٣٥.
(٣) بعده فى ص، ت ١، س، ف: ((بأنهم)).

٧٤
سورة الأنفال : الآيات ١٤ - ١٦
القولُ فى تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَفِرِينَ عَذَابَ
النَّارِ
١٤
يقولُ تعالى ذِكرُه : هذا العقابُ الذى عَجَّلْتُه لكم أيها الكافرون ، المشاقُون للَّهِ
ورسوله فی الدنیا ، من الضرب فوق الأعناقِ منکم ، وضربٍ کلِّ بنان بأیدی أولیائی
المؤمنين، فذوقوه عاجلًا، واعلموا أن لكم فى الآجلِ والمعادِ عذابَ النارِ. ولفتحٍ
((أنّ)) من قوله: ﴿وَأَنَّ لِلْكَفِينَ﴾ من الإعرابِ وجهان: أحدُهما الرفعُ،
والآخر النصب .
فأما الرفع فيمعنى : ذلكم فذُوقوه ذلگم وأن للكافرين عذاب النار ، بنيَّةِ تکریرِ
((ذلكُم))، كأنه قيل: ذلكُم الأمرُ وهذا.
وأما النصبُ فمن وجهَيْن: أحدُهما: ذلكم فذوقوه واعلموا - أو وأيقنوا - أن
للكافرين. فيكونُ نصبُه بنيةٍ فعل مضمرٍ، قال الشاعرُ():
ورأيتِ زوْجَكِ فى الوغى مُتقَلِّدًا سَيفًا وَرُمْحا
بمعنى : وحاملًا رُمْحًا.
والآخرُ بمعنى: ذلكم فذوقوه، وبأن للكافرين عذابَ النارِ. ثم حُذفتِ الباءُ
فنُصِبتْ .
القولُ فى تأويل قولِه: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِذَا لَقِيتُهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفًا فَلَا
تُوَلُّوهُمُ الْأَزْبَارَ ﴿ وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَيِذٍ دُبُّرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِّقِنَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى
فِئَةٍ فَقَدْ بَآءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَنَهُ جَهَنَّمٌ وَبِئْسَ اْصِيرُ
١٦
(١) سبق تخريجه فى ١٤٠/١، ٢٧١، ٤١٨/٥، ٥١٧/٨.

٧٥
سورة الأنفال : الآيتان ١٦،١٥
يعنى تعالى ذكرُه: يا أيها الذين صدَّقوا اللَّهَ ورسولَه ﴿إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ
كَفَرُواْ﴾ فى القتال، ﴿ زَحْفًا﴾. يقولُ: متزاحفًا بعضُكم إلى بعضٍ، والتزاحُفُ:
التدانِى والتقاربُ، ﴿ فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَذْبَارَ﴾. يقولُ: فلا تولُّوهم ظهورَكُم
فتنهزمُوا عنهم، ولكن اثْئتوا لهم، فإنّ اللَّهَ معكم عليهم، ﴿وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَیِدٍ
دُبُرَهُ﴾. / يقولُ: ومن يولُّهم منكم ظهرَه، ﴿ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِّقِنَالٍ﴾. يقولُ: إلا ٢٠١/٩
مُشْتطرِدًا لقتالِ عدوّه بطلبٍ عَوْرةٍ له يمكنُه إصابتُها، فيكُرُّ عليه، ﴿ أَوْ مُتَحَيِّزًا
إِلَى فِتَقِ﴾. أو إلَّا أن يولِّهم ظهرَه، ﴿ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾. يقولُ: صائرًا إلى
حيزِ المؤمنين الذين يفيئون (١) به معهم إليهم لقتالِهم ، ويَرْجِعون به إليهم معهم .
وينحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكر من قال ذلك
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا أبو خالدِ الأحمرُ، عن جُوَييٍ، عن الضخَّاكِ :
﴿إِلَّا مُتَحَرِّقًا لِقِنَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَتِ﴾. قال: المتحرِّفُ: المتقدِّمُ من
أصحابِه؛ ليرى عورةٌ (١) من العدوّ فيُصيبَها. قال: والمتحيّزُ: الفارُ إلى النبيِّ عَ لَّه
وأصحابِهِ ، وكذلك من فرّ اليومَ إلى أميرِهِ وأصحابِه . قال الضَّّاكُ: وإنما هذا وعيدٌ
من اللَّهِ لأصحابٍ محمدٍ عَّهِ، أَلَّا يفِرُّوا، وإنما كان النبى عليه الصلاةُ والسلامُ
(٤)
وأصحابُهُ " فئتَهم
(١) فى ف: ((يعنون).
(٢) فى ف: ((غرة)).
(٣) سقط من : م، ت ٢.
(٤) أخرجه ابن أبى شيبة ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥/ ١٦٧٠، ١٦٧١ من طريق أبى خالد الأحمر
به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٧٣/٣ إلى ابن المنذر.

٧٦
سورة الأنفال : الآيتان ١٦،١٥
حدَّثنى محمدُ بنُّ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن
الشُّدىِّ: ﴿ وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَيِذٍ دُبُرَهُ، إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِّقِنَالٍ أَوْ مُتَحَيِزًا إِلَى فِئَةِ﴾:
أمَّا المتحرّفُ، يقولُ: الاستطرادُ(١)، يريدُ العورةَ(٢)، ﴿أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةِ﴾.
قال: المتحيِّرُ إلى الإمام [٨٧١/١ظ] وجندِه " إن هو كرَّ فلم يكنْ له بهم طاقةٌ، ولا يُعْذَرُ
الناسُ وإِن كثُروا أن يولُوا عن الإمامِ(٤).
واختلف أهلُ العلمِ فى حكم قولِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ: ﴿ وَمَن يُوَلِهِمْ يَوْمَيِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا
مُتَحَرِّفًا لِقِنَالٍ أَوْ مُتَحَيِزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَآءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَنُهُ
جَهَنَّمٌ ﴾، هل هو خاصٌّ فى أهلِ بدرٍ ، أم هو فى المؤمنين جميعًا؟ فقال قومٌ: هو
لأهلِ بدرٍ خاصَّةٌ؛ لأنه لم يكنْ لهم أن يتركوا رسولَ اللَّهِ مَ ◌ّلِ مع عدوّه وينهزموا
عنه، فأمَّا اليومَ فلهم الانهزامُ؟
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُّ المثنى، قال : ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن أبى نَضْرةَ
فى قولِ اللَّهِ عزَّ وجلّ: ﴿وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَيِذٍ دُبُرَهُ﴾. قال: ذاك يوم بدرٍ ، لم یکنْ
لهم أن ينحازوا، ولو انحاز أحدٌ لم ينحز إلّا إلى. قال أبو موسى: يعنى إلى
المشركين(١).
(١) فى ت ١، ت ٢، س، ف: ((إلا منتظرا))، وفى م: ((إلا مستطردا)). فى كلُّ مصحفة، وما أثبتناه موافق
لما سبق ومصدر التخريج .
(٢) فى م: ((العودة)).
(٣) فى ت ١، ت ٢، س، ف: (( حیده)) .
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٧٠/٥ من طريق أسباط به مختصرا بنحوه .
(٥ - ٥) فى م: ((فاليوم أفلهم)) .
(٦) أخرجه ابن أبى شيبة ٣٨٠/١٤ عن عبد الأعلى به .

٧٧
سورة الأنفال : الآيتان ١٥، ١٦
حدَّثنا إسحاقُ بنُ شاهينٍ، قال: ثنا خالدٌ، عن داودَ، عن أبى نَضْرةَ، عن
أبى سعيدٍ قولَه عزَّ وجلّ: ﴿ وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَيِذٍ دُبُرَهُ﴾. ثم ذكَر نحوَه، إلَّا أنه
قال: ولو انحازوا انحازوا إلى المشركين، ولم يكنْ يومَئذ مسلمٌ فى الأرضِ
(١)
غيرهم(١).
حدَّثنا حُميدُ بنُ مَشْعدةَ، قال: ثنا بشرُ بنُ مفضَّلٍ، قال: ثنا داودُ، عن
أبى نَضْرةَ، عن أبى سعيدٍ، قال: نزَلت فى يومٍ بدرٍ: ﴿ وَمَن يُوَلِهِمْ يَوْمَيِذٍ
دُبُرَهُ﴾(٢).
حدَّثنا ابنُ المثنى وعلىُّ بنُ مسلم الطَّوسىُّ ، قال ابنُ المثنى : ثنى عبدُ الصمدِ ،
وقال علىّ: ثنا عبدُ الصمدِ ، قال: ثنا شعبةُ، عن داودَ - يعنى (١) ابن أبى هندٍ - عن
أبى نضرةَ، عن أبى سعيدٍ: ﴿ وَمَن / يُوَلِّهِمْ يَوْمَيِذٍ دُبُرَهُ﴾. قال: يومَ بدرٍ. قال ٢٠٢/٩
أبو موسى : حُدِّثت أن فى كتابٍ غُنْدَرٍ هذا الحديثَ ، عن داودَ ، عن الشعبىِّ، عن
(٤)
أبی سعیدٍ (٤) .
حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ الطَّوسيُّ، قال: ثنا علىُّ بنُ عاصم، عن داودَ بنِ
أبى هندٍ، عن أبى نضرةَ، عن أبى سعيد الخدرىِّ، قال: إنما كان ذلك يومَ بدرٍ،
ولم يكنْ للمسلمين فئةٌ إلَّا رسولُ اللَّهِ ◌ِمٍ ، فأما بعدَ ذلك، فإن المسلمين بعضُهم
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٧٠/٥ من طريق داود به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٧٣/٥ إلى
عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ وابن مردويه .
(٢) أخرجه النسائى فى الكبرى (١١٢٠٤) عن حميد بن مسعدة به، وأخرجه أبو داود (٢٦٤٨) من طريق
بشر به .
(٣) فى ف: ((عن )) .
(٤) أخرجه النسائى فى الكبرى (١١٢٠٣) - وعنه النحاس فى ناسخه ص ٤٦٠ - والحاكم ٣٢٧/٢ من
طريق شعبة به . وأخرجه ابن الجوزى فى النواسخ ص٣٤٥ من طريق غندر به .

٧٨
سورة الأنفال : الآيتان ١٥، ١٦
(١)
فئةٌ لبعضٍ(١).
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثناعبدُ الأعلى عن داودَ، عن أبى نضرةً: ﴿ وَمَن يُوَلِّهِمْ
يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾. قال: هذه نزلَت فى أهلٍ بدرٍ(٢) .
حدَّثنى يعقوبُ ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن ابنِ عونٍ ، قال : كتبتُ إلى نافع أسألُه
عن قوله: ﴿ وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾: أكان ذلك اليومَ أم هو بعدُ؟ قال: وكتبَ
إلىَّ: إنما كان ذلك يومَ بدٍ .
حدَّثنا علىٌّ بنُ سهلٍ، قال: ثنازيدٌ، عن سفيانَ، عن جويبرٍ، عن الضحَّاكِ ،
قال: إنما كان الفِرارُ يومَ بدرٍ(٤)، لم يكن لهم ملجأٌ يلجئون إليه، فأما اليومَ فليس
(٥)
فِرارٌ).
حذَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن الربيعِ، عن الحسنِ: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَعِدٍ
﴾ . قال: كانت هذه يومَ بدرٍ خاصَّةٌ، ليس الفرارُ من الزحفِ من الكبائرِ(١).
دَبَرَة ◌َ
قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن رجلٍ، عن الضَّاكِ: ﴿ وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَیِدٍ
دُبُرَهُ﴾. قال: كانت هذه يومَ بدرٍ خاصّةً(١).
(١) ذكره البغوى فى تفسيره ٣٣٧/٣ عن أبى سعيد.
(٢) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٧٠/٥ معلقا .
(٣) أخرجه ابن المبارك فى الجهاد (٢٣١) عن ابن عون به .
(٤) بعده فى م: (( و).
(٥) أخرجه عبد الرزاق فى المصنف (٩٥٢١) عن الثورى به نحوه .
(٦) أخرجه ابن أبى شيبة ٣٨٦/١٤، والنحاس فى ناسخه ص ٤٦٠ من طريق وكيع به، وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ١٧٣/٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.
(٧) أخرجه ابن أبى شيبة ٣٨٦/١٤ عن وكيع به .

٧٩
سورة الأنفال : الآيتان ١٥، ١٦
قال: ثنا رَوْحُ بنُ عُبادةَ، عن حبيبٍ بنِ الشهيدِ، عن الحسنِ: ﴿ وَمَنْ يُوَلِّهِمْ
يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾. قال: نزلت فى أهلِ بدرٍ(١).
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَمَن يُوَلِّهِمْ
يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾. قال: ذلكم يومُ بدرٍ (١) .
حدَّثنى المثنى ، قال: ثنا سويدٌ ، قال: أخبرنا ابنُ المباركِ، عن المباركِ بنِ فَضالةً ،
عن الحسنِ: ﴿وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾. قال: ذلك بومُ بدرٍ، فأما اليومَ فإنٍ
انحازَ إلى فئةٍ أو مِصرٍ، أحسَبُه قال: فلا بأسَ به (١) .
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا قبيصةُ بنُ عقبةَ ، قال : قال : ثنا سفيانُ ، عن ابنِ عونٍ ،
قال: كتبت إلى نافع: ﴿وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَيِذٍ دُبُرَهُ﴾. قال: إنما هذا يومُ بدٍ .
حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا سويدُ بنُّ نصرٍ ، قال: ثنا ابنُ المباركِ ، عن ابنٍ لَهِيعةً ،
قال: ثنى يزيدُ بنُ أبى حبيبٍ ، قال: أَوْجب اللَّهُ لمن فرَّ يومَ بدرِ النارَ. قال: ﴿وَمَنْ
يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ، إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِّقِثَالٍ أَوْ مُتَحَيِزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَآءَ بِغَضَبٍ
مِنَ اللَّهِ﴾. فلما كان يوم أحدٍ بعدَ ذلك قال: ﴿إِنَّمَا أُسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ
بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ ﴾ [ آل عمران: ١٥٥]. ثم كان حُنينٌ بعدَ ذلك
بسبعُ(٤) سنينَ، فقال: ﴿ثُمَّ وَلَيْتُمْ مُدْيِينَ﴾ - ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدٍ ذَلِكَ
عَلَى مَن يَشَاءُ﴾(٥) .
[ التوبة: ٢٥ - ٢٧].
(١) أخرجه ابن الجوزى فى النواسخ ص ٣٤٥ من طريق روح بن عبادة به .
(٢) أخرجه عبد الرزاق فى المصنف (٩٥٢٠) عن معمر به، بلفظ أطول من هذا. وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ١٧٣/٣ إلى عبد بن حميد.
(٣) أخرجه ابن المبارك فى كتاب الجهاد (٢٣٢)، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٧١/٥ من طريق
المبارك بن فضالة به .
(٤) فى ف: ((بتسع)).
(٥) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٧٠/٥ معلقًا، وعزاه السيوطى فى الدر ١٧٣/٣ إلى ابن المنذر.

٨٠
سورة الأنفال : الآيتان ١٥، ١٦
حدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليةَ، قال: ثنا ابنُ عونٍ، عن محمدٍ ، أن
عمر٢١َ رضى اللَّهُ عنه بلَغه قتلُ أبى عُبيدٍ، فقال: لو انحاز إلىَّ إن كنتُ له
(٢)
لفئةً) .
٢٠٣/٩
/حدَّثنى المثنى، قال: ثنا سُويدٌ، قال: ثنا ابنُ المباركِ، عن جريرِ بنِ (١) حازمٍ،
قال: ثنى قيسُ بنُ سعدٍ، قال: سألت عطاءَ بنَ أبى رباح عن قولِه: ﴿ وَمَنْ يُوَلِهِمْ
يَوْمَيِذٍ دُبُرَهُ﴾. قال: هذه منسوخةٌ بالآيةِ التى فى الأنفالِ: ﴿الْكَنَ خَفَّفَ اَللَّهُ
عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيَكُمْ ضَعْفًا فَإِن يَكُنْ مِّنكُم مِّْتَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِأ ◌َنَيْنٍ
[ الأنفال: ٦٦]. قال: وليس لقومٍ أن يفرُّوا من مِثْلَيهم). قال: "ونسِخَت تلك إِلا
٥.(٧)
هذه العِدّةَ
.
حدَّثنى المثنى ، قال: ثنا سويدٌ ، قال: أخبرنا ابنُ المباركِ، عن سليمانَ التَّيْميِّ،
عن أبى عثمانَ، قال: لما قُتِل أبو عُبيدٍ جاء الخبرُ إلى عمرَ، فقال: يا أيُّها الناسُ أنا
(١ - ١) فى ص: ((أبى عمر)). وفى ف: ((أبى عمرو)).
(٢ - ٢) فى م: ((لو تحيز إلى لكنت له فئة)).
والأثر أخرجه ابن المبارك فى الجهاد (٢٣٣)، وابن أبى شيبة ٥٣٦/١٢ من طريق ابن عون به،
وأخرجه ابن المبارك (٢٣٤)، وعبد الرزاق فى مصنفه (٩٥٢٢)، والبيهقى ٧٧/٩ من طرق عن
عمر .
(٣) بعده فى ف: ((أبى)).
(٤) فى النسخ: ((سعيد)). والمثبت من مصدر التخريج، وينظر تهذيب الكمال ٤٧/٢٤ - ٥٠.
(٥) فى ص، ت ١، ت ٢، س: ((مثلهم)) .
(٦ - ٦) فى الجهاد لابن المبارك: ((نسخت هذه الآية))، والمراد من قول المصنف: ونُسخت تلك - أى
﴿ ومن يولهم يومئذ دبره﴾ - إلا هذه العدة - أى ﴿ مائة يغلبوا مائتين﴾ - فلا يجوز لمسلم أن يفر من مثليه .
(٧) الجهاد لابن المبارك (٢٣٦). وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٧٤/٣ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ،
وقد روى عبد الرزاق فى المصنف (٩٥١٩) عن ابن جريج عن عطاء ما يفيد أنه أثبت معناها ولم يقل
بنسخها .